غزوة تبوك من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

غزوة تبوك من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

غزوة تبوك

639- استوعبت الدعوة الإسلامية البلاد العربية، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ومنهم من أسلم، ولما يدخل الإيمان فى قلبه، ومنهم من آمن وأخلص للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وحمل عبء الدعوة وجاهد فى سبيلها، وليس من العرب من لم يعلم بالإسلام، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والحق الذى يدعو إليه، من غير مواناة ولا تقصير. ولا هوادة.

ولا بد أن يتجاوز بعد ذلك دائرة البلاد العربية إلى ما يصاقبها، من البلاد المجاورة خصوصا البلاد التى فيها العنصر العربى، فإنها بتكوينها أقرب إلى الاستجابة إلى ما يعم بلاد العرب التى هى مثابتهم، وفيها الحرم الآمن الذى جعله الله آمنا، والناس يتخطفون من حوله.

وأخص بذلك بلاد الشام ففيها الغساسنة من العرب، وكان فيها اعتداء على من أسلم وكانت غزوة مؤتة، بسبب قتل رسول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والى بصري.

وانتهت مؤتة، ولم تكن بنصر حاسم، وإن لم تكن بهزيمة، فإن جيش الإسلام لم يرجع مهزوما وإنما تراجع منتظما بمهارة خالد بن الوليد، وكانت هذه أول قيادة ناجحة له فى الإسلام.

ولم تكن النتيجة على المسلمين، فلم يقتل منهم أمام مائتى ألف إلا نحو اثنا عشر رجلا وقد قتل من الروم مقتلة عظيمة، حتى إنه فى هذه المعركة يطوى فى يد خالد تسعة سيوف، وقتل الأمراء لم يؤثر بالهزيمة فى الجيش الأقل فى عدد.

وإن شئت أن تقول إن غزوة تبوك امتداد لغزوة مؤتة فقل، فهى سير فى الخطة التى ابتدأت بها، ولم تنل مأربها من قتل قتلة الرسول الذى بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

ومع أنها امتداد لغزوة مؤتة فى سببها وسيرها، والمقصد، فقد كان لها وحدها سبب قائم بذاته، ذلك أنه باللقاء بين المسلمين وغيرهم من الأنصار ومن معهم من العرب، أوجد الالتحام الحربى بين العرب الذين عاونوا الرومان والعرب المجاهدين مع اتحاد الجنس، من يميل إلى الإسلام لأنه الدين الجديد فى قومهم، وقد صار رمز القوة عندهم، وخير لهم أن يعتزوا بأنفسهم عن أن يعتزوا بالرومان، ففرق بين من يقول أنت أخى، ومن يقول أنت عبدى أو تابعى، ولذلك كان إقبال الخاضعين للغزو الرومانى شديدا لأنه الدين الجديد لإخوانهم، ولاضطراب الدولة الرومانية، واضطراب الأحوال فيها.

ولقد أسلم من العرب الذين استعان بهم الرومان عدد كبير.

لقد أسلم فروة بن عمرو الجذامى الذى كان قائدا لإحدى الفرق الرومانية عندما اقتتل الرومان مع المسلمين فى مؤتة.

فضاق الرومان ذرعا بإسلامه، واتهموه بالخيانة وقتلوه، وما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يترك دم هذا الرجل المسلم هدرا، بل لا بد من القصاص، وإن قتله فتنة تمنع غيره من أن يدخل فى الإسلام، فحق أمر الله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (البقرة: 193) وجبت الطاعة لقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً (التوبة: 9) . قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (التوبة: 29) .

وهناك أمر أخر ذكره كتاب السيرة أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا (التوبة: 28) ظن التجار الذين كانوا يقيمون المتاجر فى سوق عكاظ، وذوى المجاز ومجنة، وغيرها من الأسواق فى موسم الحج، ظنوا أن متاجرهم تكسد، فكان لهذا ولغيره غزوة الشام فى تبوك، وفى ذلك فتح لأبواب التجارة.

ذلك سبب ذكره كتاب السيرة، وما كنا لنذكره لولا أنهم ذكروه، فما كانت غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لتسهيل تجارة مادية، إنما كانت لتسهيل الدعوة الإسلامية، وإن هذه التجارة لن تبور، بل فيها مكسب أغلى وأعلى، وهو رضا الله سبحانه وتعالى.

وإن الرومان بعد غزوة مؤتة قد رأوا أن الدين الجديد يغزو النفوس بأحكامه. ويغزو البلاد برجاله، وأنهم يجب أن يعدوا العدة للقضاء عليه قبل أن يقضى على دولتهم، فكانوا يستعدون لغزو الإسلام، وما كان للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتركهم حتى يغزوه فى داره، فما غزى قوم فى عقر دارهم إلا ذلوا.

وقد رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الروم يجمعون الجموع وأن قيصر قد أعطى أرزاقهم لسنة، وإن فى غزو الرومان تقوية لبأس العرب الخاضعين للرومان فى الشام، إذ يجدونهم يتحفزون لرفع النير عنهم، وإخراجهم من سيطرة من يذلهم، إلى عز قومهم.

,

الحال عند الغزو:

640- فى رجب من السنة التاسعة، ويظهر أنه فى آخره أى فى آخر الشهر الحرام، أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس بالتهيؤ لحرب الروم الذى قد أعدوا له عدة لحربه، وكان ذلك فى

وقت حر شديد، والنبى صلى الله عليه وسلم ما كان يبين للناس اتجاهه إذا خرج لحرب إلا فى تبوك لبعد الشقة، ولعظم المهمة، وليستعد الناس لنوع من الجهاد شاق مرير، فى وقت شديد غليظ إذ كان الحر شديدا، وكانوا يجمعون ثمار حرثهم، وغلالهم، وفى بعض البلاد جدب. وقد طابت ثمار الأرض التى أنتجت، والإرادة المادية عندهم ربما تغالب النية المحتسبة عند بعضهم، ولقد أخذ صلى الله تعالى عليه وسلم يختبر النفوس، والغزوة كلها اختبار للمؤمنين، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما اختار الزمان، إنما اختارته له العناية الإلهية، وإرادة الروم، وقد خاطب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعض الرجال ليعرف ما فى بعض النفوس، قال للجد بن قيس: يا جد، هل لك فى جلاد بنى الأصفر (يريد الروم) .

فأجاب إجابة المتردد، غير المعتزم: «أو تأذن لى ولا تفتنى، فو الله لقد عرف أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر لا أصبر» .

اعتذار بغلبة هوى النفس عنده على الجهاد، وأنه لا يستطيع جهاد نفسه عن الإثم فهو، يخشى الفتنة وأى فتنة أشد على الرجال من أن يكون عبد هواه، وقد أذن له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه لا جدوى فى رجل لا إرادة له، وإنما هى حرب ضروس تحتاج إلى صبر وجهاد نفسى، فالوصول إلى العدو ليس سهلا، والحر شديد، واللقاء مع عدو كبير.

وإن هذه الغزوة كان فيها الناس على أنواع شتى فى نفوسهم.

1- فمنهم من قعدت بهم همتهم، فخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، واعتذروا بالمعاذير، وهؤلاء يقولون مع المنافقين: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا، وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ

(التوبة: 81، 82)

وهؤلاء منهم ضعفاء الإيمان ومنهم ضعفاء العزيمة وليست لديهم قوة نفسية يتحملون بها الشدائد، ولذلك كان فيهم جزع، وخوف من الإقدام.

2- ومنهم المنافقون الذين يثبطون، ويريدون الفتنة ويبتغون تثبيط المؤمنين عن المجاهدين، ويقول سبحانه وتعالى فيهم: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ، وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.

إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ. وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً، وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ

انْبِعاثَهُمْ، فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (التوبة: 42: 48) .

الصنف الثالث أهل الإيمان. وكلهم مجاهد بنفسه وماله، لا يدخرون جهدا ولا مالا، وهم الذين قال الله تعالى فيهم وقرنهم فى الذكر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة: 117) .

هؤلاء هم الذين حملوا الدور الأول حتى صارت الكلمة العليا لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فى بلاد العرب، فهم أيضا الذين حملوا عبء الجهاد، عندما أخذ الإسلام ينتشر فى غير البلاد العربية، وخرج الجهاد إلى بنى الأصفر (الرومان) الذين كان اسمهم يرهب العرب.

641- كان على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحتاط من المنافقين وكان على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يحرض المؤمنين الذين كانوا معه ويجمع شملهم، وأن يكون بعضهم عونا لبعض فى هذه العسرة الشديدة.

أما بالنسبة للمنافقين فإنهم كانوا دائبى الحركة ليثبطوا المؤمنين، وهم يقولون لا تنفروا فى الحر، ليمنعوهم نفسيا من الجهاد، بل وصلت بهم الحال إلى أن يجتمعوا ببعض اليهود يأتمرون معهم.

حدث ابن هشام بسنده أن ناسا من المنافقين كانوا يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، وكان بيته فى موضع اسمه جاسوم، يثبطون الناس عن الجهاد، وعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة تبوك، فبعث إليهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم طلحة بن عبيد الله فى نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم هذا، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خلفة من ظهر البيت، فانكسرت ساقه وأفلت أصحاب البيت.

كانت عين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المجاهد تترصد أولئك المثبطين الذين بلغت حالهم، حد التامر، فرد الله كيدهم فى نحورهم.

والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يأخذ حذره ممن يثبطون العزائم وهذه المعركة معركة عزائم، وقوة نفوس، وجلد وصبر وقوة احتمال.

كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى ذلك الوقت العصيب يثير عزائم أصحابه، ولا يكتفى بأن يحثهم على الخروج، بل يحثهم على أن يعين بعضهم بعضا، وأن ينفقوا فى الحرب ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، وأنه يحتاج إلى الزاد والراحلة والشقة بعيدة، ولم يكن له اختيار فى الأمان كما ذكرنا بل إنه إذ علم أن الروم يتجمعون لاقتلاع هذا الدين من الأرض العربية، وليستذلوا العرب ويقضوا على منبع العزة فيهم، فما كان له أن ينتظر، بل لا بد أن يبادرهم، ولا ينتظرهم، لقد أراد أن يخرج لهم بأكبر غزوة يغزوها، أن يخرج بثلاثين ألفا، فلا بد أن يكون فى يده ما يغزوهم به، وما يحملهم عليه، ولا يكون معه إلا القوى الأمين.

ذكر ابن إسحاق بسنده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جد فى سفره، وأمر الناس بالجهاد والانكماش (الإسراع) وحض أهل الغنى على النفقة، والحملان فى سبيل الله تعالى فحمل رجال من أهل الغنى، وكان لعثمان ذى النورين الحظ الأكبر من الإنفاق، حتى كاد يحمل الجيش كله.

روى الإمام أحمد أن عثمان ابتدأ بألف دينار فصبها فى حجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه بسنده قام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فحث على الإنفاق على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم نزل مرقاة من المنبر، ثم حث، فقال عثمان على مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «ما ضر عثمان عمل بعد هذا» ولقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «من جهز جيش العسرة غفر الله تعالى له» .

هؤلاء المؤمنون كان منهم من حمل نفسه وحمل معه زاده كعبد الرحمن بن عوف ومنهم من تبرع بزاد وحملان لغيره كأبى بكر وعمر، وغيرهما من ذوى اليسار من المهاجرين والأنصار.

ولكن كان من بين المؤمنين الصادقين البكاؤون، وأولئك أرادوا الجهاد وألا يتخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى نفير كهذا النفير، الفاصل بين نشر الإيمان فى الأرض وبين أن يقضى عليه فى مهده أهل القوة فيها.

كان هؤلاء النفر السبعة الذين سموا البكائين، وقد ذهبوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فاستحملوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن طلبوا منه ما يحملهم عليه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «لا أجد ما أحملكم عليه» .

ولقد قال الله تعالى فى ذلك الجمع الحاشد: وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ، وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ. رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ، وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ. لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ، وَلا عَلَى الْمَرْضى، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ، إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ، وَهُمْ أَغْنِياءُ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» (التوبة: 86: 93) .

وقبل أن يسير الجيش الكبير كان بعض البكائين من الأنصار الذين لم يجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما يحملهم عليه- وقد وجد من يعينه، فابن يامين بن عمير بن كعب لقى اثنين منهما وهما يبكيان، فقال ما يبكيكما، قالا جئنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه.

وإن بعضهم، وهو عطية بن زيد قد أخذ يعتذر إلى الله تعالى عن عدم خروجه، ويقول: «اللهم إنك أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندى ما أتقوى به، ولم تجعل فى يد رسولك ما يحملنى عليه، وإنى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابنى فيها فى مال أو حد جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس» .

,

المسير

642- أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى السير بجيشه الذى بلغ نحو ثلاثين ألفا، وتبعه عبد الله بن أبى مع المنافقين وأهل الريب فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف، وما كان سيره ثم تخلفه إلا ليخذل المؤمنين ليثير الريب بعمله، كما أثاره بقوله.

وقد جعل على المدينة المنورة محمد بن سلمة الأنصارى.

وخلف على بن أبى طالب فى أهله، ويظهر أن هذه تشبه ما خلفه به على الودائع يوم الهجرة، لأن الشقة كانت بعيدة، فاختار رجلا من أهله ليقوم على أهله وأهله، وما كان لعلى أن يكون له بعد أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الخيرة من أمره، بل عليه الطاعة المجردة، ولكن المنافقين الذين من شأنهم أن يثيروا الريب، والإفساد ويسعوا بالنميمة بالأحبة- أشاعوا قالة غير صحيحة أصلا، قالوا: ما خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بن أبى طالب إلا استثقالا له وتخففا منه.

فلما أكثروا من القول فى ذلك، أخذ على رضى الله تعالى عنه سلاحه، ثم خرج حتى لحق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «كذبوا، ولكنى خلفتك لما ورائى فارجع فى أهلى وأهلك، أفلا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» روى هذا الحديث البخارى ومسلم وأبو داود الطيالسى.

وروى الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه أن عليا المجاهد، استكثر على نفسه أن يكون ميدان الجهاد متسعا، وفى غزوة كثر فيها التخلف، أن يبقى ولا يحمل سيفه البتار، فقال للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم «يا رسول الله لا تخلفنى فى النساء والصبيان! فقال: يا على أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» .

وإن هذا كان المنتظر من على هذا، فإن المؤمنين المتقين كانوا يتسابقون فى الخروج لأنهم لا يرضون لأنفسهم أن يبقوا فى راحة بين أهليهم والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم يسير فى الصحراء حيث الحر اللافح.

قعد أبو خيثمة وله امرأتان عربيتان قد رشتا حول عريشهما الماء لتكونا مع زوجهما فى جو رطيب، فلما رأى ذلك قال: «يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الضح والريح والحر. وأبو خيثمة فى ظل بارد، ومكان مهيأ وامرأة حسناء فى حاله مقيم، ما هذا بالنصف، والله لا أدخل عريش واحدة منكما، حتى ألحق برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فهيئالى زادا» ، وأخلف عنه بعض الصحابة فى أهله، وارتحل ناضحا له، وأسرع حتى وصل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معتمدا على الله تعالى، والناس معه، وبعضهم يقول تخلف فلان، فيقول عليه الصلاة والسلام: دعوه، فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحنا الله منه، حتى قيل تخلف أبو ذر، وتلوم به بعيره.

ولما أبطأ بعير أبى ذر، وهو يريد أن يلحق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، نزل وترك البعير، وتخفف ماشيا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى قارب ركب النبى صلى الله تعالى عليه

وسلم، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله هذا رجل ماش على الطريق فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «كن أبا ذر» فلما تأمله الناس قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده، ويبعث وحده» .

وقد مات أبو ذر، وقد نفاه عثمان إلى الربذة، فمات وحيدا حتى عثر به فى الصحراء عبد الله بن مسعود، فدفنه، وبكاه، وقال صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

ولقد كانت هذه الغزوة رحلة إسلامية إلى حيث آثار عاد وثمود، فمر بها، ولقد مر بالحجر، فسجى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثوبه على وجهه واستحث راحلته، ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم، إلا وأنتم باكون، خوفا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم فهو يدعو إلى الاعتبار بالآثار، لا بمجرد التطواف بالرسوم من غير نظر إلى ما تدل.

وبينما المؤمنون سائرون أصابهم عطش شديد ولا ماء يروون به غلتهم، فشكوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فدعا عليه الصلاة والسلام واستسقى، فأرسل الله سحابة مملوءة ماء، فأمطرت، وألقت حمولتها، وارتوى الناس، واحتملوا معهم ماء يرويهم عند حاجتهم إلى الماء.

ولقد ضلت ناقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبر عن مكانها وبعث بعض الناس فوجدوها، وقد مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى لأواء الصحراء وشدتها، والمؤمنون الذين نصحوا لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، يركبون الصعاب وهم حوله يعاونونه، ويشدون من أزره، وكان بعض الذين تخلفوا منهم منافقون لا يكتفون بأن يكونوا مع الخوالف، بل يتهكمون ويسخرون من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، وهو فى منطلقه إلى تبوك يقولون: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب، والله لكأننا بكم غدا مقرنين بالحبال يقولون ذلك إرجافا وترهيبا.

ولقد بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما قالوا، فأتوا إليه يعتذرون بقول قائل إنما كنا نخوض ونلعب، فقال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ (التوبة: 65) .

كان ذلك أمر الذين نصحوا لله ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأخلصوا، وهذا الذى ذكرناه شأن الذين رضوا بالقعود، وأولئك يقطعون الفيافى والقفار ليصلوا إلى الغاية التى يتحقق فيها أمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد وصلوا سالمين وعادوا سالمين.

,

وصول رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم إلى تبوك وخطبته

643- وصل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بجيش الإيمان إلى تبوك من أرض الشام ولم يلق حربا، لأنه لم يجد جندا من جنود الرومان يحاربهم، وقد عقد عقود ذمة مع بعض النصارى، وأرسل سرايا لمن لم يكونوا فى طريقه، وسنشير إليها.

والآن نذكر أنه عندما وصل إلى تبوك، وقف بجوار نخلة هناك، وألقى خطبة فيها حكمة النبوة وخلق الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى أجمع الخطب فى الأخلاق، رواها الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه، وهذا نص الرواية:

أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، خطب الناس، وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال:

ألا تحبون أن أخبركم بخير الناس وشر الناس، إن من خير الناس رجلا عمل فى سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدمه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوى إلى شيء منه.

وروى البيهقى بسنده لما أصبح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فحمد الله تعالي، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

أيها الناس، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأوثق العرا كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله تعالى، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلال بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتى الجمعة إلا دبرا، ومن الناس من لا يذكر الله تعالى إلا هجرا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر فى القلوب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المأكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أذرع، والأمر إلى الآخرة، وملاك العمل خواتمه، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق،

وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتألى على الله تعالى يكذبه، ومن يستغفره يغفر له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يبتغ السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لى ولأمتى، اللهم اغفر لى ولأمتى، اللهم اغفر لى ولأمتى، قالها ثلاثا، أستغفر الله لى ولكم» هذا الحديث بهذه الخطبة رواه البيهقى، ولكن قال فيه الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب فيه نكارة وفى إسناده ضعف، والله أعلم بالصواب.

ولعل روايته مجتمعا هكذا هو الذى كانت فيه النكارة وكان فيه الضعف فى إسناده وذكرناه، لأن أجزاءه لا يمكن أن يكون فيها نكارة، كل واحد منها بمفرده وكله حكم رائعات إن لم تكن حديثا صحيحا فهى فى أجزائها من جوامع الكلم الذى اتصف بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وليس لنا أن نكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقول عنه ما لم يقل، فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نقل عنه فى حديث متواتر أو شبه متواتر: «من كذب على متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» .

ولكنا نقلنا هذا الكلام كما نقله الحافظ البيهقى، وإنه يسعنا ما يسعه والعلم عند الله.

,

نتائج تبوك

644- لم نجد فى تبوك معركة حربية، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد ذهب إلى الروم لما علم أنهم يجمعون جيشا، وأنفق قيصر الروم على هذا الجيش رزق عام، سبق به لتتوافر أعطيات الجند، وذلك ليفرض إرادته ونفوذه على العرب كما كان، وقد هزته مؤتة بكثرة القتل فى الرومان وإن انسحب جيش النبوة انسحابا ليس فرارا، وخافوا أن يتبعوه، ولكى يقضى أولئك النصارى على هذا الدين الجديد، الذى يقوض الدولة الرومانية فى الشام على الأقل.

ولم يكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لينتظر فى المدينة المنورة، بل إنه يجيء إليه، وقد جاء إليه فى جيش يريد الاستشهاد، فلما علم ذلك هرقل وقواده، وقد ذاق جيشه الذى كان مائتى ألف أمام ثلاثة آلاف تردد فى اللقاء، ويظهر أنه لم يستطع أن يستعين بمن حول الشام من الأعراب كما كان فى مؤتة، ولذلك فض جمعه، ولم يلق المسلمين، فلم يلق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حربا، ولم يكن من نتيجة لتبوك إلا أن أرهب الله الرومان فارتدوا على أدبارهم خاسرين، واقتص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من انسحاب جيشه بتخاذلهم عن لقائه.

وكان لا بد من منع الفتنة فى الدين الذى تكرر منهم، ولذلك أوصى بإرسال جيش أسامة إليهم، ليعلمهم أن أهل الإيمان لا يسلمون مسلما أو يخذلونه.

وإذا لم تكن ثمة نتائج حربية إلا هذه الصورة التى ذكرناها، فقد كانت هناك نتائج أخرى لا تقل آثارها عن النتائج الحربية بل تزيد عليها.

أولها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم علم أحوال القبائل العربية التى تتاخم الشام من صحراء العرب، وألقى فى نفوس أهلها روح العزة الإسلامية لكيلا يكونوا من بعد ذلك للرومان تبعا يضربون بسيوفهم العرب ويكونوا شوكة فى جنب، وليريهم أن الرومان فروا من لقائه، وبذلك يستهينون بالرومان، ويمزقوا نفوذهم، ويستعدوا لينالوا من الرومان، ويضربوهم بالسيوف الإسلامية، كما كان فى واقعة اليرموك من بعد.

ثانيها: إن كلمة الإسلام أخذت تتردد فى الشام بين نصارى غسان، فكثر التابع، وقل المانع وعلم أولئك العرب أن المستقبل للإسلام فى تلك الأرض لأنه دين الله ودين الحق الواضح الذى لا ضلال فيه، وأنه الدين المستقيم الذى لا التواء فى معانيه، وبذلك لا يناصرون الرومان، لذلك كانت واقعة اليرموك فى الشام بين الرومان والمسلمين، ولم يكن للعرب دور فيها يعاونون الرومان به.

ثالثها: أن الفكر الإسلامى أخذ يتلاقى مع النصارى وتميزت الحقائق الإسلامية لدى كبراء النصارى، ومن أسلم منهم كان له إسلامه، ومن لم يسلم كان عقد الهدنة، وكانت بعض السرايا تذهب فى الأرض القريبة من الشام.

ولعل أبرز الاتصال بين مباديء الإسلام، والنصارى، مكاتبة قيصر للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

,

كتاب قيصر إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم

645- لما نزل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بتبوك بعث إليه قيصر كتابا بعد أن لم يبعث جيشا، روى الإمام أحمد أن قيصر الروم قال: «ادع لى رجلا حافظا للحديث عربى اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه (أى الذى بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أيام الهدنة) فجيء بالرجل فدفع إليه الكتاب، واسم الرجل التنوخى، والقول عن الكتاب يسند إليه، فهو يقول جاءنى فدفع هرقل إلى كتابا، فقال: اذهب بكتابى هذا إلى هذا الرجل، فما سمعت من حديثه، فاحفظ لى منه ثلاثا، فلينظر فى صحيفته أكتب إلى بشيء، وانظر إذا قرأ كتابى هل يذكر الليل، وانظر فى ظهره، هل به شيء يريبك.

قال الرجل: فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا، فقلت: أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا، فإذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبيا على الماء، فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، ثم قال: من أنت؟ فقلت: أنا تنوخ. قال: هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم؟

قلت: إنى رسول قوم، وعلى دين قوم لا أرجع عنه، حتى أرجع إليهم، فضحك وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصص: 56) يا أخا تنوخ إنى كتبت إلى كسرى والله ممزقه، وممزق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها.

ولن يزال الناس لا يجدون منه بأسا مادام فى العيش خير. قلت هذه إحدى الثلاث التى أوصانى بها صاحبى، فأخذت سهما من جعبتى، فثبته فى جنب سيفى، ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية، فإذا فى كتاب صاحبى «تدعونى إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ قال: فأخذت سهما من جعبتي، فألقيته فى جلد سيفى، فلما أن فرغ من قراءة كتابى قال إن لك حقا، وإنك لرسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها، إنا سفر مرسلون، قال: فناداه رجل من طائفة الناس: أنا أجيزه، ففتح رحله فإذا هو بحلة صفورية، فوضعها فى حجري، قلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لى عثمان ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيكم ينزل هذا الرجل، فقال فتى من الأنصار: أنا. فقام الأنصارى وقمت معه حتى إذا أخرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يا أخا تنوخ، فأقبلت أهوى، حتى كنت قائما بمجلس فى مجلسى الذى كنت بين يديه فحل حبوته عن ظهره، فقال: هاهنا امض لما أمرت به فجلت فى ظهره فإذا أنا بخاتم النبوة فى موضع غضون الكتف» .

انفرد برواية هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده، ولم يكتب فى الضعاف التى قيل أنها أحصيت فى المسند، وقال فيه الحافظ بن كثير «هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس تفرد به الإمام أحمد» .

ومادام الخبر لا مطعن فيه، وأخبار الثقات تقبل لأن الأصل فى خبر الثقة أن يكون صدقا، وإننا بهذا نقرر أن تبوك كانت موضع ذلك الاتصال الفكرى الذى التقت حقائق الإسلام بما عند النصارى، وأصلحت الأفهام وتشفت الأوهام.

,

مصالحته عليه الصلاة والسلام ملك أيلة:

646- قلنا إن الوصول إلى تبوك أتى بخير كثير، فقد كان الاتصال الفكرى والسياسى، وقد ذكر خير مكاتبة هرقل والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى تبوك، وقلنا ما فيه، وركنا إلى صدقه قبولا لأخبار الثقات.

والآن نذكر خبرا مشهورا، وهو أن ملك أيلة أتى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، واسمه يحنة ابن رؤبة، فصالح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية، فكتب لهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتابا بذلك، وقال ابن إسحاق إنه عندهم.

وهذا نص كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليحنة.

بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبى رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم، وسيارتهم فى البر والبحر، لهم ذمة الله تعالى، وذمة محمد النبى، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر.

ونرى أن هذا العهد الذى أعطى صاحب أيلة عهدا يعم، ولا يخص، فهو لا يقصر على أهل أيلة، بل من معه من أهل الشام وأهل اليمن، وأهل البحر، والمعية المذكورة هى التى يجمعها النصرانية وإذا كان أهل اليمن وهم فى الجنوب ليسوا معه فى الحكم والسياسة، فهم معه فى الملة والاتباع الدينى، فعقد الذمة يسرى على هؤلاء جميعا، إذا التزموا شروطه، ويكون الذى عقد هو فيه صاحب أيلة، فمن يعلمه منهم، ويأخذ بحكمه فهو منهم.

وبذلك العهد يكون قد أخذ أكثر نصارى العرب يغدون إليه.

وكتب مثل هذا الصلح إلى جهم بن الصلت، وشرحبيل بن حسنة، أو أذن لهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يكون لهما ما اشتمل عليه من حقوق.

وكتب مثله لأهل جرباء، وأذرح، وهذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لأهل جرباء وأذرح أنهم آمنون بأمان الله تعالى، وأمان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن عليهم مائة دينار فى كل رجب ومائة أوقية، وأن الله تعالى عليهم كفيل بالنصح، والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين.

وهكذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعقد العقود الخاصة بالسلم بين المسلمين والنصارى، ومهد السبل للمسلمين يسيرون فى تلك الديار دعاة للإسلام، ولا شك أن هذه نتيجة من أعظم النتائج التى تتفق مع الدعوة الإسلامية، فما جاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم محاربا، ولكن جاء هاديا مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله تعالى عليه وسلم.

ولم يكتف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالعقود يعقدها، وهو فى تبوك بل أرسل السرايا إلى القبائل الشمالية القربية من تبوك، يسالمهم.

,

عودة المسلمين من تبوك

648- كانت غزوة تبوك غزوة مباركة، كانت الدعوة إلى الإسلام هى لبها وغايتها، ونهايتها، فقد نشر الإسلام بها فى شمال البلاد العربية، واستأنس به العرب فى هذه الأقاليم، وأخذ يسرى نوره فى الشام ذاته، مما كان تمهيدا لجيوش المسلمين لفتحه، حتى تكون المواقع من مواجهة بين الإسلام والرومان، والعرب، ومنهم عرب الشام، إذ غزوا باسم الإسلام.

وقد عاد النبى بعد ذلك إلى المدينة المنورة، ويقول ابن إسحاق أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة المنورة.

ويفهم من هذا أن مدة الإقامة بتبوك بضع عشرة ليلة لا تدخل فيها مدة السفر، ذهابا وأوبة، وقد ألف فى هذه المدة الناس، وعقد عقود ذمة، وأزال سطوات ناس ما كان يهمهم إلا الترف والصيد، وأوصل دعوة الإسلام إلى الأراضى المصاقبة للرومان لكيلا تكون لهم قوة منهم إذا اشتدت الشديدة، وقامت الحرب بين المسلمين والروم لتزول فتنة المسلمين فى بلادهم.

وقد حدثت وهم فى الرجوع خوارق للعادة على يد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وإن ذلك لكثير فى حياته صلى الله تعالى عليه وسلم، تتبعه دلائل النبوة وتسايره، وحيثما كان فى حله وترحاله بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسير، والعطش شديد، والماء نادر، والأرض صحراء رملة وكان فى الطريق ماء يخرج من وشل ينحدر قليلا من مرتفع، فنهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن أن يستقى منه قبل أن يصل، فاستقى منه ناس، فاستقوه، إذ لا يسقى إلا راكبا أو راكبين إلى ثلاثة.

فلما جاء إليه الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجد ماء، فدعا على الذين استقوه، ثم وضع يده تحت الوشل «المكان المرتفع» ودعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما شاء أن يدعو الله تعالى ضارعا إليه فانخرق. ويقول فى وصفه ابن إسحاق: ما إن له حسا كحس الصواعق، فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه، وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لئن بقيتم أو من بقى منكم، لتسمعن بهذا الوادى.

وإن هذا الحال كحال موسى إذ استسقى لقومه فضرب الحجر فانبثق منه اثنتا عشرة عينا، فقد قال الله تعالى فى ذلك: إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (البقرة: 60) .

إنها نبع النبوة وصل إليه موسى بعصاه، ووصل إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بيده، فقد رأى نشز الأرض يقطر قليلا فدعا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فانخرق، وصار له حس كحس الصواعق، كما قال ابن إسحاق.

,

القائد يرعى جنده حيا وميتا:

649- إن القائد يجب أن يكون محبا لجنده يحنو عليهم كما تحنو الأم على ولدها، لأنهم خرجوا مقدمين أنفسهم فى سبيل الله تعالى، غير مدخرين مالا، تاركين الأهل والولد، والراحة، فلا جزاء لهم إلا جنة الله فى الآخرة ومظاهر التكريم فى الدنيا.

وقد مات أحد الغزاة فى الطريق، وكان مؤمنا صادق الإيمان، قاوم فى سبيل الإسلام قومه حتى نازعوه ثوبه، ذلكم هو عبد الله ذو البجادين، قد مات فتولى دفنه محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووزيراه أبو بكر، وعمر رضى الله عنهما، ولنترك الكلمة لابن إسحاق فهو يقول راويا عن عبد الله ابن مسعود قال: «قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى غزوة تبوك،

فرأيت شعلة من نار فى ناحية المعسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين المزنى قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه، وهو يقول أدنيا إليّ أخاكما، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه قال:

«اللهم إنى أمسيت راضيا عنه. فارض عنه» . فيقول عبد الله بن مسعود: يا ليتنى كنت صاحب هذه الحفرة.

ويقول ابن هشام فى سبب تسميته بذى البجادين أنه كان ينزع إلى الإسلام فيمنعه قومه من ذلك، ويضيقون عليه، حتى تركوه فى بجاد ليس عليه غيره، والبجاد الكساء الغليظ الجافى، فهرب منهم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما كان قريبا من الرسول صلى الله عليه وسلم شق البجاد اثنين، فائتزر بواحد، واشتمل بالآخر، فقيل له ذو البجادين لذلك.

انظر إلى تكريم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأمين المجاهد للمجاهدين، لا يتركهم للذئاب تنوشهم، بل يكرمهم فى مماتهم، كما يكرمهم فى محياهم، ليقدموا على الفداء كراما.

,

عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم

650- قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة: 67) فالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم دائب على الدعوة لاينى، ينتقل فى لأواء الصحراء من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وما بينهما، ثم يتجاوز الفيافى والصحارى ليكون فى أرض الشام شامخا بالرسالة الإلهية على الرومان، ومن يتبعهم، ومن يخضع، فإذا لم يكن الله تعالى عاصمه من الذين يريدون به السوء فى كل مكان من هذه الجرداء، فمن يكون العاصم غير الله تعالى القوى الجبار.

لقد تسلل إلى جيش الإسلام بعض المنافقين، ورجع المدينة المنورة طائفة منهم ليخذلوا المؤمنين، وبقيت أخرى لتخذل إذا سنحت لها الفرصة فى السير، أو فى المعترك، ففوت الله تعالى عليهم الفرصة التى ينتهزون أمثالها دائما.

ولما تمت أمور تبوك، وتحولت إلى دعاية إسلامية صادقة، ولم تكن معركة قتال ينفثون فيها سموم التردد والهزيمة، ووجدوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم راجعا بجيش العسرة، وهو فى يسر وأمن وسلام واطمئنان ائتمروا بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومكروا محاولين أن يطرحوه من عقبة عالية فى

الطريق، وإذا كان قد أراد الخائنون إخوانهم أن يرموا عليه حجرا ثقيلا وهو جالس بجوار جدار لهم، فقد أراد الخائنون من المنافقين أن يطرحوه من فوق عقبة فى الطريق، ولكن الله تعالى أعلمه بما بيتوا فى الثانية كما أعلمه فى الأولى.

لما بلغوا العقبة التى كان تدبيرهم الخبيث ومكرهم السيئ عندها، فلما بلغها صلى الله تعالى عليه وسلم أمر الجند أن يسيروا فى بطن الوادى، وقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادى، فإنه أوسع لكم.

وأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم العقبة، وأخذ المسلمون وكل الجيش بطن الوادى إلا الذين ائتمروا، وبيتوا الشر، فقد أخذوا العقبة التى أخذها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لينفذوا ما مكروا به، ومكروا مكرا، ومكر الله تعالى مكرا، والله خير الماكرين.

لقد علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مكرهم الخبيث.

إن أولئك المنافقين لما علموا ذلك، وما اتخذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لنفسه من طريق استعدوا وتلثموا، فأخفوا وجوههم لكيلا يعرفوا، فعرفوا بذلك التلثم الذى أرادوا أن يستتروا به، فكشفهم المسلمون به.

لقد هموا بأمر عظيم، وهو أن يطرحوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من فوق العقبة. فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يلازمه عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأن يمشيا أمامه، على أن يأخذ عمار بن ياسر بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها.

وبينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى سيره هو ومن معه، أن سمعوا وكز أولئك الذين تامروا لركائبهم، وتدفعها عليهم، وقد أدرك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ماذا يريدون حسا، بعد أن علم بنياتهم من الله، وقد ساروا وراءهم من غير أن يعلموا، وظنوا أنهم مدركون ما يريدون.

وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حذيفة، وهو الذى يسوق الدابة أن يردهم، وأبصر حذيفة غضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبدا ما يتوقعه عليه الصلاة والسلام من شرهم فى وجهه، فرجع حذيفة، ومعه المجن.

رآهم حذيفة ملثمين، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها فى وجوهها بالمجن ضربا، وأبصر القوم وهم ملثمون، وظن أن ذلك فعل المسافر، يتقى باللثام حر الشمس، أو حرور الهواء، ولكن المتامرين فزعوا واضطربوا بإفزاع الله تعالى لهم، شأن من يريد جريمة ويشرع فيها إذ أنه يضطرب عندما يظن أن أمره قد كشف، فيفزع من تتميمها ويتراجع.

ولذلك أسرع أولئك الملثمون المتامرون إلى الاندماج فى وسط الناس فى بطن الوادى وأبطل الله تعالى كيدهم.

بعد ذلك رجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما أدركه، قال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش يا عمار، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، ثم بعد ذلك خرجوا من العقبة. وهم ينتظرون الناس.

قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحذيفة وهو الذى كان يسوق الناقة اذهب، وأرسله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فذهب إليهم ومن معهم، وتبين به أنه انكشف أمرهم- قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم له: هل عرفت من هؤلاء الركب أحدا؟

قال حذيفة عرفت راحلة فلان، وفلان، وكانت ظلمة الليل، قد غشيتهم وهم ملثمون.

قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هل علمتهم ما كان شأن الركب وما أرادوا.

قال: لا يا رسول الله، قال فإنهم مكروا ليسيروا ورائى، حتى إذا طلعت إلى العقبة طرحونى منها.

قال: إذن نضرب أعناقهم. قال: أكره أن يتحدث الناس، أن يقولوا: إن محمدا قد وضع يده فى أصحابه (أى بالقتل) .

ويقول ابن إسحاق فى هذه القصة عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إن الله قد أخبرنى بأسمائهم، وأسماء آبائهم، وسأخبر بهم إن شاء الله تعالى عند وجه الصبح، فانطلق (والخطاب لحذيفة) حتى إذا أصبحت فاجمعهم، قالوا: إنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخبره وفى ذلك كلام بين الرواة.

ومهما يكن فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أوصى حذيفة بألا يذكر أسماءهم، وهم منافقون، وقيل: كان حذيفة عنده العلم بأسماء المنافقين، وكان هذا سر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أسره إليه. حتى قيل: إنه إذا مات أحد بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تعرفوا حال حذيفة معه، فإن رأوا حذيفة صلى عليه علموه مؤمنا غير منافق، وإن لم يصل عليه كانوا فى ريب من أمره.

,

الثلاثة الذين خلفوا

652- انقسم المؤمنون الذين دعاهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند الخروج إلى تبوك إلى ثلاثة أقسام:

وأول الأقسام وأظهرها، وهم قوة الإسلام الأولى، الذين شروا أنفسهم لله بأن لهم الجنة يقاتلون ويقتلون، وهم الذين تقدموا للذهاب مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهم الذين قال الله تعالى فيهم لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة: 117) .

والقسم الثانى: جماعة تخلفوا عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومنهم منافقون، ومنهم ضعفاء الإيمان، ومنهم من فيه خور، وضعف، وفى كل أحوالهم ليسوا من أقوياء الإيمان الذين يفدونه بأنفسهم وأموالهم، وراحتهم.

وأولئك اعتذروا وقبل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اعتذارهم، وبعضهم كاذب لا محالة، وقال فيهم سبحانه وتعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ، قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ، قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ، وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ

وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (التوبة- 93: 96) .

عندما دخل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة بدأ بالمسجد فصلى ركعتين، ثم جاء إليه المخلفون الذين تخلفوا لمرضهم وضعفهم، والذين لا يجدون ما يحملهم، فكان عذرهم باديا، يسقط تكليفهم هذا الخروج الذى لا يكون إلا على أهل القوة والسلامة، والذين يجدون ما ينفقون، ولا ما يحملهم، فالله تعالى قد أسقط عنهم الحرج بقوله تعالت كلماته: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (التوبة: 91) .

والباقون القادرون الأغنياء تقدموا بالاعتذار للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وطفقوا إليه يعتذرون ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أظهروه، وكما يقول ابن إسحاق قبل علانيتهم، وبايعهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وهو يعلم أنه إن رضى عنهم، لا يرضى عنهم الله سبحانه وتعالى، ولكنه مأمور بألا يحكم إلا بالظاهر، وإذا قبل الظاهر، فقد يسيرون فى تحسين الباطن.

القسم الثالث- من أخلصوا دينهم لله تعالى، ولكنهم تخلفوا من غير معذرة، ولم يرتضوا الكذب على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وخير لهم أن يعترفوا بتقصيرهم عن أن يكذبوا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهؤلاء ثلاثة، لم يعدهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلا من أقوياء الإيمان، ولكن غلب هواهم فى القعود فى ساعة التجهيز أو غلب فيهم ضعف وقتى، وإحساس ببعد الشقة، فرضوا أن يكونوا مع الخوالف، ولكن فيهم قلوب، لم يطبع عليها كأولئك الذين طبع الله على قلوبهم.

لذلك كان لا بد من علاج نفسى لهذه القلوب التى لم ترن عليها روانى الإثم المقصود، وإن كان تقصير فقد أدركوه، وكان ذلك العلاج الذى رآه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، وذلك بالإعراض عنهم، ومهاجرتهم، وذلك لإيقاظ نفوسهم، وتعويدهم الصبر، وكانت هذه العقوبة تشبه الكفارة بالصوم ستين يوما متتابعة، لأنها تكون تربية للنفس وتهذيبها، لقد أعرض عنهم المؤمنون خمسين يوما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله تعالى إلا إليه.

ولنترك الحديث عنهم وعن نفوسهم وعن معاملة المسلمين إلى الذى تحدث بخوالج نفسه، وما تلقاه وما كان فيه من صبر فريد وهو كعب بن مالك:

«جاء كعب بن مالك، فلما سلم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم «تبسم له تبسم المغضب، ثم قال: فجئت أمشى حتى جلست بين يديه. فقال: ما خلفك! ألم تكن قد ابتعت ظهرك» .

فقلت: بلى والله، إنى لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا، ولكنى والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى على ليوشكن الله تعالى أن يسخطك على، ولئن حدثتك حديث صدق تجد فيه عليّ إنى لأرجو فيه عفو الله عنى والله ما كان لى من عذر، والله ما كنت قط أقوى منى ولا أيسر حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم، حتى يقضى الله تعالى فيك، فقمت، وكان رجال من بنى سلمة، فاتبعونى يؤنبوننى فقالوا لى، والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لك، فو الله ما زالوا يؤنبوننى، حتى أردت أن أرجع، فأكذب نفسى ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل الذى قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية، فذكروا لى رجلين صالحين شهدا بدرا، فهما أسوة، فرضيت حين ذكرا لى، ونهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لى الأرض، فما هى بالتى أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.. فأما صاحباى فاستكانا وقعدا فى بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف فى الأسواق، ولا يكلمنى أحد، وآتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأسلم عليه، وهو فى مجلسه بعد الصلاة، فأقول فى نفسى هل حرك شفتيه يرد السلام على أم لا، ثم أجلس قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتى أقبل إلى وإذا التفت نحوه أعرض عنى، حتى إذا طال على ذلك من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة، وهو ابن عمى وأحب الناس إلى، فسلمت عليه، فو الله ما رد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك الله، هل تعلمنى أحب الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، فسكت، فعدت له لنشدته، فقال: الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أعلم، ففاضت عيناى وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشى بسوق المدينة المنورة وإذا نبطى من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه فى المدينة المنورة يقول من يدل على كعب بن مالك. فطفق الناس يشيرون إلى حتى إذا جاءنى دفع إلى كتابا من ملك غسان فإذا فيه:

«أما بعد فإنه بلغنى أن صاحبك جافاك، ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة فالحق بنا نواسك» فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت التنور فسجرتها حتى مضت أربعون ليلة من الخمسين إذ رسول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأتينى فيقول: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمرك أن تعتزل النساء فقلت: أطلقها، أم ماذا. قال: لا ولكن اعتزلها ولا تقربها. وأرسل إلى صاحبى مثل ذلك، فقلت لامرأتى الحقى بأهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم. فهل تكره أن أخدمه قال: لا، ولكن لا يقربك. قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره إلى يومه هذا، قال كعب: فقال لى بعض أهلى لو استأذنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وما ندرى ما يقول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، ولبثت بعد ذلك عشر ليال حتى إذا كانت لنا خمسون من حين نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا، بينما أنا جالس على الحال فى ذكر الله تعالى، قد ضاقت على نفسى وضاقت علينا الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدا، فعرفت أن قد جاء فرج الله تعالي، وأذن له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بتوبة الله تعالى علينا، حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبلى صاحباى مستبشرين» .

هنأه الناس فلم يقبل تهنئتهم وذهب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم المربى المكمل أبشر بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك قال له كعب: أهو من عندك يا رسول الله أم من عند الله، قال: لا، بل من عند الله.

صفت نفس الرجل، وتهذب، وخرج من كل ماله صدقة لوجه الله تعالى ولرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: أبق بعض مالك، فأبقى سهمه من الغنائم التى استولى عليها المسلمون فى خيبر.

ولقد خص الله سبحانه وتعالى أولئك الذين تخلفوا فى الأرض بذكر قبول توبتهم مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع المهاجرين والأنصار فقال تعالى كما تلونا لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ

مِنْهُمْ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة- 117: 119) .

,

العبرة والتربية:

653- ذكرنا حديث كعب بن مالك مع طوله، لأنه حديث النفس التائبة النادمة التى زلت، وحديث الندم بعد الزلل، وكما يقول الصوفية: إن زلة أورثت ذلا خير من طاعة أورثت دلا، لقد ذل لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه أحس بالنفس اللوامة تحركه إلى إرضاء الله ورسوله.

وقد مكث خمسين ليلة يذكر الله فى كل ساعاتها، ويحس فى كل آنية منها بوخز ضمير، وما يوقظ ذلك الوخز يرى فى نظرات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وفى نظرات الناس، وفى الأسواق، وهو يصابر نفسه. ويجيء خطاب من ملك غسان يطلب أن يلتحق، فيراها نكبة أخرى، ويجيء إلى التنور ليسجره فيه، وهكذا، وإن هذه القصة تدل على أمرين:

أولهما: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رأى فى هذا الرجل وصاحبيه خيرا لم يره فى غيرهما من الذين اعتذروا ومنهم منافقون، وضعاف الإيمان، أما هذا فقد أبدى صفحته، ولم يرض فى موقفه بالاعتذار، ولا يريد أن يكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو موقف طاهر وقلب طاهر، ولكن علق به درن قليل، يمكن أن يزول، ولا يتوب عليه الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه هذا الدرن، ويريد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن تكون منه توبة نصوح تليق بالمؤمن الصادق فى إيمانه ويقينه، فكانت هذه لتكون منبها يستمر خمسين ليلة، وكأنه اعتكف خمسين ليلة منصرفا فيها إلى الله تعالى، حتى كانت القاطعة التى حملت الثلاثة على الاعتكاف، فاعتكف اثنان، وصار الثالث بين الناس، وكأنه ليس بينهم، فهو الغريب بين أصحابه وأهله، حتى أعلن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قبول توبتهم.

الأمر الثانى: الذى يدل عليه الخبر أن الإنسان خلق ليأتلف مع غيره يتلمس التشجيع النفسى من نظرات، وملامح الوجوه، ومظاهر الأقوال والأفعال والجوارح التى تصدر عن الناس، وإن الاستنكار النفسى يفعل فى نفوس الأخيار ما لا تفعله العقوبات بالنسبة للأشرار، فالذين يستهينون بالاستنكار القلبى فى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه فإن لم

يستطع فبقلبه» مخطئون، وما كان عقاب هؤلاء الثلاثة إلا استنكارا قلبيا بدا فى الوجوه والجوارح ولم يبد فى القول.

وإن هذا الذى سنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، يجب علينا اتباعه، فلا يصح لنا- أن نبش فى وجوه الأشرار، ولا الذين يرتكبون الآثام لأنه عسى أن يثير ذلك ضمائرهم فتلوم، وإذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد فعل ذلك مع ثلاثة لدرن يسير أصاب قلوبهم، أفلا نفعله مع أشرار هذا الزمان، وإذا كنا نعجز عن مقاطعتهم، فإننا لا نمالئهم، ولا نلتف حولهم مع ظلمهم، لأن مجرد الالتفاف حولهم يجعل الرجل من شيعتهم، وإن لم يعمل عملهم، ويجعلنا ذلك سائرين معهم، وإن لم نعاونهم بالفعل، فإنا نعاونهم بالإلف، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: «من مشى مع ظالم، فقد سعى إلى جهنم» .

,

سبعة ربطوا أنفسهم بأعمدة المسجد

654- كانوا عشرة تخلفوا، لعل منهم أولئك الثلاثة الذين ذهبوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يستمع إلى الأعذار للمتخلفين يقبل علانيتها، ويترك السرائر إلى الله تعالى، وما كان للرفيق الطاهر الذى قبل لفظ اللسان وليس لفظ القلب إلا أن يقبل العلانية، ويترك لله ما بطن، لأنه لا يفتش عن القلوب.

إن أولئك الثلاثة ذهبوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون لا عذر لنا، ولا سبيل لأن نكذب عليك، فصدقهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وطهر قلوبهم، وهذب نفوسهم وأزال الضر بتلك العقوبة الهينة فى ظاهرها القوية فى تأثيرها.

ولكن سبعة آخرون لم يذهبوا معتذرين، لأنه لا عذر لهم، ولم يذهبوا ينفون الاعتذار بل جاؤا وعاقبوا أنفسهم بأنفسهم، فأوثقوا أنفسهم بسوارى المسجد النبوى، فلما رآهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسوارى؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله أوثقوا أنفسهم حتى يطلقهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ويعذرهم، فقال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله سبحانه وتعالى هو الذى أطلقهم، رغبوا عنى، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذى يطلقنا، فأطلق سراحهم، ومنع الوثاق بأمر الله تعالى، وقيل نزل فيهم وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً، وَآخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (التوبة: 102) أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ففك وثاقهم، وأطلقهم وعذرهم.

ولم يجدوا أن ما فعلوه بأنفسهم فيه تكفير لتقصيرهم الذى تخلفوا به عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورأوا أن الصدقة تطفيء الذنوب كما يطفيء الماء النار، فتصدقوا بكل أموالهم، وقالوا:

يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «ما أمرت أن آخذ أموالكم» فقيل نزل قوله تعالى فيهم خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (التوبة: 103) .

هذا قسم أخذ فى تطهير نفسه، ولم يطهرهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإبعاد الناس، وهم فريق واحد، أبى أن ينتحل عذرا شعورا منه بالتقصير فى التخلف عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنهم بذلك وقعوا فى خطأ جسيم يكاد يكون خطيئة.

ولقد ذكر ابن كثير رضى الله تعالى عنه أقسام المخلفين، فذكرهم أربعة أقسام قريبا مما ذكرنا، قال:

«كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام:

1- مأمورون مأجورون كعلى بن أبى طالب، ومحمد بن سلمة وابن أم مكتوم.

2- ومعذورون، وهم الضعفاء والمرضى، والمقلون وهم البكاؤن.

3- وعصاة مذنبون وهم الثلاثة، وأبو لبابة، وأصحابه المذكورون.

4- وآخرون ملومون مذمومون، وهم المنافقون.

وقد ذكرنا هذه الأقسام فى القرآن الكريم، ونوافق الحافظ بن كثير على هذا التقسيم، ولكن لا نسمى أبا لبابة وأصحابه مذنبين، ولكن نسميهم مقصرين مخطئين.

وفى الحق أن غزوة تبوك التى كانت آخر غزوات فيها اختبار لنفوس الذين مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد بدت فيها أحوال الذين كانوا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بدا الأقوياء الذين لا يصدرون إلا عن أمره، وبدا المنافقون الذين لازموه مخذلين بخروجهم، ومخذلين فى سيرهم ومتامرين يريدون اغتيال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وبدا الذين ينقصهم الهمة والاستجابة فى الشدة، وإن كان لا ينقصهم الإيمان وقوة اليقين، وقد عالجهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نفسيا بأمر ربه، وعالجوا أنفسهم، والجسم القوى يقبل العلاج، ولم يعالج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غيرهم ممن تخلفوا، بل تركهم إلى ما هم فيه يحاسبهم الله تعالى.

,

غزوة تبوك فى سورة براءة:

701- قلنا إن سورة براءة من آخر السور نزولا، ويبدو من سياقها كما قلنا أنها نزلت دفعة واحدة، لمناسبة ما كان من العهود فيها ابتداء وما كان من عمل المنافقين، ولمناسبة تطهير البيت من رجس الجاهلية ومنع المشركين من دخوله، ولكن الشطر الأكبر منها كان يتعلق بغزوة تبوك التى كانت آخر غزوات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقد امتازت هذه الغزوة أنها كانت بعد أن أوشك الإسلام أن يعم البلاد العربية أو عمها، وإنها كانت وقد خفض العرب الذين كانوا يتاخمون الفرس والرومان من نفوذهم، ورضوا بالإسلام دينا، وخلصوا بذلك من ربق الفرس والرومان واعتزوا بعزة الإسلام.

وامتازت أيضا هذه الغزوة بأن ظهر التخاذل فى أولها، حتى كان التثاقل، وبث الظنون فى المسلمين من المنافقين، وضعاف الإيمان، ثم فيها بيان حال الذين ينتحلون الأعذار ولا عذر لهم، وحال الذين يستأذنون فى التخلف، فيؤذن لهم أو لا يؤذن، وفيها عمل التخذيل فى جيوش الحق من أين تجيء، وإلى أين تتجه.

وإذا كانت غزوة تبوك آخر الغزوات المحمدية ففيها العبر التى توجب على كل جيش أن يتعرفها، ويأخذ بعظاتها، حتى يكون الجيش الإسلامى قويا، قد تجنب أسباب الخور وأسباب التردد والهزيمة، والتخاذل، والآفات التى تعترى الجيوش من أهل التردد والنفاق، وما يحدثه من تخاذل.

وقد كانت سورة براءة وعاء هذه التجارب النبوية فى تلك الغزوة التى لم تشتمل على قتال، ولكن كشفت فيها النفوس كشفا، وابتلى فيها المؤمنون بالنفاق، والتثاقل ودعاة الخذلان، وكيف عالج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم تلك الأحوال بهداية ربه.

وإذا كان الجهاد ماضيا إلى يوم القيامة، فقد كانت سورة براءة تصويرا للآفات التى تعترى الجيوش فى تكوينها، وفى سيرها، وفى الاتجاه إلى غايتها من غير التواء.

ولقد بينت نفوس المترددين، وعدم إيمانهم بالحق الذى يؤيدونه، وفيها بيان للمجاهدين المعتز بهم وأول الآفات عدم العزيمة الموجهة المدافعة، والتثاقل عندما يحق الجهاد، وقد قال تعالى فى ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً، وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (التوبة)

وتستمر الآيات الكريمة السامية فى بث الهمم ودفع العزائم، لأن تكوين الجيش يكون بإيجاد دفعة قوية عازمة، والاستعداد لتحمل المكاره والوثوق بتأييد الله تعالى إن خلصت النيات، واستحصدت العزائم.

ولقد بين سبحانه وتعالى بالإشارة السبب فى تثاقل حركتهم وهو توقع المشقة، وإن توقع المشقة يجب أن يكون فى تقدير المجاهد، وعزمه الحديد.

وبين سبحانه وتعالى أن الخور يعترى النفوس ويخلق المعاذير للاستئذان فى التخلف، ولا يستأذنك مؤمن إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (التوبة)

وقد بين الله سبحانه وتعالى أن المنافقين والمترددين يثيرون روح الضعف والهزيمة لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (التوبة)

وقد كشف الله نفوس أولئك المخذلين من أهل التردد وضعاف المؤمنين، وبين ما تنطوى عليه نفوس المنافقين من أنهم يتمنون الهزيمة للمؤمنين. إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ. قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (التوبة)

وقد كان منهم من يؤثر أن ينفق فى الجيش فرارا من أن يكون فى ضمن المجاهدين، فبين الله تعالى أنه لن تقبل نفقاتهم، لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وما منعهم أن تقبل نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون.


تحميل : غزوة تبوك من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: