معركة مؤتة من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

معركة مؤتة من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

غزوة مؤتة

571- كان الإسلام يسرى سريان النور، والشام لم يكن بعيدا عن البلاد العربية، بل كانت به قبائل من العرب، فالغساسنة منهم، وإذا كان الإسلام يسرى نوره فيعم الآفاق القربية فقد كان من عرب الشام من دخل فى الإسلام، أو كان من العرب من سافر إلى الشام.

وأولئك المسلمون، وإن كانوا عددا قليلا ضاقت بهم صدور النصارى حرجا، فقتل والى الشام من قبل الرومان من أسلم من عرب الشام، ولا بد أن يحمى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه أولئك الذين يفتنون عن دينهم لتمنع الفتنة عنهم، ويقول فى ذلك ابن تيمية فى رسالة القتال: إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما بعث إلى حرب الروم فى مؤتة إلا بعد أن قتل الوالى الرومانى من أسلم فى الشام.

هذه كانت بعض الأسباب فى سرية مؤتة وقد كان هناك سبب مباشر قوى، وهو أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدى بكتابه إلى الشام، ثم إلى ملك الروم فعرض له شرحبيل بن عمرو الغسانى، فأوثقه رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه، ولم يقتل من رسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غيره إلى ذلك الوقت، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، وكان لا بد أن يقف أمام هذا الغدر بقوة، ولو كانت مقابل قوة الرومان.

وذلك لأنهم فتنوا المؤمنين، بقتل بعضهم فكان ذلك إرهابا لمن يهم بالدخول فى الإسلام ولأنهم قتلوا رسول النبى الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم فى وقت قد صارت عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم القوة الفاصلة العليا فى البلاد العربية، فكان لا بد لذلك من أن يقاوم ذلك الغدر، لأن السكوت يكون ذلة لأهل الإيمان، وذلة للعرب أجمعين، وهم بصدد أن يقوموا بدعوة الحق وحماية الشعوب من طغاتها.

فى جمادى الأولى من السنة الثامنة بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثة إلى البلقاء من الشام، وكانت عدتها ثلاثة آلاف رجل، ولعلها أكبر الغزوات إلى الآن عددا.

وجعل الأمير على هذه البعثة زيد بن حارثة، فإن قتل زيد كان الأمير جعفر بن أبى طالب، فإن قتل جعفر كان الأمير عبد الله بن رواحة، فإن قتل، فليرتض المسلمون رجلا يكون أميرا عليهم، فلما فصلوا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الشام، ومضوا حتى أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل فى ماب من أرض البلقاء فى مائة ألف من الروم وانضم إليهم عدد من نصارى العرب، وبلغ عدد من انضم مائة ألف أخرى.

عندما رأى جيش الإسلام ذلك كان منه من راعه العدد والسلاح، وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا، لنمضى إليه، عندما سمع عبد الله بن رواحة ذلك الكلام المتردد. وقف وقال:

يا قوم، والله، إن التى تكرهون للتى خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد، ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هى إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة.

قال الناس بعد هذا الكلام المؤمن القوى: قد والله صدق ابن رواحة، وتقدم جيش الرومان، وإن كانوا يبلغون مائتى ألف، وتقدم جيش الإسلام وهو يؤمن بقوله تعالي: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ تقدم المؤمنون فى غير وجل من كثرة عدد العدو، وقلتهم.

تقدم الصفوف زيد بن حارثة، وهو يحمل راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان على ميمنة الجيش رجل من بنى عذرة اسمه قطبة بن قتادة، وعلى الميسرة رجل من الأنصار اسمه عباية بن مالك وانتحى المسلمون قرية من قرى البلقاء، فالتقوا بالرومان عندها.

وإذ كان المؤمنون قد أخذتهم ابتداء رهبة العدد والسلاح، فقد أخذت الرومان رهبة الإيمان، وإذا كان قد استطاع المؤمنون أن يتغلبوا على ما أصاب نفوسهم من فزع العدد، فإن المائتى ألف لم يستطيعوا أن يتغلبوا على فزعهم من أنهم يلقون قوما مؤمنين أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم.

قد التقى الفريقان، الفريق المؤمن، وهو يهاجم دفاعا عن أهل الإيمان الذين قتلهم والى الرومان، ودفاعا عن كرامة الإسلام التى أهينت بقتل رسول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وكرامة العرب وهم مزودون بمعان دافعة، وكان جيش الرومان الكثيف فى عدده وعدته، لا غاية له إلا أن يرد هؤلاء المزودين بالقوة المعنوية، وبنصرهم السابق، ولذلك كان اتجاههم إلى قتل حملة الراية التى هى رمز التقدم إن تقدم حاملها، إذ كلما تقدم زاد الهجوم قوة واحتداما وهم خائفون من هذا الهجوم، وإن النبى صلى الله

تعالى عليه وسلم ألهم، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم 3- 5) ، ألهم، أن حملة الراية سيكونون المقصودين، فرتب الولاية بينهم فجعلها لزيد بن حارثة لقوة إيمانه، وليعلم أنه لا شرف إلا بالإيمان والعمل الصالح، ثم تكون لجعفر بن أبى طالب الذى هاجر مرتين، لكى يعلم الناس أنه لا يضن بأهله عن مواطن الردى، ثم لعبد الله بن رواحة ولم يجعلها من بعده لأحد، ولم يكن خالد من بين الأمراء الذين ذكرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم واصطفاهم لأنه كان قريب عهد بالإسلام.

كان هم جيش الروم أن يرد المهاجمين، ولذلك اتجه إلى القواد، وجعلهم غايته، فقتلهم واحدا بعد واحد، وكان هم جيش المؤمنين أن ينتصفوا لإخوانهم الذين فتنوا فى دينهم فقتلوا من الرومان مقتلة عظيمة، حتى قال خالد بن الوليد إنه أبدل فى يده ستة سيوف، ولم يبق إلا صفحة يمينة، فسل نفسك لم كان يخشى السيف فى يد خالد من هؤلاء، الذين سارت فيهم قوة الإيمان، كما تسير السكين فى قطعة الزبد.

وأولئك القواد العظام الذين عينهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ما كان ليقتل إلا بعد أن عبروا، ولا يلقى الراية من يده إلا بعد رقاب عدد من الكافرين من النصارى واليهود فزيد حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحامل رايته قتل عددا حتى قتل.

وجعفر بن أبى طالب حامى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قاتل حتى أحس بأن فرسه لا تسعفه، فنزل عنها، وأخذ يقاتل راجلا، وراية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحملها على يمينه، فلما قطعوها حملها على شماله، فلما قطعوها حملها بين يديه، حتى قتل، فكان فى الجنة الطيار ذلجناحين.

وهكذا كان عبد الله بن رواحة كصاحبيه أقدم عليها من غير تردد، فكان كالصاعقة على الكافرين، حتى استشهد، وهو حامل الراية.

ولا يصح أن تسقط راية المؤمنين، وانتهى أمرها إلى ثابت بن أقوم بن العجلان، ولكنه أحس بأنه دونها، فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت! قال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا على خالد بن الوليد، فلما حملها أخذ يقاتل، وسيفه البتار يقطع الرقاب.

ولكنه وهو القائد المدرك علم أنه وإن كانت الجولة إلى الآن للمؤمنين، ولو قتل حاملو الراية لا بد أن يزحمهم الروم ونصارى العرب ويهودهم بكثرة العدد، لأنها تطيل القتال، ولا تتحمل القلة الطول مهما يكن ما عندهم من معنويات صابرة مؤمنة.

اتجه خالد إلى الانحياز تمهيدا لانسحاب منظم، وفى هذا الوقت ابتدأت قوات الروم بتخاذل بعضها من العرب، وبعضهم انضم إلى خالد عند انسحابه. يحكى ابن إسحاق أنه كان من حدس كاهنة، حين سمعت بجيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مقبلا، قالت لقومها من حدس، قالت لهم أنذركم قوما خرزا (أى مبصرون مدركون) ينظرون شزرا، ويقودون الخيل تترى، ويهريقون دما عكرا. فأخذوا بقولها واعتزلوا من بنى لخم، وكان من الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثعلبة، فلما انصرف خالد بالناس انصرفوا معه وعادوا قافلين إلى أرضهم.

فالجيش الرومانى، لم يكن متماسكا، وإن كان كثير العدد، لتعدد الأجناس فيه، فلم تغن كثرتهم عنهم شيئا، ونجا المسلمون منهم، ونجواهم بأنفسهم، وإن جرحوا جرحا شديدا.

عندما رأى خالد كثرة الكافرين، كما ذكرنا، أخذ يبدل فى مواقف جيشه، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والصدر خلفا والخلف صدرا فظنوا أنه قد جاءه المدد، فلهذا أنزل الله تعالى فى قلوبهم الرعب من لقاء المسلمين فاثروا النجاة بأنفسهم، ولم يتبعوا جيش المسلمين فى تراجعهم، ورضوا من الغنيمة بالإياب، وأخذ خالد بجيش الإيمان، حتى عاد إلى المدينة المنورة سالما به، لم يفقد فى هذه المعركة إلا اثنى عشر قتيلا منهم الأمراء الثلاثة زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة رضى الله تعالى عنهم جميعا، وتسعة معهم، فكان عدد القتلى اثنى عشر قتيلا.

ولكن لم يتعود أهل المدينة المنورة أن تعود إليهم جنودهم من المعركة، حتى فى أحد بقيادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقد نال المشركون منهم نيلا وجراحا فلم يعد الجنود من المعركة فارين أو شبه فارين، بل كان الجمع الذى أصيب بالجراح قد أخذ يكر وراء المشركين كرا، وتبعهم إلى حمراء الأسد راجعين فارين من تجدد اللقاء، ورضوا بالإياب.

لم يعجب أهل المدينة المنورة صنيع الجيش الذى قاده القائد المدرك بالانحياز ثم الانسحاب، لأنهم لم يتعودوه، وسموهم الفرارين، وأخذ الصبيان يحثون التراب على وجوههم، وقد خرج إليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مستقبلا فأمر بتنحية الصبيان إلا أولاد جعفر بن أبى طالب فضمهم إليه، وقال إنهم الكرارون، أو العكارون، كما جاء فى بعض الصحاح والسنة، وسماهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم متحيزين إلى فئة، فهو فئة المسلمين، وكان ذلك تطبيقا لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا

لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

وتحيزوا إلى فئة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فدخلوا فى استثناء الآية، ولم يدخلوا فى موضع نهيها.

,

نتيجة الغزوة

572- انتهت هذه الغزوة بنجاة الجيش الإسلامى من أن يقع فريسة لجيش الكفر، المتكاثف، وحسب ذلك نصرا مبينا، وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أدرك قبلها نتيجة المعركة، فإنه عندما علم أن خالدا تولى القيادة، وحمل الراية قال: تولى الراية سيف من سيوف الله يفتح الله تعالى عليه، وما كانت لتسمى النتيجة فتحالو كانت النهاية أن يرضى الجيش من الغنيمة بالإياب.

ولقد قال بعض كتاب السيرة أن النتيجة كانت السلامة، ولم تكن نصرا.

ولكنا نقول أنها كانت نصرا لأسباب:

منها أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سماها فتحا، وسمى الذين عادوا إلى المدينة المنورة كرارا.

ومنها أن المسلمين ساقوا غنائم ولم يؤخذ منهم شيء.

ومنها أن قتلى المؤمنين كانوا اثنى عشر، وقتلاهم لا تحصى عددا، فقتلى المسلمين كانوا أقل عددا، وفيها كان النصر المؤزر، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله تعالى هى العليا.

ولقد قال فى ذلك الحافظ ابن كثير فى تاريخه: «هذا عظيم جدا، أن يتقاتل جيشان متعاديان فى الدين أحدهما وهو القلة التى تقاتل، فى سبيل الله وعدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة، وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن النصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر، وقد قتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد وحده يقول: لقد اندقت فى يدى تسعة أسياف وما بقيت فى يدى إلا صفحة يمانية، فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها.

دع غيره من الأبطال الشجعان من حملة القرآن الكريم وقد تحكموا فى عبدة الصلبان، عليهم لعنة الرحمن ذلك الزمان وفى كل أوان، وهذا مما يدخل فى قول الله تعالى: «قد كان لكم آية فى

فئتين التقتافئة تقاتل فى سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين، والله يؤيد بنصره من يشاء إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار» .

وإننا نرى أن هذا يشبه ما قرره الله تعالى من أن عشرين صابرين يغلبوا مائتين، وأن مائة صابرة تغلب ألفا، وأنه عند قوة الإيمان وقوة الصبر يكون المؤمن الصابر يغلب مائة.

وقد كان ثلاثة آلاف قد غلبوا مائتى ألف، وصدق قول الله تعالى: «يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا، بأنهم قوم لا يفقهون» هذا هو الحق.

إن غزوة مؤتة أول غزوة تخرج عن دائرة الجزيرة العربية إلى دائرة أراض تحت سلطان الرومان، فإذا كانت النتائج تكون على هذه الشاكلة، فإن النصر سيكون لجيش الحق بإذن الله تعالى، وقد كان، فكانت اليرموك وما بعدها فى عهد الراشدين، فكانوا يفرون كما تفر الشاة أمام الأسود.

وإذا كانت بدر أول انتصار فى الأرض العربية، فمؤتة أول انتصار مؤزر خارج الجزيرة العربية، وهو ابتداء ليس له انتهاء أو مبتدأ له خبر.


ملف pdf

كلمات دليلية: