حديث الإفك من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

حديث الإفك   من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

حديث الإفك

495- اختصت غزوة بنى المصطلق بأن جاء في أعقابها أمور تتبعها أحكام لسياسة الجماعة، وإصلاح النفوس ومداواة مرضى القلوب.

فكان فيها معاملة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمن وقعوا في الأسر والسبى بعد أن أثخن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في محاربيه، وقد كان عمله يتجه إلى المن بدل الفداء وقتل الرجال وسبى النساء، وعمل الرسول سنة متبعة، فهو لا يفرض الرق إلا إذا كان يتوقع أن تكون بينه وبين من أسر منهم حرب، وقد كان يتوقع مع اليهود حربا قد يأسرون من المسلمين فيها، فيسترقون ويسبون فعاملهم بما يتوقع أن يعاملوا بمثله، والحرب بينه وبينهم لم تنته بعد، ولم يثخن في قوتهم، بل لا تزال لهم قوة مرهوبة ولم يكن يتوقع من بنى المصطلق من بعد ذلك حربا، وكان في أثنائها نفاق المنافقين الذين اتجهوا إلى إشعال فتنة بين المهاجرين والأنصار وهم قوة الإسلام، وقد عالج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأمر بالترفق بالمنافقين، حتى ينكشف أمرهم ويلفظهم قومهم، ويكون تأديبهم من أهليهم، ثم لا يكون لنفاقهم قوة التأثير، إذ لا يخدع بهم أحد من أهل الإيمان، وينالهم الضلال، وبذلك بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كيف يعامل المنافقون بتركهم، حتى يذوى عودهم من ذات نفسه مع التحذير منهم.

والأمر الخطير في ذات نفسه، وكان فيه إيذاء للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأهله، وهو حديث الإفك، الذى كان في ذاته إثما عظيما، وفي آثاره خطيرا في المجتمع، إذ من شأنه أن يشيع الفاحشة في المجتمع، ويدنسه بظهور الرذيلة فيه، وفوق ذلك فيه هجوم على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيه استهانة بمقام صاحب الرسالة الذى كرمه الله تعالى في السموات وفي الأرض، وقال الله تعالى في شأنه لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب- 21) .

وقد اشترك في هذا الحديث المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبى الذى قالت فيه أم المؤمنين عائشة الطهور: إن الذى تولى كبره عبد الله بن أبى.

وكان مع المنافقين زلل لبعض المهاجرين والأنصار، فلم تنزه فيه ألسنة أهل الإيمان من قبيل الاستهانة بالأخبار، وقبولها من غير تمحيص، ولا التفات لمغزاها ومرماها، بل كان تشهيا للحديث مجردا

من كل اعتبار، فكان هذا من بعد تنبها إلى وجوب العمل على حماية المجتمع من مروجات الشر، ومن الخرص بالظنون، والاحتفاظ بكرامات البيوتات، ولقد قال تعالى في ذلك: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.

والخير فيما شرف الله به بيت النبوة، وفيما أعقبه من تطهير نفوس الذين خاضوا فيه بإقامة الحد عليهم بجلدهم ثمانين جلدة، ثم ما بين الله سبحانه وتعالى أن الإثم الذى اكتسبه بعض المهاجرين لا يمنع معونتهم من خير يسدى، فحسبهم عقوبة الحد الزاجر.

496- ونذكر الآن حديث الإفك، كما جاء في كتب السيرة وصحاح السنة:

كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يختار من نسائه للسفر معه عند ما يريد السفر بالقرعة، فكانت القرعة في غزوة بنى المصطلق على أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق، فخرجت معه في هذه الغزوة وفي عودتها نزلت لحاجتها، فتخلفت عن الركب، ولنترك لابنة الصديق ذكر القصة، وقد وافق ما جاء في الصحيحين عن هذا الأمر.

قالت في سفره عليه الصلاة والسلام لبنى المصطلق، «فلما فرغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من سفره ذلك جاء قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة، نزل منزلا فبات فيه بعض الليل، ثم أذن مؤذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس فخرجت لبعض حاجتى؛ وفي عنقى عقد ... فلما فرغت انسل من عنقى ولا أدرى، فلما رجعت إلى الرحل ألتمسه في عنقى فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكانى الذى ذهبت إليه، فالتمسته، حتى وجدته.

وجاء القوم خلافى الذين كانوا يرحلون إلى البعير (أى أنهم ساقوا البعير الذى كان يقلها) وقد كانوا قد فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج، وهم يظنون أنى فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه، فشدوه على البعير، ولم يشكوا أنى فيه، ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به، فرجعت إلى المعسكر، وما فيه داع ولا مجيب، قد انطلق الناس، فتلففت بجلبابى، ثم اضطجعت مكانى، وعرفت أنى لو افتقدت لرجع الناس إليّ، فو الله إنى لمضطجعة، إذ مربى صفوان بن المعطل السلمى، وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته، فلم بيت مع الناس، فرأى سوادى فأقبل حتى وقف، وكان يرانى قبل أن يضرب الحجاب فلما رآنى قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنا متلفلفة في ثيابى، قال:

فما خلفك يرحمك الله؟ فما كلمته ثم قرب إلى البعير فقال: اركبى، واستأخر منى، فركبت وأخذ برأس البعير وانطلق سريعا يطلب الناس، فو الله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس، فلما

اطمأنوا طلع الرجل يقود بى، فقال أهل الإفك ما قالوا، وارتج العسكر، والله ما أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة» .

هذه عبارة أم المؤمنين الصادقة بنت الصديق تبين الواقعة، كما هى؛ وكما عاينت وشاهدت، ولنتركها تذكر ما شاع ومن أشاع، فهى تحكى الوقائع، وتحكى خلجات نفسها المؤمنة الباكية وهى في غضارة الصبا.

«فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة لا يبلغنى من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإلى أبوى، لا يذكرون منه قليلا ولا كثير، إلا أنى قد أنكرت من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعض لطفه بى، وكنت إذا اشتكيت رحمنى ولطف بى، فلم أزل في شكواى، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل على وعندى أمى تمرضنى، قال: كيف تيكم؟

لا يزيد على ذلك، حتى وجدت في نفسى فقلت: يا رسول الله- حين رأيت ما رأيت من جفائه لى- لو أذنت لى، فانتقلت إلى أمى فمرضتنى، قال: لا عليك. فانقلبت إلى أمى، ولا علم لى بشيء، مما كان حتى نقهت من وجعى بعد بضع وعشرين ليلة ... فخرجت ليلة لبعض حاجتى ومعى أم مسطح ابنة أبى رهم بن عبد، فو الله إنها لتمشى إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح، قلت: بئس لعمرو الله ما قلت لرجل من المهاجرين، وقد شهد بدرا!! قالت: أو ما بلغك الخبر، فأخبرتنى بالذى كان من قول أهل الإفك، قلت: أو قد كان هذا؟ قالت: نعم والله قد كان، فو الله ما قدرت على قضاء حاجتى، ورجعت، فو الله ما زلت أبكى، حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدى، وقلت لأمى: يغفر الله لك!! تحدث الناس بما تحدثوا به، ولا تذكرى لى من ذلك شيئا!! قالت: أى بنية خففى عليك الشأن، فو الله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا كثرن وكثر الناس عليها.

قالت: وقد قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخطبهم، ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذوننى في أهلى، ويقولون عليهم غير الحق. والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى.

قالت أم المؤمنين عائشة: وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح، وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم تكن امرأة من نسائه يناصبني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيرا، وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت، تضارني لأختها، فشقيت بذلك.

فلما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج، فمرنا أمرك، فو الله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم.

فقام سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا، فقال: كذبت لعمرو الله، ما تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا لأنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا.

فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمرو الله، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين، وتساور الناس.

حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر.

فدخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليّ، فدعا على بن أبى طالب، وأسامة بن زيد، فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيرا ثم قال: يا رسول الله أهلك، وما نعلم عنهم إلا خيرا، وهذا الكذب والباطل.

وأما على فإنه قال: يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك، فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بريرة يسألها، فقام إليها فضربها ضربا شديدا «1» .

ويقول: أصدقى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتقول (بريرة) : والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة إلا أنى كنت أعجن عجينى، فامرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتى الشاة فتأكله.

ثم دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعندى أبوى، وعندى امرأة من الأنصار، وأنا أبكى وهى تبكى، فجلس، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إنه قد بلغك من قول الناس فاتقى الله، إن كنت قد قارفت سوآ مما يقول الناس، فتوبى إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، فقلص الدمع، حتى ما أحس منه شيئا. وانتظرت أبوى أن يجيبا عنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يتكلما، وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسى وأصغر شأنا من أن ينزل في قرآنا يقرأ، ويصلى به الناس، ولكنى كنت أرجو أن يرى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ما يكذب الله به عنى لما يعلم من براءتى، ويخبر خبرا، وأما قرآنا ينزل في، فو الله لنفسى كانت أحقر عندى من ذلك.

ولما لم أر أبوى يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقالا: فو الله لا ندرى بما نجيبه، ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر في تلك الأيام، فلما استعجما على استعبرت فبكيت، فقلت: لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبدا، والله إنى لا أعلم إن أقررت

__________

(1) أكثر الروايات لم تذكر الضرب، وما كان لعلي أن يضرب في حضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وفسر السهيلي الضرب بالقول الشديد.

بما يقول الناس، والله تعالى يعلم أنى منه بريئة لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت يقولون لا تصدقونى، ثم التمست اسم يعقوب أذكره، ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ، فو الله ما برح رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مجلسه، حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه، ووضع وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فو الله ما فزعت، وما باليت، قد عرفت أنى بريئة، وأن الله تعالى غير ظالمى، وأما أبواى فو الذى نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما حزنا من أن يأتى من الله تحقيق ما قال الناس، ثم سرى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجلس، وإنه ليتحدر عن وجهه مثل الجمان- فى يوم شات- فجعل يمسح العرق من وجهه، ويقول: أبشرى يا عائشة قد أنزل الله عز وجل براءتك.

قلت: الحمد لله.

ثم خرج على الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن الكريم، ثم أمر بمسطح ابن أثالة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم.

497- ذكرنا القصة مع طولها، كما جاءت على لسان المجنى عليها، وقد اخترنا تلك الرواية لما فيها من جمع لكل معانى الروايات، لأنها تصور نفس تلك الصبية الكريمة التى لم تكن قد تجاوزت الرابعة عشرة من سنها.

امتحن الله تعالى تلك الصبية الطاهرة لزوج أعظم رجل في الوجود الإنسانى وابنة صاحبه في الغار، وهى في سن قريب من الطفولة، امتحنت أولا- بأن تخلفت عن الركب، وصارت في أرض قفر وحدها، فلم تصرخ ولم تولول، بل فوضت مؤمنة أمرها لربها، وتجلببت بجلبابها، ونامت آمنة مطمئنة منتظرة أمر الله فيها عالمة أن الله لا يضيعها، ويجيء رجل مكتمل عرف بالتقوى، بل قيل أنه حصور ليس له في النساء أرب، فاسترجع عند ما رآها، وعجب أن يرى في الليل، وفي هذا المكان الموحش، وهو يسترجع ويقول: ظعينة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وينيخ لها البعير، فتركبه من غير معونة أحد، وليس معها مكان الرحيل بها وهو هودجها، إذ أنه حمل على بعيرها، زعم من رفعوه إليها أنها فيه، لصغر ثقلها.

وإنها من بعد ذلك تستقبل المدينة بصخبها وجلبها، ونفاق بعضها، وفضول الأكثرين الذين لا يتركون الظن أو التظنن، وهو من الإثم، كما قال الله تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (الحجرات- 12) .

وإذا ظنوا أشاعوا غير ناظرين إلى عاقبة، ولا إلى أثر القول، ولا إلى موضوع القول، ومكانة صاحبته فى أهلها وبعلها، ومكان من يناله السوء من إشاعة، ويندفع في ترداده غير عالم له بحقيقة، ولكنها ظن السوء المجرد وشهوة قول الفتنة، والفضول الذى يسود بعض الناس، وما أصدق قول الله تعالى في وصف

الذين خاضوا، وهم الجماعات الإنسانية قلوا أو كثروا، وهو يقدم لهم أحسن الأدب، وما يجب التحلى به عند ما يقال القول من أحمق مأفون، أو منافق مفتون، يقول تعالت كلماته: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (النور 15- 17) .

نعم إنهم تلقوه بألسنتهم، لا بعيونهم، وأخذوه من الألسنة المرددة، لا من مصادر العلم المتيقنة، وأشاعوه بالأفواه لتزجية القول في المجالس، والسمر الماجن الفاسد، ويحسبون ذلك أمرا سهلا، معتادا، وهو عند الله تعالى أعظم الفرية، وإن المؤمن لا يتلقاه بالترويج والإشاعة إنما يرده، أو يبعدوا الفضول عن أنفسهم، وإنه لا ينبغى ترداده، بل رده، لأنه بهتان عظيم.

وهنا قد شاعت قالة السوء، ورددها المهاجر والأنصارى والمنافق والمخلص في غير تحر ولا احتراس عن لغو القول وبهتانه، هنا نجد عظمة الرسول، وإيمانه بأن الطيبين للطيبات وحسن ظنه بأهله. وقوة إيمانه النبوى وضبط نفسه، وصبره، فيقول شاكيا الناس إلى الناس: ما بال رجال يؤذوننى في أهلى، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت عليهم إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا، ولا يدخل بيتا من بيوتى إلا وهو معى.

لام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الرجال الذين أشاعوا القول الكاذب، وتضمن قوله لوم الذين استمعوا إليهم.

ولقد كان ذلك إنهاء لترداد القول، لأن الذى نفى الخبر وكذبه هو صاحب الشأن، وهم من علموه لا ينطق عن الهوى. فكان ذلك إطفاء للثائرة.

ولكن إذا كان ذلك القول من أخلاق النبوة فقد بقى حكم البشرية، والبشرية لها سلطان لم تكذب ولم تصدق، ولكن النفس ارتابت، والارتياب ينساب في النفوس إذا كانت له أسباب ولو بالظن الذى لا دليل على صدقه.

وهنا نجد التعليم العالى من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لمن يختبره الله تعالى بمثل تلك القالة الآثمة. فهو لا يسارع إلى أهله يبادرهم بالاتهام أو الإيذاء، أو غير ذلك مما يرتكبه ابن الإنسان في غضبه أو ريبه، بل إنه يتلقى ذلك بالصبر الكظيم الهاديء الذى يميل إلى التبرئة، ولا يميل إلى الاتهام.

ولكن أمرا لا يملكه وهو ألا يبدو عنه أثر للألم المكين، وإن لم يظهر لعنا ولا سخطا، بل إنه لا يفكر في أن يذكر لها الخبر، حتى تتبرأ، فتكون الزوبعة قد هدأت والسحابة العارضة قد تبددت، ولكنها

لا تعلم، وقد كانت غافلة عما يجرى بين الناس من قول، قد أطفأه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإعلان كذبه وبهتانه.

ولكن الصبية الطاهرة المؤمنة تعلم، والقول يجرى بشأنها من الآثمين الذين لعنهم الله تعالى في كتابه، إذ قال: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (النور- 24) وأى ذنب أعظم إثما من رمى هذه المؤمنة الغافلة الوفية ابنة الصديق وزوج النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بمنطق العقل والإيمان لا يصدق، وبمنطق النفس البشرية يرتاب، فاستشار خواصه، فكلهم كذب، وشدد في التكذيب، وهو يقول إنك طيب لا يختار الله تعالى لك إلا طيبا، نسب ذلك لعمر بن الخطاب الفاروق.

وقد سأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اثنين من القريبين من بيته، وهما أسامة بن زيد، وعلى بن أبى طالب.

سأل أسامة، فأثنى خيرا، وكلامه في أم المؤمنين عائشة يترقرق فيه بشر الاطمئنان. وسأل عليا القاضى الذى قال فيه «أقضاكم علي» فأجاب إجابة قوية لم يتهم ولم يكذب، ولم يثن، ولم يهاجم، بل وقف كما يقولون موقفا محايدا.

وفي الحق إن ذلك هو السبيل لإزالة الريب، قال: يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف. وإن هذا لا شك ما كانت أم المؤمنين ترضاه من على بطبيعة المرأة المحبة المخلصة المثالية، وهو مهما يكن أثره في قلب أم المؤمنين يؤيد حياد على في القضية، وهو يجعله أقرب إلى الاتباع، يقول على القاضى المحقق: سل الجارية فإنها تصدقك، أخذ التحقيق طريقه، فسأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بريرة، فقالت ما أدخل الاطمئنان في قلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وابتدأ يزيح غشاء الشك.

قالت: والله ما أعلم إلا خيرا، وما كنت أعيب على عائشة شيئا، إلا أنى كنت أعجن عجينى، فامرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتى الشاة فتأكله.

كان الاطمئنان وإن لم يكن كاملا، وخصوصا أن الوصف الذى وصفتها به هو من أسباب إشاعة قول السوء من الأفاكين الآثمين، فإذا كانت غلبة النوم تسببت في أن تأكل الشاة عجين بريرة، فقد كانت غلبة النوم هى التى فتحت باب الاتهام الآثم للأفاكين.

بعد أن استأنس النبى بدليل البراءة بعد أن برأها بإيمانه، وبعد أن علمت هى، واجهها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى حبه في الدنيا والآخرة، قال لها ما يدل على أنه غير خاف ولا تارك

له، يا عائشة، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقى الله، وإن كنت قد قارفت سوآ مما يقول الناس، فتوبى إلى الله. فإن الله يقبل التوبة عن عباده.

لقد كانت تبكى، فجف الدمع من قوله، لأنها كانت ترجو فيه الرضا بعد الجفوة، ترجوه رضا مطلقا لا رضا معلقا، وترجو ألا يكون منه، وهو الحبيب الرسول النفى المطلق في مواجهته، وتلفتت الصبية المؤمنة المحصنة الطاهرة أن يجيب عنها أحد، وقد قال أحب حبيب لها في الوجود ما لا يقطع بالنفى المطلق، المثبت لبراءتها، فلم يجب أبواها، وكانت في حيرة البريء الذى يجرى حوله الاتهام، ويحيط بها من كل جانب، رأت أنها إن كذبت لا تصدق، وإن أثبتت كذبت.

فتركت أمرها لله تعالى، لا ترجو سواه، وما كانت تظن أنها بلغت مبلغ أن ينزل قرآن يتلى ويصلى به في براءتها، وإنها تزعم أنها أصغر من ذلك، ولكن مقامها عند الله كبير لأنها صبرت مطمئنة إلى حكم الله تعالى، ورضيت بأن يكون وحده هو الذى يعلن براءتها، فنزلت الآيات الكريمات المبرئات بالدليل، إذ قال تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ. لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً، وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ، وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ

وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَأَيْدِيهِمْ، وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ. الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (النور- 11، 26) .

498- هذه حادثة الإفك والبهتان، وننظر فيما تشير إليه الآيات الكريمات التى نزلت ببراءة الطاهرة الصادقة بنت الصديق أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها.

تشير الآية الكريمة أولا إلى أن أكثر الشر في الجماعة يجيء من أمور يحسبها الناس أمورا هينة وليست هينة في ذاتها، بل هى إثم كبير، كما أنها ليست هينة في آثارها لأنها تحل المجتمع وتشيع الفاحشة فيه، وتهون الرذائل ويكون فيه رأى عام غير فاضل، بل رأى عام فاسد، ولا تفرخ الرذائل إلا في رأى عام فاسد، ولذلك شدد القرآن الكريم في وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ليكون رأى عام فاضل يحث على الفضيلة، ويدفع الرذيلة.

وتدل الآية ثانيا على أن الشهادة في الفاحشة، لا تكون إلا بأربعة شهداء وإلا كان القول كاذبا عند الله تعالى مهما تكن مكانة القائل الاجتماعية، ولذلك اقترن بهذه القالة الفاسدة حد القذف.

وتدل ثالثا على أن الظالم لا يظلم ولا يمنع من الخير مادام قد استوفى عقابه على ما ارتكب، لقد كان أبو بكر رضى الله تبارك وتعالى عنه يمد مسطحا وهو ذو قرابة به، فلما خاض في حديث الإفك، قطع عنه فنزل نهى الله تعالى عن ذلك في قوله تعالى في الآيات التى تلوناها، وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى آخر الآية الكريمة.

وتدل هذه الآية على أمرين:

أولهما: أن الزكاة يجوز إعطاؤها للعصاة وقد أخطأ في ذلك بعض الفقهاء، فإنها قد تمنعهم من كثير من الجرائم، وقد تدنى قلوب العصاة، فإن الجفوة تولد الجرائم، والعطاء يرطب النفوس فلا تجفو، وتحس بأن عيشها مؤتلفة مع الجماعة أدنى إلى الراحة.

ثانيهما: أن الإعطاء عند الجفوة يقرب ويمنع البعد، وأن الصدقة تطفيء المعصية وتجلب الغفران، ألا ترى إلى قوله تعالى: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم «ليس الواصل بالمكافىء، إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة» .

وتدل رابعا على طهارة نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم طهارة مطلقة لأن الخبيثات للخبيثين والطيبات للطيبين، فتلك سنة الله تعالى في خلقه، ولم تكن مخالفتها إلا في امرأة فرعون التى ذكرها القرآن

بالخير، وقد كانت مع شر خلق الله، وكذلك في امرأة نوح ولوط اللتين خانتا هذين الرسولين الطاهرين، وقد قال تعالى في ذلك: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ، إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا، وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ، وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (التحريم- 11، 12) .

ويقول الله تعالى قبل هاتين الآيتين: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما، فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (التحريم- 10) .

فكان نساء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من الطيبات.

,

الأثر النفسى من على كرم الله وجهه:

499- يبدو من سياق القصة كما روتها أم المؤمنين عائشة رضى الله تبارك وتعالى عنها أن كلام على رضى الله تعالى عليه لم يقع من نفسها موقع الرضا، كما وقع كلام أسامة، وكما وقع كلام الصحابة الذين قالوا خيرا.

وذلك لأن عليا كرم الله وجهه لم يكن في كلامه ما يرضى، ولكن كان في كلامه ما يكون سبيلا لإنهاء الموضوع، ولكيلا يشغل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأمر عارض.

وما كان يرضى كلام على عائشة، لأنه لم يشهد بالبراءة كما شهد غيره، ولعلها كانت ترى أنه أعلم ببراءتها أكثر من غيره من الصحابة، ولأن له بالبيت الذى هى فيه صلة، فشهادته تكون أقوى من شهادة غيره.

ولأنه قال كلاما لا يرضى من لها مكانة عائشة في قلب النبى، لأنه قال: النساء غيرها كثيرات وأن له أن يستخلف غيرها.

وإذا كان ذلك لم يرض البريئة الطاهرة، فإنه كان السبيل إلى صرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى التحقيق، ووراء التحقيق كان الاطمئنان الابتدائى، ثم كان وراءه الإبراء لها من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثم الإبراء لها من الله تعالى.

ولقد استرسل المؤرخون في ذكر ما بينها وبين على كرم الله وجهه، حتى جعلوه سبب الخروج عليه في واقعة الجمل، وقالوا ما قالوا في ذلك.

ونحن نقول إنه بلا ريب لم يرض على عاطفتها، ولكنها في ظنى ما أبغضته، وإن خالفته على كلام في ذلك، وإن الدليل على أنها لم تبغضه أنه عند ما نعى إليها ذهبت إلى قبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالت: جئت أنعى إليك أحب أصحابك إليك، جئت أنعى إليك صفيك المجتبى، وحبيبك المرتضى، على بن أبى طالب.

وما كان من شأنها أن تبغض أحب أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليه، فرضى الله عنها وكرم الله وجهه.


ملف pdf

كلمات دليلية: