حلف الفضول من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

حلف الفضول من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

حلف الفضول

109- عاش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى مطلع حياته مع قومه يشاركهم وجدانهم، إذ كان يتجه إلى الخير، ويتجنب الشر ولا ينغمس، فهو يفعل ما يتفق مع الفطرة المستقيمة التى فطره الله تعالى عليها، والمنهاج القويم الذى هداه الله تعالى إليه وأدبه بأدبه.

ومن ذلك حلف الفضول الذى قال فيه ابن كثير إنه كان أكرم حلف وأشرفه فى العرب وقد كان ذلك الحلف، والنبى عليه الصلاة والسلام قد بلغ العشرين، وقد أجمع الرواة على ذلك، وقالوا إنه كان بعد حرب الفجار. كان حلف الفضول فى شهر ذى القعدة، وكان الفجار قبله بأربعة أشهر، أى أن الفجار كان فى شهر رجب وهو من الأشهر الحرم، ولم يذكروا أن حرب الفجار كان والحج قائم، وشهر رجب ليس من أشهر الحج، وإن كان من الأشهر الحرم.

وقالوا أن سببه أن رجلا من زبيدة قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه بنى عبد الدار، ومخزوما وجمح، وغيرهم، فلما رأى الرجل أن حقه ضائع، وبدا القعود فيمن استعان بهم علا جبل أبى قبيس عند طلوع الشمس، وقريش فى أنديتهم حول الكعبة المشرفة فنادى بأعلى صوته منشدا:

يا ال فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائى الدار والنفر

ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال، وبين الحجر والحجر

إن الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب التاجر الغدر

فالرجل يثير فيهم الحمية بذكر الظلم الواقع عليه، وأنه واقع ببطن أرض الله، وبجوار البيت المقدس الذى لا تخطف فيه الأموال وتضيع الحقوق، وأن الظلم بين الحجر، وبين الحجر الأسود الذى يقدسونه، ويشير إلى أنه محرم للعمرة....

كان أول من استجاب لنداء الله، وتقدم لإغاثته بنو عبد المطلب، فقام فى ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك أى لا يصح أن يترك.

اجتمعت لهذا بطون بنى هاشم، وزهرة، وتيم بن مرة فى دار عبد الله بن جدعان، وكان جوادا، فصنع لهم طعاما، وكان ذلك فى ذى القعدة الشهر الحرام.

تعاقدوا وتحالفوا ليكونن على الظالم، حتى يؤدى إليه حقه، ما بل بحر صوفة، وما رسا ثبير وحراء مكانهما، وعلى الناس فى المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول «1» .

وقد نفذ ذلك الحلف فور انعقاده، فقد مشى المتعاهدون إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدى فدفعوها إليه، وقد قال الزبير بن عبد المطلب معتزا به:

إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ... ألا يقيم ببطن مكة ظالم

أمر عليه تعاقدوا وتوافقوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم

ولقد سر النبى عليه الصلاة والسلام لشهوده ذلك الحلف، وأعلن أنه ينفذه فى الإسلام: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ولو دعى به فى الإسلام لأجبت تحالفوا على أن يردوا الفضول إلى أهلها» .

وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «ولقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو دعى به فى الإسلام لأجبت» .

ولقد نفذ الحلف قبل بعثة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فيروى أن رجلا من خثعم قدم حاجا أو معتمرا ومعه ابنته من أوضأ الناس جمالا، فأخذها عنوة منه نبيه بن الحجاج وغيبها، فقال الخثعمى: من يعدينى على هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة المشرفة، ونادى: يا ال حلف الفضول، فإذا هم يفيضون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون جاءك الغوث، مالك، فقال إن نبيها ظلمنى فى بنتى، وانتزعها منى قسرا، فساروا معه، حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم، وما زالوا به حتى عادت الفتاة إلى أبيها.

وإن ذلك الحلف كان لازما، لأن مكة كانت بلد العرب، وثمرات العرب تجيء إليها فلا بد أن يستقر فيها الأمن، ويكون بلد الاطمئنان والمحافظة على الحقوق، ولا يكون فيها اعتداء حتى يجيء الناس إليها.

__________

(1) قيبل إنما سمى حلف الفضول، لأنه أشبه حلفا تحالفته جرهم على مثل هذا من نصر المظلوم على ظالمه، وكان الداعى إليه ثلاثة من أشرفهم اسم كل واحد منهم فضل، وهم الفضل بن فضالة، والفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، وذكره ابن قتيبة، وقيل: سمى حلف الفضول، لأن أصحابه دخلوا فى فضل من الأمر التزموا به، وقيل إن الفضول معناها الحقوق، وتحالفوا على ردها.

ولأنها يحج إليها الناس من كل فج عميق، فلا بد أن يتعاون أهلها على جعلها مكانا تقدس فيه الحقوق كما يقدس البيت، ولأنها أرض البيت الذى جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا، فلا يكون الأمن للأرواح فقط، بل يكون للأرواح، وللأموال، ولكل ما يحتاج اليه اطمئنان النفس.


ملف pdf

كلمات دليلية: