معجزة شق القمر من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

معجزة شق القمر من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

انشقاق القمر

294- قلنا إن الأمور التى كانت بعد الدعاء المحمدى كانت استجابة لهذا الدعاء وإبعادا للوحشة عن قلبه الطاهر، فمجيء ملك الجبال كان لإشعاره عليه الصلاة والسلام بالقوة، وقد شكا ضعف قوته، وسماع الجن للقران الكريم وإيمان بعضهم كان لإيناسه عليه الصلاة والسلام بكثرة الأتباع، ثم كان تسهيل الجوار ليدخل مكة المكرمة ويكمل دعوته، فيه إثبات سعة الحيلة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، هداه الله تعالى إليها لكى يذهب بقلة حيلته التى شكاها رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وكانت من بعد ذلك الايات الحسية، التى كان منها انشقاق القمر، والإسراء والمعراج. لبيان أن الله تعالى لم يتركه ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «1» .

وقد ذكرنا أن كتاب السيرة لم يذكروا الأخبار مرتبة بترتيب الوقائع، وقد ذكروا انشقاق القمر بعد الإسراء والمعراج، ونحن قد رجحنا كما رجح ابن كثير أن الإسراء كان بعد وفاة أبى طالب وخديجة أم المؤمنين رضى الله عنهما، إذ أنها توفيت قبل أن تفرض الصلوات الخمس والصلوات لم تفرض خمسا إلا فى المعراج.

وقد ذكر بعد المعراج انشقاق القمر، وإن المناسبة تزكى ذلك الترتيب فإن ذلك تقوية للاستدلال على صحة الرسالة، وإن كان القران الكريم هو المعجزة الكبرى التى تحدى بها النبى صلى الله تعالى عليه سلم، وعده عليه الصلاة والسلام المعجزة.

ولندخل من بعد للموضوع، وهو انشقاق القمر. لقد قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «2» ، ويقول فى ذلك ابن كثير: «وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك فى زمنه عليه

__________

(1) سورة الضحى: 3.

(2) سورة القمر: 1.

الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، ويذكر من بعد ذلك الحافظ الحجة ابن كثير الأخبار الصحاح الواردة فى ذلك.

وقبل أن نختار من هذه الصحاح ما نراه أوضح من غيره دلالة، نقول إن انشقاق القمر ثبت بلفظ الماضى مما يدل على حكاية الواقع، لا ذكر المتوقع، فإن اللفظ القرانى يؤخذ بظاهره ما لم توجد قرينة من حقيقة ثبتت بالإجماع والعلم الضرورى، أو من قضايا العقل المبثوثة التى لا مجال للريب فيها، أما تأويل القران الكريم، وإخراجه عن ظاهره باستبعاد بعض ذوى العقول المأفونة أو المتأثرة بالمألوف بين الناس، وتنكر ما عداه، ولا تعلم أن هناك قوة مغيرة محدثة منشئة هى قدرة الله تعالى وإرادته التى توجب الإيمان بالله تعالى فعالا لما يريد، مختارا فيما يفعل، وأنه واحده خالق كل شيء، خلق الأسباب والمسببات، لا توجب إرادته أسبابا عادية لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «1» .

وعلى ذلك نقرر أنه وقع فى الماضى فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن قول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ عبر عن انشقاق القمر بلفظ الماضى الدال على الوقوع فى زمن مضي، وتخريجها على أن الماضى أريد به المضارع، وأنه سينشق، تخريج للفظ بغير ظاهره الذى دل عليه القران الكريم بظاهره، لابد له من مسوغ يوجب ذلك التخريج، ويكون قرينة دالة على أن اللفظ أريد به غير ظاهره.

294- هذا ما يدل عليه ظاهر القران الكريم، وهو فى ذاته حجة دالة على الوقوع لا يحتاج إلى حجة أخرى تؤيده فهو يؤيد غيره، ولا يستمد التأييد من غيره، ولكن السنة تبين لنا كيف وقع لا أصل الوقوع، فنحن نرجع إلى السنة لبيان شكل الوقوع.

لقد ذكر الحافظ ابن كثير أن الوقوع، أو شكل الوقوع يثبت بعدة طرق عن كثيرين من الصحابة، فروى عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهم أجمعين.

روى البخارى ومسلم أن أهل مكة المكرمة سألوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اية فانشق القمر، فانشق القمر بمكة مرتين، وفى رواية لمسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة المكرمة سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يريهم اية فأراهم القمر شقتين، رواه البخارى، وزادت روايته حتى رأوا حراء بينهما.

وبذلك تفسر كلمة مرتين بأنه صار فرقتين.

__________

(1) سورة الأنبياء: 23.

وروى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم، فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، وقالوا إن كان سحرنا، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.

وروى البخارى عن ابن عباس، قال إن القمر انشق فى زمان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد قال البخارى قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر، حتى رأوا شقيه.

ويقول ابن عباس فيما روى عنه أبو نعيم بسنده: «اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام ...

ونظراؤهم فقالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، نصفا على أبى قبيس، ونصفا على قيقعان، فقال لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تؤمنون؟ قالوا نعم، فسأل الله عز وجل أن يعطيه ما سألوا، وكانت ليلة بدر، فأمسى القمر قد شق نصفا على أبى قبيس، ونصفا على قيقعان» .

وهكذا تضافرت الروايات، وهذا بعضها يدل على أن القمر شق، وكان شقين، وكان القمر بدرا، وعينت بعض الروايات أنه كان فى الليلة الرابعة عشرة، وليس لأحد أن يشك في هذه الروايات التى يسند بعضها بعضا، حتى ادعى ابن كثير أن أخبار انشقاق القمر فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلغت حد التواتر، وأنه لم يعد ثمة مساغ لمستريب، ولا مجال للتكذيب، وخصوصا أن الأصل ثابت بظاهر القران الكريم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الذين ينكرون يستغربون ثم يؤولون، إن كان للإيمان بالقران بقية فى قلوبهم.

295- إن الذين يستغربون، ثم ينكرون، ويؤولون إن كانوا مسلمين يردون أن ذلك لو حصل وهو أمر كونى لكان مرئيا فى كل بقاع العالم. ولم يختص العرب برؤيته، بل تعم ولا تخص، وقد ردد ذلك النصارى من كتاب المشرقيات ونقله عنهم الذين يتعرفون أمور الإسلام من هؤلاء.

ونقول لعلماء الغرب الذين يشككون فى القران الكريم: لقد صدقتم ما هو أشد من ذلك غرابة، فإن الأناجيل التى يصدقونها، ويؤمنون بكل ما فيها يقولون فى ميلاد المسيح عليه السلام أنه علم ميلاده عند المجوس بنجم أعلمهم، وأنهم جاؤا من بلادهم، والنجم يسير أمامهم، حتى علموا مكانه عن طريق النجوم، فهل كان الناس كلهم قد رأوا ذلك، كما تطالبون المسلمين بأن يثبتوا أن الناس جميعا قد رأوا انشقاق القمر، وإلا فهم فى حل من أن يكذبوا القران الكريم: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً «1» .

__________

(1) سورة الكهف: 5.

ومع ذلك فإننا نقبل الاعتراض، وإن كانوا غير مخلصين، ولا مؤمنين بما يقولون. ونقول فى رده إن العرب المشركين عندما رأوا القمر قد انشق، لم يؤمنوا وقالوا: سحرنا محمد- وحكى الله تعالى عنهم ذلك، فقد قال الله تعالى في واقعة انشقاق القمر: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «1» .

وبعضهم أراد أن يتعرف، وانتهى تعرفه بأن الناس الذين علموا أمره من غير المقيمين قد رأوه منشقا.

فقد روى الإمام أحمد، والشيخان البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة، فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.

وروى البيهقى مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود أيضا، فقد قال: انشق القمر بمكة المكرمة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش لأهل مكة المكرمة: هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، انظروا السفار، إن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم، فهو سحر سحركم به، قال فسئل السفار ومن قدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا.

من هذه الصحاح يتبين أن الرؤية كانت عامة، ولم تكن مختصة بإقليم ولا ببلد، وقد تحرى أهل الفحص والنظر فرأوا أن قد رؤى فى كل الأماكن التى كانت تجاورهم. أو أتى فيهم السفر بخبره، فدل هذا على أن الرؤية كانت عامة، والقران الكريم صادق وأخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صادقة من كل الوجوه ولا سبيل لإنكارهم بتوهم متوهم، أو استغراب مستغرب، فأمارات الصدق قائمة بينة، ولا يرد الأمر البين بتوهم واهم، أو استغراب مستغرب، أو إنكار كافر جحود.

وفوق ذلك، فإنه جاءت الأخبار بأن انشقاق القمر قد رؤى فى الهند، قال المؤرخ ابن كثير:

ومع ذلك فقد شوهد ذلك فى كثير من بقاع الأرض. ويقال: إنه أرخ بذلك فى بعض بلاد الهند. وبنى بناء فى تلك الليلة، وأرخ بليلة انشقاق القمر «2» .

__________

(1) سورة القمر: 1، 2.

(2) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 120.


ملف pdf

كلمات دليلية: