رضاعه في بني سعد من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

رضاعه في بني سعد من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم

85- الغذاء الأول للجنين بعد ولادته هو الرضاعة، والرضاعة تكون من الأم، لأن لبنها يسير مع نموه سيرا مطردا، فكلما كبر الغلام فى المهد كبرت دسامة اللبن، حتى يستغنى بالغذاء، ولذلك كانت الرضاعة من الأم أولى المطلوبات من الأمومة، فقد قال تعالى فيما شرع من أحكام: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «1» فكان بمقتضى الفطرة أن تكون امنة الأم الرؤم هى التى تتولى إرضاعه. ولكن كان لابد من وجود من يعينها بلبنه، فقد أرضعته معها ثوبية وهى جارية لأبى لهب عم النبى صلّى الله عليه وسلّم، وقد ناوأه العداوة لما بعث رسولا ورحمة للعالمين، ولكن قد كان محبا لأخيه عبد الله، ولابنه النبى الكريم محمد، وكانت ثوبية أول من أعلم أبا لهب بولادة ابن أخيه محمد، فأعتقها لهذه البشرى الكريمة، وكان هذا له خيرا يحتسب، ولكن أخفاه كفره، وانضمامه إلى المخالفين المؤذين للنبى عليه الصلاة والسلام، وضعفاء المؤمنين.

أعانت ثوبية امنة فى إرضاعه، وقد أرضعت أيضا حمزة بن عبد المطلب، وقد كان هذا سببا من الأسباب التى من أجلها طلب عبد المطلب لمحمد المراضع.

وعلى ذلك نقول إن طلب المرضع للنبى عليه الصلاة والسلام من مراضع البادية له أسباب ثلاثة:

أولها: عدم كفاية لبن أمه لتغذيته، ولعل من بعض أسباب ذلك ما نالها من حزن دفين عميق صبرت عليه من غير تصبر، وهو موت زوجها الحبيب الطيب، ولم يزله ألم قريش كلها لوفاته وأ لم أبيه وأ لم إخوته، وإن خففته فإن المشاركة فى الأسى تخففه ولا تزيله.

ثانيها: أنه كان من عادة أشراف قريش أن يعطوا أولادهم للمراضع فى البادية، ولا يرضع نساؤهم، كما هو ظاهر الان في كبراء الحضر أو ذوو اليسار فيهم، فإنه لا يرضع نساؤهم الأولاد، وإن كانوا لا يرسلونهم إلى الريف.

ثالثها: أن الغلمان إذا رضعوا فى البادية اكتسبوا غذاء طيبا، وهواء ليس معكرا بما فى جو المدر، فأهل الوبر أقرب إلى الهواء النقى النظيف من أهل المدر.

__________

(1) سورة البقرة: 233.

ولقد قال فى هذا صاحب الروض الأنف، وأما دفع قريش وغيرهم من أشراف العرب أولادهم إلى المراضع، فقد يكون ذلك لوجوه أحدها تفريغ النساء إلى الأزواج ... وقد يكون ذلك منهم لينشأ الطفل فى الأعراب، فيكون أفصح للسانه، وأجلد لجسمه ... وقد قال عليه الصلاة والسلام لأبى بكر حين قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله، فقال: وما يمنعنى وأنا من قريش، وأرضعت فى بنى سعد. فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات، ليتربوا على تحمل الأجواء، ويتنسموا نسيم البادية، ويعرفوا عاداتها، ويخشوشنوا بخشونتها، ولا ينشئوا فى حلية المدينة، غير متعرضين لما تقتضيه الحياة من تحمل الأعباء، وما تفرضه مقتضياتها من شدائد ليكون منها الأشداء.

86- جاءت المراضع إلى مكة من بنى سعد بن بكر يردن الرضعاء يرضعنهم. وكان من عادة العرب ألا تأخذ المرضع أجرا على الرضاعة، وإن كن يقبلن من ال الطفل الهدايا والرعاية. فتسد بعض حاجاتهم، ويرين من العار أن يكون لهن أجر منتظم، وسرى بينهم المثل السائر «تموت الحرة، ولا تأكل من ثديها» .

ومنهم كما جاء فى الروض الأنف من كن يقبلن الأجرة، إذا ألحت بهن الحاجة.

ولقد كان محمد يتيما لم يترك أبوه شيئا يعد ثروة، فقد ترك خمسة جمال، وبعض الشياه، وأمة اسمها أم أيمن التى حضنته بعد وفاة أمه الكريمة فكان يتيما فقيرا.

وقد حضرت المراضع ترجو أن يعهد إليهن بمن يرضعنه راجيات من هذه الرضاعة الهدايا أو رضخا من المال، لا أجرة يؤجرن بها أثداءهن، فإذا كن يرجون، فإنهن لا يرضعن إلا أولاد ذوى اليسار، ولذلك أعرضن عن اليتيم الفقير، وبذلك خرج كل المرضعات بطفل من ذوى اليسار، إلا حليمة بنت أبى ذؤيب، وكان زوجها معها، واسمه الحارث بن عبد العزى بن رفاعة.

وكانت المرضعات كما قال الواقدى عشرا كلهن عاد بالأولاد إلا حليمة، فلما رأتهن جميعا أخذن أطفالا، ولم يبق إلا اليتيم الطاهر محمد بن عبد الله، أخذته راجية الخير، وإن لم ترج العطاء، ولنتركها تحدثنا كيف قبلته، فإنها تصور لنا طيب نفسها، وما أفاضه الله تعالى عليها من خير بسبب بركة اليتيم الكريم، فهى تقول:

87- «فى سنة شهباء لم تبق لنا شيئا خرجت على أتان لى قمراء معها شارف «1» . كانت والله ما تبض «2» . بقطرة، ولا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه، وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت «3» بالركب، حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما معنا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أننا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول ما عسى أن تصنع أمه وجده!!

فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى.

فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم اخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلاخذنه.

قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.

قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره.

فلما أخذته رجعت إلى رحلي، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، حتى ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.

وقام زوجى إلى شارفنا فإذا إنها لحافل.

فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة.

قلت: والله إنى لأرجو ذلك، ثم خرجنا، وركبت أتانى وحملته عليها معي، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر على شيء من حميرهم، حتى أن صواحبى ليقلن: يا بنت أبى ذؤيب ويحك، اربعى علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها. فأقول لهن: بلى والله إنها لهى.

قالت: ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت والله، غنمى تروح عليّ حين قدمنا به معنا- شباعا لبنا، فنحلب ونشرب منها.. حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم، ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعا لبنا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير.

__________

(1) الأتان القمراء هى التى تميل إلى الخضرة، والشارف الناقة العجوز.

(2) أى ما ترشح الناقة لنا بقطرة من اللبن نتغذى به لكبر سنها.

(3) أى صارت مذمومة فى الركب.

88- إذا كان محمد قد أقدم باليمن والبركات على أهل مكة، يرد أبرهة وفيله، وجيش اليمن مدحورين، عادوا، فبركته بعد ولادته تسير معه حيث سار. لقد رضيت باليتيم، وصاحبها قبله، وكلاهما طيب النفس مطمئن القلب. مستعين بالله تعالى قانع بما يعطيه، فجزاها الله تعالى جزاء حسنا فأطعمهم من جوع، ودر عليهم الأثداء الجافة، فأضاف إلى لبنها لبنا كفاه هو وصبيها وأخصب كلؤهم بعد إجداب، وامتلأت أضراع غنمها، فكان الخير العميم والفضل العظيم.

وقد يسأل سائل: لم كان هذا، ويستغرب، ولكن لا غرابة لمن يؤمن بالله تعالى فإن له تقديرا فوق تقدير العباد، ونظاما فوق نظامهم، ولماذا يستغرب من لا يؤمن إلا بالمحسوس، ويربط بين الأسباب العادية ومسبباتها.

وإن الذى نقف عنده هو أن هذا الغلام الذى صنعه الله على عينه، ولد يتيما، ولكن لم يذق قهر اليتامي، ولا ذل اليتيم، بل كان بين أحضان من يحبونه، فأول حواضنه أم رؤم لم تر فى الوجود نورا إلا نوره، وغمرها حبه، وغمرته بعاطفتها، فكان كل حبها له، لم يشركه فيها زوج إذ فقدته فال حبه إليه، فكان له صفوا خالصا، لم يرنق بشركة، والتقى فى عاطفتها حب لزوج كريم لم تنعم برفقته، وابن حبيب محبب فيه كل ما فيه، وكانت الحاضنة الثانية أم أيمن التى كانت ميراثه من أبيه، أحبته كما تحب الأم ولدها وكانت له بعد أمه رفيقة به أضافت إليه من حنانها ما عوضه، وإن لم يكن العوض كالأصل، ولا البديل كالبدل.

ثم كانت الحاضنة الغربية التى صارت برضاعه أما كأمه، خلق فيها رب العالمين محبته، وجعله يمنا وبركة لترى فى محبته حب الله، ولترى فى عاطفتها عليه رزق الله تعالى.

والحواضن الطيبات الطاهرات هن اللائى يدر منهن العطف الإنسانى، فمنهن يتلقى العواطف الاجتماعية والأنس الإنسانى، ولذلك نشأ محمد عليه الصلاة والسلام إنسانا محبا يألفه كل من يعرفه.

وإذا كان قد فقد الأب، فقد قيض له الجد، وإذا كان قد فقد الأم فى باكورته، فقد تغذى من عطف أم أيمن، واستقى منها أكرم العواطف، وهذا كله فوق ما أودعه الله إياه من خلق كريم عظيم.

89- أخذت حليمة ترضعه حولين كاملين، وهو فى حضنها مع ولدها لا يفترقان، لا تضن عليه بعطف ولا محبة، ولا تخص ابنها بفضل منهما بل هما على سواء.

فما بلغ الحولين حتى استغنى عن اللبن وأخذ فى الغذاء حتى كان غلاما جفلا، أى قويا ممتلئا يستغنى بالطعام. ولم يذكر التاريخ أكانت تلتقى به أمه، أم تركته إلى البادية مطمئنة عليه!!، ولكن إذا كان

التاريخ لم يذكر أنها رأته، فلنفرض أنها كانت تراه من وقت بعد اخر، وإذا كان التاريخ لم يذكر الرؤية، فإن أقصى ذلك أنه لم يثبتها، ولم ينفها، فالفطرة والحنان يوجبانه، وهما أصدق خبرا، ولذلك نقرر أنها لابد كانت تراه من حين لاخر «1» .

وأنه بعد أن استغنى عن الرضاعة، وبلغ فيها حولين كاملين، يكون من الحق على المرضع أن ترده إلى أهله، وإذا كانوا يرون أن يبقى عندها فإنه يكون برجاء منها، ورضا منهم، وهذا ما فعلته، فقد قالت:

قدمنا به على أمه، ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه، قلت لها: دعينا نرجع بابننا هذه السنة الاخرى، فإننا نخشى عليه وباء مكة. فو الله مازلنا بها، حتى قالت: نعم.

رأت الخير بين يديه، فأرادت أن تبقيه ليبقى الخير، ولأنه قد نال محبتها، وأصبحت لا تستطيع فراقه كأنها التى حملته، ولم ترض الأم التى حملت به أن تتركه لشوقها إليه، ولتضمه أحضانها، فلم تسلمها ولدها لأول طلب، بل مازالت بها حتى قبلت، ولعل قبولها سببه ما ذكرته من أنها تخشى عليه وباء مكة، وتريده أن يكون مستمتعا بجو الصحراء الصافى من حمل الأسقام والأوباء فهى قد رضيت إيثارا ومحبة.


ملف pdf

كلمات دليلية: