صدق الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

صدق الحبيب صلى الله عليه وسلم  من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

صدقه وأمانته وعفته صلى الله عليه وسلم:

إن حديث صدق الرسول عليه الصلاة والسلام يعد من نافلة القول فى هذا المقام، وكذلك أمانته وعفته، فهو الصادق الذى عرف بالصدق من منذ أن وعى إلى أن قبضه الله تعالى إليه، فما عرفت عليه كذبة قط فى حياته كلها صلى الله تعالى عليه وسلم.

وإن الكذب لم يكن من أخلاق كبراء العرب، فإن الحرية التى كانت لهم بمقتضى قيامهم فى بلاد لا يسيطر فيها طاغ يتحكم فى عقولهم ونفوسهم، وألسنتهم وتفكيرهم، ولم يكن عندهم الملق الذى يجعلهم يدهنون فى القول رجاء خير يبتغونه، وإنه حيث يحكم الملك العضوض، وتسيطر أهواء الحكام توجد صفتان متلازمتان، إحداهما النفاق، وثانيتهما الكذب، لأن النفاق فى ذاته كذب، والكذب لازمة من لوازمه، ولذا أثر عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «اية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» ولم يظهر في العرب نفاق أو كذب إلا ما كان يصاقب حواضر البلاد التى يحكمها ملوك أو أمراء كالملوك أو حكام مستبدون بشكل عام، كأراضى العرب التى كانت تجاور النعمان، أو الغساسنة فى الشام، فإنه يجوز أن يكون فيها النفاق والكذب والملق، ووراءهما خيانة الأمانات.

وإن التاريخ ليروى أن أبا سفيان، وقد كان زعيم الشرك فى الوقت الذى جرى فيه حديث بينه وبين هرقل ملك الروم عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد سأله عن نسبه الكريم، فقال إنه من أوسطنا نسبا، وعمن يتبعونه، وعن أسئله كثيرة تتعلق بأخلاق النبى عليه الصلاة والسلام، أجابه بالصدق غير مائن فيما يقول، ولقد قال، وهو محنق من أثر الحقائق التى ذكرها لهرقل: «لولا أنى أخشى أن يحفظ عنى كذبة فى العرب لكذبت» .

فعرب مكة والمدينة ووسط الصحراء لم يكن الكذب سائغا بينهم.

وكذلك النفاق، ولم يعرف النفاق فى أوساط المسلمين الذين استجابوا إلا من اليهود ومن يجاورونهم من مشركى المدينة، فقد ظهر فيهم النفاق مقترنا بقوة المسلمين.

إذن لم يكن غريبا أن يكون محمد صلى الله تعالى عليه وسلم صادقا بين الصادقين.

ولكن صدق محمد صلى الله عليه وسلم ليس كصدق غيره من أهل مكة المكرمة ومن حولها، ولكنه صدق من أعده الله تعالى ليكون رسولا للعالمين، فأخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت من إرهاصات النبوة. فلم يكن صلى الله تعالى عليه وسلم صادق القول فقط، بل كان صادق القول، وصادق الحس، وصادق النفس. ونقصد بصدق الحس بأن يكون نظره إلى الأشياء والأشخاص صادقا فى وصفها، مستبطنا من وراء الظاهر، ما يعرف حقائق استبطنها، ثم صادق فى النظر إلى نفسه، فيعرف مواضع الخير، فيفعلها، ويعرف مواضع الشر فيجتنبها، وهو صادق فى مقاصده، وصادق فى غاياته، يخلص فى إدراك الحقائق، والاتجاه اليها اتجاها مستقيما لا عوج فيه. فيستقيم إدراكه، ويصدق فى كل أمر يتصل بالقلب والضمير.

ولأن الإيمان أساسه الإخلاص فى العمل والقول والإذعان، لا يتصور إيمان مع كذب، ولقد سئل من بعد نبوته، أيكون المؤمن جبانا، فقال عليه الصلاة والسلام يجوز، وسئل أيكون بخيلا قال قد يكون بخيلا، وسئل أيكون المؤمن كذابا: قال: لا يكون المؤمن كذابا، إذ الكذب والإخلاص فى الاتجاه والقول والعمل نقيضان لا يجتمعان.

وأما الأمانة فحسبنا أن نعلم أن ذلك أمر رأته قريش كلها، وامنت به، حتى سمى بالأمين، كان يعرف بالأمانة، وينادى بالأمين، وإن الأمانة والصدق صنوان متلازمان، فلا أمانة من غير صدق، والصدق يقتضى كل الفضائل والكذب عش الرذائل.

وعفة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام كانت صيانة من الله تعالى صانه عن أن يلهو، ولا يمكن أن تكون الشهوات وانحرافها، إلا ومعها اللهو بكل ضروبه، وقد صانه الله لا عن الأهواء والشهوات المنحرفة، بل صانه عن مقدماتها، وعن أخذ أسبابها، فصانه عن اللهو ولو كان بريئا.

وقد ذكرنا من قبل كيف انساق وهو غلام إلى الرغبة فى أن يحضر عرسا فيه لهو، فإنه عندما ذهب إليه ضرب الله سبحانه وتعالى على ذاته بنعاس أصابه من غير غم، وما استيقظ من نعاسه حتى أيقظته الشمس فى ضحاها، وكذلك كان الأمر فى ليلة أخرى، حين استوى عوده، وكانت له إرادة مسيطرة على نفسه، كان عزوفه عن اللهو بإرادة مهدية مدركة، ولم يكن بنوم يصيبه الله تعالى به، ولذلك استعصم، ولم يحدث منه قط ما يكون انسياقا وراء هوى جامح، أو شهوة مسيطرة. حتى كان الزواج، فكان الحلال الذى لا مرية فيه.


ملف pdf

كلمات دليلية: