تمهيد من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

تمهيد من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

تمهيد

]

,

الفتح المبين

588- هو فتح مكة المكرمة فى شهر رمضان حيث ابتدأ السير إليها فى العاشر منه، ووصل إليها فى الليلة الثالثة عشرة منه، وهو لم يكن فتح قتال، بل كان فتح قلوب، وأوسع فتح للدعوة إلى الإسلام فما كان قتل وقتال إلا خطأ، ومن غير تدبير وتعمد من الصحابة الأولين، بل كان أمنا وسلاما، وتلاقى قلوب قد فرق بينها الجحود، واستضعاف الضعفاء، ومقاومة الإيمان فلما دخل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة، وهو يقول أنا نبى المرحمة وأنا نبى الملحمة ألقى إليهم السلام والإكرام، وتلاقت العشائر التى تخاصمت ثم تهادنت، ثم سالمت ثم آمنت وإن هذا بلا شك كان نهاية الفتح، ولم يكن فى الظاهر ابتداءه، بل كان الظاهر هو إرادة القتال، إذ جاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى عشرة آلاف من المجاهدين، وما كانوا هازلين، بل كانوا جادين، ولكن عند التلاقى غمدت السيوف عن القتل، وفتحت القلوب للدخول فى دين الله أفواجا أفواجا.

ولذا كان السؤال: لم كان القتال؟، وقد كان عهد لا ينقض إلا بسبب من التزامات هذا العقد، وما كان لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينقض إلا بأسباب منه لأن الله تعالى يقول فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ (التوبة: 7) ولم يستقيموا، فكان هذا خيانة، فكان عليه أن يعمل بقول الله تعالى، وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ (الأنفال- 85) ، ولم يكن ثمة خوف خيانة، بل خيانة بالفعل فى جزء من العقد.

والعقد كل يكمل بعضه بعضا، فإذا دخل الغدر جزآ منه، فقد دخل النقض كله، وفقد الالتزام من الجانب الآخر كل إلزام به، إذ نقض الأول جزآ منه يبطله، ولو كان العهد يبقى ملزما، مع نقض جزئه، لتوالى النقض على كل أجزائه، فلا يبقى للعقد معنى ولا صورة، ويذهب هباء منثورا، وتتبدد أوراقه فى أدراج الرياح.

,

الاستعداد للفتح

591- كان لا بد إذن من اللقاء، وروى أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن صنعت ما صنعت قريش بمن فى عهده اعتزم أن يذهب إلى مكة المكرمة بالفتح المبين، وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: والله لأغزون قريشا، قالها ثلاث مرات، على ما روى.

أذن أصحابه بأن يتجهزوا للذهاب إلى مكة المكرمة، وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها فى بلادها» .

ولقد أخطأ بعض الصحابة ممن حضروا بدرا، وله فى الجهاد مقام، خطأ يعد فى نظر الحرب والجهاد خيانة أو خطيئة، ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الحكيم الواسع العقل والصدر عفا عنه، بعد أن أبطل عمله.

بينما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يضرع إلى ربه أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش، أراد بعض الصحابة أن يكون عينا لقريش يخبرها.

كتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذى أجمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الأمر بالسير إليهم. وأعطى كتابه امرأة وأوصاها بإخفائه، وجعل لها جعلا حتى تبلغه قريشا، فجعلته فى رأسها وفتلت عليه ضفائرها فى قرونها، ثم خرجت به.

وأوحى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بما فعل حاطب، وفعلت المرأة فبعث اثنين من أخلص حوارييه شابين نشا فى طاعة الله والجهاد فى سبيله، وهما على بن أبى طالب، والزبير بن العوام.

فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، فاستنزلاها من فوق البعير الذى تركبه، فالتمسا الكتاب فى رحلها فلم يجداه، فقال على فى حزم: إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا كذبنا؛ ولتخرجن هذا الكتاب، أو لنكشفنك. فلما رأت منه الجد قالت لعلى: أعرض فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه.

فذهبا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهنا نجد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم القوى يسأل عن مسوغ لهذه الخيانة، فيقول فى رفق القوي، ورحمة الحليم.

يا حاطب ما حملك على هذا- لم يجابهه بالخيانة، ولكن طلب إليه مسوغا، إن كان لمثل هذا مسوغ، ولكن الكريم الحليم القوى أراد أن يقدم اعتذارا عما فعل من غير أن يبادره باللوم والتعنيف.

أجاب حاطب عن هذا السؤال وقد أحس بالضمير يؤنبه: يا رسول الله أنا والله مؤمن بالله ورسوله ما غيرت، ولا بدلت. ولكنى كنت امرأ ليس لى فى القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم وفود وأهل فصانعتهم عليه.

لا شك أن الجواب لا يبرر العمل، ودل على شيء غير قليل من الضعف النفسي، فوفوده وأهله بينهم من قبل الحديبية، ولعلهم وصلوا إلى مكة المكرمة فى مدتها، وفى كلتا الحالين، ما كانت البواعث الشخصية تسوغ مخالفة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو القائد الأعلى صلى الله تعالى عليه وسلم ولا تعريض الجيش للأذى، والاستعداد له ومواجهته، وقد تدول الدولة لأعدائه.

ولذلك لم يستسغ عمر رضى الله عنه ذلك، بعد أن لم يستسغه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولذلك قال عمر رضى الله تعالى عنه: يا رسول الله دعنى فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، ولكن الرسول الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم الذى لم يستسغ ذلك العذر، خالف عمر، وقال معتذرا عن حاضره بماضيه فى بدر: ما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أصحاب يوم بدر، فقال اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم.

ما يرد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن فعلته التى فعلها، ولكنه يلومه فى عبارات رقيقة عاطفة إن ماضيه ينهاه عن حاضره، وأظن أن ذلك القول، أروع من قول الفاروق عمر.

ولقد قالوا إنه نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ، أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي، وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي، تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ، وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً، وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ، يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ، وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنا بِكُمْ، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا، وَإِلَيْكَ أَنَبْنا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

(الممتحنة- 1: 4) .

وإذا كان ثمة أمر يسهل أن يرتكب الصحابى البدرى ذلك، فليس هو النفاق، ولكن المدة التى سهلت الالتقاء أحيت ما كان من مودة قديمة، فسال سيله فى طريقها حتى وقع فى هذا الخطأ، بل الخطيئة، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد جعل ماضى أمره مسقطا لذنب حاضره وهو الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم المؤلف بين القلوب، الجامع لها، وهو بالمؤمنين رؤف رحيم.

,

خروج الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم

592- خرج رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ماضيا لسفره، واستخلف علي المدينة المنورة أبارهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وذلك ليعلم الناس أنه لا تفاوت في الولاية بالنسب، فقد ولى من الأنصار والمهاجرين من بطون قريش وغيرهم.

خرج صلي الله تعالي عليه وسلم لعشر ليال من رمضان، وصام الناس، حتي إذا كان بالكديد أفطر- لأنه صار علي سفر، ولأنه رخص للمسافر أن يفطر، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (البقرة- 185) .

وإن الله يحب أن تؤتي رخصه، كما تؤتي عزائمه، والسفر قطعة من العذاب في الصحراء العربية وحال الجهاد تجعل الفطر قوة فيه، وكل ما يؤدي إلي القوة فيه يكون مطلوبا علي قدر هذه القوة، ويظهر أن بعض المؤمنين تحرجوا من أن يفطروا في رمضان، فدعا رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم بإناء فشرب نهارا ليري الناس، فأفطر حتي قدم مكة المكرمة مفطرا.

صار رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم، حتي لقيه في الجحفة عمه العباس بن عبد المطلب، مهاجرا هو وأهله، وقد كان إسلامه سابقا علي ذلك، وبقي علي السقاية في الكعبة الشريفة:

ولقيه عليه الصلاة والسلام في الطريق بعض ذوي قرابته، أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة، وكان رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم ذا مودة وخير دائما، فقالت له ابن عمك وابن عمتك وصهرك يا رسول الله، قال:

«لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي، فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهرى فهو الذى قال لي ما قال بمكة» ذلك أن النبي صلي الله تعالي عليه وسلم لما دعا إلي ربه قال له: «والله لا آمنت لك حتي تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر، ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون بأن الله تعالي أرسلك» .

وأصر رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم علي عدم الإذن لهما، فلما خرج إليهما الخبر، قال أبو سفيان ابن عم الرسول صلي الله تعالي عليه وسلم ومعه ابن صغير له فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض، ثم نموت عطشا وجوعا، فرق لهما رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم لرحمه ما، ولأنهما قد رقا للإسلام، والإسلام يجب ما قبله.

,

قريش تتحسس الأخبار

593- مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى نزل مر الظهران فى عشرة آلاف من المسلمين، وفى رواية فى اثنى عشر ألفا، وقد عميت الأخبار عن قريش، ولكنهم يظنون لنقضهم العهد الذى كان بينهم وبين الرسول صلوات الله وسلامه عليه لم يحسوا بأمر، ولكن هم يتوقعون أمرا، فخرج فى تلك الليالى أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء الخزاعي، يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا.

ويلاحظ من ذلك أن الثلاثة يختلف اثنان فيهم عن الثالث، لأن بديلا هو الذى ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يستنصر بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم لخزاعة، إذ عاونت قريش بنى بكر فى قتالهم لخزاعة، حتى جاوزوهم إلى البيت الحرام فما امتنعوا، فلعل الجميع كانوا يتحسسون، ولكن اختلفت الغاية عندهم.

وفى الوقت الذى كانت قريش تتحسس فيه أخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان العباس ابن عبد المطلب الودود المسالم يريد أن يرسل إلى قريش من يعرفهم مكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليجيئوا إليه مستأمنين لكيلا يكون قتال بل يكون أمن وسلام، ويقول رضى الله عنه من جراء محبته لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والله لئن دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة عنوة قبل أن يأتوه، فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.

ركب بغلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البيضاء وأخذ يتلمس الحطابين، أو ذوى الحاجات الذين يسيرون فى الصحراء ليجد من يخبر أهل مكة المكرمة.

وبينا هو فى سيره متحسسا سمع صوت أبى سفيان، ولنترك له رضى الله عنه، يحكى كيف كان لقاؤه مع صديقه المشرك أبى سفيان، وهو المؤمن فهو يقول:

وإنى لأسير عليها (بغلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ، إذ سمعت كلام أبى سفيان، وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط، ولا عسكرا. قال بديل:

هذه والله خزاعة حمستها (أى ألهبتها) . قال أبو سفيان: خزاعة أذل من ذلك وأقل أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتى فقال أبو الفضل، قلت نعم، قال مالك فداك أبى وأمى؟ قلت ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة، فداك أبى وأمى، قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فاركب فى

عجز هذه البغلة، حتى آتى بك رسول الله فأستأمنه لك، فركب خلفي، ورجع صاحبه، فجئت به، كلما مررنا بنار من نيران المسلمين، قالوا من هذا فإذا بغلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنا عليها، قالوا هذا عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته، حتى مررت على عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال من هذا، وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وركضت، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان، قد أمكن الله تعالى منه بغير عقد ولا عهد، فدعنى فلأضرب عنقه، قلت: يا رسول الله، قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيك الليلة، دونى رجل، فلما أكثر عمر فى شأنه (أى أبى سفيان) قلت مهلا يا عمر، فوالله لو كان من بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بنى عبد مناف. فقال: مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتنى به، فذهبت به إلى رحلي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رآه، قال ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله. قال أبو سفيان بأبى أنت وأمى ما أحلمك وأكرمك وأوصلك؛ والله لو قد علمت أن معه إلها غيره لقد أغنى عنى شيئا بعد، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألم يأن لك أن تعلم أنى رسول الله، قال أبو سفيان، أما هذه والله فإن فى النفس منها حتى الآن شيئا، فقال العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك فشهد شهادة الحق، فأسلم.

قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا. قال: نعم.

قال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذى يحب حقن الدماء.

من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.

فلما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: احتبسه عند خطم الجبل (أنف الجبل) حتى تمر به جنود الله تعالى فيراها.

فحبسه، حتى مرت به الرايات كل قبيلة على رايتها، وكلما مرت قبيلة، قال: يا عباس ما هذه القبيلة، وأخذ يسأل عنهم قبيلة قبيلة، حتى مرت قبيلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برايته

الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله من هؤلاء؟ قلت رسول الله فى المهاجرين والأنصار، قال أبو سفيان ما لأحد بهؤلاء، والله يا أبا الفضل قبل، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما، قال العباس يا أبا سفيان إنها النبوة، فقال نعم إذن.

594- ذكرنا هذا الحديث بطوله، لأنه التقاء صديقين كلاهما يتحسس الأخبار لحماية مكة المكرمة من الحرب، فالعباس رضى الله عنه يتحسس، ليرسل لقريش يحرضهم على أن يستأمنوا لأنفسهم من جيش الإيمان لكيلا تكون حرب فى الحرم، ولتحمى قريش نفسها لا بالحرب، ولكن بالإيمان أو الأمان.

وأبو سفيان يتحسس الأخبار، لأنه توجس خيفة بعد الغدر، وتوقع من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عملا لحماية من دخلوا فى عهده، ولأنه أصبح فى حل من الصلح الذى صالحوه عليه، إذ نقضوه من جانبهم، فهو عليهم رد ولا سبيل لأن يدفعوا بعهد نقضوه.

والتقى الصديقان، وكان لقاء فيه خير، إذ انتهى بإسلام أبى سفيان، وضمه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد أن أرضى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقد بذل العباس فى ذلك جهدا، خصوصا عندما اشتد عمر رضى الله تعالى عنه، وما كنا لنقر العباس رضى الله عنه فى قوله لعمر لو كان من عدى ما وقف فى هذا، فعمر لا يمكن أن يؤثر قرابة فى قول الحق، وهو الذى قال فيه صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله كتب الحق على لسان عمر وقلبه» ومهما يكن من تلك الكلمة، فإن العباس رضى الله تعالى عنه، قد كانت سياسته حكيمة فى ضم أبى سفيان، فإنه كان له أثر فى حقن الدماء، ومنع الحرب.

لقد قال من بعد ذلك العباس لأبى سفيان يحرضه على السرعة فى الذهاب إلى قريش يسكنها قال له النجاء إلى قومك، أى السرعة المنجية.

فلما جاءهم صرخ بأعلى صوته، يا معشر قريش قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، قالوا له قاتلك الله، وما تغنى عنا دارك، قال ناقلا عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد، فهو آمن.

وبهذا تهيأت النفوس للإسلام إلا بعض الذين أكل الحقد قلوبهم، وسيطر عليهم النزع الجاهلي، ولم ينظروا إلى ما هو أمامهم، بل التفتوا إلى ما وراءهم، ولكنهم مع ذلك لم يجعلوها حربا،

لأن الله تعالى. أراد السلام وقصد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أن يدخل البيت معظما مشرفا، زاده الله شرفا وتعظيما.

,

دخول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة:

596- دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة، ومعه لواء أبيض، وعليه عمامة سوداء وهو يقرأ سورة الفتح وهو راكب على ناقته، وكان يرجع فيها، فهو يترنم بها، ويرجع كلماتها مستطيبا ألفاظها ومعانيها، وقد خفض رأسه متواضعا لله تعالي، ولما انتهى إلى ذى طوى اعتجر بشقة بردة حبرة حمراء، وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله تعالي، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى عثنونه لتكاد يمس الرحل.

ويروى أن رجلا كلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة، فقال الرسول الذى يزيده التواضع عزا، أو كما قال: «هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» .

وإن العزيز الكريم لا تزيده القوة إلا تواضعا، يقول فى ذلك ابن كثير «وهذا التواضع فى هذا الموطن عند دخوله مكة المكرمة فى مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بنى إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس، وهم سجود أى ركع يقولون حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة» .

وأنى يكون بنى إسرائيل الذين تطغيهم النعمة من محمد الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، الذى تدفعه النعمة إلى التواضع، فيقوم بحقها وشكرها، فشكر كل نعمة، نعمة من نوعها، فشكر القوة الرفق والعدل، وشكر الرفعة التواضع، وقد رفع الله تعالى نبيه، بما لم يرفع به رجل فى العرب، وبما لم يرفع به نبى فى أمته، فكان هذا التواضع الكريم الذى زاده عزا.

وقد دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أعلى مكة المكرمة من كداء، وهو أصح الروايات، كما جاء فى البخارى.

,

إسلام أبى قحافة:

597- وقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذى طوي، ولم يكن أبو بكر قد التقى بأبيه أبى قحافة منذ هاجر إلا أن يكون قد زاره فى عمرة القضاء.

وكان قد أصيب فى عينيه، فكف بصره، فكان يرى الرؤية الكاملة بابنته أصغر أولاده، فلما وقف عند ذى طوي، وقف أبو قحافة على جبل أبى قبيس، فقال: أى بنية ماذا ترين؟ قالت أرى سوادا مجتمعا قال: تلك الخيل، قالت وأرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا مدبرا، قال أى بنية من ذلك الوازع (الذى يأمر الخيل ويتقدم إليها) ثم قالت قد والله انتشر السواد، فقال قد والله إذن دفعت الخيل، فأسرعى بى إلى بيتي، فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، وفى عنق الجارية طوق من ورق (فضة) فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها.

فلما دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكة المكرمة ودخل المسجد أتى أبو بكر بأبيه (أبى قحافة) يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «هلا تركت الشيخ فى بيته، حتى أكون أنا آتيه» ، قال: يا رسول الله هو أحق أن يمشى إليك من أن تمشى أنت إليه.

أجلس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا الصديق، ثم مسح على صدره، ثم قال: أسلم، فأسلم، ثم قام أبو بكر، فأخذ بيد أخته الصغيرة يسألها عن طوقها، ولما علم أنه خطف منها، أنشد المسلمين بالله والإسلام طوق أخته.

فقال الصديق معزيا أخته الصغيرة فى قرطها، إن الأمانة اليوم قليل، فاحتسبى طوقك. هذا هو الرفق، إن الطوق الفضى أحب إليها فى سنها، فواساها الصديق فيه رفقا ومحبة، ولقد هنأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر صاحبه فى الغار بإسلام أبيه.

,

قتال فى جوانب من مكة المكرمة:

598- نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن القتال، ولكنه لم ينه عن الدفاع، وقد ذكر أن أهل مكة المكرمة قد رضوا بالمسالمة والسلام، واطمأنوا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلا الذين بقوا على جاهليتهم ولم يذوقوا حب الإيمان أو أن فيهم الحقد الدفين، والرغبة فى الثأر، لا يريدون سلاما، ولكن يريدون حربا وخصاما، ولم يؤخذوا بالقوة، بل جحدوا بها، كما جحدوا هم وآباؤهم بالحق إذ جاءهم.

فهؤلاء المتطرفون فى عداوتهم قد تجمعوا مع بنى بكر الذين كانت مناصرتهم سببا لخرق العهد، وقد تجمعوا فى منطقة الخندمة، فلما وصلها خالد ومن معه أمطروها وابلا من النبل، فاضطر خالد أن يقاتلهم حتى فرق جمعهم، وكانوا عددا قليلا يسهل تفريقه.

وأسلست قريش القياد، ولم تنفر، ورضيت بالبقاء، ولم يقتل من أصحاب خالد إلا اثنان قد ضلا وشذا بالانفراد، فيظهر أنهما قد تمكن الأعداء منهما، وكان فى الذين هاجموا خالد بن الوليد بالنبل، صفوان بن أمية وعكرمة بن أبى جهل فانطلقا خارجين إلى البحر، ولم يقبلا أن يقيما مع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة المكرمة أو تحت سلطانه.

بعد أن انهزم صفوان، اتجه إلى جدة، فقد روى ابن إسحاق قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبى الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا، ليقذف نفسه فى البحر، فأمنه صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: هو آمن، قال يا رسول الله، فأعطنى آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عمامته التى دخل بها مكة المكرمة، فخرج بها عمير حتى أدركه، وهو يريد أن يركب فى البحر، فقال: يا صفوان فداك أبى وأمي، الله الله فى نفسك أن تهلكها، فهذا أمان من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد جئتك به، قال: ويلك اغرب عنى فلا تكلمنى. قال: أى صفوان، فداك أبى وأمي، أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك، عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال: إنى أخافه على نفسى؟ قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتني، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، صدق قال: فاجعلنى فيه بالخيار شهرين قال: أربعة أشهر، هذا هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى خلقه، الرفيق اللين فى قوته المتواضع فى عزته يرجو العربى العنيف، ليستأمنه فيؤمنه، ولكنه يشترط لقبول الأمان الخيار شهرين.

ولقد جاءت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أم حكيم زوج عكرمة بن أبى جهل فأسلمت، فاستأمنت لزوجها عكرمة فأمنه، وكان قد سبق صفوان، إلى اليمن وتخلف صفوان كما ذكرنا، فلحقت به إلى اليمن، فجاءت به فلما أسلم عكرمة بقيت معه زوجه أم حكيم، وكذلك كانت فاطمة بنت الوليد زوجا لصفوان بن أمية، فلما أسلم بقيت زوجه.

وقد بقيتا بالزواج الأول، وذلك أن من تسلم زوجه، وهو كافر يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم بقيت الزوجية كما هى من غير عقد جديد، وذلك لأن الفرقة لا تكون بسبب الإسلام، وإنما تكون بسبب إباء الزوج الإسلام بعد العرض عليه.

وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما بلغه القتال الذى كان بين خالد بن الوليد أرسل إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينهاه عن القتال، فانتهي، وروى أنه لم يقتل من المشركين إلا بضعة عشر من الرجال. وإن مبدأ من دخل داره فهو آمن قد طبقه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم يقتل رجلا أغلق عليه داره، وإنه يذكر فى ذلك أن اثنين من أحماء أم هانيء بنت أبى طالب أخت على بن أبى طالب رضى الله عنهما لجا فتبعهما على لأنهما لم يغلقا دارهما عليهما وفرا إلى أم هانيء، ليقتلهما، ولكنها أغلقت عليهما باب بيتها، وعلى يريد قتلهما فى دارها، وأمام إصرار على رضى الله تعالى عنه ذهبت أم هانئ إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأعلى مكة المكرمة فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثمانى ركعات، ثم انصرف إلى أم هانئ فقال:

مرحبا وأهلا، يا أم هانئ، ما جاء بك، فأخبرته خبر الرجلين، وخبر علي، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما.

,

دخول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد الحرام:

599- دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم البيت الحرام بعد أن ركز رايته بالحجون ثم نهض والمهاجرون والأنصار يحيطون به بين يديه ومن خلفه وحوله، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمه، ثم طاف بالبيت وعليه قوس، وحول البيت ستون وثلاثمائة صنم، وهى متماسكة، فجعل يطعنها بالقوس، ويقول «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. وما يبديء الباطل وما يعيد» والأصنام تتساقط على وجوهها بمجرد إصابتها بقوسه، حتى أتى عليها جميعا تنكيسا.

وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يطوف على راحلته، ولم يكن ذلك محرما، واقتصر فى دخوله على الطواف.

ولقد جاءه على كرم الله وجهه ومعه مفتاح الكعبة الشريفة، وأعطاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وطلب أن يعطيهم الحجابة، والسقاية معهم فى يد العباس رضى الله تبارك وتعالى عنه فدعا عثمان ابن طلحة، فأعطاه المفتاح، وعثمان هذا هو ثالث الثلاثة الذين أسلموا فى رحلة واحدة، هم عثمان بن طلحة هذا وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص.

وأمر بالكعبة الشريفة ففتحت ودخلها، ورأى فيها جملة من الصخور منحوتة فى الصخر، ورأى فيها صورة إبراهيم، وإسماعيل يستقسمان بالأزلام وهى منحوتة أيضا، فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط (أى ما استقسما) ورأى فى داخل الكعبة الشريفة حمامة من عيدان فكسرها، وأمر

بالصور فمحيت كلها، ثم أغلق الباب على نفسه، وعلى أسامة وبلال فاستقبل الجدار الذى يقابل الباب، حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع، وقف وصلى.

ثم دار فى البيت وكبر فى نواحيه، وفتح الباب.

وقد خرج من باب الكعبة الشريفة، وكانت قريش قد ملأت المسجد ينتظرونه، فخرج إليهم من محراب الله وكأنه مقبل عليهم من عند رب البيت، الذى جعله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حولهم.

وقد دهشوا، يتعرفون ماذا يصنع.

فأخذ بعضادتى الباب وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو مال أو دم فهى تحت قدمى هاتين إلا سدانة البيت. وسقاية الحاج.

قال: وقتل العمد. وشبه السوط والعصا، فيه الدية مغلظة، فإنه من الإبل أربعون منها فى بطونها أولادها.

يا معشر قريش إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية. وتعظمها بالآباء.. الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات- 13)

,

العفو الكريم الشامل:

600- خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف- 199) بهذا الأمر الربانى أخذ نبى الرحمة وأعظم عفو رآه الوجود الإنسانى هو عفو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عن أهل مكة المكرمة، لقد اضطهدوه منذ البعثة وهو فى الأربعين واستمر أذاهم غير مقطوع، حتى ذرف فى الستين، لا ينون عن إيذائه، ثم قتاله، ثم الدس الخبيث له ولرجاله فلما غلب وتغلب بعد أكثر من عشرين سنة، لم يقل ويل للمغلوب، كما يقول ساسة هذا الزمان بل قال: مرحبا بالأخوة، وعفوا عما مضي، وإن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف.

قال صلى الله تعالى عليه وسلم لقريش وهم صفوف ينتظرون كلمته فيهم فقال لهم: يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم.

قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.

قال فإنى أقول لكم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

وكان عثمان بن طلحة فى يده مفتاح الكعبة الشريفة قبل أن يسلم، وقد أراده على مع السقاية فرده النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن طلحة وقال له: اليوم يوم بر ووفاء.

وذكر ابن سعد فى طبقاته عن عثمان بن طلحة. قال: كنا نفتح الكعبة الشريفة فى الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما (أى قبل الفتح) يريد أن يدخل الكعبة الشريفة، مع الناس، فأغلظت له فنلت منه فحلم عني، ثم قال: يا عثمان لعلك ترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت.

ولعل ذلك أيام الأذى الذى كان ينزل بالمؤمنين من قريش قبل الهجرة حتى إن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يؤذى فيما يستحقه كل الناس، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، مستبشر لا يرجو إلا ما عند الله، مطرح ما عند الناس.

قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان إبان ذلك إن المفتاح سيكون بيده يضعه حيث يشاء، فقال متطاولا فى الأذى بالقول: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت.

فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بل عمرت وعزت يومئذ.

يقول عثمان فوقعت كلمته منى موقعا أى أنه توقع صدقها وهم فى الجاهلية الغافلة، وظن أن الأمر سيصير إلى ما قال الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم.

وقد تحقق ما توقع، وصدق قول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد آل إليه المفتاح يضعه حيث يشاء، فوضعه فى يد عثمان بن طلحة، الذى أغلظ له فى القول من قبل، ونال منه.

ويقول عثمان فى حكايته: قال لى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا عثمان ائتنى بالمفتاح، فأتيته فأخذ منى المفتاح، ثم دفعه إلي، وقال: خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم. يا عثمان:

إن الله تعالى استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.

فلما وليت ناداني، فرجعت إليه. فقال ألم يكن الذى قلت لك، قال فذكرت قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لى قبل الهجرة، سترى هذا المفتاح بيدى أضعه حيث شئت. قلت: بلى، أشهد أنك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

ومع السماحة التى تدنى أشد القلوب جفاء، ومع هذا العفو الكريم الذى يجمع الشارد، ويدنى القاصي، كانت قلوب بعض القرشيين ما زال يسكنها الضعف فى الإيمان والبغض الجاهلى.

يروى سعيد بن المسيب يقول تطاول لأخذ المفتاح رجال من بنى هاشم فرده رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن طلحة.

وأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلالا أن يصعد إلى الكعبة الشريفة، فيؤذن، وأبو سفيان ابن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة الشريفة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا، ألا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، فقال الحارث: أما لو أعلم أنه على حق لا تبعته.

وقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمات لأخبرت عنى هذه الحصباء.

قالوا ما قالوا، والنبى ليس بينهم، وهم يقولونه مسرين هامسين، فخرج عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: قد علمت الذى قلتم، ثم ذكر لهم ما قالوا.

فقال عتاب إنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معك، فنقول أخبرك.

,

الأمان العام:

601- كان هذا العفو الشامل لقريش أمانا لكل أهل مكة المكرمة، ودعا إلى ألا يقتل إلا تسعة، أهدر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دمهم، وأباح قتلهم، ولو تعلقوا بأستار الكعبة الشريفة وهم عبد الله بن سعد بن أبى السرح، وعكرمة بن أبى جهل قبل إسلامه، وعبد العزيز بن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب ومقبس بن صبابة، وهبار بن الأسود وقينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب.

وهؤلاء كادوا كيدا شديدا للإسلام، وبعضهم مع ارتداده قتل مسلما عامدا بعد أخذ الدية أما عبد الله بن سعد بن أبى السرح فكان قد آمن أو أسلم، وكان يكتب الوحي، ثم ارتد بعد إسلام، وكذب كذبة خطيرة، فادعى أنه كان يغير فيما يملى عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يأمره بكتابة عزيز حكيم، فيكتب غفور رحيم.

فكانت إباحة دمه حماية للإسلام من المرتدين، فلما أبيح دمه فر إلى عثمان بن عفان، وكان أخاه فى الرضاعة، مع صلة النسب، فذهب به عثمان إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستأمن له فصمت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنه صمتا طويلا، رجاء أن يتقدم أحد الحاضرين لقتله، ثم قال بعد الصمت الطويل نعم- فأخذ الأمان إكراما لعثمان وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال فى عثمان إنه تستحى منه الملائكة.

وقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمن حضره بعد انصراف عثمان به «أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حين رآنى قد صمت فيقتله، فقالوا يا رسول الله هلا أو مأت إلينا، فقال إن النبى لا يقتل بالإشارة، وفى رواية أنه قال: «لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» .

ولقد كان من المقربين إلى عثمان فى خلافته، ولاه مصر بعد عمرو بن العاص، وكان ممن لهج به دعاة الفتنة فى آخر عهد عثمان آخذين على عثمان توليته وقربه، وأنه لم يكن عدلا، ولعل ذلك كان من أشد ما لهجوا به وأقواه.

وعبد الله بن خطل، فقد أسلم، وبعثه الله تعالى ليجمع الصدقات، وبعث له رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له، فغضب عليه فقتله، ثم ارتد مشركا. وكانت له قينتان فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلهذا أهدر دمه ودم القينتين، فأما هو فقد قتل متعلقا بأستار الكعبة الشريفة وقتلت إحدى القينتين واستؤمن للآخري، وأما الحويرث بن نفيل بن وهب فقد كان يؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة المكرمة، ولما تحمل العباس رضى الله عنه بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما إلى المدينة المنورة يلحقهما برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى المدينة المنورة أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الذى هما عليه، فسقطتا على الأرض.

فلما أهدر دمه قتله على بن أبى طالب زوج فاطمة الزهراء.

وأما مقبس بن صبابة، فقد آمن ثم ارتد، ثم أخذ دية، ثم قتل قاتل أخيه غدرا، وذلك أن أخاه كان مسلما فقتل خطأ فى أعقاب غزوة بنى المصطلق فجاء هو وأعلن إسلامه، وأخذ دية أخيه من بيت المال، وقد بينا ذلك، ولكنه ما إن أخذ الدية حتى عدا على- قاتل أخيه خطأ- ثم ارتد عائدا إلى مكة المكرمة، فكان من الحق أن يقتل لردته، ولقتله مؤمنا عمدا وقد أخذ الدية.

وقد قتله رجل من قومه.

وسارة مولاة لبنى عبد المطلب، ثم لعكرمة بن أبى جهل، وكانت تؤذى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بمكة المكرمة، وروى عن بعضهم أنها هى التى حملت الكتاب الذى أرسله حاطب بن أبى بلتعة، وكأنها عفى عنه، ثم أهدر دمها فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمنها فعاشت إلى خلافة الإمام عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت.

وأما عكرمة، فكان إهدار دمه قبل أن يسلم وقد هرب إلى اليمن، فلما أسلمت امرأته استأمنت له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمنه فذهبت إلى اليمن، فتقدم للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حريصا على ألا يؤذيه، فعندما جاء مسلما قال لأصحابه، لقد

جاءكم عكرمة بن أبى جهل مسلما فلا تسبوا أباه لأن ذلك يؤذى الحي، ولا يصيب الميت، وهكذا يكون كرم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم العطوف الألوف.

ويروى أن الإيمان دخل قلبه قبل أن تجئ إليه امرأته، وذلك أنه وهو فى السفينة عصفت بها عاصفة وقال بعض أهل السفينة لبعضهم. إن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئا هنا، فأثر ذلك فى نفس عكرمة وعقله، ورب لفتة تحول القلب من الكفر إلى الإيمان، وقال: «والله لم ينج فى البحر إلا الإخلاص وإنه لا ينجى فى البر غيره، اللهم إن لك على عهدا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه آتى محمدا حتى أضع يدى فى يده فلأجدنه عفوا كريما» .

ثم جاءته امرأته، وقد طاب نفسا بالإسلام.

وأما هبار بن الأسود فهو الذى عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عندما هاجرت ومكن لها زوجها من الهجرة، فنخس هبار هذا راحلتها حتى سقطت على صخرة، وكانت حاملا، فسقط جنينها.

,

الأنصار يتوهمون أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعود إلى مكة المكرمة

602- كانت إقامة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رابطة بالود بينه وبين قوم كانوا له أعداء آذوه حتى خرج من عندهم يائسا من أن تتحقق الدعوة إلى الرسالة الإلهية فيهم، وأنه لا سبيل إلا أن يهاجر، ثم كانت الحروب المفرقة.

ولما فتح مكة المكرمة كان لا بد أن يزيل الإحن من النفوس فلان ورفق، وعفا وصفح الصفح الجميل، كما أمره ربه إذ قال له: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ فظن الأنصار الذين آووا ونصروا أن مهمتهم قد انتهت.

لقد قالوا فتح الله مكة المكرمة على يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهى بلده، وموطنه، جال ذلك فى نفوسهم وتحدثوا به فيما بينهم، ثم قالوا أترون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا فتح الله تعالى عليه أرضه وبلده أن يقيم بها.

وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهم يحدثون أنفسهم بذلك يدعو على الصفا والمروة رافعا يده، فلما فرغ من دعائه اتجه إلى أنصاره فقال لهم: ماذا قلتم، قالوا: لا شئ يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم، أى إنه يعيش فيهم حتى يموت بينهم، لقد نصره الله تعالى بهم، وخذله غيرهم فهو منهم، وهو كما قال فى موضع سيجئ: إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا، وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار.

,

حرمة مكة المكرمة

603- قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (العنكبوت- 67) .

والقتال فى البيت الحرام على ذلك حرام، وإن الرجل كان يلقى قاتل أخيه أو أبيه، فلا يمسه، والمنازعات تكون خارجه لكى يتوافر للناس الأمن فى أول بيت وضع للناس ببكة مباركا، وهدى للعالمين.

ومن أجل ذلك نهى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نهيا مؤكدا عن القتل والقتال، وأمن الناس حتى لا يضطروا إلى المدافعة، فقال: من كان فى البيت الحرام فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه فهو آمن، وصار يعطى الأمان لكل من يطلبه، إلا أولئك الذين كان لهم إجرام واضح، وبعضهم ممن أسلم ثم ارتد، ومن كان مثل هذا فيه، وقتل عمدا مؤمنا بعد أن أخذ دية أخيه.

وذلك كله ليحفظ حرمة البيت الحرام، وشرف مكة المكرمة وحرمتها.

ولكن مع هذا الاحتياط الشديد فى حرمة البيت ومنعها من أن تمس، مع ذلك كان من المشركين الذين لم يدركوا معنى السلام من هاجموا قوات خالد بن الوليد، واضطر جيشه أن ينضح عنه النبل القاتل بالقتال فقاتل، وقتل من جيشه اثنان وقتل من المشركين بضعة عشر رجلا.

ولا شك أنه فى هذه الحال إنما أباح حرمة البيت الحرام أولئك الذين هاجموا، وهم المشركون، لا الذين دافعوا، وهم من كانوا فى جيش خالد.

ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أباح دم الذين أهدر دماءهم، ولو تعلقوا بأستار الكعبة الشريفة وقتل فعلا أحدهم، وهو متعلق بأستار الكعبة الشريفة.

وإن حرمة مكة المكرمة باقية، وإن امتهان حرمتها كان لحالة استثنائية لا يوجد مثلها قط، ولذلك خطب بذلك مؤكدا حرمتها، التى اختصها الله تعالي، فخطب قائلا بعد أن حمد الله تعالي، وأثنى عليه، ومجده بما هو أهله:

«أيها الناس، إن الله تعالى حرم مكة المكرمة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام كحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يسفك فيها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقولوا له: إن الله أذنه لرسوله ولم يأذن لكم،

وإنما حلت لى ساعة من زمان، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليعلم الشاهد فيكم الغائب» .

وكلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ليبين للناس حرمة مكة المكرمة الدائمة وإنه ليعرف الناس فجور الأمويين، وأتباعهم الذين رموا الكعبة الشريفة بالمنجنيق، فارتكبوا ما كان الجاهليون يتعففون عنه، فهم أشد جرما ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.

,

محطم الأوثان

604- اتجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من بعد أن خضعت قريش راضية أو راهبة إلى تجديد بعض أجزاء البيت، فأمر أبا أسيد الخزاعى بذلك.

ولم ينغص على أحد نفسه، بل أخذ منهم الظاهر، وترك لهم ما بطن، ويروى البيهقى أن أبا سفيان كانت تحدثه نفسه أن يثير القتال بينه وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو حديث لم يتكلم به ولم يطلع عليه أحدا وإذا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقول له: «ليخزينك الله» وكان كأنه يحدث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى حديث بينهما، فقال أبو سفيان:

لا يعلم هذا أحد وإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يمر على الأصنام فيغمزها بقوسه، فتتساقط، وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا» وقد ذكرنا ذلك.

ولكنه لم يكتف بما صنع هو، فقد أرسل رجاله سرايا إلى أماكن الأوثان، فحطموا ما حول الكعبة الشريفة، ثم حطموا ما هو خارجها، فكسرت اللات والعزى ومناة الثالثة الآخرى ونادى فى أهل مكة المكرمة: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدع فى بيته صنما إلا كسره» وصار الذين دخلوا فى الإسلام يتسابقون فى كسر ما تحت أيديهم من الأوثان، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس بقين من شهر رمضان ليهدمها فخرج إليها فى ثلاثين رجلا حتى لا يكون من يستطيع مقاومتهم فهدمها.

ويقول الرواة إنه رجع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره فقال هل رأيت شيئا قال:

لا. قال فارجع إليها، فإنك لم تهدمها، فرجع خالد وهو متغيظ، فجرد سيفه فخرجت إليه امرأة عارية سوداء ناشرة شعر رأسها، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فقتلها، وجاء إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وأخبره، فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم نعم تلك العزى وقد أيست أن تعبد

فى بلادكم ويظهر أن هذه المرأة كانت تختفى وخالد لم يكن يراها، فلما رفع سيفه واعتقدت أنها لا محالة ظاهرة، ظهرت فقتلها.

وكانت بنخلة، وكانت قريش، وبنو كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان سدنتها من بنى شيبان.

ثم بعث عمرو بن العاص، إلى سواع، وهو صنم لهذيل ليهدمه، فانتهى إليه، وعنده السادن، قال: ما تريد؟.

قال: أمرنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن أهدمه.

قال لا تقدر على ذلك، قال ولم؟ قال: تمنع. قال عمرو: حتى الآن أنت على الباطل ويحك فهل يسمع أو يبصر، فدنا منه فكسره، وأمر عمرو أصحابه أن يهدموه ثم قال عمرو للسادن:

كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله تعالى.

وهذا يثبت أن إيمانهم بهذه الأصنام مبنى على وهم توهموه فيها، فلما انكشف لهم كفروا بها.

وبعث سعد بن زيد الأشهلي، إلى مناة عند القديد، وكانت صنما للأوس والخزرج وغسان وغيرهم ممن يجاورون الشام أو فى طريقه.

فخرج سعد فى عشرين فارسا، حتى انتهى إليها وعندها سادن.

فقال السادن ماذا تريد؟ قال سعد هدم مناة، فقال أنت وذاك، وكأنه يتحداه، فأقبل سعد يمشى إليها، فخرجت إليه امرأة عارية سوداء وثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها فضربها سعد، فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره، ولم يجدوا فى خزائنه شيئا.

هذه عزمة قوية من محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، أزال بها ما كانوا يعبدونه من أحجار لا تضر ولا تنفع، وفعل ما فعله جده إبراهيم الخليل عليه السلام، فجعلهم جذاذا، ولم يبق كبيرا لهم، لأنه لا كبير يبقى أمام معول محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد جعلها جذاذا بعد أن فقدت الأوهام التى كانت تحيط بالنفس العربية حولها.

وبذلك انتهت دولة الأوثان فى البلاد العربية، ولقد رآها الذين كانوا يعبدونها، لا تدفع محطمها، ولا تمنعه، إذ هى لا تملك لنفسها نفعا، ولا ضرا وقد يئس الشيطان من بعدها أن يعبد فى بلاد العرب.

,

مدة إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة

606- أقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقية شهر رمضان يقصر من الصلاة فيصلى الأربع اثنتين، ويفطر، لأنه كان لا يزال مسافرا، ولم يعد نفسه فى مكة المكرمة وطنه الأصلى وهو مكة المكرمة، لأنه لم يبق له دار تعد بيته الأصلي، وقال ما أبقى لنا عقيل من دار، وقد استمر يترخص رخصة المسافر، لأنه لم ينونية الإقامة، فكان على سفره يترخص فى الصلاة والصيام معا.

وإن رمضان قد انتهى وهو بمكة المكرمة، فلم يكن محل رخصة الإفطار إنما كانت رخصة القصر قائمة وكان هو يؤم المصلين المقيمين. يقول بعد تمام الركعتين: «يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا سفر» ، وقد اختلف فى مدة إقامة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فروى أنها خمس عشرة ليلة، وروى أنها ثمانى عشرة ليلة، وروى أنها تسع عشرة ليلة، والله أعلم بأصح الروايات.


تحميل : تمهيد من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: