تجارته مع عمه من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

تجارته مع عمه من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

إلى العمل

98- اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلى العمل، وقد شب عن الطوق، وإن كان لم يبلغ سن المراهقة، واتجه إلى العمل الذى يستدعى رفقا منه ورعاية، وفيه حنو على الضعفاء، اتجه إلى رعى الأغنام، وهو عمل فيه ثلاث مزايا:

إحداها: أن فيه سياسة لحيوان ضعيف يقتضى عطفا ورفقا فى سياسته.

والثانية: أنه يعاشر فيه الضعفاء من الغلمان الذين ليس فيهم استعلاء أهل الجاهلية الأولى الذين كانوا يستعلون بشرفهم.

والثالثة: أن فيه كسبا ماديا من عمل اليد، وأفضل الكسب ما كان عمل اليد.

وإنه كان يرعى الغنم فى بنى سعد، مع إخوته من الرضاعة أولاد حليمة، فكان يلهو معهم بذلك الرعى فى اخر أيام رضاعته، وأولى سنى حضانته، فكان لهوا مفيدا، وخير اللهو ما كان فيه مصلحة، وفائدة، وكان بلا شك ذلك النوع أجره فيه، إذ أنه لهو، وأجرته هى متعة اللهو الحلال المفيد.

وثبت أنه رعى الغنم فى مكة، وقد كان فى سن شب فيها عن الطوق كما أشرنا، وقد اتجه إليه غير لاه به، ولكنه عامل فيه ليكتسب حلالا، ويأكل طيبا.

ولقد ثبت فى الصحاح أنه كان يرعى الغنم فى مكة على قراريط، يأخذها من أهلها، والقراريط، هى حصته من اللبن فيما يظهر، فهو يرعاها على أن يكون له حصته من لبنها يناله، ولعله كان يتغذى بها مع أولاد أبى طالب، أو يأكل منها، ويتصدق، فينال خيرين: خير الكفاية، وخير الصدقة أو المودة.

ويظهر أن رعاية الغنم من تربية الله للنبيين، إذ تعودهم على الرفق، والعطف على الضعفاء، وحسن قيادة النافر، وتأليفه وتقريبه، وإدنائه من قطيعه.

ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فيما ذكره ابن إسحاق بسنده: ما من نبى إلا وقد رعى الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله! فقال نبى الرحمة: وأنا.

وقد روى فى بعض الأخبار أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «بعث موسى عليه السلام وهو راعى غنم، وبعث داود عليه السلام وهو راعى غنم، وبعثت وأنا راعى غنم» .

وجاء فى الروض الأنف فى تعليل ذلك: «وإنما جعل الله تعالى هذا فى الأنبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أمتهم رعاية لهم، وقد رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ينزع عن قليب، وحوله غنم سود، وغنم عفر، قال ثم جاء أبو بكر رضى الله تعالى عنه فنزع نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر، فاستحالت غربا، يعنى الدلو، فلم أر عبقريا يفرى فريه» فأولها الناس بالخلافة لأبى بكر وعمر رضى الله عنهما، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عنهما «1» .

وإن هذه الرؤيا الصادقة أو مأت إلى الرعية، بأنها كالغنم العفر، للإشارة إلى أن الرعية يسوسها حاكمها بالرفق والعطف، والتوجيه من طلب الغذاء لها من غير إعنات، ينقلها من الخير إلى الخير من غير إرهاق ولا إكراه، ولا إيذاء، كما ينقل الراعى قطيعه من كلأ إلى كلأ، ومن ماء إلى ماء بالترغيب والتحبيب لا بالإيذاء والترهيب.

,

إلى التجارة

100- اشتهرت قريش بين العرب بالتجارة، فكان سراتها تجارا، ذلك أنها لم تكن بلد زرع، بل كانت بواد غير ذى زرع ولم يكن فى العرب صناعة تكون موردا اقتصاديا، لأنها كانت مثابة أمن للناس بوجود البيت الحرام، فكان حجاح ذلك البيت يجيئون من كل فج عميق، وكانت الأسواق تقام فى الحج، كان فيها الاتجار، وفيها تعقد ندوات الشعر، والمسابقات البيانية، فكان مع تبادل البضائع تروج بضاعة البيان.

وكان كسب أغنياء قريش من التجارة، وأوساطهم فى المال كانوا يتجرون كل على حسب طاقته، وعلى حسب ما عنده من المال، وكبار التجار منهم كالعباس بن عبد المطلب، والوليد بن المغيرة وأبى بكر، كانوا يتجرون فى الجلب من اليمن والشام.

وكانوا ينقلون بضائع الفرس إلى الرومان عن طريق اليمن، وبضائع الرومان إلى الفرس عن طريق الشام، فكانت لهم رحلتان: إحداهما فى الصيف يذهبون فيها إلى الشام يجلبون إليها بضائع الفرس، ويحملون فيها بضائع الرومان، والاخرى فى الشتاء يحملون منها بضائع الفرس ويحملون إليها بضائع الرومان، فكانت التجارة الخارجية سبيل ثروة كبارهم، والتجارة الداخلية مرتزق أوساطهم، وأما فقراؤهم فكان مرتزقهم من النعم الإبل والبقر والغنم.

ولذلك كان من مقتضى هذه الحياة التجارية أن يتجه محمد عليه الصلاة والسلام إلى التجارة، عمل الأغنياء ومرتزق الأوساط، وما من المعقول أن يستمر راعى أغنام، فإنها تناسبه وهو صغير السن، أما إذا كبر، فإنه لابد أن يتجه إلى التجارة الداخلية والخارجية، وأن يعرف الأسواق التى يكون منها الاستيراد، ويكون عن طريقها التصدير، ولابد حينئذ من أن يسافر، وقد ألهمه الله تعالى أن يطلب السفر مع قافلة قريش التى تحمل البضائع إلى الشام، وتجلب منها.

,

سفره مع عمه

101- عندما بلغ سن المراهقة وشب عن الطوق كان لابد أن يتجه إلى مرتزق قومه وهو التجارة كما نوهنا من قبل، وجد القافلة وفيها كافله وولى نفسه، عمه أبو طالب، فابتغى أن يكون مع هذه القافلة، يسير بسيرها، ويجرب الحياة عن طريقها، ويدرس شئون التجارة التى يمارسها كبار التجار بمكة، ويتعرف الأحوال، ويكون على خبرة بالحياة وما يجرى فيها.

ويظهر أن عمه كان يستصغر سنه، ويرى أن تلك الرحلة الشاقة فوق طاقته، فوق أنه لا منفعة له فيها، إذ ليس فى القافلة مال له، حتى يتعرف حاله.

ولكن شدة رغبة النبى عليه الصلاة والسلام جعلته يستجيب لطلبه ولقد عبرت كتب السيرة عن رغبة محمد عليه الصلاة والسلام بقولها «صب به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- أى تعلق بالسفر- وأحب الصحبة فرق له أبو طالب وقال «لاخرجن به معى ولا يفارقنى، ولا أفارقه أبدا» .

ونقف هنا وقفة قصيرة، لماذا كان التعلق الشديد بذلك السفر؟ قد بينا ما فيه الجواب عن ذلك، وهو تعرفه التجارة وشئونها معرفة عيان لا معرفة إخبار، وأن يمهد لنفسه ممارستها، والاتجاه إليها بدل الاقتصار على رعى الغنم.

أما امتناع أبى طالب ابتداء كما يوهم القول، فسببه الخشية عليه من وعثاء الطريق، ولخشية الضيعة، ولذا عندما نزل على إرادته قال «لا يفارقنى ولا أفارقه» .

خرج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مع عمه للتجارة بالشام، فحلت القافلة بأرض مدينة بصرى، وبصرى كانت موطنا لصوامع الرهبان، يقيمون بها، منصرفين إلى عبادتهم، وتعرف الإنجيل والتوراة، وما يحتويان، فكان لهم مع الرهبنة والزهادة علم بالكتاب وإشارته، وتبشيراته.


ملف pdf

كلمات دليلية: