غزوة دومة الجندل من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

غزوة دومة الجندل   من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

غزوة دومة الجندل

455- وهى مكان يبعد عن المدينة بمسيرة نحو خمس عشرة ليلة من ناحية الشام. وقد كانت سرايا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وغزواته، أكثرها في ناحية مكة المكرمة وما حولها، ونجد وما يقاربها. وفي هذه الغزوة اتجه ناحية الشام، ليكون ذلك إعلاما لقيصر الروم الذى كان يحكم الشام.

بأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا الدين الجديد فيتعرف الحال والمال، فيكون ذلك تنبيها له ما بعده، كما سيجيء الأمر في الغزوات التى اتجهت إلى لقاء الرومان في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

لذلك اتجه صلى الله تعالى عليه وسلم إلى دومة الجندل ليدنو إلى أدنى الشام من الصحراء العربية، ولأن دومة الجندل كان بها جمع كبير، وأنهم كانوا يشبهون قطاع الطريق. فيسرقون من يمر بهم وينتهبونه. ومع ذلك كان فيه سوق عظيمة. فكان لابد أن يغزوها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من المدينة المنورة في شهر ربيع الأوّل من السنة الخامسة، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى.

ونرى من هذا أنه ما كان يخص نوعا، معينا من الرجال باستعماله في المدينة وهو غائب عنها، وفي ذلك إشعار للمؤمنين بأن الولاية حق لكل مؤمن من غير نظر إلى قبيل أو نوع من الرجال.

ندب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس، وخرج في ألف من المسلمين، وكان يسير بالليل. ويكمن بالنهار. ولعل الوقت كان صيفا، فكان السير ليلا أخف وأيسر، وعلى أى حال، فهو كتمان للمسير. والحرب خدعة، وكان يسير ومعه دليل من بنى عذرة، وهو هاد خريت.

لما دنا من دومة الجندل، وقد وصل الخبر إليهم، فتفرقوا فنزل بساحتهم، فلم يجد أحدا فأقام بها أياما، وبث سراياه، داعية إلى الإسلام بين الأقوام متعرفة فاحصة وقد أسلم على يديه من أسلم، ثم عاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد شهر من خروجه.

,

النبى في المدينة

456- كانت غزوة بدر الآخرة في شعبان من السنة الرابعة، ثم كانت من بعد غزوة دومة الجندل في ربيع الأوّل من السنة الخامسة؛ فمكث الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من غير غزو نحو ستة أشهر أو تزيد، فماذا كان يعمل؟

ونقول في ذلك: كان يقوم بحق التبليغ للرسالة، فما بعث محمد صلى الله تعالى عليه وسلم للقتال، ولكن بعث لتبليغ رسالة ربه، وما كان القتال إلا دفعا للذين يقفون في سبيل الدعوة، أو يكيدون للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وللمؤمنين، أو يريدون أن يفتنوا الناس عن الإسلام، فالقتال كان لحماية الدعوة، وهى الأصل، وبيان أحكام الله تعالى للعباد، هى تبليغ الرسالة والله تعالى يقول في كتابه العزيز:

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة- 67) .

كانت إقامة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في المدينة في الفترات التى تكون بين الغزوات لبيان حقائق الرسالة المحمدية، والأحكام الشرعية، وتعليم المؤمنين ما يدعو إليه ربهم، وتحفيظهم ما يتيسر لهم من حفظ القرآن بحيث يحفظه مجموعهم، ويحفظ بعضهم كله كزيد بن ثابت. فكان عمله عليه السلام في فترات السلم تبليغ ما أمره الله تعالى به، وبيان الطريق لتنفيذه وتطبيقه، وتعليم الناس ما لا يمكن معرفته إلا بالتدريب عليه.

لقد رأينا بعد غزوة بنى النضير نزول القرآن بتحريم الخمر، فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يتولى تنفيذ ذلك التحريم، ببيان العقوبات الزاجرة المانعة من الشرب، فقد جيء له بشارب، فضربه بالنعال أربعين بنعلين، فكانت ثمانين، فاعتبر كثيرون من الصحابة حد الخمر ثمانين، وشدد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في المنع، فقال في شارب الخمر: إذا شرب، فاضربوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه.

وجاء قوم يقولون إنا بأرض برد نستدفيء بالخمر، فنهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن شربها، فقالوا إنهم لا يمتنعون، قال: فقاتلوهم. وبذلك بين لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أحكام الشرع، ودربهم على تنفيذ ما أمر الله به، وما نهاهم عنه، ويقيم الحدود التى شرعها الله تعالى، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه بما أنزل الله تعالى.

وقد بين لهم صلى الله تعالى عليه وسلم أحكام الزواج، وشرح لهم المحرمات، وعلمهم الفرق بين ما هو سفاح، وما هو نكاح، وما للرجل على امرأته، وما عليه من حقوق، وبين أحكام الملكية

الخاصة، وبجوارها الملكية العامة، وما على الآحاد من الناس من حقوق، وما عليه من واجبات، ويتلقى الذين جاؤا إليه ليتعلموا الإسلام. ويرسل إلى كل عشيرة أو قبيلة من يعلمها أمر دينها، ويتحقق بذلك قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (التوبة- 122) . فهو يرشد ويهدى بنفسه من يجيئون إليه. ومن هم قريبون منه، ويرسل رجاله إلى من يرشدونهم ويتلقى القرآن، من لدن حكيم عليم، ويأمر من بحضرته ممن يحسنون الكتابة أن يكتبوا ما ينزل به الروح الأمين.

ويعلمهم صلى الله تعالى عليه وسلم أحكام البيوع والشروط، والمعاملات والديون وما يتعلق بها، وغير ذلك من الأحكام التى تنظم الجماعة الإسلامية وتكون منها المدينة الفاضلة، وهو في هذا يبلغ رسالة ربه.


تحميل : غزوة دومة الجندل من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: