غزوة بنى النضير من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

غزوة بنى النضير  من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

غزوة بنى النضير

444- أشرنا إلى أن غزوة أحد، والظن بأن المسلمين هزموا فيها أظهر حقدا دفينا، فى المنافقين واليهود، وما كانوا يترددون في إعلانه رهبة وخوفا أظهروه حقدا وطمعا.

ولما توالى الغدر بالمؤمنين لم يكن ليكف اليهود والمنافقين عن أن يقوموا بدورهم في الغدر، وهم على مقربة من المؤمنين، فهم أقدر، وغدرهم أنكى، لذلك أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حذره منهم، وكان يترصد حركاتهم، وغدر غيرهم كان إرهاصا بغدرهم، وإظهار ما تنطوى عليه نفوسهم، وبدا غيظهم في أفواههم وغدرهم ظهر في بعض أعمالهم.

قتل عمرو بن أمية الضمرى اثنين قد أعطاهما الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم جواره، وكان القتل خطأ، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأدينّهما، أى لأدفعن إلى أهلهما الدية.

وكان الاتفاق الذى تم العهد عليه عند ما قدم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة أن يتعاونا في أداء الديات.

ذهب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى يهود بنى النضير، ومعه أبو بكر وعمر وعلى ليستأدى ما وجب عليهم من المعاونة في دية هذين القتيلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى خطأ.

فلانوا في القول، ولكنهم استخفوا غدرا، قالوا له: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه.

ولاحظ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه خلا بعضهم إلى بعض، وتساروا في القول، وفراسة المؤمن مدركة يقظة، وكان الذى تناجوا به غدرا، وقال بعضهم لبعض: لن تجدوا الرجل على مثل هذه الحال.

وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو ومن معه من كبار أصحابه، قالوا: فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه، فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، وقال: أنا لذلك، وصعد ليلقى الصخرة.

رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خلوتهم بعضهم ببعض وحركاتهم المريبة فأدرك أن في هذا شيئا يبيتونه، وقد رأى الغدر في يوم الرجيع وبئر معونة، فلا بد أن يكون قد تسارع ظن الغدر إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وخصوصا أن حركاتهم كثرت، وتأخروا عن الإجابة، وقد أعلم الله تعالى نبيه بما أرادوا من غدر، والله يكتب ما يبيتون.

والصحابة قد استطالوا الزمن، وركبتهم ظنون الغدر، وكما قال ابن إسحاق: استلبثوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أى اعتقدوا أنه لبث زمنا طويلا، فسألوا عنه رجلا مقبلا من المدينة المنورة داخلا المدينة.

أقبل أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى انتهوا إليه، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم بحركاتهم، وبما كانوا قد أرادوا من الغدر.

,

إجلاؤهم:

445- لم يجيبوا داعيه إلى المعاونة التى يفرضها عليهم العهد الذى عاهدوا عليه، وأعطوه كلاما لينا، ودبروا تدبيرا خبيثا، وكان ذلك غدرا في العهد ابتداء، وما كان ليرضى أن يعيشوا معه، وهم ينقضون الميثاق الذى وثقه عليهم، ووفى به من جانبه صلى الله تعالى عليه وسلم، والمواثيق عهود فيها واجبات وحقوق متبادلة تلزم كل فريق، بمقدار ما يلزم الآخر، ولا يمكن أن يكون جوار حسن من غير عهود توفى، ومواثيق تربط بالمودة، أو بالوفاء، فكان الجلاء أمرا لا بد منه، وفوق ما علمه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من إرادة الغدر به، والقضاء عليه، فلم يكن لبقاء الجوار مكان، وكان على أخفهم حملا، وأقلهم عددا أن يرحل، ويترك الأرض لأهلها، يعيشون في أمن واستقرار فلا يعيش الثعبان بين ظهورهم.

بعث رسول الله يأمرهم بالخروج من جواره لنقضهم العهد أولا، إذ لم يعينوا في دية الرجلين ولأنهم هموا بالغدر ثانيا، وإذا كانوا يدعون أنهم لم يفعلوا مع علم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اليقينى بذلك فإنهم يكفيهم نقض الميثاق في المعاونة، ولا سبيل لإقامتهم معه من غير وفاء بعهد وثقوه.

أرسل لهم محمد بن مسلمة أن يخرجوا، وأرسل إليهم عبد الله بن أبى بن سلول ينهاهم عن الخروج، وأنهم معهم، ولئن قوتلوا ليقاتلن معهم.

ويقول ابن كثير في تاريخه: بعث إليهم أهل النفاق يثبتونهم، ويحرضونهم على المقام، ويعدونهم النصر، فقويت عند ذلك نفوسهم، وحمى حيى بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونابذوه بنقض اليهود.

أعلنوا بهذا نقض الميثاق جملة لا الجزء الخاص بالاستعانة في الديات، فكان هذا إعلانا للحرب من جانبهم. وما كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليتركهم ينقضون العهد، ويهمون بالغدر في غير اكتراث بعهد ولا حسن جوار ويهمون بالقتال ولا يقاتلهم.

أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالخروج إليهم، مهما يؤيدهم المنافقون سرا أو علنا، فجعل على المدينة ابن أم مكتوم، وكان ذلك في شهر ربيع الأوّل.

سار بمن معه من المهاجرين والأنصار فنزل بساحتهم فحاصرهم وتحصنوا بحصونهم، وقد أوهمهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه سيقطع نخيلهم ويحرقها فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها.

ويظهر أنهم توهموا ذلك، أو أوهموا لتضعف نفوسهم، ويهون عليهم الاستسلام، ولم يقطع ولم يحرق كما تدل الآية الكريمة التى بينت مالهم في سورة الحشر، وهى سورة جلائهم.

وقد ذكرنا أن المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبى قد بعثوا إليهم ابتداء بأنهم معهم ليثبتوا ويتمنعوا، فثبتوا وتمنعوا، وكان الحصار، وقد استمروا في غيهم، وقالوا لهم: لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم.

تربص اليهود ذلك من المنافقين، وصدقوهم، وتوقعوا أن ينصروهم، وهم بين المسلمين، فما فعلوا شيئا، فاضطرب أمر اليهود وانزعجوا، وقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب.

عندئذ اضطروا لأن يعودوا ويقبلوا الجلاء الذى طلبه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من غير حرب ولا حصار، وإعنات، ولكن لم يرضوا بسبب تحريض أهل النفاق.

عادوا وطلبوا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم.

أجابهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يأخذ من بيته ما يخلع به بابه، فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به.

خرجوا إلى خيبر، حيث تجمعوا في حصونها مع بنى قينقاع، ومنهم من ذهب إلى الشام، فكان من أشرافهم الذين ذهبوا إلى خيبر ابن أبى الحقيق، وحيى بن أخطب، فكانوا لهم سادة، ودانوا لهم بالطاعة.

وقد نزل في بنى النضير، وما كان من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أمر الله تعالى نزل أكثر سورة الحشر، قال الله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ، لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ، فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي

الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ وقد حاصرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأجلاهم في ست عشرة ليلة.

,

أحكام شرعية اقترنت بغزوة بنى النضير

446- أحكام شرعية ثلاثة اقترنت بغزوة بنى النضير، أو شرعت بعدها:

أولها منع التخريب:

وذلك أن النبي صلي الله تعالى عليه وسلم كان منه ما توهموا أنه سيقطع نخلهم بعد أن استطال حصارهم، فاحتجوا عليه صلي الله تعالى عليه وسلم بأنه نهي عن التخريب وعيبه، وكيف يقطع النخل مع هذا؟.

والحقيقة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقطعه وإن هم بقطع النخل إفزاعا لهم، وتخويفا ليسارعوا بالاستسلام، وقد كانوا تحصنوا بحصونهم، ويرمون الحجارة من فوقها، وكان لا بد أن ينزلهم من صياصيهم، وهي الحصون، والآية الكريمة صريحة في أنه أمر بقطع الثمار، لا بقطع الأصول بل أبقي ما أبقى قائما علي أصوله كصريح الآية، ولو كان صلي الله تعالى عليه وسلم قد قطع الأصول ما بقي نخيل تقوم عليها ثمار.

ولبيان الموضوع كاملا نذكر الفقه فيه، وأساسه هذه الآيات التي تلوناها في واقعة الجلاء، أن النهي عن قطع النخيل والتخريب بشكل عام قد جاء في وصية أبي بكر الصديق لبعض جنده، وما كان أبو بكر إلا متبعا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وها هى ذى: -

روى الإمام أحمد في مسنده أن أبا بكر بعث الجيوش، وبعث يزيد بن أبي سفيان أميرا، فقال وهو يمشى ويزيد راكب: إما أن تركب، وإما أن أنزل، فقال الصديق: ما أنا براكب، وما أنت بنازل، إني أحتسب خطاى هذه في سبيل الله، إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما زعموا، وستجد قوما قد فحصوا أوساط رؤوسهم من الشعر، وتركوا منها أمثال العصائب، فاضربوا ما فحصوا بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا نخلا ولا تحرقها، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة أو بقرة إلا لمأكلة، ولا تجبن ولا تغل» .

هذه توصية أبى بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا بد أن تكون بهدى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك ننفى أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد قطع نخيل بنى النضير، فمحال أن يكون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر في موضع، وأبو بكر ينهى بإطلاق، ولأن القرآن الذى نزل في واقعة الجلاء لم يذكر قطع النخيل، وهى الأصول بل الذى فيه أنه قطعت ثمار، وبقيت أخرى على أصولها قائمة.

ولكن مع ذلك لما اشتدت لجاجة الحروب بين المسلمين والمشركين أو الكفار بشكل عام اختلفت الفقهاء في جواز التخريب في أرض العدو من قطع أشجار، وتهديم بنيان، وذبح الحيوان لغير مأكلة، أو إهلاكه بشكل عام.

فكثيرون من الفقهاء أجازوه، لأن الحرب لا تبقى ولا تذر، ولأنه إذا أبيحت الأنفس، فكيف يصان ما عداها وهو دونها، ويستندون في ذلك إلى أخبار نسبت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم في غزواته.

أولها: وهو في قصة بنى النضير أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بتخريب بنى النضير، وقال الله تعالى في ذلك يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ.

ثانيها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بأن يحرق قصر مالك بن عوف، وقد كان أميرا لجيش المشركين في الطائف، ورمى بالمنجنيق حصنا للطائف.

ثالثها: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقطع كروم العنب لثقيف في الطائف، وقد ذكر في المغازى أنهم عجبوا عند إرادة قطعها، وقالوا: «كيف نعيش بعد قطعها» .

هذه حجج الأكثرين من الفقهاء الذين قالوا ما قالوا تحت سلطان لجاجة الحروب وشدتها، وعدم تحرجها من قبل المشركين.

أما الفريق الآخر من الفقهاء وإن لم يكونوا الأكثر فقد تمسكوا بقول الصديق الذى لا يمكن أن يخرج عن قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا عن عمله، فمنعوا التخريب، وعلى رأس هذا الفريق فقيه الشام الأوزاعى، فقد قرر أنه لا يجوز التخريب إلا إذا ألجأت إليه ضرورة حربية، كأن يتحصن المحاربون بحصن ولا يمكن الوصول إليهم إلا بهدمه، أو تكون الأشجار غابة كثيفة، قد اتخذوها مستترا يكمنون للمسلمين فيها، وينقضون عليهم من مساترها.

وإن الناظر إلى أدلة الذين أباحوا التخريب في غير ضرورة ملجئة، لا يجدها منتجة لإباحته بإطلاق فإن تخريب النبى لبيوت بنى النضير، لأنهم اتخذوها حصونا يقذفون منها الحجارة على المؤمنين، فكان لا بد أن تزال تلك الحصون دفعا للأذي، فكانت الضرورة ملجئة لذلك، وقد قرر الجميع أن الضرورة تقدر بقدرها.

وإن قصر عوف بن مالك كان قد اتخذه حصنا، وكذلك الحصون التى رميت بالمنجنيق في ثقيف، فما كان رميها إلا لضرورة حربية، لا للتخريب والإفساد.

أما ما هم به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من قطع كروم العنب لثقيف؛ فلأنهم كانوا يتخذون منها الخمر، والخمر حرام، ويظهر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقطع، وإنما أمر فقط بالقطع، أو قطع قليلا لإفزاعهم، وذلك ليحملهم على التسليم بدل الاستمرار على القتال، وبذلك تحقن الدماء، ولذلك سلموا بمجرد أن رأوا المسلمين يعتزمون قطعها.

وإنه بمراجعة الشريعة في مصادرها من كتاب وسنة وآثار للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وصحابته الكرام نجد أنها لا تدل على جواز التخريب، بل تمنعه.

ولنقف عند الآيات الكريمة التى تلوناها في قصة إجلاء بنى النضير، فنجد أن الآيات لا تبيح التخريب بإطلاق وفي كل الأحوال، وأن القطع الذى ذكره القرآن إنما هو في قطع الثمار لا في قطع الأشجار، وذلك في قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها، فَبِإِذْنِ اللَّهِ (الحشر: 5) إلى آخر الآيات الكريمات التى تلوناها.

وذلك لأن اللينة المراد بها الثمرة، والمعاجم في اللغة تؤيد ذلك. لأن كلمة لينة جمعها لون وهو بالاتفاق نوع من ثمر النخل، ولأن الآية تخير بين قطع اللينة أو بقائها على أصولها. وذلك يقتضى أن تكون ثمرة قائمة على الأصول تبقى أو تقطع، والأصول النخيل، فلم يذكر في القرآن إباحة قطعها، ولأن الآثار الواردة في غزوة بنى النضير التى هى موضوع الآيات الكريمات تفيد أن الصحابة ما كانوا يقطعون النخيل، بل كانوا يقطعون الثمر.

فقد روى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استعمل أبا ليلى المازنى وعبد الله بن سلام على نخيل بنى النضير قبل إجلائهم، فكان أبو ليلى يقطع العجوة، وهى تمر جيد، وابن سلام يقطع اللون وهو تمر ردىء، فقيل لأبى ليلى: لم قطعت العجوة؟ قال: لأنها أغيظ لهم، وقيل لابن سلام:

لم قطعت اللون؟ قال لأنى علمت أن الله تعالى مظهر نبيه ومغنمه أموالهم، فأحببت إبقاء العجوة، وهى خيار أموالهم، وإن قطع الثمار لا يعد تخريبا، لأنه سيكون مأكلة.

والذى ننتهى إليه بالنسبة لما يكون في الحرب من هدم وتحريق وتخريب أنه يستفاد من مصادر الشريعة وأعمال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فى حروبه: -

أولا: أن الأصل هو عدم قطع الشجر وعدم تخريب البناء، لأن الهدف من الحرب ليس إيذاء الرعية، ولكن دفع أذى الراعى الظالم. وبذلك وردت الآثار.

ثانيا: أنه إذا تبين أن قطع الشجر وهدم البناء توجبه ضرورة حربية لا مناص منها، كأن يستتر العدو به ويتخذه وسيلة لإيذاء جيش المؤمنين، فإنه لا مناص من قطع الأشجار، وهدم البناء، على أنه ضرورة من ضرورات القتال، كما فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في حصن ثقيف.

ثالثا: أن كلام الفقهاء الذين أجازوا الهدم والقطع يجب أن يخرج، على أساس هذه الضرورات، لا على أساس إيذاء العدو والإفساد المجرد، فالعدو ليس هو الشعب إنما العدو هم الذين يحملون السلاح ليقاتلوا.

,

غنائم بنى النضير والحكم العام في الغنائم كلها

447- كانت غنائم بنى النضير هى أوّل غنائم من أهل القرى من أرض، ونخيل، وحصون، فهى التى سنت ما يتخذ من حكم الاستيلاء على الأراضى: أوزع على المحاربين أم تكون محبوسة على مصالح المسلمين، فيكون لهم غلاتها، وتبقى تحت أيدى أصحابها، على ألا تكون أيديهم أيدى ملاك رقبة، بل ملاك منفعة على خراج يؤدونه.

ويقول الفقهاء: إن ذلك الخراج هو بمثابة أجرة للأرض قد استأجروها به، وإليك النص الذى جاء في هذه الأراضى:

قال الله تعالى عقب إجلاء بنى النضير، وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر- 6: 10) .

ونجد هذا النص الكريم قسم ما أفاء الله تعالى به على رسوله والمؤمنين معه قسمين: أحدهما مالا يعد شيئا ثابتا أو أرضا، بل هو مال غير ثابت فالأمر فيه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوزعه كما شرع الله تعالى له، وقد أشار إلى ذلك بقوله سبحانه وتعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ويوزعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بمقتضى أمره في قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (الأنفال- 41) إلى آخر الآية الكريمة.

والقسم الثانى هو ما أفاء الله تعالى به من أهل القرى، وهو الأموال الثابتة من نخيل قائم وأرض زراعية.

وهذه قد جعلها الله تعالى لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وهنا يجيء البحث فيه: أتقسم الأراضى بين الغانمين وتخمس كما تخمس الغنائم، فيكون لله وللرسول وذى القربى واليتامى والمساكين الخمس، وأربعة الأخماس للمجاهدين.

رأى بعض الصحابة- وكان بلال أشدهم أن تقسم الأرض قسمة الغنائم، ورأى عمر وعلى وجمع من الصحابة أن تكون محبوسة غلاتها على مصالح المسلمين، وقد بدا ذلك الخلاف عند الاستيلاء على أرض سواد العراق، وقد جمع عمر الصحابة خارج المدينة المنورة، وأخذ يجادلهم ويجادلونه ثلاث ليال سويا، هو يحتج بألا يكون المال دولة بين الأغنياء، وقال إن الله سيفتح فارس ومصر والشام، فلو قسمت فماذا يبقى لسد الثغور وماذا يبقى للذرية.

وهم يعارضون بأنها غنائمهم، وأشد من يعارضه بلال وصحب له، فكان عمر الفاروق يقول:

اللهم اكفنى بلالا وصحبه.

وبعد ثلاث ليال أراد أن يحكم بينه وبين مخالفيه طائفة من الأنصار خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، فلما التقوا به ذكر لهم أنه ما أزعجهم إلا ليحكموا بينه وبين مخالفيه، وبعد أن عرض وجهة نظره من الوجهة المصلحية الاجتماعية، ذكر لهم أنه وجد قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى إلى آخر الآيات، وفصل القول ووزع الأقسام التى تشتمل عليها الآية، وذكر أن الغلات أولا للمهاجرين، ثم للذين آووا ونصروا ثم للذين اتبعوهم ثم للذين جاؤا من بعدهم، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا، وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ.

ولما تلا عليهم الآيات انقطع الخلاف. وصار الإجماع على أن تكون الأرض محبوسة لمنافع المسلمين بحكم هذه الآية.. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ...

وأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعطى ثمرات أرض بنى النضير للمهاجرين ليرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار، إذ كانوا قد ساهموهم في الأموال والديار، ولم يعط مع المهاجرين من الأنصار إلا أبا دجانة وسهل بن حنيف لحاجتهما.

ومؤدى ذلك أنه وزع الأموال والثمرات على ذوى الحاجة وذوى القربى واليتامى والمساكين وفعل ذلك مع الذين اتبعوا من مهاجرين وأنصار، ثم من جاؤا بعدهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

,

أثر غزو بنى النضير في يهود

449- ذكرنا بنى النضير، وكيف أظهروا ما كمن في نفوسهم من شر، وهموا بقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى اضطر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لإجلائهم، لأنه لا يعيش والحيات والأفاعى بجواره، ينقضون العهود والمواثيق، ويريدون فرصة للانقضاض عليه، لينتهزوها.

وإن اليهود في ماضيهم وحاضرهم لا يؤمنون إلا بالقوة، فإن رأوها خضعوا وذلوا، ونافقوا، وربما يكون منهم من تهديه صدمة القوة إلى الحق.

ولم يكن بالمدينة المنورة من اليهود إلا بنو قريظة، فأرعدوا في أنفسهم، وكان منهم من يفكر في الرجوع إلى الذى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.

كان منهم رجل ديان باليهودية، وهو عمر بن سعدى القرظي، فأقبل على أرض بنى النضير بعد جلائهم، فلما طاف بمنازلهم ورأى خرابها، وقد صارت يبابا ليس بها داع ولا مجيب.

فهداه ما رأى عليه حال إخوانه إلى أن ينظر في التوراة، وما فيها من صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومال قلبه لأن يعلن ما كتموه، وأن يظهر ما أخفوه، وقد بدت العبر.

التقى بقومه من بنى قريظة وقال لهم:

رأيت اليوم عبرا، قد عبرنا بها، ورأيت منازل إخواننا خالية بعد ذلك العز والمجد والشرف الفاضل، والعقل البارع، قد تركوا أموالهم، وملكها غيرهم، وخرجوا خروجا ذليلا ... وأوقع ببنى قينقاع، فأجلاهم وهم أهل عدة وسلاح ونجدة، فحصرهم، فلم يخرج إنسان منهم وأسر باقوهم، حتى سباهم، وكلم فيهم، فتركهم على أن أجلاهم من يثرب.

يا قوم: قد رأيتم ما رأيتم، فأطيعوني، وتعالوا نتبع محمدا، والله إنكم لتعلمون أنه نبى قد بشرنا به ...

فأسكت القوم، ولم يتكلم أحد إلا كعب بن أسد.

قال له: ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من اتباعه؟ قال: أنت يا كعب. قال: فلم وما حلت بينك وبينه قط؟!.

وقال بعض اليهود الحاضرين: «بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا، فإن اتبعته اتبعناه، وإن أبيت أبينا» كان ذلك التفاؤل من اليهود بعد أن رأوا ما كان لبنى النضير، ثم ما كان من قبل لبنى قينقاع، فهز ذلك أعصابهم، وحملهم على التفكير فيما بين أيديهم، وما عندهم من كتاب، أصابتهم حيرة بلا شك، فأمامهم حق عرفوه، وإن لم يذعنوا له، وما عليهم من تعصب ينأى بهم عن الحق، وما يحسبون أو يرجون في أعدائه من أن يكون لهم غلب، وبذلك يجزيء عنهم، ويأمنون جانبه، ثم ما أفزعهم مما رأوا فى إخوانهم من بنى قينقاع وبنى النضير.

جعلهم حب الذات، وهو ديدنهم أن يفكروا ويعتبروا بما كان، وما من طمع بأن يكفيه أمره غيرهم فيكونوا نظارة يرون ما يسرهم من غير أن يضاروا، وذلك شأنهم دائما، يتقون الأذى بسيوف غيرهم، ولا يحملون هم السيوف ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

ولقد انتهى ترددهم بأن أصروا على كفرهم. وألقوا حبالهم مع المشركين من كفار قريش.

وكانت التدبيرات معهم. وقد ظهر ذلك أشد ظهور في معركة الخندق. إذ تحالفوا مع المنافقين والمشركين، على أن يضربوا من الأمام بأيدى المشركين ومن الخلف بأيدى اليهود. وفي الوسط اليهودى يوهنون ويفسدون ويدلون على عورات المؤمنين، ولنترك القصص للحوادث يتبع بعضها بعضا.


ملف pdf

كلمات دليلية: