غزوة أحـد_20323

غزوة أحـد من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

غزوة أحد

412- أهمت قريشا هزيمة بدر الكبري، إذ كانت حقا يوم الفرقان بين الحق والباطل، وقوة المؤمنين وضعفهم، وكانت أوّل هزيمة تنالهم من جيش محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فكانت مرارة الهزيمة شديدة، لأنها نالت أشياخهم، والزعماء فيهم الذين كانوا يجعلونهم بحكم الجاهلية لا تعدلهم قبائل، وما من بيت من بيوت كبرائهم إلا كان فيه جرح كبير قد ولد ترة شديدة.

وفوق ذلك قد أحسوا بأن دولة الشرك التى كانوا يستمسكون بها قد أخذت تنهار، وقد كانوا يعتبرونها عقيدة آبائهم، وكانوا يقولون: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (البقرة- 170) .

وقد وجدوا من بعد ذلك أن مكانتهم في العرب، وشرفهم أخذ ينهار، ولو توالت هذه الحال لزال شرفهم ولزالت مكانتهم، وظنوا أن الأعراب الذين كانوا يخضعون لشرفهم سيخرجون من بعد عن نفوذهم، وأن القبائل العربية، تتسنم مكانهم إن استطاعوا.

ورأوا متاجرهم تساق إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم غنائم تقسم بين أصحابه، وأنهم لا قبل لهم بأن ينفذوا بمتاجرهم إلى الشام ليتوردوا ويستوردوا، وتستقيم لهم رحلة الشتاء والصيف.

رأوا كل هذا وحاولوا أن ينالوا من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فلم ينالوا، فأغاروا غارة السويق، فما استفادوا كثيرا، بل لم يستفيدوا قليلا.

رأوا كل هذه الدنايا، فهل يسكتون، وإن سكتوا عن متاجرهم، فلن يسكتوا عن شرفهم الذى ثلم، ولن يسكتوا عن الثارات التى ولدتها المقتلة في أشياخهم، ومن كانوا في موطن الزعامة فيهم.

,

القوة بدل العير

413- مشى عبد الله بن أبى ربيعة، وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ليقودهم إلى المعركة الجديدة، وكانت قيادة المعركة التى هزموا فيها بين أبى جهل، وعقبة بن أبى معيط، فأرادوا توحيد القيادة هذه المرة، وأبو سفيان بقية رجالهم، أو من هو في مكان الزعامة منهم، وأبو سفيان هو الذى نجا بعيرهم، ويريدون أن تكون العير الناجية فداء لثأرهم.

قال هذا الوفد الذى ذهب إلى أبى سفيان، وخاطب أصحاب العير قائلا:

يا معشر قريش: «إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا ندرك منه ثأرا» .

فنزلوا عن المال، ليكون مادة القتال، وأخذوا الأهبة من الرجال، وأدوات الحرب، لأنهم علموا أنها الذلة والخزى والعار، إن لم يستردوا مكانتهم.

اجتمعت كل بيوتات قريش وبطونهم، ولم يبق أحد منهم الا أخذ الأهبة واستعد للقتال، وأن يضربوا المدينة المنورة ضربة قاصمة، وإن لم يقتلعوا الإسلام منها، فإنهم ينالون مأربا وثأرا، ويستردون شرفا ويدفعون عارا.

وضموا إليهم كنانة وتهامة، وأحباشا كثيرة ممن لهم دربة في القتال بالرماح، وكان منهم وحشى قاتل أسد الله حمزة الذى منى بالعتق إذا قتل حمزة الذى كان سيفه البتار يهد قريشا هدا، فما ذهب ليقاتل، ولكن ذهب ليترصد حمزة، لا ليواجه الجيش، فكأنه ذهب للاغتيال، لا للقتال.

ولم يكتفوا بمن استعانوا بهم من قبائل حول مكة المكرمة وأحباش، بل استعانوا ببعض المشركين من الأوس في يثرب لأن لهم أحقادا كأحقادهم، ولم يرضوا النفاق أو لم يظهروا به، فقد روى قتادة أن أبا عامر بن صيفى أخا بنى ثعلبة، وكان قد خرج من مكة المكرمة مباعدا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه خمسون من غلمان الأوس، وكان قبل قدوم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتوهمت قريش أو أوهمها أنه إن لقى قومه، لم يختلف عليه أحد.

وقد اجتمع بذلك نحو ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس عليها مائتا فارس وكان خالد بن الوليد على مائة جعلها يمين الخيل، وعكرمة بن أى جهل على مائة جعلها على ميسرة الخيل، وإنهم رأوا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، إنما يقاتل بحمية الدين، ومؤيدا بروح معنوية تفوق قوة العدد والعدة وتتغلب على الصعاب، فرأوا أن يكون معهم المحرض المعنوى، وهو أن يكون نساؤهم معهم، بحيث يستحون أن يفروا أمامهن، وأن يؤخذن سبايا.

فخرج أبو سفيان بن حرب، وهو القائد بزوجه هند بنت عتبة، وكان لها ثأرات، قتل ابنها وأخوها وأبوها، وخرج عكرمة بن أبى جهل ومعه زوجه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة ...

وهكذا كثيرات من عقائل القوم، وذوات الشرف في قريش، ليكون خروجهن محرضا على الجلاد، ومانعا من الفرار، وجملة القول في ذلك أنهم تزودوا بالعدد، وبالسلاح والكراع، وبالمحرضات كلها، لأنهم يعلمون أنهم أمام خصم مزود بكل قوى النفس والإيمان الذى فقدوه.

وجاؤا معهم بالشعراء والخطباء ليحرضوا، وليدفعوا في الجند روح البأس والقوة وحب النضال، ولم يتركوا بابا من أبواب الإعداد إلا دخلوا منه.

وكان ممن اشترك في التحريض على القتال أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحى، وكان قد أسر ببدر الكبرى، فمن عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بغير فداء، لأنه فقير كثير العيال، على ألا يظاهر عليه، وبالتالى لا يكون لسانه للتحريض على قتال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

ولكن المشركين مازالوا به حتى أخرجوه عن عهده للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال: إن محمد قد منّ على، فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: بلي، فأعنا بنفسك، فلك عهد الله على إن رجعت أن أعينك في بناتك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتى، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر.

خرج أبو عزة وأخذ يحرض بنى كنانة هو وغيره على أن ينضموا إلى جيش قريش ومن معهم فى قتال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

ويظهر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد علم بمخرجهم، وفي كثير من الروايات أن العباس ابن عبد المطلب الذى لم يشترك في هذه الحملة أرسل إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يخبره.

وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان له فوق ذلك العيون يبثها ويتعرف أخبارهم، فيعرف عيرهم وبالأولى يعرف نفيرهم، ولكنه انتظر حتى يقع ما توقع، ويكون أمامهم وجها لوجه، وما كان له أن يلقاهم قبل ذلك في غير مأمنه، وحيث مستقره.

وقد سار جيش قريش سيرته، حتى وصل إلى المدينة المنورة، وانساب في مزارعها، تأكل وتعبث أفراس المشركين وإبلهم، متحدّين مهاجمين.

,

لقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لهم

414- كان قدوم ذلك الجيش اللجب إلى المدينة المنورة في أوّل شوال من السنة الثالثة، وكانت الغزوة في منتصفه، وروى أنها كانت في الحادى عشر منه.

وقد أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأهبة للقاء لا بكثرة العدد والعدة، ولكن بقوة الإيمان والحق وقوة الشورى، وبث روح التعاون، والاندماج النفسى بالشورى، فإن الشورى بين المخلصين تجعل نفوسهم تندمج، وتحس كل نفس بأنها جزء من الأنفس.

وقف عليه الصلاة والسلام بعد الصلاة بين المسلمين، وقد عاينوا، وأحس المؤمنون منهم بأن الأمر خطر، أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستشير المسلمين قبل المعركة.

وكان محور الشورى يدور على أمرين: أيخرج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجيش الإيمان، ويقاتلهم حيث يكون خير مكان للقتال، أم أنه يبقى في المدينة المنورة، فإن أقاموا أقاموا في أسوأ مقام، وقد ينفد منهم الزاد والراحلة، وإن يدخلوا إلى المدينة المنورة ولها مسالكها المبنية بالحجارة والآجر، وكأنها حصن وهم لا يعرفون مداخله. كانت الشورى في أى الأمرين أنكى للعدو، وأقرب إلى النصر، لقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكره الخروج، وروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:

«امكثوا واجعلوا الذرارى في الآطام فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت» ، وروى ابن إسحاق أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها» .

وإنه مما يسترعى الأنظار أن عبد الله بن أبى ابن سلول كان على هذا الرأى، ولعله جبن اللقاء منه، ولكيلا ينكشف النفاق، أو لأنه يرى أن بعض مواليه اليهود قد يجدها فرصة للانقضاض.

ومهما يكن من مقصده، والله أعلم بذات الصدور، فإنه قد قال:

يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدولنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤا.

وقد خالف ذلك الرأى- مع أنه رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم- كثيرون من المجاهدين، وكانوا صنفين، صنف من أهل النجدة والبأس والقوة لم يجدوا في الانتظار ما يتفق مع ما عندهم من إقدام، وأنه لابد أن يلاقوهم ولا ينتظروهم ومن هؤلاء حمزة بن عبد المطلب أسد الله، فقد قال في قوة:

«والذى أنزل عليك الكتاب لنجالدنهم» .

وقال رجال من الأنصار الأشداء: ومتى تقاتلهم يا رسول الله إذا لم تقاتلهم عند شعبنا.

والصنف الثانى من الذين لم يحضروا بدرا، وأرادوا أن يكون لهم في هذه الموقعة شرف مثل شرفها، وقالوا: كنا نتمنى مثل هذا اليوم، وندعو الله، فقد ساقه إلينا، وقرب المسير.

وبذلك انتهى الرأى بالخروج، لتكاثر الذين أرادوه، وكثرة الذين أرادوا أن يستعيضوا عن شرف الجهاد في بدر بشرف الجهاد في أحد.

وما كان لمحمد عليه الصلاة والسلام الذى جاء بالشورى، وأمر بها إلا أن يستجيب لحكم الكثرة، ولا يفرض فيه الخطأ، كما يفعل ويروج المستبدون في هذا العصر، إذ يفرضون في أنفسهم

الصواب الذى لا يحتمل الخطأ، وفي تفكير غيرهم الخطأ الذى لا يحتمل الصواب، وتردت بهم الجماعات في مهوى سحيق.

,

النبى عليه الصلاة والسلام يعد المؤمنين للقتال:

415- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرف خبر الأماكن التى يلقى فيها العدو المكاثر المكابر، وأنه لكى يختار لجيشه لابد أن يعرف أماكن جيش العدو ويمر في غير ممرهم.

قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كما روى في الصحيحين: هل من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، من طريق لا يمر بنا عليهم، فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، فأخذ يسير، فنفذ في حرة بنى حارثة، وبين أموالهم، حتى سلك بهم في مال لمربع بن قيظى، وكان رجلا منافقا ضريرا، فلما سمع حس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه من المسلمين، فقام يحثى في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل في حائطى، وأخذ حفنة من التراب في يده، ثم قال: والله لو أنى أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر.

ولكن قبل هذا النهى ضربه بعض القوم بالقوس فشج رأسه.

كان هذا الاتجاه من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن نزل على رأى الكثرة ممن استشارهم من المؤمنين.

وقبل أن يخوض بهم المعركة نبههم إلى أنه نزل على آرائهم، فلبس لأمة الحرب، واتخذ درعه استعدادا للميدان، وأخذ يضع الجيش مواضعه.

أحس بعض المؤمنين أنهم استكرهوا الرسول عليه الصلاة والسلام، وقالوا أمرنا رسول الله أن نمكث بالمدينة المنورة، وهو أعلم بالله تعالى وما يريد، ويأتيه الوحى من السماء.

حسبوا أن الأمر من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالبقاء يتصل بالوحى وأمر الله فيه، وظنوا لفرط إيمانهم، ولو كان الأمر كذلك ما أخذ فيه رأى أحد، فلا رأى في أمر الله تعالى ونهيه، ولكن كان من الرسول عليه الصلاة والسلام الرأى في الحرب والمكيدة، ولهذا عرض الأمر عليهم، واختار رأى الكثرة، لأنه الشورى.

ويظهر أنهم رجعوا عن رأيهم على حسب الزعم الذى زعموه، ولكن الشورى ليس معناها التردد، فإن مع التردد الهزيمة، إذ التردد يترتب عليه عدم العزيمة، والعزيمة من قوة الجيش.

ولقد نبههم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى منع التردد، وقال في حكمة النبوة «ما ينبغى لنبى لبس لأمة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع، حتى يقاتل، وقد دعوتكم إلى البقاء، فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى الله تعالى، والصبر عند البأس، إذا لقيتم العدو، وانظروا ماذا أمركم الله» .

مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بجيشه من المؤمنين، وكان عدة المشركين نحو ثلاثة آلاف كما ذكرنا، بينما كان عدة المسلمين، وفيهم مرضى القلوب ألفا، وأراد بعض الأنصار أن يستعينوا بحلفاء لهم من اليهود، فقد ذكر الزهرى أن الأنصار استأذنوا الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فى الاستعانة بحلفائهم من المدينة المنورة، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: لا حاجة لنا فيهم، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أراد أن يكون جيشه ممن يريدون القتال دفاعا عن عقيدتهم، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (آل عمران- 118) .

وما كان له أن يستعين باليهود في نصرته، وقد كان بينه وبين بنى قينقاع ما كان مما اضطره لأن يخرجهم، وكتب الله عليهم الجلاء.

,

المنافقون:

416- نقى الله تعالى الجيش الإسلامى من المنافقين فخرج من الألف نحو ثلث الجيش من أتباع عبد الله بن أبى، وأظهر أنه خرج مغاضبا، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأخذ برأيه، وكذلك كل مستبد يريد أن يفرض رأيه على غيره، فهو لا يخلو من نفاق، وقد يبلغ في نفاقه ما بلغه منه عبد الله بن أبى رأس النفاق بين المسلمين، وكان خروجه ومن معه إعلاما لأهل الإيمان بنفاقهم، ولقد قال: أطاعهم وعصانى.

ولقد كان من أثر دعوته إلى الخروج أن لامه بعض المخلصين، وهمّ باتباعه بعض المؤمنين فكان ممن لامه ومن معه عمرو بن حزام، وهو يقول له ولمن معه: «يا قوم أذكر كم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم، عند ما حضر من عدوكم» . فكان من نفاقهم أن قالوا والعدو يساور المدينة المنورة: «لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال» فقال الرجل المؤمن عند ما استعصوا عليه: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله تعالى عنكم نبيه.

وقد كان رجوعه سببا في اضطراب بعض المسلمين من المترددين، وإن لم يكونوا من المنافقين، فقد همت طائفتان من المسلمين أن تفشلا والله وليهما.

وهمّ بنو سلمة، وبنو حارثة أن يعودوا مع من عاد مع عبد الله بن أبي، وكان ذلك من فرط جزعهم من لقاء عدد يفوقهم أضعافا، وهو مزود بزاد الضغن والعدة، وقد أثر النفاق في نفوسهم وإن لم يكونوا منافقين.

وهؤلاء هم الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (آل عمران- 121: 122) .

وقد فرح رجال هاتين الطائفتين لقول الله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما إذ اطمأنوا إلى أنهم لم يكونوا منافقين وإن كانوا مترددين، لأن الله تعالى ولى المؤمنين، والمنافقون وليهم الشيطان.

وإنه إذ خرج هؤلاء كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض عليه صغار المؤمنين الذين لم يبلغوا الخامسة عشرة، ولم تكن فيهم مهارة في الرماية ولا قوة بدنية تغنى غناء الرجال، فقد ثبت في الصحيحين أن عبد الله بن عمر عرض على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في أحد فرده، وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب ... وغيرهم.

وقد همّ برد رافع بن خديج وكان في مثل هذه السن، فقيل له: إنه يحسن الرماية، فأجازه، لأنها لا تحتاج إلى قوة في البدن، ولكن إلى مهارة في إصابة الهدف.

وكان سمرة بن جندب قد تقدم أيضا في قريب من هذه السنة فهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرده، فقيل: إنه يصرع رافعا، ويظهر أنه رآه أقوى منه، فأجازه.

,

مقاعد القتال:

417- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يبويء المؤمنين مقاعد القتال، وقد صفى الله تعالى الجيش من المنافقين، وثبّت المترددين، فقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم داعيا إلى التقوى والصبر، وأن الله تعالى ناصرهم، كما نصرهم ببدر وهم أذلة، ومبشرهم به إن صبروا، فقال الله سبحانه وتعالى حاكيا عن نبيه عليه الصلاة والسلام في تثبيتهم في ذلك اليوم وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ

رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَوْ يَكْبِتَهُمْ، فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (آل عمران- 123: 127) ثبت الله سبحانه وتعالى قلب المؤمنين بهذه البشرى، وهى الإمداد الروحى بالملائكة، إن صبروا في الميدان وثبتوا، وذكروا الله تعالى، وأنه فوق كل القوى، وصبرت نفوسهم، فلم تنحرف عن القتال والإيغال وراء العدو، ولم تشغل بالغنيمة عن النصر، وإن صبروا فلم يخالفوا القائد المدرك الذى يدعوهم إلى الرشاد، وإلى أن يتعاونوا جميعا في الميدان، وعلموا أنهم يؤلفون جيشا متعاونا وليسوا فرقا متفرقة تتنافس في الغنائم، ولا تتنافس فى النصر.

تقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومضى حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادى إلى الجبل، فجعل ظهر عسكره عنده لكيلا يتمكن المشركون.

وصف الصفوف، كما فعل في بدر، وقلده المشركون في هذا فصفوا الصفوف أيضا وجعل الرماة وعددهم خمسون راميا، وراء ظهر الجيش، وجعل عليهم عبد الله بن جبير أميرا، وأوصاه بأن ينضح عن المسلمين الخيل، وقال له: «انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك» .

ولبس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأمته، وشدد الوصية للرماة، وذلك ليمنع التفاف جيش المشركين حول جيش المسلمين، وعدد المشركين كبير، وجيشهم كثيف.

وبعد أن صف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جيشه أمره بألا يقاتل، حتى يأمره بالقتال، ليتقدم الجيش على قلب رجل واحد، وظهورهم في حماية الرماة.

وذلك تنظيم حربى لم يعرفوه، ولو أن الرماة أطاعوا ما اضطرب جيش المسلمين، ولا أصابهم قرح في هذه الغزوة، وقد كان أمام جيش الإيمان جيش الشرك يفاخر بكثرته وعدته، وقد اتخذ الأفراس التى تجاوزت مائتين، والإبل مزارع المدينة المنورة مسترادا، ومذهبا، وذلك مما أثار حمية أهل المدينة للقتال حتى قد قال قائلهم، والنبى عليه الصلاة والسلام يشاورهم في الخروج إلى المشركين: أترعى زروع بنى قيلة الأوس والخزرج ولما تضار.

,

المعركة

420- بوأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لجنده مقاعد للقتال، وقد عنى بأمرين عناية شديدة أولهما بالرماة، فقد شدد عليهم الوصية بألا يبرحوا مكانهم، ومما قاله لهم في ذلك، «احموا لنا ظهورنا إننا نخاف أن يجيئوا من ورائنا، والزموا أماكنكم لا تبرحوا منها، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل» .

الأمر الثانى جعل في صفوفه الأولى الأشداء من جند المؤمنين الذين أبلوا بلاء حسنا في غزوة بدر كأسد الله تعالى حمزة بن عبد المطلب، وفارس الإسلام على بن أبى طالب والزبير بن العوام الذين يذكرهم وجودهم بهزيمة بدر فيكون ذلك إرهابا لهم وإيقانا بأن الليلة كالبارحة، ولأنهم يدقون صفوف المشركين دقا، فيفتحون الطريق لمن وراءهم، ويزيلون الرهبة من لقاء أهل الشرك، ولو كثر عددهم، ونهاهم عن أن يقدموا إلا بأمره، ويستأنوا.

وقد أخذ يتفرس الوجوه، ويحرض الأبطال، ويدفع الصناديد إلى البأس، فحمل سيفا ودعا المؤمنين إلى أن يحملوه، ويحموه.

روى الإمام أحمد بسنده أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد، فقال:

من يأخذ هذا السيف بحقه، فجعلوا ينظرون إليه، فقال: من يأخذه بحقه ... فقال أبو دجانة (سماك) أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين.

قال ابن إسحق: وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها، فيعلم أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم جعل يتبختر بين الصفين بعد أن اعتصب بعصابته. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن.

كان لواء المشركين مع طلحة بن أبى طلحة، ثم عثمان بن أبى طلحة، وكان حملة اللواء جميعا من بنى عبد الدار. والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أعطى لواء جيش الإسلام على بن أبى طالب، فلما رأى عليه الصلاة والسلام حامل لواء المشركين من بنى عبد الدار طلحة بن أبى طلحة أخذ اللواء من على كرم الله وجهه في الجنة، وأعطاه مصعب بن عمير من بنى عبد الدار.

,

ابتداء القتال:

421- ابتدأ القتال من قبل المشركين أبو عامر بن صيفى وهو أوسى، كان يسمى الراهب، وسماه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الفاسق عند ما خرج إلى قريش يحرضهم على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان قبل قدوم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة ذا مكانة في قومه.

فدفعوه ليتقدم جيش الشرك، وكان في نحو خمسين، وظنوا أن ذلك يوهن من قوة الأنصار، ويبعث على التردد، ولذا قال عند ما تقدم ونادى: يا معشر الأوس، فقالوا له: «لا أنعم الله بك عينا» فطاش سهمه ومن معه وخاب فألهم، وقال لما سمع ردهم: «لقد أصاب قومى بعدى شر» .

أذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالقتال، وكانت كلمة التعرف بين المؤمنين أمت أمت، اندفع الصناديد من جيش المسلمين يقتلون في جيش الشرك يضربون، فاندفع أبو دجانة يفلق الهام بسيف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه تعهد لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأخذه بحقه حتى إنه ليضرب الرجل على رأسه بالسيف، فيفرقه فرقتين.

وكان النساء قد خرجن في القتال ملثمات، أو ظاهرات بمظهر رجال، فلقى أبو دجانة امرأة قيل إنها هند امرأة أبى سفيان بنت عتبة، فرفع السيف عنها، ولم يجد من كرامة سيف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقتل به امرأة، ولو كانت تقاتل.

وحمزة بن عبد المطلب يدق جيش المشركين بسيفه دقا، وأوغل بسيفه البتار في جيش المشركين، وهم يفرون منه فرارا، كأنها النعاج تفر من الأسد الهصور.

وحامل لواء الشرك طلحة بن أبى طلحة يطلب المبارزة، فلا يقدم على مبارزته إلا على بن أبى طالب، وما هى إلا جولة من جولات على إلا كانت بعدها الضربة القاصمة التى وصفها المؤرخون بأن ضربات على كانت أبكارا أى لا يضرب إلا ضربة واحدة تكون بكرا منفردة.

الخسارة الفادحة- مقتل حمزة مع المضاء في القتال:

422- كانت الجولة للمسلمين، حتى إن المشركين يفرون فرارا أمام سيوف الله تعالى التى سلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الشرك وأهله، وأمام الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون، فما تقدموا حريصين على الحياة الدنيا، إنما يحرصون على ما عند الله في الآخرة.

قتل حامل اللواء الإسلامى مصعب بن عمير، فحمل اللواء على رضى الله عنه، فما سقط اللواء، ولكن الخسارة الكبرى كانت في مقتل حمزة.

لقد قتل غيلة، ما قتل في مبارزة، ولا في مواجهة فما كان بنو هاشم ليقتلوا إلا غيلة خيانة وجبنا.

لقد تواصت هند، وغيرها من قريش مع وحشى العبد الحبشى الذى يجيد القذف بالرمح، ولا يجيد الضرب بالسيف وما كان يجديه لو أجاده أمام أسد الله تعالى حمزة.

كان حمزة يجندل الأبطال، وما تقدم نحوه أحد إلا جعله يعض التراب مستهزئا به، ساخرا منه، وهو يتبختر، ويدل بمواقفه في القتال.

وقد كان يتربص به العبد الذى جعل سيده جبير بن مطعم قتل حمزة عم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثمن عتقه، كما قتل حمزة عمه.

كان وحشى يختبيء وراء الأشجار لتسنح له فرصة يرمى فيها رميته، وحمزة، كما قال العبد، يحمل سيفه كالجمل الأورق يهد به الجيش هدا، فرماه بحربته التى لم تخطيء، ونال حريته.

فقتل عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وسيد الشهداء. كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال كلمة حق أمام سلطان جائر فقتله» .

وإذا كان ذلك قد أرضى جبير بن مطعم، وأرضى هند بنت عتبة، فإنه لم يرض الشرف والمروءة، وأرضى النذلة والخيانة، وأنى يكون هذا من فعل أبى دجانة، وقد رأى امرأة محاربة فتركها تنزيها لسيف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقتل به امرأة تقاتل.

ولكن ما وهن جيش الإسلام، ولا ضعف، وإن ذهبت منه قوة ليس من السهل أن تعوض إذ استشهد منه رجل كان كألف من الرجال الأشداء.

بل استمر جيش الحق في تتبعه لأعداء الله تعالى، فلم يهن، وإن حزن بل مضى في طريقه، وكان هو الغالب، والمشركون يتساقط من بين أيديهم لواؤهم حاملا بعد حامل.

قتل حامل اللواء طلحة بن أبى طلحة، فحمله أخوه عثمان بن أبى طلحة، ثم حمله من بعده أخوه أبو سعد وقد طلب المبارزة من على متحديا، فتصدى له على الذى لم يفر من مبارز، ولم يبارز أحدا إلا نال منه، فبارز حامل لواء المشركين، وهو الذى آل إليه لواء المؤمنين بعد مصعب بن عمير، فاختلفا ضربتين فنبت ضربة ابن أبى طلحة، وضربه على فصرعه، ثم انصرف عنه، ولم يجهز عليه، ولعله لم يجهز عليه، لأن فارس الإسلام لا يقتل مصروعا، بل يقتل من يقف أمامه، وقال على رضى الله تعالى

عنه عند ما قال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه، قال: إنه استقبلنى بعورته، فعطفنى عليه الرحم، وعلمت أن الله قد قتله.

لا نقول قابلوا بين على ومن حرض العبد، فإن تلك بطولة على، وهذه أخلاق العبيد. توالى القتلى من حملة لواء المشركين، حتى حملته امرأة.

وصناديد الجيش الإسلامى حتى بعد مقتل حمزة بالخيانة والغيلة والغدر مستمرون في الضرب فى اهتداء، وقد شقوا صفوفهم، كما تشق السكين الكمثرى، وأداروها رحى في صفوفهم، وهم يفرون تاركين أموالهم وعتادهم ومع كثير مما يغنم.

,

الغنائم القاتلة:

423- تفرق معسكر الشرك، وفر من فر منهم، ولم تغن عنهم كثرتهم شيئا، ولم ينالوا خيرا، ولكنهم لم يسحقوا، ولم يثخنوا وكانوا يفرون فرارا، والعدد لجب كبير، وفيهم قوة الخيل قوة خالد بن الوليد، وقوة عكرمة بن أبى جهل، ومع كل منهم مائة فارس، قد أعدوا العدة، لينقضوا إن وجدوا الفرصة، وكلاهما ذو بصر أريب يدفعه الثأر والحمية.

غر الأمر طلاب الغنائم، وبينما على والزبير، وسعد بن أبى وقاص، وصناديد الأنصار يقصمون ظهور المشركين، حتى حملوهم على أن يتركوا متاعهم، أخذ هؤلاء من وراء أولئك يجمعون الغنائم، ويأخذون الأسلاب، ويتركون أبا دجانة يفلق الهام، ولا يحمون ظهور المؤمنين، والطمع يغرى بالطمع، والمال يغوى ويضل.

ولقد وصف ابن إسحاق المعركة قبل التسابق على الغنائم فقال: أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده، وحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها.

ويقول البطل الزبير بن العوام: «ولقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير» .

أخذ ناس يجمعون الغنائم، ورأى الرماة الغنائم تكثر، ويتسابق إليها من يريدونها، فتركوا حماية ظهور المؤمنين، ونضح الخيل بالنبال، وأمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بألا يتركوا أماكنهم سواء أكان القتل للمؤمنين أم كان على المؤمنين، لأنه لا يريد أن يحيط جيش المشركين الكثير بجيش المؤمنين الذى لم يصل في العدد إلى ربعه.

زايلوا أماكنهم، وعين خالد وعكرمة تترقبهم، ويريدون فرصة ينتهزونها لفعل الخيل، فانقضوا على مواطن الرماة، وأخذوا جيش الإيمان من ظهره.

والجزء الأكبر من جيش قريش يسير في انكسار، ولا يتوقع إلا الهزيمة حتى أخذ ينادى خالد ابن الوليد جيش قريشا بأنه أخذ يضرب جيش محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من ظهورهم، فعادوا كلبين على جيش المسلمين يريدون أن ينالوا منالا، وأرادوا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ليقتلوه، وإذا كانوا قد أحاطوا بجيش الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فالله سبحانه وتعالى من ورائهم محيط.

قال ابن إسحاق:

انكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، أكرم الله سبحانه وتعالى من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالحجارة، حتى وقع، فأصيبت رباعيته وشج في وجهه، وكلمات شفته.

وهكذا وصل جيش المشركين إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته الطاهرة، ووقع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حفرة من الحفر.

وكان أبو عامر الأوسى، قد حفرها ليتردى فيها المسلمون عند هجومهم، فأخذ على بن أبى طالب بيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما.

وأخذ الصحابة يزيلون وضر الجروح عن وجهه، ونزع أبو عبيدة عامر بن الجراح إحدى الحلقتين من وجهه، نزعها بأسنانه، فسقطت ثنية أبى عبيدة، ثم نزع الآخرى، فسقطت ثنية أخرى.

كان جيش الشرك لا يريد إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ظانين أنهم إن قتلوه، انتهى الأمر، ولذلك أحاط به الصناديد من المؤمنين الذين كانوا في صدر الجبهة، وأخذوا يذودون عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والسيوف تعتورهم، ومنهم كثيرون ذهبوا فداء لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان منهم من يخصه بالحماية غير مبال بشىء.

وفي ذلك الوقت اشتدت الحماسة في الدفاع عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان بجواره مصعب بن عمير حامل اللواء يذود فقتله من يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونادى فى قريش أن محمدا قتل، وقد أعطى اللواء لعلى.

وقد اتجهوا إلى النبل يصوبونها على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واتخذ أبو دجانة من نفسه ترسا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر النبل، وبينما أبو دجانة يترس دون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان سعد يرمى المشركين بالنبل ليبعدهم عن الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه، والرسول عليه الصلاة والسلام يناوله ما يرمى به، ويقول له: ارم فداك أبى وأمى.

لنترك الذين حول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أصاب الرسول، ولنتجه إلى ما جرى في جيش الإيمان بعد الإحاطة بهم.

لقد شاع في المشركين أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد قتل، فأيأس الخبر الجميع، ويئس الضعفاء وتحمس الكثيرون، وصاح فيهم أنس بن النضر: «ماذا تصنعون بالحياة بعده، قوموا وموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» واستجاب الناس لندائه، وقاتل حتى قتل.

ثم جاء البشير من بعد فترة بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقتل، فنهضوا، ونهض معهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من الشعب الذى كان به بجوار أحد، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلى، وطلحة، والزبير، وغيرهم من أقوياء المسلمين يستردون الموقف بعد المباغتة التى بلغ الاضطراب فيها أن قتل بعضهم بعضا وقد صارت الأمور لأهل الإيمان فوضى.

وكان أبو سفيان قد أشرف بمن معه على المسلمين، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو في هذه الشدة، لا يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في هذه الأرض. وندب من أصحابه من أنزلوهم، واستقتل المسلمون في ذلك حتى أزاحوهم عن الجبل، وشقوا طريق قريش، وإن كان الجيش كليلا مكلوما، ولكنها قوة الإيمان المستيقظة في قلوب رجال بدر الكبرى، وبقية سيوفها، وبقية السيف أبقى عددا، كما قال على بطل بدر وأحد.

نهنه ذلك من عزيمة قريش، إذ كانت الحجارة ترمى من الجبل على فرسان خالد الذى أخرجهم من الهزيمة الساحقة، وإن لم يأخذهم إلى نصر حاسم.

وألقى اليأس في قلوبهم من نصر حاسم حالق لقوى المسلمين ما جاء به البشير من أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم حى، يدبر لهم، ويكيد.

عادت القيادة إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن اضطربت أمور الجيش، وحمّل رسول الله اللواء على بن أبى طالب، بعد أن سقط حامله مصعب بن عمير، وإنه بعد أن حمل اللواء

على، وهو الذى يهجم ويضرب، فلا يهمه أيقع الموت عليه أم يقع على عدوه، وبعد أن استولى المسلمون على الهضبة أخذوا يقاتلون، ولم يغن المشركين، إذ استمر خالد في هجومه، فقام المسلمون، وكانت الصفوة المختارة من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن أمثال أبى دجانة والزبير، وطلحة، وحامل اللواء على فقابلوه بهجوم مضاد وصدوه، بعنف الجبال.

ومضى بريق النصر لقريش عند ما اضطرب جيش المسلمين، وكثر الفتك فيه، وليس عددا كثيرا بجوار عدد المشركين، وعند ما شاع بينهم أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد قتل فحسبوا أنهم منتصرون ساحقون لجيش النبى عليه الصلاة والسلام، جيش الإيمان، ولكن ذهب البرق الذى خطف أبصارهم عند ما علا جيش المسلمين إلى الهضبة، وصد هجمات خالد ومن معه، وحمل اللواء على، واللواء حامل النصر، وإن تخاذل خذل من وراءه، وعلى لا يتخاذل، وقد علموا سيفه في بدر وأحد، وكما قال أبو سفيان: يؤتى الجيش من حامل لوائه.

ولا ننسى أن جيش قريش قد أصابته جراح الحرب ابتداء، فالأمل هو الذى داوى جرحه فهجم، وسط اضطراب جيش الإيمان، فلما استقام له الأمر، نغرت جراحهم، وخافوا العقبى، ويئسوا من النصر الساحق، إذ رأوهم وقفوا أمامهم، وقد ذاقوا من قبل وبال الأمر من هجومهم، وإن كانوا قليلا.

عندئذ رأوا أن ينهوا القتال، وقد فرحوا بهذا النصر المؤقت، وخشوا أن يضيع منهم وإنه لابد ضائع، لقياسهم القابل على الماضى، والحاضر لحظة ستصير ماضيا.

424- هذه غزوة أحد التى يقول فيها المؤرخون إن الهزيمة فيها كانت على جيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنى أرى أن تسمية ما أصاب المسلمين هزيمة ليست تسمية تنطبق على الواقع تمام الانطباق، إنما تكون الهزيمة إذا كان جيش الإيمان قد فر فرارا، والآخر قد تبعه في فراره، حتى داهم المدينة المنورة، وكان ما يكون بعد ذلك.

إنما الذى أنهى القتال هم المهاجمون، وكأنما اكتفوا بأن أصابوا مقتلة من المسلمين، ورضوا بذلك لأنهم لا طاقة لهم فيما وراء ذلك، وقد رأوا السيوف الإسلامية تبرق، وذاقوها مرتين، ولذا تتبعهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وإذا كان ما في أحد لا يسمى هزيمة، فإنه لا يسمى نصرا أيضا لأحد الفريقين. وقد يسمى جراحا للمسلمين، كما سماها القرآن الكريم، إذ سماها قرحا، وسماها إصابة، فقد قال الله سبحانه وتعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ

النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران- 140: 144) .

425- وقبل أن نترك الكلام في الموقعة التى أنهاها المشركون، ولم ينهها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يعترف بانتهائها بإنهائهم، بل سار وراءهم حتى فرواهم فرارا. لابد أن نشير إلى أمور ثلاثة:

أولها: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد قتل مشركا بيده في هذه الغزوة، ذلك أن أبى ابن خلف قد أراد أن يقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد اعتزم ذلك الآثم وهو في مكة المكرمة، فلما كان يوم أحد أقبل أبى مقنعا بالحديد، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فاستقبله مصعب بن عمير فقتله ولكن قيل أن مصعب بن عمير، قتل غيره، وكان على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرده بنفسه، فأخذ الرمح وأبصر عليه الصلاة والسلام ترقوة أبى بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع، والبيضة الحديد، فصوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الترقوة من بين الحديد، فطعنه بالحربة، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، كما يقول الرواة، فأتاه أصحابه، وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك!! إنما هو خدش، فقال: والذى نفسى بيده لو كان الذى بى بأهل ذى المجاز لماتوا أجمعين. فمات إلى النار فسحقا لأصحاب السعير.

ويقول ابن إسحاق في وصف قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم له وقد جاء إليه قال: دعوه فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم، كما ذكر لى، فلما أخذها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ بها عن فرسه مرارا.

وإن هذا يدل على قوة بأس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وإن كان لا يقتل بيده.

الأمر الثانى: أن النساء كن يخرجن في جيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يحملن الماء للمجاهدين ويداوين الجرحى إن أمكن ذلك، وقد يضربن بالسيف، إن كانت ضرورة لذلك، يروى أن أم عمارة نسيبة المازنية قد خرجت مع الجيش تحمل سقاء فيه ماء، لتسقى الجيش. وكانت تشد أزر

المجاهدين، فلما أحدق المشركون وأحست بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرض للمشركين، وقد جعلوه هدفا مقصودا. استلت السيف، وأخذت تذود عنه صلى الله تعالى عليه وسلم مع الذائدين، وترمى بالقوس، حتى نزلت بها جراح شديدة وأصاب عاتقها جرح أجوف له غور.

ولقد كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تغسل الدم عن وجه أبيها الكريم، وتداوى جرحه. روى البخارى عن سهل بن سعد أنه قال: «أما والله إنى لا أعرف من كان يغسل جرح النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووى، كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تغسله، وعلى يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها» .

والظاهر من هذا الخبر أن فاطمة الطاهرة بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد خرجت مع المجاهدين، فداوت جرح أبيها عليه الصلاة والسلام، أو أن يكون الدم استمر يسيل حتى عاد إلى داره، والله تعالى أعلم.

الأمر الثالث: ما فعله المشركون بالقتلى، وخصوصا الجثمان الطاهر، جثمان حمزة رضى الله عنه، وأقرنه بما فعل على رضى الله عنه عند ما صرع مبارزه ابن أبى طلحة، فقد بدت عورته، فرفع على سيفه وأخذته المروءة والرحم، ولكن أنى تكون امرأة أبى سفيان وأبو سفيان، وعلى البطل الذى يقرع الأقوام في وجوههم، ولا يقرعهم مدبرين.

سلط المشركون النساء على القتلى يمثلن بهم بقيادة هند بنت عتبة زوج أبى سفيان، وأم معاوية، وذكر ابن إسحاق أنه وقعت هند بنت عتبة، والنسوة اللائى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خلاخل، وقلائد، وقد أعطت قلائدها الحقيقية وخدمها وأقراطها وحشيا الذى اغتال حمزة غدرا وخيانة وجبنا، وبقرت بطن حمزة، وأخذت كبده فلاكتها ولم تسغها، فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة.

وأنشدت تقول:

نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكرى

شفيت نفسى وقضيت نذرى ... شفيت وحشى غليل صدرى

فشكر وحشى على عمرى ... حتى ترم أعظمى في قبرى

,

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

426- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ. وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (الأحزاب- 23، 24) .

وإن النص السامى الكريم ينطبق على الذين ثبتوا من رجال المؤمنين في أحد، سواء أنزلت الآية فيهم أم كانت عامة، تعم كل رجال الجهاد من المؤمنين.

فقد كان في هذه الغزوة رجال كانوا صادقين في حربهم، وصادقين في إيمانهم منهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب الذى كان يدق جيش الشرك دقا، ومنهم أبو دجانة الذى كان يفلق الهام بسيف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأعطى السيف حقه، ومنهم مصعب بن عمير، ومنهم بطل الأبطال على بن أبى طالب الذى حمل اللواء في الشديدة، فكان إعطاء اللواء له إرهابا للشرك، ومنهم طلحة بن عبيد الله، الذى كان له الفضل الأوّل في تحويل الحرب من هزيمة متوقعة للمؤمنين إلى نصر متوقع للمؤمنين، ومن بعده أنهى المشركون القتال خشية أن تكون العاقبة عليهم، لا لهم.

وذلك عند ما طلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من صحابته الأبطال الذين يحوطونه أن يعلوا إلى الجبل، حتى لا يكون أبو سفيان في علو عليهم.

ولنترك البيهقى يتكلم في دلائل النبوة «انهزم الناس عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبقى معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون، فقال: ألا أحد لهؤلاء، فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام كما أنت، فقال رجل من الأنصار فأنا يا رسول الله فقاتل عنه، وصعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومن بقى معه، ثم قتل الأنصارى فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء، فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مثل قوله، فقال: رجل من الأنصار فأنا يا رسول الله، فقاتل، وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأوّل، ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه أحد إلا طلحة، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا يا رسول الله، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، ثم صعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون، وقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ذلك يوم كان لطلحة.

وإن صعود جيش المسلمين إلى الجبل بعد أن أبعدهم المشركون فيصل بين الاضطراب في جيش المؤمنين، وبين إعادة الخطة، والسير على المنهاج من غير اضطراب، وحامل اللواء على كرم الله وجهه، ولذا أخذوا يضربون أقوى في المشركين بقيادة خالد بن الوليد، وينتصفون منهم، وقد زال عنهم وعث الجروح، وانتظم جيش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك أنهوا القتال وشيكا، ولم يستمروا خشية أن تدور عليهم الدائرة كما ابتدأ المسلمون يحسونهم بإذنه.

,

فرحة أبى سفيان بالنصر القريب

427- أنهى أبو سفيان الحرب فرحا، راضيا بما وصل إليه، وإن لم يكن نصرا لهم وسحقا للمسلمين، ولكنه أدرك الثأر وكفى، والوقائع أقنعته بأن يكتفى بذلك، حتى لا يضيع من يده ما أخذ، وهو أنه ثأر، وأخذ ترته، وكفاه ذلك، ولم يقتلع المدينة المنورة، ولم يستطع أن يمنع أسباب مصادرة ماله وعيره، ولكن وقف يفاخر بما وصل إليه، وينادى المؤمنين، يقول:

أفى الجيش محمد؟ أفى القوم محمد؟ أفى القوم محمد؟ نادى ثلاثا، فنهاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ أفى القوم ابن أبى قحافة؟ ثم قال: أفى القوم ابن الخطاب، ثم أقبل على أصحابه، قال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن هؤلاء لأحياء كلهم، وقد بقى لك ما يسوءك. فقال:

يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤنى.

ثم أخذ يرتجز فرحا: اعل هبل، اعل هبل.

فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال قولوا:

الله أعلى وأجل، قال إن لنا العزى، ولا عزى لكم. قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

ألا تجيبونه؟! قالوا يا رسول الله فما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

,

وصف المعركة في القرآن الكريم

428- وصف القرآن الكريم المعركة وصفا دقيقا، ووصف نفوس جيش النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وخصوصا الذين كانوا يطلبون المال في المعركة، وآثارهم فيها، فقال الله سبحانه وتعالى:

«هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها

بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (آل عمران- 138: 145) .

هذه الآيات الكريمات تصور النتيجة التى انتهت إليها المعركة بالنسبة لما أصاب المسلمين من قرح، وأنه كان اختبارا للمؤمنين ليتميز المجاهدون الصابرون من الضعفاء المترددين، كما أشرنا في وصف الجيش.

وفي النص الكريم ما يشير إلى حقائق ثابتة، ومنها أن الإصابة مرة لا يصح أن تحدث الوهن والحزن، فهما يولدان اليأس من رحمة الله، وليس اليأس من شأن أهل الإيمان، فإنه لا يبأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

ومنها أن القياس بالمماثلة بين ما أصابهم في الماضى، وما أصاب المؤمنين يريح النفوس، وقانون الحياة الذى سنه الله تعالى في الوجود المداولة، حتى يكون النصر النهائى، وما النصر إلا من عند الله العلى الحكيم.

ومنها بيان أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كان صاحب الرسالة لا يصح أن يكون موته أو قتله منهيا لدعوته، بل على المؤمنين من بعده ألا ينقلبوا خاسرين، وعليهم أن يتحملوا الرسالة ويبلغوها للناس ويجاهدوا في سبيلها غير وانين ولا مقصرين.

هذه حال المسلمين في أعقاب المعركة والعبرة فيها.

ولقد وصف الله سبحانه وتعالى المعركة في ابتدائها، ووسطها وما أصاب النفس المحاربة، إن كانت مترددة، والنفس إن كانت مجاهدة، وبين سبحانه وتعالى سبب العجز، فقال تعالت كلماته: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ، وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ، فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ، وَلا ما أَصابَكُمْ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. ثُمَّ أَنْزَلَ

عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ، يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ، وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (آل عمران- 152: 155) .

ونرى في هذه الآيات الكريمات وصفا دقيقا للمعركة، ووصفا للنفوس بينه العالم بما في الصدور.

ونرى الآيات تبين ابتداء المعركة، وقد كان فيها جيش الإيمان يحس الشرك بأن يصيب حسه، وإصابة الحس قتل الأنفس. وإزالة عنصر الحياة فيها، بإزالة الحس الذى هو مظهر.

ويجيء من بعد ذلك الخلاف حول الغنائم، بسبب التردد بين أخذها وبين تركها، وفي الأولى عصيان القائد الأعظم، وفي الثانية عصيان النفس، وطاعة القائد هو أولى بها، وإن كل تنازع عجز، ولذا بين القرآن الكريم أن ذلك فشل ذريع، ثم غلب بعد ذلك العصيان.

وانبثق في هذا الخلاف ما تكن النفوس، فكان منها من يريد الدنيا، وهم الذين تبعوا الغنائم، وأخلوا بالصفوف، وصرف الله تعالى جيشه الذى كان موحدا في الظاهر، لتكون تلك الجراح، والمقتلة التى أصابت المسلمين.

وصور الله تعالى المعركة في انتصارها وكبوتها، إذ هم يصعدون، والرسول عليه الصلاة والسلام يدعوهم في أخراهم.

ثم من بعد ذلك كانت الحسرة، فلم ينالوا مالا، ولم يحافظوا نفسا، وأصابهم غم شديد، بل أصابهم غمان. غم بسبب ضياع الأنفس وضياع المال إذ تعجلوا قبل ميقاته، وغم إذ نالهم، وأحسوا بما كان منهم، فلا يحزنون على مال فاتهم، ولا جروح أصابتهم، إنما هو الغم والغم إنزال غمة بالنفس، تكون منها في ظلام لا يرى ما وراءه، ويصيب النفس بالإعياء المرهق كدا وحسرة.

وإن ذلك كان عاما لمن كان يريد الدنيا، ومن كان يريد ما عند الله، وقد خص الذين يريدون ما عند الله تعالى بعد الغم المتوالى، غما بعد غم، كان الاطمئنان والرضا بما كان مستفيدين من العبر، وكان مظهر هذا الاطمئنان النعاس الذى لا يكون إلا من قرار نفس، واطمئنان حاضر، ورضا بما قدر الله تعالى،

وقد بذلوا في جهادهم كل الأسباب، وقد فاتهم النصر الحاسم كمن كان الشيطان قد استزلهم بأن أوقعهم في الزلل، بما كسبت قلوبهم من طلب للمال.

والآخرون الذين لم ينلهم الاطمئنان لأنهم الذين باشروا سبب الفزع والاضطراب الذى أصاب الجيش قد أهمتهم أنفسهم، فكانوا في هم دائم، لأنهم فقدوا المال الذى كانوا يريدونه، وأصابتهم حسرة من الجراح التى نزلت بهم، وبالمؤمنين، ولأنهم لم يطيعوا.

ولقد حدث من بعضهم أنه بعد الانكسار المؤقت الذى أصاب الجيش فكر بعضهم في أن يكتب إلى عبد الله بن أبى رأس المنافقين، يؤمنون أنفسهم عنده، ويظهرون له الطاعة بعد العصيان.

فقد جاء في تاريخ الحافظ ابن كثير أن بعض الذين كانوا قد هموا بالفشل أنهم قالوا «ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبى فيأخذ لنا أمنة من أبى سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد، اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل» .

وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، نذكره هنا بيانا لما نشير إليه، فهؤلاء هم الذين أهمتهم أنفسهم، وقد جرهم الشيطان إلى الزلل بسبب ما كسبت نفوسهم من تردد، ومرض نفسى، فكان زللهم نكبة للجيش، وإن لم تؤد إلى هزيمة، وإن هذا يزكى ما قلنا في أوّل القول عند ما وصفنا جيش المسلمين، بأن فيه بعض المترددين دعاة الهزيمة إذا وجدت أسبابها، وأنهم ما جاؤا إلا للغنائم، وأنهم نفسوا على أهل بدر ما نالوا من أنفال، فلم يريدوا القتال إلا لينالوا مثل ما نال الذين سبقوا بالجهاد حقا وصدقا.

,

تمام المعركة

429- قلنا إن غزوة أحد لم تكن فيها هزيمة على المؤمنين، وإنما الذين أنهوها هم المشركون ولم تكن قد انتهت من قبل المؤمنين.

نعم إنه كانت جراحات في المؤمنين، ولكن لم تثخنهم، وكانت جراحات في المشركين دون جراحات في المؤمنين، ولم يكن عمل المشركين إلا أن جاؤا فأخذوا ببعض ثأراتهم، ولم يأخذوا بها كاملة، فهل نالوا من على نيلا؟ وهل نالوا من الزبير؟ وهل نالوا من أبى دجانة؟ وهل نالوا من طلحة بن عبيد الله؟ فإن كانوا قد نالوا من حمزة، فإن الذين وتروهم كانوا لهم بالمرصاد.

وإذا كان المشركون قد أنهوا الحرب، بما يشبه الفرار عند ما استرد المسلمون جأشهم، واستقاموا لجهادهم، وأخذوا يكيلون لهم، وخافوا على أنفسهم من عودة الوثبة، وأن يحسوهم بإذن الله تعالى كما ابتدأوا، لم ينه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الحرب، ولذا تبعهم بالجند المؤمنين، ولا يجدد الجيش، بل يذهب إليهم بمن كانوا معه، وإذا كان قد فقد من جيشه نحو السبعين، فإنه بقى له فوق ستمائة، وإذا كانوا قد أصابتهم جراحهم، ولكنها لم تثقلهم، وهم بقية السيف وبقية السيف كما قال بطل الجهاد على بن أبى طالب، أبقى عددا.

,

خروج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:

430- بعد أن عاد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة من المعركة التى كانت يوم السبت 15 من شوال سنة ثلاث، وكان يوم الأحد في الغداة يدعو جنده للذهاب إلى تتبع المشركين، ورأى صلى الله تعالى عليه وسلم ألا يخرج معه إلا من كان من رجاله في أحد، وقد عرض عليه عبد الله بن أبى ومن رجعوا أن يخرجوا معه، فرفض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يخرجوا، وقد فرح المؤمنون بخروجهم وقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «لا يخرجن معى إلا من شهد القتال» فاستجاب الذين أخلصوا دينهم لله قرحى على ما أصابهم من جروح وبلاء، وقد روى أن الله سبحانه وتعالى قال فيهم: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (آل عمران- 172) ..

هذا جانب الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم خرج ليتمم المعركة، بطلب العدو الذى أنهى هو الحرب، ورحاها دائرة، ولم يتركوها رحمة، بل لمجرد الرضا بما وصلوا إليه من ثارات غير كاملة، فالأبطال الذين جندلوا مشايخهم ببدر كأبى دجانة وعلى والزبير ما زالت سيوفهم مشهورة عليهم.

والمشركون من بعد أن أنهوا القتال شبه فارين من نهايته، فإنه روى أنهم أخذوا يتلاومون ويقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكة القوم وحدهم، ثم تركتموهم، ولم تبتروهم بل منهم رؤوس يجمعون لكم.

ذلك قولهم بأفواههم، والحق أن رجالات محمد عليه الصلاة والسلام ما زالت فيهم البقية المرهبة، وما زال الإيمان بنصر الله يملأ قلوبهم.

ولقد هم المشركون أن يرجعوا لولا أنهم علموا الوثبة الإسلامية بقيادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد ابتدأت العودة إليهم عند ما علا النبى عليه الصلاة والسلام بجيشه فوق الهزيمة، وأخذ يذيقهم وبال أمرهم، فانتهوا لما علموا ذلك ورجعوا عن عزمتهم ورضوا بما نالوا.

خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حمراء الأسد، وهى تبعد عن المدينة المنورة بنحو ثمانية أميال، وأقام على المدينة المنورة ابن أم مكتوم، وقد لقيه بعض بنى خزاعة، وكانوا يميلون إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مسلمهم وكافرهم فقال قائلهم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يا محمد إنا والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله تعالى عافاك فيهم، وقائل هذا القول هو معبد بن أبى معبد الخزاعى.

ذهب من ذلك معبد إلى الروحاء وفيها أبو سفيان بن حرب، وقيل أنهم كانوا أجمعوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن من غير إقدام، بل على خوف ووجل، ولذلك جبنوا لما علموا بخروج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للقائهم.

سأل أبو سفيان معبدا قائلا: ما وراءك يا معبد.

قال معبد: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد أجمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط.

قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ والله ما أراك ترتحل، حتى ترى نواصى الخيل، وو الله لقد اجتمعنا للكرة عليهم، حتى نستأصل شأفتهم.

قال معبد: فإنى أنهاك عن ذلك.

نهنه من عزمتهم، وقلل من شوكتهم كلام معبد، وقد كانوا على وجل من اللقاء، ولكنهم أرادوا أن يمنعوا محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم من اللحوق بهم، فكلفوا بعض عبد القيس بأن يفزعوا النبى كما فزعوهم فركب عبد القيس النقى بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبره بأن أبا سفيان قد أجمع على السير إليه ليستأصل بقيتهم.

فلم يفزع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كما فزع هو بل قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وقد قال البخارى: إنه أنزل في هذا قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً، وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173- آل عمران) وأخيرا ارتد المشركون على أعقابهم خاسئين، ورضوا بما لقوا.

والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتبعهم، فهل كان المسلمون بعد ذلك في واقعة أحد مهزومين؟ لقد أصابهم قرح والجروح تصيب المقاتلين ولا تعد في قانون الحرب هزيمة، إنما الهزيمة أن يولوا الأدبار ويفروا فرارا.

,

رحمة النبى القائد صلى الله تعالى عليه وسلم

431- إن القائد الذى يسير وراءه الجيش، ويقدم روحه بين يديه، ويقدم معه على مواقع الردى غير هياب ولا وجل، هو القائد الرحيم الذى يحمى الجند من ورائه بأن يحنو عليهم كما يحنو الأب على أبنائه، فإذا قدمهم للاستشهاد فلمقصد أسمى، يقدم نفسه فيه أمامهم.

وليس القائد المظفر هو الذى يقدم جيشه إلى الميدان، كما يقدم أدوات الحرب، ومعدات القتال، من غير قلب يرحم، وينسى أن الجيوش قلوب تقدم، وأرواح تتقدم فداء للمعنى الإنسانى العالى الذى تقاتل من أجله، وتخوض له مشتجر السيوف، وتلقى بالحتوف نصرا له، وتأييدا لكلمة الحق، إن هذا النوع من القواد الجامدين الذين يحسبون الحرب تخطيطا وليست رحمة، أو تلابسها رحمة لا ينتصر، وإن انتصر مرة، لا يعاوده النصر مرة أخرى، لأنه لا يجد جندا ينصرونه، ولقد رأينا ممن يحسبون أنفسهم قواد الحرب من يرى صرعى جيشه في الصحراء، ولحومهم تنهشها ذئابها، ويقول غير حزين:

هكذا الحرب. ولذلك توالت هزائمه.

ولقد كان بونابرت قائدا مظفرا حتى عاد إلى فرنسا، وترك جنده في روسيا يأكلهم الثلج، وقد أذاقهم لباس الجوع، فكان ذلك مفتاح هزيمته، وما انتصر من بعد ذلك انتصارا حاسما.

وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم كان المثل السامى لرحمة القائد بجنده، كأنهم قطع من نفسه، ولقد زكى الله سبحانه وتعالى هذه الرحمة المحمدية النبوية، فقال الله سبحانه وتعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران- 159) .

وقد بدت رحمة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجنده في أحد وعقب الجروح التى أصابت الجيش الإسلامى، فما وجه لوما لأحد، وما جال بخاطره أن يحاكم المقاتلين لأخطاء وقعت، بل كل همه في الميدان أن يسترد الموقف لأصحابه، وأن يقفوا، ولا يخروا صرعى أمام أعدائهم، بل ارتقى بهم إلى الهضبة وأعطى الراية من يحملها بحقها، وناضل، وقاوم، حتى أيأس المشركين من أن يستأصلوا المؤمنين، بل خافوا منهم، وأنهوا القتال وإن لم يكونوا مدحورين، خشية أن يندحروا، إذ رأوا جند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد اشتد بأسهم في القتال مع هذه الجراح التى جرحوها.

وعفا عنهم، ليستبقى نخوتهم وبأسهم لما يأتى، وإن لم يكن ما وقع لا يسر، بل كان يضر، ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بالعفو، بل استغفر لهم بأمر ربه.

ولعل شوراهم هى التى جعلتهم يواجهون المشركين، وقد كانوا بمنجاة عن ذلك، لو أخذوا برأى الرسول، ولكن الشورى لم تكن سبب الجراح، إنما عصيان القائد، والخروج عما رسم من نظام كان هو السبب المباشر، ولذلك أمره الله سبحانه وتعالى أن يستمر في الشورى، فخطأ الشورى دائما إلى صواب، لأنه يقوى إرادة الأمة، وصواب الاستبداد دائما إلى خطأ، لأنه يضعف إرادة الأمة، وضعف الإرادة يضعف العزيمة ويفسد النفس، وذلك في ذاته خطأ.

ولقد أخذت الرحمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالشهداء من الصحابة، فأمر بأن يدفنوا بدل أن يرسلوا إلى أهليهم، ومن أخذه أهله رده إلى الموطن الذى استشهد فيه، وذلك لكيلا تتبعثر أبدانهم الطاهرة، ولكيلا تثير رؤية ذويهم لهم ألما وحزنا، ولكيلا يتصايح أهلوهم بالندب والنواح، فكانت رحمة الله تعالى بهم أن يدفنوا حيث هم، ليعرف الناس فضلهم، ولقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من بعد يزور مصارعهم، وسلك ذلك أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، رضى الله تعالى عنهم جميعا، وعلى كان يكرم ذرية أهل بدر وأهل أحد، فيزيد في الصلاة عليهم تكبيرات في صلاة جنازتهم.

ولقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدفن الشهداء، ويجمع في القبر أكثر من واحد، ويختار من كانوا ذوى صحبة بينهم، فيدفنهم في قبر واحد، وكان يقدم في الدفن الأقرأ فالأقرأ، وكلهم شهداء ذوو فضل عظيم ومقام كريم في الإسلام.

وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يمنع أن يبكى أهل الشهيد من بكاء عليه حزنا، وإن كان قد فاز بالشهادة، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «البكاء من الرحمن والصراخ من الشيطان» .

وكان يبكى بكاء شديدا على عمه حمزة أسد الله تعالى، حتى إنه رأى نساء الأنصار يبكين قتلاهم فقال صلى الله تعالى عليه وسلم حزينا باكيا، «وحمزة ... لا بواكى لحمزة» .

ومن رحمته عليه الصلاة والسلام بأهل الميت أنه منع السيدة العظيمة عمته صفية من أن ترى أخاها حمزة مقتولا، وقد عبثت العابثات من نساء المشركين بجثمانه الطاهر، ومثلوا به.

قال ابن إسحاق: قد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (حمزة) وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للزبير: الحقها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها الزبير، ارجعى يا أمه، إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمرك أن ترجعى. قالت: ولم وقد بلغنى أنه قد مثل بأخى، وذلك من الله فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبره بذلك قال: خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه واسترجعت واستغفرت.

ولقد دفن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عمه سيد الشهداء حمزة مع ابن أخته عبد الله ابن جحش، وقد مثل به، كما مثل بخاله حمزة.

وهكذا كان النبى عليه الصلاة والسلام القائد الرحيم يعيش بعد الجراح مع الأسر المجروحة يواسيها ولكن مواساة النبوة. والحقيقة: أن قتلاهم شهداء، وأنهم أحياء يرزقون، كما قال سبحانه وتعالى:

وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران- 169) . وأنهم قد نالوا خير الحسنيين، وأنهم يتمنون لو يعودون ليقتلوا في سبيل الله شهداء كما قتلوا، ولكن كتب الله أن الذين يموتون لا يرجعون، ولكن يبعثون في يوم الميقات المعلوم.

,

العدد والحساب

432- وقف أبو سفيان بن حرب الذى كان قائد الشرك مفاخرا قائلا «يوم بيوم بدر، والحرب سجال» زاعما أنهما يومان متقابلان تساويا في الخسارة، فخسارة المسلمين يوم أحد كخسارة المشركين يوم بدر، فهل هما متساويان؟

العدد والحساب فيهما الحكم والإجابة، لقد كان القتلى من المشركين في بدر سبعين، والأسرى مثلهم وفروا يومها منهزمين مدحورين، والسيوف الإسلامية تعمل في أقفيتهم، فهل كانت هذه حال المسلمين: كان القتلى من المسلمين في أحد سبعين، أربعة من المهاجرين، وأكثر من خمسة وستين من الأنصار، ولم يكن من المسلمين أسر قط، وكان القتلى من المشركين في غزوة أحد اثنين وعشرين، وأسير هو أبو عزة الجمحى الذى أسر يوم بدر، وخان العهد الذى أعطاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على ألا يظاهر عليه، فظاهر على المسلمين وجاء مقاتلا، فأسر، وطلب أن يمن عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لفقره، ولبناته، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم الذى يجازى الإحسان بالإحسان، والإساءة بعقابها. قال له: لا أدعك تمسح عارضيك، وتقول خدعت محمدا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. وأمر به فقتل.

ولم يكن من المؤمنين أسير، ولم يفروا ولم ينهزموا مدحورين، ولم تعمل السيوف في أقفيتهم إذ لم يولوا مدبرين، وإذا كان قد أحيط بهم في الدورة الثانية من أدوار القتال، فقد شقوا طريقهم وارتفعوا عليهم، واختاروا لأنفسهم المكان الملائم، وأخذوا يسلبون نتائج المعركة من أيديهم حتى حسبوها ستفلت من أيديهم بهذا القتال، وتتبعهم المسلمون في اليوم التالى، وإن كانوا مجروحين لم ينهزموا لأنهم يقاتلون فى سبيل الله، فهم ليسوا مع المؤمنين على سواء، ونتيجة الحساب بالمعادلة تنتج أن عند المسلمين زيادة في الغلب.

وإن الجروح التى أصابت جيش الإسلام لا تعد هزيمة. وكما قال صديقنا القائد العظيم اللواء ركن محمود شيت خطاب، إن فقد عشرة في المائة من الجيش مع بقائهم ثابتين، ومع أنهم شقوا الطريق إلى النصر، لا يعد هزيمة بحال من الأحوال.

إنما هو جرح، كما قال الله سبحانه وتعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ آل عمران. فما كانت المداولة بين الناس في الانتصار والانهزام، بل كان في القرح الذى مسهم مثله فكانت الهزيمة لهم ابتداء، ولم يستطيعوا أن ينزلوا بالمسلمين هزيمة مثلها، بل فروا في النتيجة فرارا..

,

العبرة فيما أصاب المسلمين:

433- ولكن مع ذلك دروس، ففى أحد عبر وأغلاط، هى التى جعلت المسلمين يمسسهم قرح، كما مس المشركين قرح أولا- وقرحهم أشد، لأنه صحبته هزيمة.

وأن الجرح الذى أصاب المسلمين له أسباب:

أولها: أن جيش المسلمين كان فيه من يطلب الغنيمة، لأنه حسب أن النصر مفروغ منه بالقياس على ما كان في بدر، وقد ظهرت نيات هؤلاء قبل المعركة، إذ همت طائفتان أن تفشلا والله وليهما، وظهرت في أثناء المعركة، فقال سبحانه وتعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ والذين يريدون الدنيا سارعوا إلى الغنائم، وعصوا أمر الرسول.

وظهر الذين يريدون الدنيا بعد المعركة، فقد أهمتهم أنفسهم، وندموا على الخروج لأنهم لم يصيبوا مالا وأصابتهم جراح، ولم يعرفوا أن شأن القتال اتباع مناهجه، فإن خرجوا عنها وخالفوا أمر القائد، ينلهم الثبور، وأنهم إن أطاعوا، وسلكوا المنهج المستقيم نصرهم الله تعالى بتوفيقه.

ولقد كان هؤلاء يثيرون التردد في الجهاد في قلوب أهل الإيمان، وقال الله سبحانه وتعالى فيهم:

أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا، قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، فَبِإِذْنِ اللَّهِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا، وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا، قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ، هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (آل عمران- 165: 167) .

وثانيها: أن بعض الجيش الإسلامى بتأثير الذين يريدون الدنيا قد شغلوا بالغنائم، ولم يطاردوا المشركين بعد أن اضطربت صفوفهم بضربات المؤمنين الصادقين أولى البأس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يتبعوا المشركين حتى يثخنوهم، ويعجزوهم عن أن يحيطوا بهم، ويضربوا فيهم.

وثالثها: عصيان القائد، وذلك من الذين يريدون الدنيا، وقد عارضهم الذين يريدون الآخرة، ولكن الأولين كشفوا ظهر المسلمين.

ولقد كانت نتيجة هذه الجراح عبرة ولم تكن هزيمة، وهى أن الله تعالى محص الذين آمنوا بالله وطلبوا الآخرة من الذين يريدون الدنيا، ولا يفكرون فيما عند الله تعالى في الآخرة.

فإنه في الوقت الذى كان يجرى فيه هؤلاء وراء الغنائم التى كانت وبالا- كان المخلصون الذين يريدون الآخرة قد أحاطوا بالرسول يتلقون عنه ضربات السيوف وينضحون النبل، ويرمون، ويأتمرون بأمر القائد الأعظم، بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد باعوا أنفسهم لله تعالى يقاتلون، فيقتلون ويقتلون حتى شقوا الطريق، وعلوا إلى الهضبة، وأخذوا يكيلون الضربات، حتى أيئسوهم من نصر، وأن يلحقوا بالمسلمين هزيمة، ولقد قال الله سبحانه وتعالى وقد تبين المجاهدون الذين أشرنا إليهم، والذين استردوا الموقف، بعد أن خرج بعمل الذين يريدون الحياة الدنيا وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.

وقد تبين المجاهدون الصابرون، وكان منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، وإن غزوة أحد مهما تكن نتيجتها قرر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنها جرح أصيب به المسلمون من الشرك، فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا يصيب المشركون منا مثلها، حتى يفتح الله علينا» .

,

دعاء الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في أحد:

434- رأينا أن نتيمن بذكر دعاء الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في أعقاب المعركة في شدتها على أهل الإيمان، روى الإمام أحمد رضى الله تعالى عنه في مسنده، وبالسند المتصل أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم «استووا حتى أثنى على ربى عز وجل، فصاروا خلفه صفوفا، فقال اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادى لما أضللت، ولا مضل لمن هديت،

ولا معطى لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إنى أسألك النعيم المقيم الذى لا يحول ولا يزول، اللهم إنى أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إنى عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا، ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إنه الحق» .

هذا الدعاء الذى رواه الإمام أحمد، قد رواه النسائى أيضا في سننه.

وهكذا دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو وأصحابه الذين يريدون الحق متجهين إلى الله تعالى لا يرضون إلا رضاه في جهادهم، واستشهادهم ورغبتهم فيما عنده، وخرج بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، واتجاههم إلى الله تعالى، واستووا وراءه صفوفا حامدين شاكرين، غير ناكصين، زادتهم المحنة إيمانا وتسليما، وإذعانا وتفويضا، فما ارتابوا، بل ازدادوا إيمانا ويقينا، رغبة في حمية دينية، وقوة ربانية، وما ضعفوا ولا استكانوا.

وبذلك كان التمحيص بهذه الشدة، فنفت الأخباث، وبقى الجوهر، وصقل.

وبينما المؤمنون يدعون مع النبى صلى الله عليه وسلم ذلك الدعاء كان الذين أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، «يقولون هل لنا من الأمر من شيء ... يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا» .

ويقول لهم المنافقون الذين رأوا ضعفهم، وضعضعة نفوسهم، لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

,

أعقاب أحد

435- بينا أن الجيش الإسلامى لم يهزم في أحد، ولم ندع أنه انتصر، لأنهم خرجوا من القتال، ولم يمكنوا المسلمين من أن يضربوهم الضربة القاصمة، بل إنهم خرجوا راضين بالجراح في شبه اختلاس لا لقاء ولما ركبوا إبلهم تأكد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم عائدون، فعاد إلى المدينة المنورة، حتى يداوى الجيش جروحه، ثم خرج إليهم في حمراء الأسد، عساه يدركهم لينال جيش الإيمان منهم.

ولكن عبد الله بن عباس رضى الله عنه يرى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نصره الله تعالى فى أحد، فقد أثر عنه أنه قال: ما نصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في موطن نصره في يوم أحد، فأنكر عليه ذلك، فقال بينى وبينكم كتاب الله تعالى، إن الله سبحانه وتعالى يقول: «ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه» والحس القتل، ولقد كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة.

وإذا قتل أصحاب اللواء كان دليلا على عظم كفة المسلمين. فإن الكفة راجحة، وكفتهم غير راجحة، فقد قتل كل حملة لوائهم، حتى رفعته امرأة.

أما المؤمنون، فكان لواؤهم مع مصعب بن عمير، وأخذ يقاتل منافحا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقتل، واستطاع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يشق إلى الهضبة ويحمل اللواء على بن أبى طالب، فانحسروا دون لواء المسلمين، ولم ينالوا خيرا. ومع أن المسلمين لم يهزموا، وجيش الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يسقط لواؤه، قد تشايع بين اليهود والمنافقين أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هزم وجيشه، وسموا الجراح التى أصابت المسلمين هزيمة وانتهزوها فرصة لإظهار الشماتة والتهكم، حتى قال قائلهم لو كان نبيا ما هزم، وأخذوا يعيرون إخوانهم أو من ليسوا لهم إخوانا، بأنهم لو كانوا معهم ما قتلوا وما أصيبوا.

ولقد بلغ بهم التهكم أن كبير المنافقين عبد الله بن أبى صارح بالتهكم، ووقف كعادته يظهر أنه يؤيد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو في قوله يسخر، كما كان يسخر من قبل.

قال ابن إسحاق في سيرته «كان عبد الله بن أبى له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر له شرف فى نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول الله يوم الجمعة وهو يخطب قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله تعالى به، وأعزكم به، فانصروه وعزروه واسمعوا له، وأطيعوا» ثم يجلس.

وما كان ذلك منه إلا نفاقا، إذ كان يستر كفره بهذه الكلمات، ويبث الكفر والنفاق والتردد في نفوس المؤمنين.

وقد رآه المؤمنون يبث روح التردد والهزيمة في جيش الإيمان، ثم ينسحب ليفت في العضد، ويبث روح التردد، حتى همت طائفتان أن تفشلا.

ولكنه كان دائبا على إظهار مالا يخفيه، فقد وقف كذلك، والجيش الإسلامى قد عاد جريحا، ولم يكن مهزوما، وقد وقف كما كان يقف كل جمعة، فأدرك المؤمنون تهكمه، وأخذوه بثيابه، وقالوا: اجلس أى عدو الله والله لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت.

فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: «والله لكأنما قلت هجرا أن قمت أشدد أمره.. فوثب إليّ رجال يجبذوننى» .

قال له رجال من الأنصار: ارجع يستغفر لك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: والله ما أبغى أن يستغفر لى، إنه يقول يريد الشماتة، وكما قال سبحانه وتعالى فيه وفي أصحابه، ومرضى القلوب:

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ. وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (محمد- 31) ..

أصابت المنافقين فرحة شديدة، قد بدت البغضاء من أفواههم، وكما قال سبحانه وتعالى:

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (آل عمران- 120) .

هذا ما كان من أهل النفاق

,

الأحكام المستفادة مما أتبعه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في أحد

437- كانت غزوة بدر الكبرى إيذانا بشرعية القتال دفاعا عن النفس، ودفعا للاعتداء.

وحماية للدعوة، كما صرح بذلك القرآن الكريم، فى قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج- 39) . وفي قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة- 190) . وفي قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (البقرة- 193) وقوله تعالى:

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة- 216) .

وهكذا نزلت آيات كثيرة في إباحة القتال، بل وجوبه دفعا للفساد، كما قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ.

(البقرة- 251) .

كان هذا لمناسبة أوّل قتال، أما في أحد، فقد شرعت أحكام تفصيلية في الجهاد من عمل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من تكوينه لجيشه، ومن استقباله لعدوه:

(أ) ومن هذه الأحكام التى ثبتت في هذه الغزوة أنه لا يخرج إلى الجهاد من لم يبلغ الخامسة عشرة إلا إذا كان قوى الجسم، كقوة الشبان البالغين، أو كانت له مهارة فنية في الحروب، كالرمى بالنبل، فقد أجاز اثنين ممن دون الخامسة عشرة بقليل لمهارة أحدهما في الرمى، ولقوة الثانى في المصارعة.

وقد أجاز صلى الله تعالى عليه وسلم خروج النساء في الغزو، يسقين الغزاة، ويداوين الجرحى،

والقتال إن تعين القتال عليهن، كتلك التى كانت تناضل مع المناضلين عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد أحاط به المشركون يحاولون قتله، فردهم الله تعالى بغيظهم لم ينالوا منه عليه الصلاة والسلام شيئا.

ولذلك أجاز الفقهاء خروج المرأة مع الجيش مداوية ومقاتلة، وقال بعضهم: لا يحل لها ركوب الخيل إلا أن تكون محاربة.

(ب) ومنها أنه إذا أخذت الأهبة للجهاد لا يجوز أن يترددوا، فإن التردد يلقى بالخذلان في النفوس، والاختلاف والتدابر، ولذلك لما لبس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لأمة الحرب، وغير المجاهدون رأيهم، قال صلى الله تعالى عليه وسلم «ما كان لنبى لبس لأمة الحرب أن يخلعها» وكذلك الأمر في كل أمر ينتهى بالشورى لا يصح أن يكون موضع تردد حسما للأمور وفضا للنزاع.

(ج) ومنها أنه يجوز للمجاهدين مجتمعين أن يأخذوا طريقهم، ولو في أرض مملوكة ملكا خاصا، كما اجتاز النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بجيشه بعض الحدائق، ولم يلتفت إلى اعتراض المعترضين، لأن الملك الخاص له حق الصيانة، إلا إذا ترتب على الحقوق الخاصة ضرر عام، فإذا لم يكن للجيش طريق إلا الملك الخاص، لم يمنع من سلوكه مهما يكن اعتراض صاحبه، ولذلك لم يلتفت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اعتراض الأعمى صاحب الحديقة، وقال إنه أعمى البصر والبصيرة.

(د) ومنها جواز أن يتمنى المجاهد في سبيل الله الشهادة من غير مواناة ولا استسلام بل في حزم وعزة وقوة. وتمنى الموت منهى عنه في غير هذا المقام كما قال عبد الله بن جحش عند ما تقدم للجهاد «اللهم لقنى من المشركين رجلا عظيما كفره، شديدا حرده، فأقاتله، فيقتلنى ويسلبنى ثم يجدع أنفى وأذنى، فإذا لقيتك فقلت: يا عبد الله بن جحش، فيم جدعت!! قلت: فيك يا رب» .

ويظهر أن ذلك الدعاء بعد أن رأى المشركين يمثلون بالقتلى.

(هـ) ومنها أن المسلم إذا قتل نفسه أثم، ودخل النار، ولو كان ذلك من جراح شديدة، وذلك أن مسلما اسمه قزمان أبلى يوم أحد بلاء شديدا حتى أثخن بالجراح، فلما اشتدت به نحر نفسه، فأثمه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه يئس من روح الله تعالى وبأنه: لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (يوسف- 87) .

(و) ومنها أن السنة في الشهداء ألا يغسلوا ولا يكفنوا في غير ثيابهم التى كانوا يجاهدون بها، بل يدفن فيه بدمه وكلومه إلا أن يسلبها فيكفن في غيرها.

(ز) ومنها أن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم، ولا ينقلوا إلى مكان آخر، وذلك لتكون زيارة قبورهم فيها عبرتان: عبرة الاستشهاد والجهاد، وعبرة رؤية المكان الذى صارعوا فيه وجاهدوا حتى نالوا أعلى الحسنيين.

وقد حصل في أحد أن بعض الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة المنورة، فنادى منادى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برد القتلى إلى مصارعهم، قال جابر بن عبد الله بينما أنا في النظارة، إذ جاءت عمتى بأبى وخالى، كما دلّتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا، وجاء رجل ينادى: ألا إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا القتلى فتدفنوهم في مصارعهم حيث قتلت، فرجعنا بهما، حيث دفناهما في القتلى حيث قتلا.

وبعمل الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم صارت السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم.

(ح) ومنها جواز أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر، ويقول أيهم أكثر أخذا في القرآن؟ فإذا أشاروا إلى رجل قدمه في اللحد وإذا كان رجلان بينهما محبة في الدنيا دفنهما معا في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة فدفن عبد الله بن عمرو بن حزم، وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من المحبة.

(ط) ولقد حدث عند ما كان الاضطراب في جيش المؤمنين بسبب المفاجأة أن قتل بعض المؤمنين مؤمنا يحسبه كافرا، فإنه لا يذهب دم المقتول هدرا، بل تكون ديته في بيت المال، كما فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فودى الذين قتلوا خطأ من المؤمنين، لأنه بقيادته صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ولى أمر المؤمنين.

(ى) ومنها أن ذوى الأعذار يرفع عنهم واجب الجهاد، ولكنهم إن خرجوا مجاهدين كان لهم ثواب الجهاد، وإن قتلوا كانوا شهداء، فرخصة التخلف لعذرهم رخصة ترفيه، لا تسقط الواجب، ولكن تسوغ التخلف، كمن يصوم وهو صاحب رخصة كمرض أو سفر، فإن الصوم يجزى عنه إذا صام، وإن أفطر فعدة من أيام أخر.

وقد خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج، وليس على الأعرج حرج، فلم يمنعه النبى من أن يجاهد، فجاهد حتى استشهد، وتولى دفنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مع شهيد كان له معه صحبة ومحبة.

(ك) ومنها أن العدو إذا طرق الديار لا يجب على المؤمنين أن يخرجوا لقتاله، ولا يجب عليهم أن ينتظروا حتى يدخل عليهم الديار، بل ينظرون إلى ما يكون المصلحة والمكيدة في الحرب، فإن كان الأوّل أشد نكاية اتبع وإن كان الآخر التزم كما فعل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

(ل) ومنها وجوب الشورى، كما استشار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جند المؤمنين، ليدخل الجند مطمئنين، آمنين راضين، غير مرهقين في نفوسهم، ولا في تفكيرهم، فيكون ذلك أرجى للنصر.

(م) ومنها ألا يصلى على الشهيد، فإنه ثبت أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد، ولم يصل على شهيد مات في المعركة في أى غزوة من الغزوات، لأن شهادته تغنيه عن دعاء الأحياء، وصلاة الجنازة دعاء وتضرع واستغفار.

(ن) وقد قال ابن القيم أنه يجوز للمجروح أن يصلى قاعدا، ولو كان إماما. ويقول في ذلك:

إن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بهم قاعدا، وصلوا وراءه قعودا، كما فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه الغزوة واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته.

ولكن، هل يجوز أن يصلى المأموم واقفا وراء الإمام الذى يصلى قاعدا! إن ذلك موضع خلاف بين الفقهاء، ليس هذا موضعه.

هذه الأمور التى ذكرناها كلها كانت من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في هذه الغزوة، وما يعمله يكون بيانا لحكم شرعى يتبع، ولا شك أن بعض هذه الأحكام تدخل تحت أنواع ثلاثة من الأحكام التكليفية، فمنها ما يدخل تحت حكم الجواز، والمصلحة ترجحه أو توجبه، كما رأينا في خروج النساء في الحرب والجهاد، فإنه جائز أو مباح، وقد يكون مستحبا إذا كان في الرجال كفاية وفي النساءعون. وقد يكون واجبا إذا كان الجرحى يحتاجون إلى عدد كبير من المداوين.

وكما رأينا في الذى خرج وعنده عذر فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أجازه، فإنه يكتفى بالجواز، ابتداء، ولكن إن كان ذا بأس وشدة مع عذره، فإن الأولى الخروج مع رخصة القعود.

وهو في الحالين شهيد إن استشهد، له جزاء الشهداء، ومجاهد إن نجا، له جزاء المجاهدين ...

والله أعلم.

,

المعركة

383- بعد ذلك التنظيم الذى لم يكن للعرب عهد به كان لابد من اللقاء، بين جيشين أحدهما قوى الإيمان وقد عقد العزم، والثانى غير مؤمن بالله، ولا عزيمة عنده كما بينا في حال الفريقين، وينطبق عليهما قول الله سبحانه وتعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ إلى آخر الآيات الكريمات (الحج- 19، 20) .

وإنها إذا كانت الآية فيما يلقاه الكافرون يوم القيامة ففى لفظها ما يوميء إلى حالهم في المعركة.

ابتدأ القتال بالمبارزة، طلبها بعض كبار المشركين، فأجيبوا إليها، وجندلوا بسيفى أسد الله ورسوله حمزة بن عبد المطلب، وفارس الإسلام على بن أبى طالب.

خرج عتبة بن ربيعة، ومعه أخوه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد يطلبون المبارزة فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، ولكن نريد أكفاءنا من قومنا، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فاختار لهم الأكفاء من ذوى قرابته الأقربين عمه وابنى عمه، وقد آثرهم بالجهاد والعمل، ولم يرض لهم القعود.

أخرج عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة، وعليا، فلما رأوهم سألوهم عن أنفسهم، ويظهر أنهم قد تقنعوا بالسلاح، فلم يعرفوهم فعرفوهم بأنفسهم، فقالوا: أكفاء كرام، فبارز عبيدة عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد، فقتل كل من حمزة وعلى صاحبه، أما عبيدة وعتبة، فاختلفا ضربتين كلاهما أصاب صاحبه، فكر حمزة وعلى بأسيافهما على عتبة فأجهزا عليه.

بعد ذلك أخذ النبل يرمى من الجانبين، وأصيب به بعض المسلمين، ورمى الجيش المحمدى نبلهم بمهارة متخيرا كبارهم، متصيدا زعماءهم، والرمى يمكن التصيد فيه، أما الملاقاة بالسيف، فلا تخير فيها، ولكن اللقاء هو الذى يحدها.

عند ما رأى المشركون ذلك هجموا، فكان لا بد من ملاقاتهم.

وعندئذ تقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأمر جيشه بأن يحمل على المشركين حملة رجل واحد، وأخذ حفنة من تراب، فاستقبل بها قريشا، وقال: شاهت الوجوه، ولفحهم بها فلم يكن منهم إلا أصيب منها، ثم قال لأصحابه: شدوا.

فالتحم الجيشان والنبى عليه الصلاة والسلام ينظر من فوق العريش، وهو يحس بأن الله تعالى أنجز وعده، وهزم قريشا وحده وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى (الأنفال: 17) .

وسعد بن معاذ قائم على باب العريش، متوشح بالسيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يخافون كرة العدو.

وقد أخذ الجيش المحمدى في تقتيل صناديد قريش وزعماء الشرك الذين كانوا يفتنون الناس عن دينهم، ويأسرون فريقا. وقد اشتدت النازلة بالمشركين، وعلموا أن كلمة الله تعالى العليا.

384- هذا ويجب أن نلاحظ أمرين جديرين بالنظر: -

أولهما- أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم ينس رحمه وواجب الوفاء وأن يكون جزاء الإحسان لبنى هاشم الذين ذاقوا مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما ذاقوا، وقريش تقاطعهم في شعبهم، وهم على مثل قومهم من الشرك، فما كان من الوفاء بالعهد، وجزاء المعروف بمعروف مثله أن يقتلهم في الميدان وقد خرجوا لحربه كارهين، وكان من بعض رجالات قريش من لم يؤذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل من سعى سعيه في منع حصار بنى هاشم وبنى عبد المطلب، فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الوفى الأمين، لن ينسى إحسان محسن، والله سبحانه وتعالى يقول: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (الرحمن- 60) .

وهذا العباس بن عبد المطلب الذى كان يذهب مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم في بيعة الأوس والخزرج ليستوثق من منعة يثرب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهل يتركه تعتوره السيوف.

ولذلك قال لجيشه في رواية ابن عباس:

«إنى عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لنا بقتالهم، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم، فلا يقتله، ومن لقى أبا البختري «1» فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا يقتله» .

فقال بعض من قتل ذووه، وهو أبو حذيفة، (ويظهر أن قوله لم يكن في حضرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم) ، أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا، ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنه السيف، فبلغت هذه المقالة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأثرت في نفسه، فقال لعمر بن الخطاب آسيا: يا أبا حفص:

أيضرب وجه عم رسول الله عليه الصلاة والسلام بالسيف. وفي ذلك إشارة الى موقف العباس في العطف على رسول الله عليه الصلاة والسلام، والفرق بينه وبين أبى لهب.

ولقد ندم أبو حذيفة (ولعله قالها لقتل أبيه) «2» أشد الندم، فكان يقول: ما أنا بامن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا.

__________

(1) عند ابن هشام: بالحاء وليس بالخاء.

(2) هذا التعليل وقع سهوا وما نظنه مقصودا فإن أباه قد قتل في أحد وليس في بدر.

هذا وإن الذين حضروا الموقعة من بنى هاشم لم تمسهم السيوف استجابة لطلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لرحمه، ولحدبهم عليه ولمشاركتهم له في الضراء، وما كان القتال لأجل الكفر، بل كان للاعتداء.

أما أبو البخترى وله مقام مشهود في نقض الصحيفة، وقد عرفها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم له فى شديدته كما كانت منه المعونة في الشديدة، فقد لقيه المجذر بن زياد البلوى حليف الأنصار، فقال لأبى البخترى: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد نهانا عن قتلك.

وكان أبو البخترى له زميل قد خرج معه من مكة المكرمة، فجمعتهما رفقة السفر ولعله كانت بينهما مودة موصولة، فطلب ألا يقتل صاحبه، فقال المجذر: «والله ما نحن بتاركى زميلك، ما أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا بك وحدك» .

فقال أبو البخترى: لا والله، إذن لأموتن أنا وهو جميعا، ولا تتحدث عنى نساء مكة أنى تركت زميلى حرصا على الحياة.

فتنازلا، ولم يسلم أبو البخترى سيفه إلا أن يكون مقتولا، وقال في ذلك:

لن يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله

هذا وفاء محمد عليه الصلاة والسلام في ميدان القتال، والبلاء بلاء.

الملاحظة الثانية: أن الشرك وإن فرق النفوس، قد كانت المودة بين بعض الرجال ما زالت موصولة، لقد كان أمية بن خلف صديقا ودودا لعبد الرحمن بن عوف، فلقيه في بدر فلم يرد أن يقتله بل أراد أن ينقذه، لقد رآه وابنه عليا، وإنه ليقودهما بدل أن يقتلهما- إذ رآه بلال الذى كان عبدا لأمية، وكان يعذبه ليترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة المكرمة إذا حميت فيضجعه على ظهره، ثم يأتى بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد.

وجدها بلال الفرصة التى يقتص فيها منه جزاء ما فتنه في دينه، فقال رضى الله تعالى عنه: رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا، ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا به، وعبد الرحمن بن عوف يذب عنه، ولكنه قتل هو وابنه.


ملف pdf

كلمات دليلية: