زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

زوجات النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

725- يحلو لبعض الكتاب غير المسلمين أن يقولوا، إن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم كان رجلا شهوانيا، بدليل أنه تزوج نحو ثلاث عشرة، وتوفى عن تسع وقد أسرفوا على أنفسهم فى القول، وعلى الحقيقة فطمسوها فى زعمهم، ولكن الحق أبلج، نير يكشف دائما ما يكون من غمة يحاول أصحابها أن يعموا الحق ويدلسوا على أهله.

لقد زعموا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم شهوانى، لزواجه، ونحن نتخذ من زواجه دليلا على أنه لم يكن شهوانيا، بل كان أقرب إلى أن يكون سلبيا، لا تغلبه شهوة، ولا يسيطر عليه هوى فى أى ناحية من النواحى.

لقد تزوج أم المؤمنين خديجة وهو شاب مكتمل القوى فى الخامسة والعشرين من عمره، وكانت هى فى الأربعين من عمرها، وعاش معها نحو ست وعشرين سنة، أى تجاوزت نحو السادسة والستين، وأنجب منها ستة أولاد، ولم يفكر فى أن يتزوج عليها، وكان معروفا بالعفة، والشهوات تتقزز فى نفس أمثاله ممن هم فى مثل سنه، وهو بالنسبة لهم العفيف النزيه الذى لم يزن بريبة قط، ونساء قريش يتمنين أن يكون ضجيعا لهن، ولكنه كان فى عزوف عن كل شهوة، ونظرة إلى النساء.

حتى إذا توفيت أم المؤمنين خديجة وقد تكاثرت مشاغله، فكان مشغولا بالدعوة إلى التوحيد ومكابدة الأذى الذى تفاقم بعد وفاة خديجة وعمه أبى طالب.

ولقد كان التعدد من بعد ذلك، ولمقاصد ليست هى الشهوة، كما أن الشهوة ليست بعض هذه العناصر، والدلائل تدل على أنها كانت بعيدة كل البعد.

وإنا نذكر أن هذا التعدد كان إما لأن امرأة بعض الصحابة الذين جاهدوا معه قد قتل وهو يهاجر، وكانت امرأته أهلها فى الشرك، فإما أن تعود إليهم فتتعرض للعذاب والردة ولا أحد معها فى دار الهجرة من قومها، فيتحمل هو عبء الزواج منها حفاظا لها ورعاية، ولا ينظر فى ذلك إلى أنها يرغب فى الزواج منها، أو ليس فيها ما يرغب إلا رعايتها وحمايتها، إما هذا، وإما ليربط بها مع معين له فى التبليغ، فيرتبط معه برباط المصاهرة مع رباط الإيمان، وإما لإنقاذ امرأة من الرق، من غير نظر إلى كونها جميلة أو غير ذلك.

وإما لبيان أحكام شريعة فيطبقها عملا، ليكون أسوة للناس فى محاربة أمر جاهلى قد اعتادوه، وإن لم يقره الإسلام، فيفعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لكيلا يكون حرج على الناس أن يفعلوه. وإما ليرتبط بالقبائل العربية، ليتخذ منها دعاة للإسلام. وإما لإزالة النفرة، وجلب المودة.

هذه بعض مقاصد التعدد وكلها أو جلها لحماية المرأة من الضياع، فقد حمل نفسه عليه الصلاة والسلام بأمر ربه عبء ذلك، فكان الزواج تكليفا، لا للرغبة بله الشهوة.

وهذا إجمال، ولنذكر تفصيله فى زواج كل امرأة من أمهات المؤمنين بعينها.

لقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن يعقد زواجه ممن كتب عليه أن يتزوجها، لا يدخل بها إلا بعد أن يتأكد رضاها بهذا الزواج، وأنها راغبة فيه راضية، فيطلب إليها أن تهب نفسها له.

726- وعدد زوجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث عشرة وكانت له جاريتان مارية القبطية وريحانة بنت زينب، وقد أعتق ريحانة فأسلمت، ولحقت بأهل لها، وبقيت مارية، وروى أنه أعتقها وتزوجها، وبقيت عنده، حتى توفى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وأول أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم أم المؤمنين خديجة، وقد ذكرنا خبر هذا الزواج فى موضعه من حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد بقى معها نحو ست وعشرين سنة كما أشرنا، وكان له منها أولاده الستة، القاسم والطيب، وقد ماتا قبل الهجرة، أو قبل البعثة، ورقية وأم كلثوم وزينب وفاطمة، وماتا قبله، ولم يمت بعده إلا فاطمة، وقد ماتت رضى الله عنها بعد وفاته بستة أشهر، وبأولادها حفظت العترة المحمدية فى ولديها الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة، كما ورد بذلك الأثر عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. ولم يتزوج فى حياتها غيرها، كما ذكرنا.

وتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من بعدها قبل الهجرة سودة بنت زمعة، وكانت نحو سن خديجة أى فى ست وستين من عمرها، ولم تكن فى جمال خديجة.

وكانت قد أسلمت مع زوجها، وهاجرا إلى الحبشة فرارا من أذى الجاهليين من قريش، ومات بعد أن عادا، وكان أهلها لا يزالون على الشرك، فإذا عادت إليهم فتنوها فى دينها، فتزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حماية لدينها من الفتنة.

وتزوج من بعدها أم المؤمنين عائشة بنت صاحبه الصديق، وكانت فى نحو التاسعة من عمرها فما كانت لتشتهى لأنها كانت ضاوية، حتى يقال إنه تزوجها للشهوة، ولم يدخل بها إلا بعد الهجرة، وما كان الزواج إذن لشهوة يبتغيها، ولكن لصحبة بالصديق يوثقها، بالمصاهرة، وهى تشبه النسب، وقد كان أحد وزيريه.

ويروى أنه تزوجها قبل سودة، ولكن الرواية الراجحة ما ذكرنا، ولعل التقارب فى الزمن بين الزواجين لم يعين السابق منهما تعيينا دقيقا فى الروايات.

3- وبعد الهجرة تزوج عليه الصلاة والسلام حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت زوجا لخنيس بن حذافة مات عنها مؤمنا.

وكان الزواج لتوثيق الصحبة بأبيها رضى الله عنه، فقد كان الوزير الثانى للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وما أحاط بزواجه يدل على أن مودته عليه الصلاة والسلام هى التى دفعت إلى هذا الزواج، ذلك أن عثمان رضى الله تعالى عليه لما ماتت زوجته رقية وغزوة بدر قائمة، رغب عمر رضى الله عنه فى أن يزوج ابنته حفصة من عثمان رضى الله تعالى عنه، فعرض عليه، فسكت عثمان، فشكا عمر ذلك للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال سيتزوجها من هو خير من عثمان، وسيتزوج عثمان من هى خير من حفصة، فتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حفصة، وتزوج عثمان أم كلثوم بنت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وترى من هذا أن زواجه عليه الصلاة والسلام منها كان ربطا للمودة وإرضاء للقلوب.

4- وتزوج عليه الصلاة والسلام والحرب قائمة بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين المشركين بقيادة كبيرهم أبى سفيان، تزوج أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان هذا.

كانت قد سافرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، ولكنه تنصر، وخرج عن الإسلام فكانت بين أن ترجع لأبيها زعيم الشرك فتفتن فى دينها، وبين أن تعود إلى المدينة المنورة لا مأوى لها، فاواها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بزواجه منها، فبعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى إلى أرض الحبشة فخطبها عليه الصلاة والسلام، فزوجها منه عثمان بن أبى العاص، ودفع النجاشى صداقها. وهو أربعمائة دينار. وبعث بها إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وبهذا الزواج أصاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هدفين: أحدهما أنه وقاها من الشرك وأن تفتن فى دينها، وأصهر من أبى سفيان الذى سر منه، ورحب به، وروى أنه قال: نعم الفحل محمد.

5- وتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم زينب بنت خزيمة، وهى من بنى عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، ويقال لها أم المساكين، وقد قتل زوجها يوم أحد، وكان ذلك إيواء لها، وتشجيعا لها على إعانة المساكين، ولكنها لم تلبث إلا قليلا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم توفيت فى حياته عليه الصلاة والسلام.

6- وتزوج النبى عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت زوجا لزيد بن حارثة، وقد تزوجته على أنه ابن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إذ أطلق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الاسم، لما رفض أن يعود مع أهله، ورضى أن يبقى مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما أنزل الله

سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ، وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ (الأحزاب) تململت ببقائها مع زيد، إذ تبين أنه ليس بقرشى، وقد تململ زيد من كبريائها واستأذن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى طلاقها، فقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوجها بعد أن يطلقها زيد، ولكنه أخفى ذلك، وخشى مقالة الناس أن يقولوا تزوج محمد زوجة ابنه.

ولكن الله تعالى أمره بقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (الأحزاب) وإن الله تعالى أمره بذلك لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا فأمر النبى عليه الصلاة والسلام بذلك الزواج لكى تزول تلك العادة المستحكمة فيهم وهى عادة التبنى التى سرت إليهم من الرومان، وليست من طبائع القرابة، بل هى كذب، وافتراء وفساد للأسرة، إذ يدخل فيها ما ليس منها.

727- واقرأ الآيات التى اشتملت على ذلك:

وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ، وَتَخْشَى النَّاسَ، وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ، فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ، إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ، وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً. ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً»

(الأحزاب- 36: 40) .

هذا أمر زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة كما ساقها القرآن الكريم، وهى تدل:

أولا: أنه فى الجاهلية كان يعتبر الدعى- أى المتبنى- ابنا وألغى الله تعالى حكم هذه العادة، وقد تلونا من قبل فى أول سورة الأحزاب ما يدل على ذلك.

ثانيا: على أن الله تعالى اقتضت حكمته أن يؤكد إبطال ذلك الحكم الجاهلى الذى يدخل فى الأسرة بحكم النسب من ليس منها، فلا تتعاطف بحكم الفطرة، وتفسد الأسر، واقتضت حكمته أن يكون تأكيد الإبطال بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتزوج زوجة دعيه، وقد فسدت العلاقات بينهما بتململ القرشية من أن تكون تحت غير قرشى هو عتيق وليس ابنه، فاستكبرت، وتململ زيد من كبريائها فأراد تطليقها، فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أمسك عليك زوجك، وهو يعلم أن الله كتب أن يطلقها، وكتب على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوجها، ولكنه يخفى فى نفسه ما لا يبديه من أن الله تعالى كتب الطلاق من زيد، وللزواج منه صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه يخشى أن يجابه العرب، بمخالفة ما ألفوا.

ولقد أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يتزوجها بعد الطلاق لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطرا. كما دلت الآيات:

ثالثا: على أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن أبا لأحد من رجال العرب، إن انتفت أبوة الأدعياء، هذا ما تدل عليه الآيات الكريمات بظاهرها، ومقصدها ومرماها.

ولكن الذين يفسدون المعانى، ويريدون الكيد للإسلام اخترعوا هذا اختراعا فى العهد الأموى، اخترعها يوحنا الدمشقى ونشرها بين المسلمين ليقولها أتباعه، وينشروها بين بعض التابعين، وقد توهم صدقها بعض الذين تبهرهم الروايات من غير تمحيص، ومع الأسف كان من بين هؤلاء أبو جعفر بن جرير فنقلها مصدقا لها، ونقلها أكثر المفسرين عنه، حتى بين كذبها وافتراءها ابن كثير فى كتابه تفسير القرآن العظيم، رضى الله تعالى عنه، وعفا الله عن الطبرى فى أن نشر ذلك الضلال، وإن نقل الكذب لا يحوله إلى صدق، ولو كان الطبرى ناقله.

ومن الغريب أن حملوا الآية الفرية التى افتروها، وكان المتعصبون من غير المسلمين هم الذين ادعوها، لقد ادعوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رآها تغتسل، فوقع فى قلبه حبها، فأراد من زيد أن يطلقها ليتزوجها، وادعوا أن ذلك هو ما أخفاه، وخشى من الناس، وأن الله أبداه، وإن ذلك لا يمكن أن ينطبق بحال من الأحوال على معانى الآية وظواهرها، إلا أن يكون ذلك اختراعا اخترعوه، ويدل على مناهضة الآية لهذه المعانى الفاسدة ما يأتى:

أولا: أن الزواج منها لم يكن كما تدل الآية برغبة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى تكون الشهوة هى المحركة، بل إن الزواج كان بأمر الله تعالى وذلك بنص الآية بقوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.

ولأن الله تعالى نسب التزويج إلى ذاته العلية، بأن الله تعالى هو الذى قال: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها وذكر سبحانه وتعالى السبب فى هذا الزواج الذى فرضه الله تعالى وتولى تعالى عقده ليس الشهوة، وإنما هو ألا يكون على المؤمنين حرج فى أن يتزوجوا أزواج الذين يتبنونهم وليس شهوة، ولا ما يشبهها.

والخشية التى خشيها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هى مجابهة ما عليه الجاهلية، فعاتبه سبحانه وتعالى على هذه الخشية بأن الله تعالى أحق بأن يخشاه فيطيع أوامره.

وثانيا: أن الله تعالى قال: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ فيقولون هو العشق الذى أخفاه، والآية تناقض ذلك، لأن الله تعالى ما أبدى عشقا، ولكن أبدى الأمر بالزواج، فكان هو الذى أخفاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على زيد، وقال: أمسك عليك زوجك واتق الله.

وثالثا: أن الآية الكريمة تدل بنصها ومغزاها على أن موضوعها منع أن يكون المتبنى ابنا، ولذلك أمر الله تعالى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوج امرأة دعيه، ليكون بيانا للشرع عمليا، كما بينه النص القرآنى، قولا مفروضا بالمنع المؤكد.

ولذلك أكد سبحانه وتعالى النفى بقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ، وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ هذا هو المعنى الجلى من غير تلبيس كذاب، ولا اتباع متوهم.

وكنا نود أن يدرك المفسرون، والذين يتكلمون فى معانى القرآن الكريم، وأخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقة هذه الفرية، ومصدرها، الذى أراد إفشاءها كيدا للمسلمين بعد أن بين ابن كثير الحافظ للسنة، كذب هذه الرواية، ورد كلام ابن جرير ردا قويا.

وكنا نود أن يتعرف الذين يكذبون الآن فى السيرة ذلك، وكنا نحسب أن لهم ذوقا بيانيا، وعمقا فى دلالات الألفاظ ومراميها، كنا نود منهم أن يمحصوا القول ويدركوه، ولكن غلبت النزعة الروائية التى نسمع أمثالها منسوبا إليهم، فكتبوا فيما تصدوا له من كلام فى السيرة عنوانا يقول: النبى العاشق، وقد كتبوا تحت العنوان تلك الفرية المفتراة على أنها وقائع وقعت، وكأنها قصة من الروايات التى كتبوها.

وتبعهم من يقلدونهم من غير أن يفرقوا بين حق وباطل، ولا أقول عفا الله عنهم، لأن أقوالهم لا تزال تردد منسوبة إليهم، ولهم فى المجتمع الأدبى مكانة، جزاهم الله تعالى بمقدارها.

,

زواجه عليه الصلاة والسلام ببقية نسائه:

728- 7- وتزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أم سلمة واسمها هند بنت أبى أمية بن المغيرة، وهى مخزومية، وقد مات عنها زوجها، أبو سلمة، وهو عبد الله بن عبد الأسد.

وعند موت زوجها، وقد توفى عنها وهى شابة طلب إليها أن تتزوج من بعده، ودعا لها مخلصا أن يتزوجها من هو خير منه، وقد رأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنها ذات عيال، ويحتاجون إلى من يرعاهم، وكانت هى وزوجها مهاجرة، فانقطعت عن ذويها، ولا بد لها هى وأولادها من يحوطهم ويرعاهم، فكان عليه الصلاة والسلام، وتزوجها لرعايتها ورعاية أولادها.

8- وتزوج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جويرية بنت الحارث ويقول ابن هشام فى زواجها: «لما انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غزوة بنى المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث- دفع بجويرية إلى رجل من الأنصار وديعة عنده- وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة المنورة، فأقبل أبوها الحارث بن أبى ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التى جاء بها للفداء، فرغب فى بعيرين منها، فقال: يا محمد أصبتم ابنتى، وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق فى شعب كذا. فقال الحارث:

أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله تعالى عليك وسلم، فو الله ما اطلع على ذلك أحد. فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له......» .

وإن الغزاة كانوا قد أسروا من قومها نحو مائة، فلما تزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أبيها، وكانت قد أسلمت أطلق كل من كان فى يده أحد من الأسرى أسراه. وقال: كيف نسترق أصهار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فعتق بزواجه عليه الصلاة والسلام أهل مائة من بيوت بنى المصطلق، وتقول أم المؤمنين عائشة فى ذلك: «ما كانت امرأة أبرك على قومها من جويرية، لقد عتق بها مائة بيت من بيوت قومها» .

ونرى من هذا أن زواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بقصد عام، وهو أن يعتق هؤلاء الناس وألا يسجل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنشاء الرق، فيكون ممنوعا إلى الأبد، ولو كان الأعداء يسترقون منا، ومن غير أن يتركهم يسترقون، فيكون مباحا إلى الأبد.

فما كان الزواج شهوة، بل كان للعتق.

9- وتزوج صلى الله تعالى عليه وسلم صفية بنت حيى بن أخطب، وقد سيقت مع أختها، ومرّ بهما بلال على قتلى خيبر، والذين أسروا فيمن أسر منهم، فلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلالا، وقال له: أليس فى قلبك رحمة، أتمر بالفتاتين على قتلى قومهما. وعرض الفتاتين ليتزوجهما بعض الصحابة فتزوجت أختها وبقيت هى فتزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليطيب نفسها وليرقأ جرحها.

10- وتزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية وقد اختارها زوجا له العباس بن عبد المطلب لتوثيق ما بينه عليه الصلاة والسلام وبين القبائل العربية وقد أصدقها العباس رضى الله عنه من ماله أربعمائة درهم ويروى أنها هى التى وهبت نفسها للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك أنها لما علمت خطبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قالت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: البعير وما عليه لله ولرسوله. وكانت على بعير عندما انتهت إليها الخطبة وقد قال الله تعالى:

وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ......

729- هؤلاء عددهن عشر وهن بعد خديجة وبضمهن إليها يكون العدد إحدى عشرة وكلهن دخل بهن ولذلك يعدون أمهات المؤمنين ولا يتزوجن أحدا بعده ولذلك قال تعالى:

«وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» (الأحزاب) وقال فى منع زواجهن من بعده: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (الأحزاب) .

ويقول الرواة إن عدد أزواج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث عشرة فهن أمهات المؤمنين ومات عن تسع إذ ماتت فى حياته خديجة وزينب أم المساكين.

وتزوج باثنتين لم يدخل بهما وهما- أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها فوجد بها بياضا فى إبطها فسرحها بمعروف ومتعها بعد أن طلقها وقد كانت كندية وقبائل كندة كانت بعيدة عن المدينة المنورة، وقد أسلمت فكان لا بد أن يربط النبى صلى الله تعالى عليه وسلم برباط بينها وبينه ليؤنسها بهذه المصاهرة فى هذا البعد المترامى.

والثانية: امرأة من سلالة النعمان اسمها أميمة بنت النعمان بن شرحبيل وقد أراد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتزوجها لأنها من أطراف الجزيرة العربية فى الجنوب وهو عليه الصلاة والسلام يريد أن يقرب البعيد ويزيل الوحشة وقد كانت المصاهرة رباطا وثيقا بين كبراء القبائل تنهى حربا أو تدفع قتالا وما كان على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من غضاضة فى أن يوثق ما بينه وبين القبائل بهذه المصاهرة.

ويروى فى زواجه منها أنه عليه الصلاة والسلام عندما دخل بها وكان عليه الصلاة والسلام إذا تزوج امرأة طلب منها أن تهب نفسها له عليه الصلاة والسلام استيثاقا من رضاها به زوجا فقد كان يعقد أولياء المرأة وخشية ألا يكون ذلك برضا حر فيه اختيار كامل فلما اختلى بها قال لها هبى نفسك لى اعترتها نعرة جاهلية فقالت وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ثم قالت أعوذ بالله فقال عليه الصلاة والسلام لقد عذت بمعاذ عظيم فطلقها وسرحها سراحا جميلا.

,

العبرة

730- هذه زيجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلغت عدتهن ثلاثة عشر من الأزواج ماتت اثنتان فى حياته الكريمة الطاهرة وهما أم المؤمنين خديجة أفضلهن وأكثرهن عطفا وقد سمى عام موتها مع عمه الحانى الكريم عام الحزن والثانية زينب أم المساكين رضى الله عنها.

واثنتان لم يدخل بهما وطلقهما قبل الدخول لعيب جسمانى فى إحداهما ولنفرة من الثانية بدت فى قولها وقد عاشت إلى ستين عاما بعد الهجرة وكانت تسمى نفسها الشقية لحرمانها من جوار أكرم من فى الوجود من خلق الله سبحانه وتعالى.

وقد كان يعتزل بعضهن أحيانا ويرجيء الاتصال بهن أحيانا وعلى أى حال فقد انتهى الحل له صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا العدد إذ تحققت فيه كل المقاصد الاجتماعية التى تتعلق بالدعوة وقال تعالى فى ذلك:

تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ، ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً. لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً.

وإن هذا النص الكريم يدل على أمرين جليلين:

أولهما: منع الحل بعد هذا العدد، إذا استوفى التعدد بالنسبة لتعدد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مقصده وإن هذا العدد خاص بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقد قال تعالى من قبل فى تحليل هذا القدر من العدد: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (الأحزاب) .

ثانيهما: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن يتصل بنسائه جميعا كل ليلة- كما توهم عبارات بعض المحدثين- مما أخذ منه أعداء الإسلام ادعاء أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان شهوانيا واستندوا إلى أقوال هؤلاء وإلى تهافت بعضهم فى القول حتى إنه ليقول كان عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قوة أربعين رجلا، فالآية ترد كل هذا، فقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يرجيء من يشاء منهن ويؤوى إليه من يشاء ويعتزل بعضهن ويبتغى من يعتزل من بعد ذلك، مما ينافى ما ادعاه بعض المحدثين من أنه عليه الصلاة والسلام كان يمر عليهن ويتصل بهن واحدة واحدة كل ليلة مما فتح الباب للمغرضين والكذابين من أعداء الإسلام والمنحرفين ممن تسموا بأسماء المسلمين.

بقى أن نتكلم فى بعض أسباب هذا التعدد:

قد أشرنا من قبل إلى أن تعدد زوجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان لإيواء الضعيفات من أزواج المهاجرين اللائى لا مأوى لهن فى هذه الغربة التى انقطعن فيها عن أهليهن، ولربط الصلات بينه وبين كبار أصحابه، ولمنع تحكم الوثنيين فيمن تربطهم رابطة نسب من نساء المهاجرين الذين يقتلون أو يموتون أو يرتدون وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى ذلك فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (الأحزاب)

ويستفاد من هذا النص أن زواج المهاجرات كان للرحم التى تربطه بهن من عمومة أو خؤولة وأن ذلك يشمل قرابته لقريش فلا يضيعهن عند موت أزواجهن شهداء بل لا بد أن يتولى هو إيواءهن فى ظله الظليل.

وقد رأيت أن بعضهن تزوجها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر ربه تبيينا للشرع وتنفيذا لأحكامه وقد تعرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر ربه لمجابهة العرب فيما كانوا يألفون ويرونه أمرا طبيعيا لا يخالف وقد تأثر به بعض المؤمنين حتى إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد حدث منه ذلك قبل الحكم بالمنع فبين الله تعالى أنه ضد الحقيقة وأن البنوة تكون من الصلب لا من الادعاء وأشار سبحانه وتعالى إلى أنه إدخال فى النسب ما ليس منه إذ قال سبحانه: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ (الأحزاب) .

731- وهناك أمران آخران فى حكمة تعدد زوجات النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غير ما

سبق ذكره أو أشير إليه من أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتزوج لتوثيق المعاونة بمن يحب من أصحابه وإعانة الضعيفات من النساء حتى إنه كان يتحمل عبء من ليس له ولى من قريب أو ذى حسب ولكيلا ترتد بعد إيمان، والارتباط بالمصاهرة بين من تنأى ديارهم وقد يلحون فى العداوة بينهم وبينه صلى الله تعالى عليه وسلم.

نقول هناك أمران غير هذا الذى ذكرناه أو أشرنا إليه.

أحدهما: أن يتولى نساء النبى صلى الله تعالى عليه تعليم نساء المسلمين فى أمور دينهن فما كان النساء بعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى عهد الصحابة والتابعين يغشين مجالس العلم يتعلمن أمور الدين بل كن يذهبن إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يسألنه فى حياته، ومن بعده كن يسألن أزواجه أمهات المؤمنين، كعائشة وأم سلمة وغيرهما ممن عمرن بعد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ولعله من فضول القول أن نقول إن كثيرا من الأحكام الخاصة بالمرأة رويت عن أم المؤمنين عائشة رضى الله تعالى عنها وعن أبيها الصديق.

وإن حفصة أم المؤمنين كانت الأمينة على المصحف الذى انتهت كتابته فى عصر أبيها الإمام الفاروق رضى الله تعالى عنه وجزاه عن الإسلام خيرا.

ولعل الأمر الإلهى بألا ينكحن من بعده أبدا كما تلونا من قبل كان لهذا المعنى وليتفرغن لتعليم النساء أحكام الدين وفضائله وآدابه وروحه ومعناه وأخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى أهله وفى ذاته الطاهرة وإنك لترى من ذلك الشئ الكثير فى رواية عائشة رضى الله عنها فقد كان لها ذكاء يندر فى نساء العرب وإنه قد نزكى ما روى من أنه يؤخذ منها نصف الدين وهو النصف الخاص بأحكام النساء.

ثانيها: أن نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كن يتخذن قدرة حسنة للنساء فى عفتهن واحتسابهن وآدابهن لأنهن أخذن باداب النبوة والمرأة تتأثر بالمرأة أكثر مما تتأثر بالرجال وتصلح بصلاح صواحبها من النساء وتفسد بفساد صواحبها منهن، فالمرأة تصلح المرأة أو تفسدها. وإنا لنرى ذلك واضحا اليوم وإنه كان كذلك فى الماضى فالإنسان ابن الإنسان.

وإن الله تعالى تعهد نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالإرشاد والتأديب لأنهن الأسوة والقدوة قال تعالى: وهو أصدق القائلين: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً. يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً. وَمَنْ

يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً.

يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً.

فنساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا التأديب الإلهى الذى لم يخرجن عن نطاقه كن بالنسبة للنساء الصورة المثالية والقدوة القائمة الثابتة لنساء المؤمنين بل نساء العالمين ولأنهن المثل السامى عقب ذلك بما يجب أن تكون عليه المؤمنات المقتديات بنساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال تعالى عقب ما أمر به نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما أمر به من إرشاد. وتهذيب. وتوجيه للعلو:

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ. وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ. وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ. وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (الأحزاب) .

هذا وإن الاقتران فى التلاوة بين إرشاد نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومنزلتهن وبين أوصاف المؤمنات يشير إلى أن أخلاق نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مثل أعلى لنساء المؤمنين ويوعز باتباعهن واتخاذهن مثلا ساميا غاليا لأنهن القدوة الصالحة الطيبة.

وإذا كان فى الآيات أمر بأن يقرن فى بيوتهن بألا يخرجن إلى الطرقات متبرجات متزينات يبدين زينتهن ما ظهر منها وما خفى، بل يلتزمن القرار فى البيت لا يخرجن إلا لمصلحة تقتضى الخروج فلا يقررن فى البيت إلا للاستعداد للخروج فتغص الطرقات بهن. هذا وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بتفرق نسائه فى القبائل والعشائر من بعض وفائه قد عم تعليمه وعمت الآداب الإسلامية والأخلاق الكريمة نساء المسلمين. وكلما كثر العدد عم الهدى المحمدى وشاع وسار فى الأمة سريان النور فى الأرضين.


تحميل : زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: