حرب الفجار من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

حرب الفجار من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

حرب الفجار

107- الفجار مصدر فاجر، فمصدر فاعل فعالا أو مفاعلة، كقتال ومقاتلة، ونقاش ومناقشة، والفجار معناه تبادل الفجور، أى وقع فيه كل من المتحاربين، وكان الفجور الذى تبادله الفريقان، هو أنهما أقدما على القتال فى الشهر الحرام، وابتداء القتال فيه كان حراما فى الجاهلية، ولعله بقية من بقايا إبراهيم عليه السلام، ولذلك جاء الإسلام بتحريم ابتداء القتال فيه أو السير بالقتال فيه إلا لضرورة، ولقد قال الله تعالى: «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين» «1» .

والأشهر الحرم كما روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هى «ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذى بين جمادى وشعبان» وكان القتال فيها حراما ليكون الأمن والاطمئنان فى الحج إلى البيت والعودة منه، وكان رجب محرما فيه القتال، لأنه شهر عمرة مضر.

وقصة هذه الحرب، التى انتهك فيها الشهر الحرام كما جاءت فى كتب السيرة، أن رجلا من بنى هوازن اسمه عروة الرجال أجار عيرا للنعمان بن المنذر فيها تجارة وطيب وحرير، ومعنى إجارتها منع أى أحد من أن يعتدى عليها، ويقال إنها فى جواره، وتسمى هذه العير اللطيمة.

فلما كانت هذه الإجارة كبر على بعض رجال كنانة وهو البراض بن قيس، فقال غاضبا:

أتجيرها على كنانة، فقال عروة: نعم وعلى الخلق كله.

فسار الرجلان، وقد غافل البراض الكنانى عروة، وقتله، فقامت الحرب بين القبيلتين وانضمت قريش إلى كنانة، والتقت كنانة وقريش مع هوازن، واقتتلوا أربعة أيام، حضر النبى عليه الصلاة والسلام رابعها. وكان اليوم الذى حضره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو أشدها.

__________

(1) سورة التوبة: 36.

وقد توادع الفريقان على أن يستأنف القتال بينهما من العام القادم فى عكاظ.

فلما توافقوا فى الميعاد ركب عتبة بن ربيعة جمله، ونادى:

«يا معشر مضر علام تقاتلون؟ فقالت هوازن: ما تدعو إليه؟ قال: الصلح، قالوا: كيف؟ قال فدى قتلاكم (أى ندفع الدية عليها) ونرهنكم رهائن عليها، ونعفو عن دياتنا، قالوا: ومن لنا بذلك قال: أنا. قالوا:

ومن أنت؟ قال: أنا عتبة بن ربيعة. فدفع الصلح على ذلك. وبعثوا إليهم أربعين رجلا، فيهم حكيم بن حزام، فلما رأوا الرهائن من الرجال بين أيديهم عفوا عن ديانهم، وانقضت حرب الفجار بصلح كريم» .

108- وهنا نسأل: ماذا كانت سن النبى صلّى الله عليه وسلّم فى هذه الحرب؟ وماذا كان عمله فيها؟ وما الذى حمله على الذهاب اليها؟

أما من ناحية سنه، فنقول: إن ابن هشام يقول فى سيرته: «إن سنه كانت بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة» ويقول ابن إسحاق: إنه كان فى العشرين من عمره الكريم.

ولا نجد لإحدى الروايتين ترجيحا على الاخرى، إلا أن يكون سند ابن إسحاق أقوى، فلقد قال الشافعى رضى الله عنه «الناس فى السيرة عيال على ابن إسحاق» ولعله يكون مما يقوى خبر ابن هشام من السيرة أن أعمام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخذوه فى هذا اليوم، فهذا يدل على أنه لا يزال حدثا، ومن بلغ العشرين يكون رجلا.

ومهما يكن فإنا نرى أنه كان ابن عشرين، كما يدل على ذلك ما يجىء فى حلف الفضول.

ومع أنه بلغ العشرين لم يقدم على القتال، لأنها ليست حربا عادلة، وفطرة محمد السليمة ما كانت لتسمح له بأن يقاتل فى حرب فاجرة انتهكت فيها الحرمات من الجانبين، فكلاهما اثم، فكيف يشترك الطاهر المطهر الذى رباه الله تعالى على عينه في حرب خالطها الإثم. فى سببها وفى زمانها، وفى وقائعها؟

لم يكن للنبى فى هذه الحرب إلا أنه شهدها بعد أن حمى وطيسها، وكان ذلك بسبب أعمامه الذين اشتركوا فيها، ولعله كان يود مشاهدتها، لأن له قلبا طاهرا، لا يسكن والناس فى كرب، فكان يشاهد، وإن لم يقم بعمل فيه حرب، ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فى عمله الدافع للأذى، وليس فيه أحداث: «كنت أنبل على أعمامى» أى أمنع النبل عن أعمامى، فهو كان درعا واقية لأعمامه، فلم يغمس يده فى حرب إلا أن يكون واقيا لذوي رحمه كالئيه الذين رعوه حق الرعاية.

ومهما يكن الأمر فى شهوده تلك الحرب الاثمة، حتى فى نظر الذين أشعلوها، فقد كان من النظارة، ولم يشترك إلا أن يكون وقاية لذوى رحمه.


تحميل : حرب الفجار من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: