مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام. من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام.  من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

رسائله صلى الله تعالى عليه وسلم

522- وفى هذه السنة بعد الحديبية فرض الحج. وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن معه من جيش الإيمان كانوا قد أحرموا للحج.

وشرع الحج فريضة من بعد الحديبية مباشرة، وقالوا إنه كان قد شرع، وفرضه الله تعالى فى هذا الوقت مع أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يحج إلا فى السنة العاشرة.

وهذا رأى أكثر الفقهاء، فالحج لا يجب فور القدرة عليه، ولكن يجب أداؤه فى مدى العمر، وقال بعض الفقهاء يجب فور الاستطاعة على أدائه، وقالوا إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخره إلى العاشرة لأنه لم يكن مستطيعا ذلك قبل العاشرة، لأن الأصنام لم تزل قبل التاسعة، وكان مشغولا بالدعوة، وبيان الشرع، حتى نزلت الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (المائدة) وسرد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الفرائض الشرعية بإيجاز، وأشهد المؤمنين على التبليغ.

وإنه بعد الحديبية تفرغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للدعوة، فلم يرسل سرايا للقتال.

ولكن أرسل رسلا للدعوة إلى الإسلام، وتبليغ الدعوة.

قال الواقدى: فى ذى الحجة من سنة ست بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ستة نفر مصطحبين حاطب بن أبى بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية.

وبعث شجاع بن وهب إلى الحارث بن شمر الغسانى ملك عرب النصارى.

ودحية بن خليفة الكلبى إلى قيصر، هرقل ملك الروم.

وبعث عبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى ملك الفرس.

وبعث سليط بن عمرو العامرى إلى هوزة بن على الحنفى.

وعمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشى ملك النصارى بالحبشة، وهو أصحمة بن أبحر.

وسنتكلم عن الرسائل التى كانت مع هؤلاء الرسل عند الكلام على مكاتبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. والذى نقوله هنا هو أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد تفرغ للتبليغ، ولم يعد مقصورا على الجزيرة العربية وما حولها بل تجاوزها إلى الأقاليم الآخرى.

,

بعث الرسائل إلى الملوك

577- اتفق علماء السيرة والصحاح على أن الإرسال إلى الملوك والأمراء كان بعد الحديبية وقبل الفتح، ولكن اختلفوا أكان بعد صلح الحديبية أم كان بعد عمرة القضاء أم كان بعد مؤتة.

وإن الذى نختاره أنه كان بعد عمرة القضاء، وقبل مؤتة، وذلك لأن عمرو بن العاص خرج من مكة المكرمة مريدا الهجرة إلى الحبشة بعد عمرة القضاء وقد التقى فى الحبشة بمن بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشى، كما أنه التقى فى أثناء ذهابه إلى المدينة المنورة بخالد بن الوليد، وقد كانت إرادة خالد بن الوليد، الذهاب إلى مكة المكرمة وكلماته فى الدعوة إلى اتباع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عقب عمرة القضاء مباشرة.

وإن السياق التاريخى يثبت أن الكتاب إلى ملك الروم، وأمير الغساسنة فى الشام كان قبل مؤتة لأن غزوة مؤتة كانت بسبب قتل بعض من أسلم من الشام، وبسبب قتل الرسول الذى بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أمير الغساسنة، والسبب مقدم على المسبب، فكان الكتاب بلا ريب سابقا على مسببه وهو غزوة مؤتة.

وفوق هذا كله، فإن السنة الصحيحة تصرح بأن الإرسال إلى الملوك قبل مؤتة، فقد روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب قبل مؤتة إلى كسرى وقيصر، وإلى النجاشى، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الإسلام.

,

كتابه إلى هرقل وأثره

578- بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى هرقل دحية بن خليفة بكتاب هذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدي.

أما بعد. فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت، فإنما عليك إثم الأريسين.. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64- آل عمران) .

وقد كان هذا الكتاب الكريم له أثره فى أوساط الرومان، وأهل الشام ومشركى قريش، لم يأخذ هرقل الكتاب كما يأخذ ملك من رجل يخشى على ملكه منه، بل أخذه عالم يلقى خبرا له صلة بعلمه، فقد كان هرقل حزاء له علم بالملاحم والنجوم وأخبار النبيين، فكان عالما من علماء النصرانية الذين يريدون أن ينتشر الحق فى ذاته، لولا الملك وسورته.

عندما وصل الكتاب إليه، أرسل يبحث عن بعض قوم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى البلاد الشامية فعلم بركب تجار من مكة المكرمة، على رأسهم أبو سفيان قائد الشرك، فدعاهم إلى مجلسه، وحول (هرقل) عظاماء الروم، ثم دعا أبا سفيان ومن معه ودعا الترجمان، وإليك الحديث كما جاء فى البخارى.

قال هرقل بلسان الترجمان: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى.

فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا، فقال هرقل أدنوه منى وقربوا أصحابه عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم إنى سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبنى فكذبوه، قال أبو سفيان، فو الله لولا أن يؤثروا عنى كذبة فى العرب لكذبت عنه، ولنترك الحكاية كلها لأبى سفيان.

يقول: أول ما سألنى عنه أن قال: كيف نسبه فيكم. قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قبله؟ قلت لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك. قلت لا، قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت بل ضعفاؤهم، قال أيزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال. قلت لا، قال: فهل يغدر؟ قلت لا ونحن منه فى مدة، لا ندرى ما هو فاعل

فيها، ولم يمكنى كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم، قال فكيف قتالكم إياه؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا، وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق والعفاف والصلة.

قال للترجمان بعد ذلك قل له: سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث فى نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك، هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه ما كان ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أهم يزيدون أم ينقصون؟ فقلت إنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون، وسألتك بم يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.

فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.

كان لهذا الكلام أثره فى نفس أبى سفيان العدو المشرك، فقال: «لقد أمرّ أمر ابن أبى كبشة (زوج المرضع التى أرضعت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم) أنه يخافه ملك الأصفر، وهذه بلا ريب كلمة الشرك، ولكن كان الكلام من هرقل له أثر أعمق من ذلك فى نفس أبى سفيان، فقد قال:

ما زلت موقنا أنه سيظهر، حتى أدخل الله تعالى على الإسلام. ولكن فتحت له مغاليق كانت متكافئة فى نفسه، حتى لا تكشف فيه قلب المسلم.

579- هذا أثر الكتاب فى قلب هرقل، ونراه يصدق كل ما فيه، ويميل إلى الإسلام، وقبول ما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن هل أذعن للحق، وقبل الإسلام دينا!! يظهر أنه حاول ذلك ولكن قومه لم يقبلوه، وتخير بين الإسلام والإذعان، وبين البقاء على الملك، فاختار الملك، وبذلك اشترى الضلالة بالهدى، فبارت تجارته عند الله.

ولنذكر الأمر كما وقع، وما كان ينبغى أن يقع، ولكنه الابتلاء:

لقد كان هرقل كما قلنا عالما، وكان حزاء أوتى علم النجوم، وعلم الملاحم، وكان حين قدم من إيلياء، وهى الأرض التى التقى فيها مع أبى سفيان ومن معه من التجار- خبيث النفس، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك، فقال لهم إنى رأيت حين نظرت فى النجوم ملك الختان قد ظهر، وعلم من تحريه أن العرب يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر.

وقد أرسل إلى صاحب له برومية على مثل منزلته من العلم.

وسار إلى حمص، فلم يتركها حتى جاءه كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

ونرى من هذا أنه كانت عنده أمارات قد علم بها بعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت الصور التى تتراءى له أنه ملك، ولكن الله تعالى قد آتاه ما هو أعظم من ذلك، وهو النبوة التى تأتى بخير الدنيا والآخرة.

وكانت هذه المعلومات سواء أكانت منتجة فى ذاتها، أم غير منتجة فإنها أثرت فى نفسه، وجعلته على استعداد لقبول الحق إذ جاء إليه، وإن المقدمات هنا، وإن كانت ظنية فى ذاتها قد مهدت لقبول الحق.

اقتنع هرقل كما قلنا بأنه الحق، وأراد أن يعرضه على الملأ من قومه داعيا إليه، فأذن هرقل لعظماء الروم أن يحضروا فى دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع عليهم فقال:

يا معشر الروم، هل لكم فى الفلاح والرشد، وأن يثبت لكم ملككم، فاتبعوا هذا النبى. فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت.

فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردوهم على، وغير وبدل من قوله ونيته، وقال: «إنى إنما قلت مقالتى آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه» .

وهكذا غلبت عليه الشقوة على الهداية، ولقد برق له نور الحق وأضاء له، فلما هم أن يمشى فيه، وقف الملك وسلطانه، فكان الظلام بعد النور، والضلالة بعد الهداية، وأمر بقتل من قتل من المسلمين وجيّش الجيوش لحرب المسلمين فى مؤتة، وفى تبوك، ومن بعد ذلك فى اليرموك ومهما يكن من أمر نهاية الكتاب بالنسبة لهرقل والملأ من قومه، فإن الإسلام قد عرف فى وسط الرومان، وعرف فى الشام، وتذاكر به الناس، وعرف ما كان من هرقل لعظماء ملته، والنور دائما يخترق الظلام مهما تكن الحجب، والغياهب والظلمات، فالكتاب أثمر ثمراته، وإن لم يكن الإيمان عاجلا، فإنه آجل والأجل قريب.

ومنهم من آمن، وإن لم يعرف إيمانه.

يروى أن هرقل عندما جاءه كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعطاه لكبير الأساقفة الذى كان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلما قرأ الكتاب قال: هو والله الذى بشرنا به موسى وعيسى الذى كنا ننتظره، قال هرقل فما تأمرنى، قال الأسقف أما أنا فمصدقه ومتبعه، فقال قيصر إنه كذلك، ولكنى لا أستطيع، إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم، لم يذهب إذن الكتاب صرخة فى واد، بل كان له صدى، وظهر فيما بعد.

,

كتابه إلي كسري ملك الفرس

580- عندما أراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرسل إلى الملوك وقف فى الصحابة خطيبا وبعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله قال:

أما بعد فإنى أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا على كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى بن مريم.

فقال المهاجرون: إنا لا نختلف عليك فى شيء أبدا، فمرنا وابعثنا.

فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى.

وظاهر هذا الكتاب أنه أرسل إلى كسرى عقب هذا البيان النبوى، وربما يوميء إلى أن الكتاب إلى كسرى كان قبل الإرسال إلى ملك الروم، ولكنا نرجح أن الإرسال للملوك جميعا كان فى وقت واحد، وربما كان وصول الرسول إلى هرقل قبل وصوله إلى كسرى.

ومهما يكن الأمر من ناحية السابق واللاحق، فإنه ثبت أنه أرسل للملكين ولغيرهما من الملوك والرؤساء.

بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شجاع بن وهب إلى كسرى فمضى بالكتاب إليه، ووقف أمام بابه مستأذنا مع عظاماء الفرس، وقد أذن لعظماء الفرس، ثم أذن له من بعدهم، فلما دخل أراد أن يدفعه لغيره، فأبى إلا أن يدفعه إليه بشخصه، وقال له لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال كسرى ادن، فدنا وناوله الكتاب ثم دعا كاتبا من أهل الحيرة فقرأه، فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم الفرس.

«سلام على من اتبع الهدى، وشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله تعالى، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وإن تسلم تسلم، وإلا فإن عليك إثم المجوس.

فلما قرأه مزقه فدعا عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يمزق ملكه.

ولم يكتف بأن مزق الكتاب، بل أراد قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسل إلى بازام، وهو نائبه على اليمنى، أن ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتيانى به، وحسب أن الإتيان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم مكبلا بالحديد، أمر سهل، ونسى أن العرب فى واقعة (ذى قار) قد أذاقوه من الحرب بؤسا، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى جنده لا يقل عن قوة العرب فى ذى قار، ولكنه غرور السطوة الذى يدلى بصاحبه حتى يجعله عبرة للمعتبرين.

استجاب نائبه إلى طلبه غير المعقول فى غايته، فبعث بازام قهرمانه، وكان كاتبا حاسبا، وبعث معه رجلا من الفرس يقال له حرحورة، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى.

ويظهر أن نائبه باليمن لم يكن يريد إيذاء، ولكن يريد أن يتعرف خبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فكتب الكتاب إطاعة لكسرى، وأراد أن يتصرف لنفسه، فأراد التعرف، وهكذا يغتر الطغاة، فيحسبون أن الناس قلوبهم طوع أيديهم، مع أن قلوبهم لإلههم ولا لأنفسهم.

قال نائب كسرى لمن أرسله بالكتاب إيت بلاد هذا الرجل وكلمه ائتنى بخبره، وهذا يدل على أنه لن يجيب كسرى، فغاية كسرى ليست غايته، وأنه هو يريد أن يعرف الإسلام.

خرج الرجلان إلى الطائف حتى قدما عليه: فسألا عنه فقيل هو بالمدينة المنوره، واستبشر أهل الطائف بها، وقال بعضهم لبعض أبشروا، فقد نصب له كسرى ملك الملوك.. كفيتم الرجل.

خرج الرجلان حتى قدما على المدينة المنورة، فقالا: شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك بازام (نائبه باليمن) يأمره بأن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثنا إليك لتنطلق، فإن فعلت كتب (نائب اليمن) إلى ملك الملوك يمنعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك. وظنا أن ذلك يرهب الرسول، إذ مثله يرهبهما، ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يلتفت إلى كلامهما، لأن الله يعصمه، بل اتجه إليهما، وقد حلقا لحاهما،

وأعفيا شاربهما، فكرر النظر إليهما. وقال لهما: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ولكن ربى أمرنى باعفاء لحيتى وقص شاربى.

ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتيانى غدا، وقد أعلم الله رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن كسرى قد قتله ابنه شيرويه، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، عنده ذلك العلم من الله تعالى، دعاهما فأخبرهما.

فقالا: هل تدرى ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا فنكتب عنك بهذا، ونخبر الملك بازام (نائب كسرى) .

قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أخبراه ذلك عنى وقولا له إن دينى سيبلغ ما بلغ كسرى، وينتهى إلى الخف والحافر، وقولا إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى حرحورة الفارسى أحد الرسولين منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك.

خرجا من عنده حتى قدما على بازام (نائب كسرى) فى اليمن.

فقال هذا الملك النائب عن ملك الملوك. كسرى: ما هذا بكلام ملك، وإنى لأرى الرجل نبيا، كما يقول: وليكونن ما قد قال، فلئن كان هذا حقا فهو نبى مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأيا.

علم الجميع أن كسرى قد قتل بيد ابنه. وقد أعلمهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، والرسولان عنده، والأخبار عنه منقطعة عن طريق البرد وغيرها.

وبينا نائب كسرى باليمن على الأمر الذى لم يصل إليه نبؤه، وهو فى تردد فى قبوله، جاءه كتاب شيرويه الابن، وجاء فى هذا الكتاب.

أما بعد: فإنى قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبا لفارس، لما كان قد استحل دم من قتل من أشرافهم، ونحرهم فى ثغورهم، فإذا جاءك كتابى هذا فخذ لى الطاعة ممن قبلك وانطلق إلى الرجل الذى كان كسرى قد كتب إليه، فلا تهجه حتى يأتيك أمرى فيه.

إنه بلا شك لم يكن الابن على عزيمة أبيه فيما يتعلق بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل تردد، وكل ما أمر به ألا يهيجه فلا يطلب إليه الحضور حتى يكون أمر جديد.

تلك أمارات متتالية تدل على صدق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يدعو إليه من وحدانية وصدقه فى دعوى الرسالة الإلهية.

وإن أحد الرسولين كان يتكلم باسمهما فى حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. قال:

ما كلمات أحدا كان أهيب عندى منه.

فكر أمير اليمن وقدر ما بين يديه من علم، وانتهى تفكيره إلى الإسلام والتسليم، وقال إن هذا الرجل لرسول، فأسلم، وأسلمت الأبناء من فارس الذين كانوا باليمن.

وبذلك دخل الإسلام أرض اليمن، ووجد له فيه دعاة.

وقد روى البيهقى أن شيرويه هذا الذى قتل أباه، قد استخلف من بعده ابنته، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لن يفلح قوم ولوا أنفسهم امرأة.

هذا كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأثره، وإذا كان لم يؤثر فى كسرى إلا سلبا، فقد أثر فى غيره إيجابا واستجابة، لقد أثر فى نائبه باليمن، فأسلم وهو فارسى، وأسلم من معه من الأبناء من فارس، وهم باليمن بما وصل إليه الإسلام فى شعب اليمن العربى الأصيل.

ولم يكن كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صرخة فى واد، بل كان لها استجابة، وإذا كان العدد قليلا فإنه سيكون كثيرا فى اليمن وما وراءها وقد كان.

,

كتابه إلى النجاشى

285- كتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى النجاشى ملك الحبشة أصحمة، وقد رجا فيه الخير، لأنه أكرم أصحابه عند الهجرة إلى الحبشة، فهو يدعوه فى هذا الكتاب، وقومه، وكان قد أسلم من قبل فيما يروى الرواة، وفيما يدل عليه ما اقترن بالكتاب من قول، وهذا نص الكتاب وما دار حوله.

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة. «فإنى أحمد الله تعالى إليك، الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح من الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، حملت عيسى فخلقه الله تعالى من روحه، ونفخه كما خلق آدم بيده، وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى وتؤمن بالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتى، والسلام على من اتبع الهدى» .

هذا كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورفق الدعوة، وحكمة النبوة ظاهران فيه ولقد بعثه مع عمرو بن أمية الضمرى الذى جاء بهذا الكتاب، ولأنه رفيق وكان يميل للإسلام، كان لرسول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شرح وتوضيح وتأكيد لمعنى الرسالة.

قال له عمرو: يا أصمحة، إن على القول، وعليك الاستماع، إنك كأنك فى الرقة علينا، وكأنا فى الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه، ولم نخفك على شيء إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفى ذلك الموقع الحز، وإصابة المفصل، وإلا فأنت فى هذا النبى الأمى كاليهود فى عيسى ابن مريم، وقد فرق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رسله فى الناس فرجاك لما لم يرجهم، وأمنك على ما خافهم عليه، بخير سالف، وأجر ينتظر.

أجابه النجاشى إجابة المؤمن فقال: «أشهد أنه النبى الأمى الذى ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس أشفى من الخبر..» وأردف ذلك بأن حمل عمرو بن أمية كتابا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

وهذا نص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم

إلى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- من النجاشى أصحمة سلام عليك يا نبى الله من الله، ورحمة الله وبركاته، الله لا إله إلا هو.

أما بعد فقد بلغنى كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت، إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد عرفنا ابن عمك (أى جعفر بن أبى طالب) وأصحابك فأشهد أنك رسول صادقا مصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين» .

كانت إجابة النجاشى صريحة واضحة، وقد كان الكتاب إليه، وإلى جنوده والملأ من قومه، وقد أسلم هو، ودعا من معه، ولم يكرههم على الإيمان، ولكن اكتفى بالدعوة من غير إكراه، لأن الله تعالى يقول: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (256- البقرة) فبين هذا الرشد، وكان ملكا عادلا أمن الناس وآمن بالله تعالى واستجاب لكلمة الحق من غير تلكؤ ولا تردد.

ولم يؤمن قومه.

,

كتاب رسول الله صلي الله تعالى عليه وسلم إلى المقوقس

582- استمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الإرسال إلى الملوك والرؤساء لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فكان يرسل إلى الرؤساء والملوك، كما رأيناه أرسل إلى هرقل وكسرى والنجاشى، فمنهم من اهتدى، ومنهم من ضل، وممن أرسل إليهم المقوقس عظيم القبط الذين كانوا يرزحون فى حكم الرومان، ويضطهدون فى دينهم. اضطهدوا من وثنية الرومان ثم اضطهدوا من مذهبهم عندما التقوا فى دين واحد.

بعث إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع حاطب بن أبى بلتعة هذا الكتاب.

بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط.

سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإنى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط (قل) يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64- آل عمران) .

ولقد ذكر حاطب بن أبى بلتعة أنه أكرمه، وأنزله فى منزله، وأقام عنده.

جمع بطارقته مع حاطب ووجه إليه أسئلة تتعلق بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقومه، وسأله حاطب عما يتعلق بعيسى مع بنى إسرائيل.

قال المقوقس، هلم أخبرنى عن صاحبك، أليس هو نبيا. قلت بل هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

قال فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها.

قال حاطب: عيسى بن مريم ألست تشهد أنه رسول الله؟ قال: بلى، قلت: فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم.

قال المقوقس: أنت حكيم قد جاء من عند حكيم.

أخذ بعد ذلك يتكلم حاطب بن أبى بلتعة فى معنى الكتاب الذى يحمله من الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. قال:

إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله تعالى نكال الآخرة والأولى، فانتقم الله تعالى به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.

قال المقوقس: إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه.

قال حاطب: ندعوك إلى الإسلام الكافى به الله عما سواه، إن هذا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم دعا الناس فكان أشدهم قريش وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد عليه الصلاة والسلام، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن الكريم إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبى أدرك قوما فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

قال المقوقس: إنى قد نظرت فى أمر هذا النبى فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آيات النبوة بإخراج الجن، والإخبار بالنجوى، وسأنظر.

وأخذ كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فجعله فى حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جارية. ومن بعد ذلك دعا كاتبا له يحسن العربية، فكتب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

بسم الله الرحمن الرحيم ... لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط.

سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا بقى، وكنت أظن أنه يخرج من الشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان فى القبط عظيم، وبكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك» .

هذا ما كتبه المقوقس، وهو يدل على أنه كصاحبه هرقل قد اقتنع بالقرآن الكريم والإسلام، ولكن تردد فى القبول، وتلطف فى الرد، وبنى تردده على أنه كان يظن أنه سيخرج من الشام.

وكانت إحدى الجاريتين مارية القبطية التى كان إبراهيم بن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم منها، وأشهر الروايات أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أعتقها وتزوجها.

,

كتابه إلى المنذر بن ساوى

583- ذكر الواقدى فى تاريخه بإسناده عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس أنه وجد كتابا فى كتب عبد الله بن عباس بعد موته فنسخه، فتبين فيه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعث العلاء ابن الحضرمى إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، ولم يذكر أنه عثر على نص كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن وجد رد ابن ساوى، ثم رد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإليك كتاب المنذر:

إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أما بعد يا رسول الله فإنى قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضى يهود ومجوس فأحدث إلىّ فى ذلك أمرك.

فكتب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى.

سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد فإنى أذكرك الله عز وجل، فإنه من ينصح إنما ينصح لنفسه، وأنه من يطع رسلى، ويتبع أمرهم، فقد أطاعنى، ومن نصح لهم فقد ينصح لى، وإن رسلى قد أثنوا عليك خيرا، وإنى قد شفعتك فى قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل، وإنك مهما تصلح لا نعز لك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية، فعليه الجزية.

وقد دل خبر هذا الكتاب على أن عبد الله بن عباس كان حريصا على أن يكتب كتب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ويحفظها فى خزانة كتبه، وأنه يعلن للناس ما يعلن وهو الأكثر، وقد يبقى ما لا يعلن، ودل الكتاب على أنه مرسل لأهل البحرين، وأن المنذر بن ساوى كان واليها، ويدل على استجابة الوالى لدعوة الإسلام، وأن الجزية تفرض على اليهود والمجوس، وتدل على أمر آخر هو الحكمة وهو أن أبقى الوالى الذى سارع إلى الإسلام فى إمرته، ليكون أميرهم، ولم يرسل واليا من كبار الصحابة أو غيره، وذلك ليشعروا أنه ليس أجنبيا مسيطرا، ولكنه من أنفسهم، وما دام مستقيما فإنه أجدر لعلمه بنفوسهم، وخبرته بأحوالهم، وأن يأتيهم من حيث يألفون ويعرفون.

وفى الخبر ما يدل على فرض الجزية على الذين لا يؤمنون، إذا كانوا فى ولاية مسلم وهم هنا اليهود والنصارى والمجوس، وقد أجمع الفقهاء على فرض الجزية عليهم، وأجاز أبو حنيفة فرض الجزية على الوثنيين غير العرب قياسا على المجوس.

,

الكتاب إلى ملك عمان

584- لم يكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينى عن الدعوة إلى الإسلام فى الحواضر والبوادى، وأهل الوبر، وأهل المدر، كما رأيت فى كتابته للملوك.

لقد أرسل إلى عمان باليمن، وكان عليها أميران هما جيفر وعبد ابنا الجلندى وقد أرسل لهما كتابا حمله عمرو بن العاص، وهذا نص الكتاب:

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبد ابنى الجلندى.

سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنى أدعوكم بدعاية الإسلام، أسلما تسلما فإنى رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أسلمتما، وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام، فإن ملككما زائل عنكما وخيلى يحل بساحتكم وتظهر نبوتى على ملككما.

كتب الكتاب أبى بن كعب، وختم الكتاب.

يقول عمرو بن العاص، خرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمنا عمد إلى عبد أحد الأخوين وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إنى رسول من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليك، وإلى أخيك. فقال: أخى المقدم على بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه، حتى يقرأ كتابك.

ثم قال: وما تدعو إليه، قلت: أدعوك إلى الله وحده، لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله.

قال عبد: إنك ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك، فإن لنا فيه قدوة، قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ووددت أنه لو كان أسلم، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هدانى الله تعالى إلى الإسلام.

فسألني: فمتي تبعته؟ قلت: قريبا، عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع بملكه، فقلت أقروه واتبعوه. قال والأساقفة والرهبان تبعوه، قلت نعم.

قال: يا عمرو إنه ليس من خصلة فى الرجل، أفضح له من الكذب، قلت: ما كذبت، وما نستحله في ديننا.

قال: هل علم هرقل بإسلام النجاشى. قلت: بلي، قال بأى شيء علمت ذلك؟ قلت:

كان النجاشى يخرج خرجا له، فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم منعه وقال: والله لو سألنى درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، فقال له أخوه (أى هرقل) : أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك، دينا محدثا.

قال هرقل: رجل رغب فى دين، فاختار لنفسه ماذا أصنع به، والله لولا الضن بملكى لصنعت كما صنع.

قال: انظر ما تقول يا عمرو. قال عمرو: والله صدقتك.

قال عبد: فأخبرنى ما الذى يأمر به وينهى عنه.

قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر، وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان وعن الزنا، وعن الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب.

قال: ما أحسن هذا الذى يدعو إليه، لو كان أخى يتابعنى عليه، ركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدق به ولكن أخى أضن بملكه من أن يدعه، ويصير ذنبا.

قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قومه فأخذ الصدقة من غنيهم، فيردها على فقيرهم. فقال: إن هذا لخلق حسن. ما الصدقة، فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الصدقات فى الأموال، حتى إلى الإبل، قال: وتؤخذ من سوائم مواشينا التى ترعى الشجر، وترد على المياه فقلت نعم. فقال: والله ما أرى قومى فى بعد دارهم، وكثرة عددهم يطيعون هذا.

وبعد هذه المناظرة والتحريات التى قام بها الأخ الأصغر، ودلت على ميله للدخول فى الإسلام اتجه عمرو بن العاص إلى مقابلة الأخ الأكبر، وهو الأمير على هذه الديار، ولنترك القول لعمرو فإنه حسن الحكاية لما حصل.

مكثت ببابه أياما، وهو يصل إلى أخيه فيخبره بكل خبرى، ثم إنه دعانى (أى الأمير وهو الأخ الأكبر) دعانى، فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعى، فقال: دعوه، فأرسلت فذهبت، فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعونى أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلم، فدفعت إليه الكتاب مختوما ففض خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه، فقرأه مثل قراءته، إلا أنى رأيت أخاه أرق منه.

قال الأمير: ألا تخبرنى عن قريش كيف صنعت، فقلت اتبعوه، إما راغب فى الدين، وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه، قلت: الناس قد رغبوا فى الإسلام، واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم مع هدى الله تعالى إياهم أنهم كانوا فى ضلال، فما أحد منهم بقى غيرك فى هذه الخرجة، وإنك إن لم تسلم اليوم وتتبعه توطئك الخيل وتبيد خضراءك، فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال.

قال الأمير: دعنى يومى هذا وارجع إليّ غدا.

فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إنى لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه.

حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لى.

فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أنى لم أصل إليه، فأوصلنى إليه.

قال الأمير: إنى فكرت فيما دعوتنى إليه، فأنا أضعف العرب، إن ملكت رجلا ما فى يدى، وهو لا يبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالا ليس كقتال من لاقى.

قلت: وأنا خارج غدا.

فلما أيقن بمخرجى، خلا به أخوه، فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إليّ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وخليا بينى وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لى عونا.

وقد نقلنا المحاورات التى كانت بين عمرو بن العاص، والأميرين، اللذين مال أحدهما إلى الإسلام ابتداء، ومال الثانى إليه انتهاء، وأسلما وحسن إسلامهما.

وإن هذه المحاورة والاستجابة لما فى الكتاب تدل على أن الإسلام قد تغلغل فى نفس العربى ما بين مؤمن به وناظر إليه، ومخادع فيه، وإنه كان موضع تفكير المفكرين.

وإن هذه المحاورة تدل على أنهم كانوا من النصارى، وأن هرقل لأنه ملك أكبر دولة مسيحية كان له هيمنة على نصارى الشرق، فمصر تابعة له، والحبشة له خرج على النجاشى ملكها.

ويدل أيضا على إيمان النجاشى بأنه لا ولاية لغير المسلم على المسلم، ولذلك رفض أن يرسل الذى كان عليه أن يؤديه، وقال له فى قوة وحزم: لا أدفع درهما.

ويدل أيضا على سعة تفكير هرقل، ورفضه أن يثير حربا لأجل الخرج الذى كان يقدمه تابع له، لأنه اتبع دينا آخر وظهر ميله للإسلام واعتقاده بأنه صدق، وكان يعلن ذلك لوصيه بملكه، ومهما يكن أمر إسلامه، فإنه يظهر بمظهر رجل حر الفكر والرأى يقدر حرية التدين فى غيره، كما يقدرها فى نفسه.

وفى الكلام ما يوميء إلى أن هذا الكتاب كان بعد فتح مكة المكرمة، لأنه سأله عن قريش اتبعوا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم أم لم يتبعوه، فأجاب عمرو بأنهم اتبعوه، إما رغبا وإما قهرا، وإن ذلك كان بعد الفتح لا ريب فى ذلك.

وأنه يبدو بلا ريب أن عمرو بن العاص كان ذا فراسة قوية عندما اختار أحد الأميرين وهو الأصغر، عندما ابتدأه فى تقديم الكتاب، فعن طريقه أقنع أخاه ذا الصلف والكبرياء.

ويلاحظ أن عمرا كان شديدا فى قوله عندما خاطب الأمير الأكبر، ولعل ذلك من أنفة العربى إذ منعه الملك من الجلوس، وأبى إلا أن يقدم كتاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو واقف، فلم يرد أن يكون ذليلا.

ولم يضر ذلك بقضية الإسلام لأنه كان يستعين بأخى الأمير الذى أبدى لينا غير منتظر، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم ين عن الدعوة، وسط الحروب وفى تدبير الدولة.

,

كتابه عليه الصلاة والسلام إلى صاحب اليمامة

585- أرسل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع سليم بن عمرو العامرى كتابا إلى صاحب اليمامة هوذة بن على، وكان نص الكتاب:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن على سلام على من اتبع الهدى.

اعلم أن دينى سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يدك» .

فلما قدم عليه سليط حامل الكتاب وكان مختوما أنزله وحياه وبعد أن قرأ الكتاب ودعاه رد على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بكتاب جاء فيه «ما أحسن ما تدعو إليه، وأجمله، والعرب تهاب مكانى، فاجعل لى بعض الأمر أتبعك» .

وأجاز سليطا الرسول بجائزة، وكساه أثوابا من نسيج هجر.

قدم الرسول على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه الكتاب والهدايا، فلما قرأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، امتنع عن أن يعطيه جزآ من الأرض.

وبعد فتح مكة المكرمة، علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالوحى أن هوذة صاحب هذا الكتاب الطامع قد مات وقد ذم رجال اليمامة، وقال أما إنه سيخرج بها كذاب سينتهى بقتله. قال بعض الصحابة: ومن يقتله؟ قال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أنت وأصحابك.

وإن نبوءة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كانت صادقة، فإن الأعراب كانت فيهم ردة، وكانت اليمامة ذات ضلع فيها، وقام الصديق خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعزمة كانت عز الإسلام وبها صار قارا ثابتا، وقد حفظ الله تعالى بأبى بكر قوة الإسلام، وعزته وقالها قولة حازمة جازمة: «إما سلم مخزية، وإما حرب مجلية» .

586- وقد أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غب الحديبية إلى أمير الغساسنة بكتاب فيه هذا المعنى. وهو الدعوة إلى الإسلام، ولم يذكر كتاب السيرة أأجاب إلى الهدى أم لم يجب.

ونحن ذكرنا كتابته إلى الملوك، والأمراء والرؤساء وردهم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، ما بين مستجيبين ومترددين مجاملين فى الرد وإن لم يؤمنوا، وجاحدين كافرين معاندين مريدين إنزال الأذى بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم قاصدين الكيد، فرد الله تعالى كيدهم فى نحورهم.

وتركنا مؤقتا الكلام فى المغازى لأسباب ثلاثة:

أولها: أن المقصود من الرسالة المحمدية هو تبليغ الدعوة إلى الإسلام وما كانت الحروب إلا لحماية الدعوة ولمنع الكافرين من أن يفتنوا المؤمنين فى دينهم، كما فعل مشركو مكة المكرمة ونصارى الشام. فما كانت الحرب مشروعة لذاتها، ولكن كانت دفاعا وحماية للدعوة، وهى المقصود أولا وبالذات.

ثانيها: أن هذه المكاتبات والرد عليها تبين مدى انتشار الدعوة، وإيمان الناس واستجابتهم، فقد رأيت بعضهم يستجيب فورا، وبعضهم يستجيب ويسأل عن حكم الشريعة فى أمر من تحت يده من اليهود والمجوس كابن ساوى، ومنهم من كان يتردد فى الاتباع، ثم ينتهى بالإذعان هو وقومه. ورأينا صاحب اليمامة يساوم، وكانت موضع الردة هى وبنو حنيفة، وقد تنبأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، فكان منهم رأس الفتنة فى الردة.

ثالثها: أننا رأينا أمراء العرب، أو جلهم كانوا أكثر استعداد للإجابة من غيرهم، وأن النصارى منهم كانوا أميل إلى الإجابة، وأبعد عن التعنت وخصوصا الذين كانوا يعلمون علم الكتاب، ويدرسون المسيحية فى أصلها الأول، وإن لم يكونوا غير مذكورين فى التاريخ.

وإنه فى الجملة قد أخذت الدعوة الإسلامية تعم بلاد العرب كلها، وإذا كان قد أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ذلك مجاهدين، فقد كان عملهم تعليم الإسلام، كما سنتكلم عن غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى اليمن بقيادة على بن أبى طالب، ومعاذ بن جبل رضى الله تعالى عنهما.

لقد كانت الاستجابة سريعة، والإجابة صادقة، إذ لم يكن منهم من بعد ذلك ردة كأهل اليمامة، وكان فيهم علم.


تحميل : مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام. من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: