غزوة بني قينقاع من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

غزوة بني قينقاع من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

تكشف الوجه اليهودى في قينقاع

407- ذكرنا بإيجاز ما كان يقوم به اليهود، من إثارة للريب في قلوب المسلمين، وما كانوا يحاولون له أن يثيروا روح التردد والهزيمة في المجاهدين، وما ملأ قلوبهم من غيظ بعد غزوة بدر الكبري، وكيف علموا الوثنيين الحقد وسبقوهم إليه، وكيف أخرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المنافقين من المسجد، عند ما رآهم يهمزون ويلمزون، ذكرنا ذلك، ولكن طائفة منهم تكشف غيظها، ولم تحف أمرها، لأنها كانت تعيش في وسط المدينة المنورة مع المسلمين، ولم تكن في أطرافها، وأولئك هم بنو قينقاع.

ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا على أن يدعوهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، تاركا ما يعرف من أن قلوبهم تنضح بالحقد يبدو على ألسنتهم، فالداعى إلى الحق لا ينى عن الدعوة إليه، ولو كان من يدعوه يهوديا لا يؤمن بشىء، ولا يرضى إلا بالخبال للمؤمنين.

التقى بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسوق قينقاع فحدثهم حديث الجار لجاره الذى عاهده يدعوه إلى الرشد، قال عليه الصلاة والسلام لهم: «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبى مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله تعالى إليكم» فأجابوا هذا الحديث الرشيد الودود بكلام فيه جفوة وحدة قائلين:

يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، وإنا والله لئن حاربناك لتعلمن أننا الناس.

لقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الجواب المرعد المنذر بالإغضاء، فما كان يحارب المعتدى بالقول، ولكن كان يحارب الفعال.

وذكر ابن إسحاق أن الله تعالى قد أجاب عنه بقوله سبحانه وتعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (آل عمران- 13) .

وهذه الرؤية المضاعفة كانت حال اللقاء في الحرب، إذ كانوا يرون أنفسهم رأى أعينهم مثل المؤمنين، والله تعالى هو الذى يؤيد بنصره من يشاء قلة كانوا أو كثرة، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله..

ولكن بنى قينقاع لم يقفوا عند حد القول، فى بث روح التفرقة والشك في أنفسهم، بل انتقلوا من الإساءة بالقول إلى الإساءة بالفعل، وهم على كثب من المسلمين، وكانوا يجاهرون بنقض العهد وأنهم لا يحترمونه، ويتناولون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين بالذم، والأذى.

ولقد قال ابن إسحاق: إن امرأة من المسلمين قدمت تبيع في سوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ الماجن فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون، فكان الشر بينهم وبين بنى قينقاع.

عندئذ كان لا بد من الحرب دفاعا عن الفضيلة وعفة النفس، وقد نقضوا العهد بأقبح طريقة.

,

موقعة بنى قينقاع:

408- أخذ بنو قينقاع من قبل ما حدث مع المرأة، وما كان من تهديد يتطاولون على المسلمين بالسب والأذى، والتحامل، وعدم صون لسانهم عن المسلمين والإسلام، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصابرهم ويوفى بعهدهم، حتى كان منهم القتل.

حاصرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في ديارهم، وأقام على المدينة المنورة في أثناء محاصرته لهم التى دامت خمس عشر ليلة بشير بن عبد المنذر وهو أبو لبابة.

ولما اشتد الحصار عليهم واستطال، نزلوا على حكم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فأجلاهم، ولم يقتلهم، وقد كانوا حلفاء الخزرج الذين منهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي، كما كان منهم عبادة ابن الصامت، وقد ناصرهم ابن أبى، وتعرض للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال رأس النفاق: يا محمد أحسن في موالى. فأبطأ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا محمد أحسن في موالى. فأبطأ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا محمد أحسن في موالى. ومع تبجحه فى نداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من غير وصف الرسالة، إذ غلبه النفاق في النداء، فبدا في لحن قولهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (محمد- 30) مع هذا التبجح تجرأ فوضع يده في جيب درع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أرسلنى، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك أرسلنى، قال المنافق: «والله لا أرسلك حتى تحسن في موالى. أربعمائة حاسر «1» ، وثلاثمائة دارع «2» قد منعونى من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنى والله امرؤ أخشى الدوائر» وكأنه حسب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سيقتلهم، والنبى عليه الصلاة والسلام أراد إجلاءهم. ولم يرد قتلهم، فقال له: هم لك، أى أنه يجليهم، ولا يقتلهم، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دفع شرهم بأقل ضرر ينزله بهم.

هذا موقف رأس النفاق، أما موقف المؤمن عبادة بن الصامت، وهو حليفهم مثله، فإنه قال: «أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم» . ذانكم رجلان: مؤمن ومنافق.

__________

(1) الحاسر: الذى لا درع له.

(2) الدارع: لابس الدرع

يقول ابن إسحاق: إن في ابن أبى وعبادة نزل قول الله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ، حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ، وَهُمْ راكِعُونَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (المائدة- 51: 56) .

وإذا صح أن الآيات الكريمات نزلت لمناسبة موقف رئيس المنافقين، ورجل مؤمن من المؤمنين، فإن الآيات فيها وصف عام لمن يكون ولاؤهم لله ومن يكون ولاؤهم لغيره.

وإن أمر بنى قينقاع قد انتهى بإجلائهم، وطهرت المدينة المنورة من أرجاسهم، وما كان ذلك اعتداء من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل كان ذلك لرد اعتدائهم، ولنقضهم للعهد، ولأنهم صاروا جيران سوء، يحق إجلاؤهم ليسلم الناس من فسادهم.


تحميل : غزوة بني قينقاع من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: