خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

خلوه وتعبده بغار حراء وبداية أمر الوحي من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

عبادته قبل البعثة:

143- تحير إبراهيم عليه الصلاة والسلام فى تعرف ربه الذى يستحق العبادة واحده ولا يشركه فى العبادة وثن، ولا شجر، ولا شيء من المخلوقات، وحكى الله تعالى حيرته فى كتابه الكريم، إذ حكى عنه أنه ابتداء أنكر أن تكون الأصنام الهة، واستنكر على أبيه عبادتها، وقال تعالى فى قصته: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي، هذا أَكْبَرُ، فَلَمَّا أَفَلَتْ، قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ «1» .

ونرى من هذا أن الخليل عليه السلام ابتدأ فى الخروج من الضلال الذى كان فى قومه فبين أن الوثن لا يصلح ربا لأنه لا يضر ولا ينفع، وقام لديه الدليل بإزاله ما يعلق بها من أوهام، فحطمها،. وتأكد بتحطيمها أنها لم تضره، وأنها لا قوة فيها، لا ظاهرة ولا باطنة.

ثم أخذ يختبر الالهة التى كانت شائعة بين أقوامه، فجاء إلى النجوم، وكان من سكان العراق الذين عرفهم من كان يعبد النجوم، فاتجه إلى النجوم يعرف سر كنهها عساه يجد قوة فيها تسوّغ تألهّها، فوجدها تأفل، فليس لها بقاء ذاتى مستمر. ومثلها لا تصلح للألوهية، ثم اتجه إلى القمر باعتباره كوكبا كبيرا، فوجده مثل سائر الكواكب، ثم اتجه إلى الشمس، وكان المصريون يزعمون أن فيها الهتهم، وقد زار مصر، ولكن وجدها لا تصلح للألوهية، لأنها أفلت، وهكذا نراه متحيرا، حتى هداه ربه، فكان أبا الأنبياء، فمن ذريته الأنبياء الذين جاؤا بعده، وذكرهم القران الكريم، ثم كانت الهداية بعد الحيرة، والاطمئنان واليقين، بعد الشك المحير.

ونبينا محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم خطا خطوة إبراهيم الأولي، وهى إنكار عبادة الأوثان فقد أنكرها ابتداء، ولم يعترف لها بوجود، فما سجد لصنم قط، وما قدس صنما قط، وإذا استقسمه أحد، لا يقسم بها، ولما أراد بحيرى الراهب أن يستحلفه باللات رده، وقال أنه يكره ذكرها، وما كره ذكر شيء كما كره ذكرها، فأدرك محمد (عليه الصلاة والسلام) حفيد إبراهيم ما أدركه إبراهيم، وعلم بالعقل السليم وفطرة الله تعالى ما علمه جده الأكبر إبراهيم.

__________

(1) سورة الأنعام: 74- 79.

ولكن الخطوات الاخرى التى خطاها إبراهيم فى معرفة ربه لم يخطها فلم يخط خطوة تعرف الله فى النجوم ولا فى الشمس، بل وقف عند عبادة الله، وإدراك عظيم قدرة الله سبحانه، واستحقاقه واحده للعبادة.

والسبب فى أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يخط الخطوات التى خطاها خليل الله إبراهيم، أن إبراهيم رأى فعلا من عبد مع الأوثان الكواكب، وعبد الشمس، ولم يكن فى الأقوام الذين بعث فيهم من يذكرون الله كثيرا، ولو على انحراف فى الاعتقاد، أما العرب، فكانوا يعرفون الله تعالى ببقايا ديانة إبراهيم، وكانوا يذكرون الله فى الحج بقية إبراهيم فى العبادة، فهم يعرفون الله على انحراف، لم يكونوا يجهلونه، بل كانوا فى مناسك الحج يذكرون الله كثيرا، فى تلبيتهم ووقوفهم فى مناسكه، والضلال فى إشراكهم بالله، بينما الظاهر من تاريخ الكلدان والمصريين، أنهم ما كانوا يذكرون الله تعالى فى عبادة قط، فلما نشأ محمد عليه الصلاة والسلام فى قوم يعرفون الله ويشركون معه فى العبادة أوثانهم، ترك ما ابتدعوه، وأنكره وبالغ فى إنكاره، وأبقى من بقايا إبراهيم الاعتراف بالله، ثم كان إيمانه بربوبيته واحده، واستحقاقه واحده للعبادة والألوهية.

وقد يقول قائل: إن الله تعالى وصفه بأنه كان ضالا فهدى، إذ قال تعالي: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «1» فإن هذا يدل على أنه كان ضالا فى العبادة، ومن يعرف الله تعالى لا يضل فى عبادته. ونقول فى الجواب عن ذلك: إن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام كان يعرف الله تعالي، ويؤمن به، ويكفر بالأوثان، وينكر أن تكون مستحقة لأى نوع من التقديس لها، كما رأى جده الأكبر إبراهيم أنها لا تضر ولا تنفع. ولكنه كان حائرا فى الطريقة التى يعبد الله تعالى بها، فهو متجه باستقامة نفسه وقلبه إلى الله تعالي، وعبادته واحده، ويريد أن يقوم بحق الله، وكانت ديانة إبراهيم قد جهلت، ولا يعرف من طريقتها إلا قليلا، فكان لابد من أن تصيبه حيرة، حتى يهديه الله تعالى إلى شيء مما بقى من دين إبراهيم، وهذا هو مؤدى قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا «2» .

145- وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم نشأ عابدا منذ أدرك سن التمييز، فكان عقله فى الله تعالى يفكر كيف يعبده، ثم يجد فى التفكير فى خلق الله تعالى عبادة، وإذا كان إبراهيم عليه السلام قد أراه الله تعالى ملكوت السموات والأرض ليصل إلى إدراك ربه، فقد كان محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم منذ كان غلاما زكيا يرى فى خلق السموات والأرض والشمس والقمر، والنجوم المسخرات بين السماء والأرض عبادة، لا ينظر إلى السماء وأبراجها وزينتها، والشمس وضحاها، والليل إذا

__________

(1) سورة الضحى: 3، 7.

(2) سورة الشورى: 52.

يغشاها، لا ينظر إلى كل ذلك على أنها مناظر جميلة، وزينات باهرة، بل ينظر فى دلالتها على الخالق، ولا ينظر إليها متعرفا سر الإضاءة فى الشمس، وإنما يتعرف منها سر الدلالة على المنشيء، والأرض والماء والزرع، والشجر والثمار. كل ذلك كان يستغرق تفكيره لا ليعلم كيف خلق، ولكن ليعلم من الذى خلق، وكلما أمعن بفكره تعرفا للخالق، واستدلالا عليه ازداد إيمانا به، وطلبا لرضوانه، واطمئنانا لنفسه.

اتجه إلى معرفة الخالق، وما يرضيه عاكفا على ذلك عكوف العابد فى صومعته، لا يطلب إلا إرضاء ربه، ولكنه لم يعلم ما يرضيه، ولا ما يكون نسكا له إلا ما توارثه العرب من حج البيت ومناسكه التى بقيت من عصر إبراهيم عليه السلام، ونزهت نفسه وقلبه ولسانه، حتى صار ربانيا بفطرته المستقيمة وقلبه السليم.

وكانت كل أعماله لإرضاء الله تعالي، فهو يخالق الناس بخلق حسن، لا يكذب، ويتصدق ويقدم للناس الخير، لأنهم عيال الله، وقد صار كل شيء فيه لله تعالي، وقد صار قلبه المعلق بالله تعالى الخاضع الخانع، لا يرى فى الوجود إلا الله تعالي، ولا يحسب أنه إلا القانت له، الخاضع، ولكنه يجهل الشكل الذى يرتضيه لعبادته، فصار كله لعبادته، قلبا ولسانا وعملا وخلقا.

وزهده فى الاختلاط كان يريه من الناس إفكا من عبادتهم للأوثان، ومن خمر يعاقرونها وميسر يلعبونه، وخصومات يفجرون فيها، وشحناء ليست من شأنه، ومجادلات ليست من غايته، وشعر يتبعه الغاوون، والكبر الأثيم الذى لا إثم فوقه، تقديسهم للأحجار، واتجاههم إلى تقديسها بدل تقديس الديان، كل هذا زهده فى الاختلاط.

ولذلك كان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث عزوفا عن أن يغشى مجالس قريش فى سمرها، أو ما يزجون به فراغهم، إلا أن يكون جدا يوجب الخلق الكريم مشاركتهم فيه كما شاركهم فى بناء الكعبة المكرمة، وكما كان يحضر فى ندوتهم إذا جد الجد، وكما حضر حلف الفضول.

والسبب فى عزوفه عنهم أنه يبتعد عن مواضع يعزب فيها عن ذكر الله ويبتعد عن التفكير فى ذاته تعالت عن الشبيه، وتنزهت عن المثيل، وأنه يريد أن ينصرف الفكر فيه، والتفكير فى ذاته وإرضائه، خيرا من عبادة الحركات والمظاهر، فكانت حياته كلها لله تعالى.

ما كان يخرج من خلوته إلا لإسداء معروف، أو إطعام مسكين، أو إغاثة ملهوف، أو لإقراء ضيف عز عليه إقراء، وإن ذلك كله عبادة، لأنه ما يقصد إلا وجه الله تعالى، وإرضاءه لله تعالى، وأى عبادة أعلى من ذلك شأنا.

كل شيء فى الوجود يذكره بالله، فكلما رأى الخلق كان منه ما يدل على الخالق. كلما رأى النعم فى الوجود تذكر الخالق.

ولقد دعا بعد بعثته إلى التفكير فى الله تعالي، فكان يقول «تفكروا فى الاء الله أى فى نعمه» وحكى عن ربه أنه قال: «كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق. فبى عرفونى»

ولقد كان محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام يعلن أن التفكير فى الله والائه وخلقه أساس العبادة، وأنه لا عبادة من غير معرفة الله سبحانه وتعالي، ولقد قال على بن أبى طالب صفى رسول الله، وحبيبه المجتبى: «سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن سنته (أى طريقته) فقال: المعرفة رأس مالى. والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة بالله كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلتي، وقرة عينى فى الصلاة» ورويت زيادة، وهى: «وثمرة فؤادى فى ذكره، وعملى لأجل أمتى، وشوقى إلى ربى عز وجل» «1» .

146- قد كان من أحوال محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم الاعتزال إلا فى مكرمة تؤثر، أو صلة رحم، أو إغاثة ملهوف، أو تحمل للكل. فعندئذ يتصل بالناس لينفعهم، ويتقرب منهم، ولا ينقطع حتى وهو فى عزلته، لأنه ما جاء إلا لخيرهم، فهى عزلة يسكن فيها إلى الله تعالى خالق الناس.

وكلما كانت تتقدم به السن تزداد عزلته، ويزداد تفكيره فى إرضاء الله تعالي، وتعرف صفاته، والوصول إلى عمل ما يرضيه، ويرى فيه ما تقر به عينه، وتطمئن إليه نفسه، ولا يريد غير الله.

وقد صارت العزلة خلوة يخلو فيها للعبادة، فقد ذكر الرواة أنه كان يتحنث (أى يتعبد) فى غار حراء، الليالى ذوات العدد، واستمر يزداد فى الخلوة والعبادة، وقال الرواة كان يتعبد شهرا كل عام، حتى كانت البعثة وهو فى خلوته فى غار حراء.

وكان عليه الصلاة والسلام يتزود لذلك، ويمكث فيه الشهر للعبادة، وذكر الله تعالى وقد تكلم العلماء فى المنهاج الذى كان عليه الصلاة والسلام يتبعه فى عبادته، أكان على شريعة من الشرائع السماوية السابقة.

__________

(1) الشفاء ج 1 ص 86.

جاء فى كتاب البداية والنهاية لابن كثير ما نصه:

اختلف العلماء فى تعبده عليه الصلاة والسلام قبل البعثة، هل كان على شرع أم لا، وما ذلك الشرع، فقيل شرع نوح، وقيل شرع إبراهيم، وهو الأقوى، وقيل موسي، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به «1» .

هذا ما قاله ابن كثير، وقبل أن نأخذه مأخذ التسليم مع تردد الأقوال بين نوح وإبراهيم وموسى ننبه إلى أمرين من الضرورى التنبيه إليهما فى هذا المقام.

أولهما- أن الثابت من سيرة النبى عليه الصلاة والسلام ومن تقرير القران أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأنه لم يكن على علم بكتب الديانات القديمة، فلم يعرف التوراة، ولا الإنجيل، وإن كانت فيهما بشارات برسول يأتى من بعدهما اسمه أحمد، ولم يكن بمكة المكرمة التى كانت محل إقامته مدارس للاهوت الموسوى أو المسيحيي.

ولما ذكر القران أخبار اليهود والأنبياء السابقين قالوا يعلمه بشر هو شخص رومي، فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «2» . وبذلك يثبت أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن على علم بالشرائع السابقة، وذلك هو الحق، وهو يتفق مع إعجاز القران فى أنه أتى بالصادق من أخبار السابقين بوحى من الله تعالي، إذ لم يكن عنده علم بها.

ثانيهما- أنه كان بمكة المكرمة نفر قليل أنكروا عبادة الأوثان، ولم يعبدوها، وسموا حنفاء، وقالوا إنهم كانوا يتعبدون على بقايا من ديانة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولذلك سموا حنفاء.

وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتحنف فى غار حراء- بدل يتحنث- وإنا نسوق ذلك لبيان أنه كانت هناك بقايا من ديانة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقد بقى منها بيقين بقية فى الحج وبقاء جزء قد ينبيء عن إمكان تعرف ما جهل.

وإنا لذلك نقرر أنه عرفت عقيدة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وربما تعرفت بعض الشرائع التفصيلية عنده من أركان الصلاة ونحوها. وإنا مع تقديرنا لهذا نرجح أن عبادة النبى عليه الصلاة والسلام كانت بإلهام من الله تعالى من غير وحى، وقد كان دائم التفكير دائم الخشوع دائم التأمل فى الكون، فهو ابتدأ العبادة الفكرية، وربما عرف بعضا من صلاة إبراهيم. كما عرفت بعض مناسكه.

__________

(1) البداية والنهاية ج 3 ص 6.

(2) سورة النحل: 103.

هذا وإن محمدا عليه الصلاة والسلام كانت رؤياه صادقة كل الصدق، فقد قال عليه الصلاة والسلام إن أول الوحى كان بالرؤيا الصادقة، فكان إذا رأى رؤيا جاءت مثل فلق الصبح، أى أنها تكون واضحة، فلعله فى وسط تعرفه لصلاة إبراهيم جاءته رؤيا بها مثل فلق الصبح.

ومهما يكن من الروايات، فإن الثابت المؤكد، أنه كان يتحنف فى غار حراء الليالى ذوات العدد، وكان يتزود بالزاد لخلوته هذه، وكانت الإلهامات تفيض عليه فى المدة التى كانت قبل البعثة، وأنه كان يرى الرؤيا مثل فلق الصبح، وأنه منذ بلغ سن إدراك المعانى الدينية كان دائم التفكير والتدبر لمعرفة الله تعالى ومحاولة إرضائه، ونرجح بهذا أنه كان يتعبد على ديانة إبراهيم، وأنه وصل إلى بعض أجزائها بالإلهام وبالرؤيا الصادقة وبالتعرف، وإنا نستبعد كل الاستبعاد أنه أخذ من التوراة والإنجيل، فما كان له علم بهما.

,

البعثة المحمدية

,

التجلى الأعظم

[,

التزام النبي ص بأمرين قبل أن يبعث

]

191- كان محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعثه الله رحمة للعالمين ملتزما أمرين:

أولهما-

أنه لم يكن صاحب لهو ولا عبث، كان كذلك غلاما، ثم شاديا، ثم بعد ذلك عاكفا زاهدا، منصرفا عن الناس إلا ما يوجبه حق المجتمع عليه، من عطاء يقدمه لمحتاج، أو معاونة لمستعين، أو إغاثة لملهوف، أو حمل لكل، أو قرى لضيف، أو صلة لرحم، وغير ذلك. فكان المتحمل للواجبات، المعتزل، الذى يؤثر العزلة عن الاندماج فى غمار الناس، حتى لا يصيبه شيء مما يخبثون به، لأنه الطاهر الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكانت حياته الأولى مرشحة لحياته الثانية، واية على أنه ذلك الرجل الذى يستنكر المنكر، ولا يفاحش أو يخاصم أو يجادل، اية على أنه الرسول المنتظر، والنبى المرتقب، وهو فى أحواله فى اختلائه واجتماعه- الأليف المحبوب، الذى قدرته قريش كلها حق قدره.

الأمر الثانى-

أنه قد اتخذ منسكا ينسك فيه، وهو غار حراء، بعد أن أكثر من العبادة، والعكوف على عبادة الله، وقد رأى قريشا يعكفون على أصنام لهم.

وإن الظاهر من حال قريش الذين استمرؤا عبادة الأوثان أنه لم يكن فيهم غير الحنفاء- من يتفكرون فى عبادة، أو يختلون ليعبدوا أوثانهم، فإن ذلك لم يثبت تاريخيا، ولم تذكر واقعة له تنبئ عن ذلك، وإن ما يحيط بهم، وما يثبت من حالهم يدل على أنهم لم يعملوا التفكير فى أمر عبادة، بل كانوا يتبعون ما وجدوا عليه اباءهم من غير تفكير ولا تدبر، ولو أن بعضهم كان يعمد إلى الاختلاء والاعتزال لكان كثيرون منهم يخرجون عن عبادة الأوثان إلى عبادة الديان، إذ أن تأملا يسيرا كان يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن ضلال الوثنية إلى هداية الواحدانية، ولكنهم قوم ماديون، يقولون إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ «1» ، ويقولون: ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ «2» .

وإذا كان قد جرى على بعض الأقلام أن الاختلاء للعبادة كان نسكا عندهم يعبدون فيه الأوثان وينفردون لذلك، فإنما هو كلام من قوم لا يريدون بالإسلام إلا خبالا، ولا يريدون بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم علوا، ولا يذكرون فيه قول الحق خالصا، بل يموهون فيه ويلبسون الحق بالباطل.

__________

(1) سورة المؤمنون: 37.

(2) سورة الجاثية: 24.

192- كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يجتهد فى العبادة، ومن وقت أن اطمأن إلى رزقه، ونظم تجارته فى مال خديجة بأن يعمل غيره تحت إشرافه، ولم يكن ثمة حاجة إلى خروجه بنفسه للتجارة، فلم يذكر أنه خرج بنفسه، بعد خروجه وهو فى الخامسة والعشرين من عمره.

وكلما تقدمت به سن الشباب ازداد نسكا واختلاء وانصرافا عن الملاذ والشهوات فى غير تحريم الحلال، أو إبعاد لطيب من طيبات، بل كان يأكل ويشرب فى غير سرف ولا مخيلة، كما بيّن فى شريعته التى أرسل بها رحمة للعالمين.

وقد اتخذ لنفسه شهرا من أشهر السنة يختلى فيه بغار حراء، وكان حراء نسكا للعرب فى جاهليتهم، كما جاء فى البداية والنهاية لابن كثير، فقد قال «وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج إلى حراء فى كل عام شهرا ينسك فيه، وكان من نسك قريش فى الجاهلية» «1» أى أنه كان من الأماكن التى تعتبرها قريش من النسك فى الجاهلية، ولعلهم كانوا يضيفونها إلى نسك الحج، وقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا خير مكان لعبادته، لأنه لا يطرق طول العام، ولم يكن كالبيت الحرام، إذ يطاف بالكعبة المشرفة فيه كل يوم، ويظهر أنه بمضى الزمان قد هجر اتخاذه نسكا، ولعله كان مما أضيف إلى مناسك من غير شريعة إبراهيم عليه السلام، وليس بحث هذا ذا جداء فى موضوعنا.

جاءت الصحاح بأنه كان عليه الصلاة والسلام يتحنث (أى يتعبد على الحنيفية السمحة) الليالى ذوات العدد، وكان يتخذ دائما شهر رمضان من كل عام يتزود لذلك، ويبتدى بالذهاب إلى البيت الحرام يطوف به، ويتصدق بالصدقات العظيمة ويطعم الطعام، ثم يذهب إلى غار فى جبل حراء، لم يكن فى سفحه، بل كان أعلى من ذلك. ولا يصل إليه قاصده إلا بمرتقى صعب، وليس بالسهل، والناظر إليه الان لا يجد الوصول إليه بغير شق النفس مما يدل على أن الله تعالى أعطى محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام بسطة فى الجسم، وقوة احتمال، ورغبة صادقة فى العبادة، لا يقوى عليها إلا أولو العزم من العباد.

حتى إذا أتم الشهر وهو رمضان عاد إلى بيته، وقبل أن يأوى إليه يمر بالبيت الحرام، فيطوف، ويتصدق بما بقى معه من زاد، ويطعم الطعام مما بقى له، ثم يأوى إلى خديجة زوجته الطاهرة.

__________

(1) البداية والنهاية ج 3 ص 5.

وإن السياق فى كل الصحاح من أخبار السيرة يستفاد منها أنه كان يتزود بالزاد، ويذهب منفردا ليتم له الاعتكاف بعيدا عن الأهل والصحاب، ولا يكون إلا فى حضرة الحبيب الذى لا شريك له وهو الله سبحانه وتعالى.

هذا هو المستفاد من معنى الاختلاء والاعتكاف، ولأنه كان يصرح بأنه يغدو صادرا عن أهله فى الشهر، ويعود دائما إلى أهله بعد أن ينقضى الشهر.

ولكن روى عن ابن إسحاق فى سيرته عبارة تفيد أنه كان يذهب إلى الغار بأهله، وإليك عبارة ابن إسحاق «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره للكعبة الشريفة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله تعالى من ذلك. ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله تعالى به ما أراد من كرامته، من السنة التى بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله» «1» ، وإن هذا الكلام يدل على أن الإيحاء. وهو كان فى الليله التى كانت فيها البعثة النبوية- لم يكن أهله معه، وفيما قبل ذلك كان يكون أهله معه، إذ أنه يصرح بأنه كان يخرج لجواره، ومعه أهله، ولكن لا تجد هذه العبارة فى غير ما نقله ابن إسحاق بل إن معنى الاختلاء والاعتكاف ربما لا يكون متناسقا مع وجود أهله معه، إذ أن معنى الاعتكاف للعبادة يقتضى الابتعاد عن الأهل، والاتجاه إلى الله تعالى واحده.

ولهذا نحن نميل إلى رد ما قاله ابن إسحاق، وإن لم يكن ثمة ما يسوغ لنا أن نقول أنه ربما كان يذهب مع أهله ولا يبقون معه، بل يذهبون فى صحبته، ثم يتركونه من بعد فى واحدته وعبادته.

193- والان نسوق الخبر، كما جاء فى صحيح البخارى وغيره من صحاح السنة.

يروى البخارى عن عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة رضى الله تبارك وتعالى عنها أنها قالت: «أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء» «2» .

__________

(1) سيرة ابن هشام نقلا عن ابن إسحاق ج 1 ص 236.

(2) البداية والنهاية: ج 3 ص 2.

وهذه الرواية التى ساقها البخارى عن حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للخلوة أقرب الروايات، وهى أرجحها وأصدقها، وهى تدل على أمور ثلاثة:

أولها- أن الوحى جاء إليه وهو فى غار حراء، ولم يكن معه أهله، وأنه كان يتزود، ولم تذكر أنه كان يصاحبه أهله.

وثانيها- أنه كانت تصفو نفسه وروحه.. وتخلص لله.

وثالثها- أن صفاء النفس أدى إلى صدق رؤياه.

وهنا يثار أمران:

أولهما- من أى وقت ابتدأت ملازمة الخلوة شهرا من كل عام.

ثانيهما- بأى شيء ابتدأ الوحى، ونزول الروح القدس عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، أكانت مواجهته له صلى الله تعالى عليه وسلم بالرؤيا الصادقة أم المشاهدة فى الصحو، لا فى المنام، لذلك موضع من البيان، نوجزه ولا نفصله.

أما أولهما- وهو من أى وقت ابتدأت خلوته صلى الله تعالى عليه وسلم. فإنا نقول فى ذلك أنه من المتفق عليه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نشأ وهو متجه إلى ربه لا يعبد سواه، وأنه التزم أن يكون عابدا من وقت أن بلغ سنا يدرك فيها معنى العبادة، ويعرف فيها حق الخالق على المخلوق، وقد كان يعبد الله تعالى بالتأمل فى خلقه، والتدبر فى ملكوته، واهتدى إليه، وأن يهتدى ابتداء إلى طريق عبادته، فإن ذلك فوق طاقة المعقول، ولابد فيه من المنقول، وقد أشرنا إلى أنه كان يحاول معرفة ديانة إبراهيم التى كانت بقاياها فى البلاد العربية، وخصوصا فى مكة المكرمة، حيث بيت الله الحرام الذى هو أول بيت وضع للناس، وبناه إبراهيم بمكة مباركا وهدى للعالمين فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً «1» .

ورجحنا فى صدر كلامنا أن يكون قد وصل بالصفاء النفسى، وربما بالرؤيا الصادقة إلى صلاة إبراهيم، فلا عبادة من غير صلاة، فما دامت هناك عبادة لمحمد عليه الصلاة والسلام، صارت رتيبة له، فلابد أن يكون قد اهتدى لصلاة إبراهيم.

__________

(1) سورة ال عمران: 97.

وإنه إذا كان قد سار فى طريق التأمل والعبادة، وفى وسط ذلك الديجور المظلم من عبادة الأوثان، لابد أن يختلى محمد صلى الله عليه وسلم عنهم لينصرف إلى ربه، ولكيلا يكون فى قلبه غيره، ولكى يعبده كأنه يراه، وقد وصل بقلبه المشرق إلى درجة الإحسان، فالاختلاء إذن كان أمرا لابد منه، ليكون لله واحده.

ولكن ذلك النظام الرتيب الذى التزمه، بأن يعبد الله منفردا بعبادته طول العام، ثم يختلى خلوة العابد شهرا من كل عام، هو شهر رمضان، فى أى وقت ابتدأ؟ الظاهر من عبارات الصحاح من الأخبار أن ذلك لم يكن فقط عام البعث المحمدى، بل ذلك العام اختتم بأن الحق نزل عليه، وجاءه روح القدس رسولا من عند ربه، فلابد أن يكون قبل ذلك النظام الرتيب، ونحسب أنه قبله بأعوام، لا نستطيع أن نحدس بها، وإن كان يتسابق إلى عقولنا، أنها مدة لا تقل عن خمس سنين، من وقت تمام بناء البيت الحرام، ووضعه الحجر الأسود بيده الكريمة، وإن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.

194- بقى أن ننظر فى الأمر الثانى، وهو بأى شيء ابتدأ الوحى، لقد قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله تبارك وتعالى عنها «إن الوحى ابتدأ بالرؤيا الصادقة، فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» وإن ذلك لا يدل على أن ابتداء إنباء الله تعالى لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالرؤيا الصادقة.

ولكنه يدل على أن ابتداء الإشراق الإلهى، والاتصال الربانى كان بالرؤيا الصادقة، والرؤيا الصادقة، وإن كانت جزا من الإلهام الإلهى، وليست هى الوحى الذى يقام عليه التكليف بالنسبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزا من الوحى» فليست بالنسبة للنبى عليه الصلاة والسلام هى الوحى، وإن كانت بالنسبة لإبراهيم عليه السلام كانت وحيا كاملا، وبالبناء عليها هم بأن يذبح ولده إسماعيل عليه السلام، حتى هداه رب العالمين، كما قال تعالى:

وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ «1» فكانت الرؤيا إنباء.

إن المقرر لدى المؤرخين للسيرة الطاهرة أن الوحى ابتدأ بخطاب روح القدس جبريل عليه السلام، ولكن جاء فى سيرة ابن إسحاق أن أول خطاب لجبريل لمحمد عليه الصلاة والسلام كان برؤيا صادقة فى المنام، ثم صحا يحفظها عليه الصلاة والسلام.

فقد جاء فى سيرة ابن هشام: «وجاء جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءنى وأنا نائم بنمط «2» من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ. قال: فغتنى به،

__________

(1) سورة الصافات: 107.

(2) النمط وعاء.

حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ، فغتنى به. حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال اقرأ قال فقلت ماذا أقرأ ما أقول ذلك الا افتداء لى أن يعود لى بمثل ما صنع بى. فقال:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ. بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «1» قال فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى، فكأنما كتبت فى قلبى كتابا، فخرجت حتى إذا كنت فى وسط الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال: فوقفت أنظر إليه، وما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف عنه وجهى فى افاق السماء فلا أنظر فى ناحية فيها إلا رأيته كذلك، فمازلت واقفا ما أتقدم أمامى، وما أرجع ورائى، حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا أعلى مكان، ورجعوا إليها وأنا فى مكانى ذلك، ثم انصرف عنى» .

وإنه لا شك ثمة فرق جوهرى فى الخبرين:

195- فالخبر الذى جاءت به الصحاح يفيد بأن الالتقاء بالأمين جبريل عليه السلام كان فى صحو لا فى منام، والثانى يفيد أن الالتقاء كان فى المنام، لا فى الصحو، وإن كانت رؤيا كأنها الصحو، لأنه بعد أن استفاق من نومه تذكر كل ما قال لم ينس منه حرفا واحدا، فكان وحيا بلا ريب، والاختلاف بين الخبرين فى الرواية لا فى أصل المعنى، فهما متلاقيان غير متخالفين.

ومع هذا التلاقى فى المعنى، فإن هناك اختلافا فى الواقعة، أكانت فى نوم، أم كانت فى يقظة، وإن الكثيرين من العلماء قالوا مادام المعنى واحدا فى الروايتين وليستا متعارضتين، فإن التوفيق يكون بتكرار الواقعة، وقعت فى النوم، ووقعت فى اليقظة، فهى قد ابتدأت اللقاات بين محمد صلى الله عليه وسلم وروح القدس فى المنام، ثم كانت فى اليقظة والمنام، كان تمهيدا للمجاهرة فى اليقظة.

وقد وفق ذلك التوفيق ابن كثير فى البداية والنهاية وبناه على أن قول أم المؤمنين فى رواية للبخارى أول ما بديء به الوحى بالرؤيا الصادقة، فقد قال:

«فقول أم المؤمنين عائشة أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة، فكان لا يروى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوى ما ذكره ابن إسحاق: ابن يسار عن عبيد بن عمر الليثى أن النبى صلى الله تعالى عليه

__________

(1) سورة العلق: 1- 5.

وسلم قال: «فجاءنى جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ، فقلت ما أقرأ، فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة، لما يأتى بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا فى مغازى موسى بن عقبة عن الزهرى أنه رأى فى المنام، ثم جاءه الملك فى اليقظة. وقد جاء فى كتاب دلائل النبوة لأبى نعيم الأصبهانى أن ذلك شأن الأنبياء جميعا يأتيهم الوحى ابتداء فى المنام، حتى اذا تهيئوا للقاء الوحى عيانا، جاء إليهم. فقد نقل عن علقمة بن قيس أنه قال:

«إن أول ما يؤتى به الأنبياء فى المنام، حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحى» «1» .

وهكذا ننتهى إلى حقيقة ثابتة متفقة مع مجموع النقول، وتتلاقى مع العقول، وهى أن الالتقاء بالروح القدس ابتداء فى المنام، ثم لما ألف محمد عليه الصلاة والسلام الرؤيا المنامية الصادقة، ويظهر أنها فى وضوحها وجلائها تشبه رؤية اليقظة إذ كانت تجىء مثل فلق الصبح كما أخبرت أم المؤمنين عائشة، حتى إذا كان الأنس بروح القدس، وامتلاء النفس بالروحانية كانت المشاهدة فى اليقظة، لأن ذلك مقام خطير عظيم، لا تقوى عليه النفوس إلا بعد أن تصقل صقلا روحيا.

وقد يقول قائل: إن كلام أم المؤمنين عائشة يستفاد منه أن الميل إلى الاختلاء للعبادة كان بعد الرؤيا الصادقة، وقد يوهم ما قلنا بأن الصفاء النفسى بالعبادة قد سبق الرؤيا الصادقة.

ونقول فى الإجابة عن ذلك بأن الصفاء الروحى كان فى قلب النبى عليه الصلاة والسلام من يوم مولده، وهو فى المهد صبيا؛ فإذا كان عيسى عليه السلام تكلم فى المهد صبيا، فإن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أدرك فى المهد صبيا، وإن الصفاء الروحى قد لازمه طول حياته، فقد كان فى صفاء ولابد أن يستمر إلى شبابه الباكر، ثم إلى ما بعده، فالرؤيا الصادقة كانت من إرهاصات الرسالة، وكانت من الوحى، ثم كانت فى المرحلة الأخيرة منها، وحيا بما يراه من خطاب الوحى بالأمين جبريل، وهى ما ذكره ابن إسحاق.

وإذا كان لنا أن نستفيد من تقديم الرؤيا الصادقة على الخلاء، فكان تحبيب الخلاء له ثمرة لرؤيا صادقة تكررت حتى كان منه الاختلاء بنفسه.

ولقد قلنا من قبل أنه كان يتعرف البقية من ديانة إبراهيم ليصلى، ونحن فى هذا الموضوع من بحثنا عثرنا على الضوء الذى نهتدى به فى تعرفه للصلاة على ديانة إبراهيم، وظننا من قبل احتمال أن يكون

__________

(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 238.

ذلك بالرؤيا الصادقة، وظننا ذلك ظنا، والان ندركه راجحا رجحانا يقرب من اليقين، فصلى الله تعالى على محمد العابد صبيا وكهلا، ومن الصالحين.


ملف pdf

كلمات دليلية: