بنيان الكعبة وقضية التحكيم من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

بنيان الكعبة وقضية التحكيم من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

إعادة بناء الكعبة

120- ما من أمر جامع فيه خير فى ذاته، وللناس كافة، إلا اشتراك فيه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بفضل من المال والعمل، وإن قريشا، بل العرب أجمعون كان يربطهم رباط لا يهى ولا ينقطع، لأنه يتجدد انا بعد ان، وهو يتكون من عنصرين: أحدهما الكعبة المكرمة التى بناها أبو الأنبياء الخليل إبراهيم صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى أول بيت وضع للناس، والحج إليها، وإقامة المناسك فيها.

ثانيهما- اعتقادهم أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض، وقد كانوا حريصين على تلك الرابطة، لا يتركونها، ولا يقطعونها، وخصوصا قريشا، إذ وجدوا فيه عزهم الذى يعتزون، وشرفهم الذى يتنافرون به أمام العرب جميعا، ويجعل لهم سيادة وحكما، وحسبهم أن العرب يتقاتلون إلا فى أرضهم، فإذا جاؤا إليهم كانوا فى حرم امن، كما من الله سبحانه وتعالى عليهم، فقال تعالت كلماته: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ «1» .

وقد أصاب الوهن بناء الكعبة المشرفة، فأرادت قريش أن تجدد بناءها، وكان ذلك بعد عشر سنين من تزوج محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أم المؤمنين خديجة رضى الله تعالى عنها وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد بلغ الخامسة والثلاثين، رجلا سويا.

ولم يكن قبل تزوجه كما توهم بعض الرواة من غير سند صحيح.

وبذلك كان بناء الكعبة المشرفة قبل مبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخمس سنين إذ أن البعث كان فى الأربعين، وتجديد البناء كان فى الخامسة والثلاثين من عمره الشريف.

__________

(1) سورة العنكبوت: 67.

وكان التجديد ليكون على ما بناه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإن قريشا أخذت لهذا البناء أهبته، واتفقت على ألا يكون البناء إلا من مال طيب لا خبث فيه، وأن يكون العمل بنية طيبة خالصة.

وقد قال فى ذلك ابن كثير: «كانت الكعبة المشرفة حرزهم ومنعتهم من الناس، وشرفا لهم» لذلك أرادوا بناءها لما خشوا عليها من التهدم، وقد قال أحد كبراء بنى مخزوم، عندما هموا ببنائها:

«يا معشر قريش لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغى، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس» «1» .

121- هذا السياق يدل على مدى تأثرهم بالكعبة المكرمة وتعظيمهم لها، ومكانتها عندهم، ويدل أيضا على أن الكعبة الشريفة واتصالها بالخليل إبراهيم جعلت حبلهم موصولا به، وأوجد ذلك فيهم نوعا من الوجدان الحى، كان هو النبت الذى صار زرع الإيمان والتوحيد من بعد ذلك.

وإن ذلك يستدعينا أن نرجع إلى الخليل إبراهيم لنرى كيف كان البناء الأول للبيت، ثم تنزل من بعد ذلك إلى ما كان من بعد.

إن إبراهيم أول من بنى البيت، ولا يذكر التاريخ الراجح الصدق ما يشير إلى أنها قد بنيت من قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد قال فى ذلك ابن كثير رضى الله عنه:

«لم يجيء فى خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام، ومن تمسك بهذا بقوله تعالى «مكان البيت» ، فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر له فى علم الله المقرر فى قدره المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن ادم إلى زمان إبراهيم ... » .

ثم يقول عما قيل من أن ادم عندما نزل إلى الأرض نصب قبته فيها، وأن الملائكة قد قالوا: طفنا قبلك بهذا البيت، وأن سفينة نوح طافت به أربعين يوما: «ولكن كل هذه الأخبار عن بنى إسرائيل، وقد قررنا أنها لا تصدق، ولا تكذب» وينتهى من هذا ابن كثير إلى أن التاريخ الإسلامى لا يعرف بانيا للكعبة قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإننا نقف حيث وقف ولا نسير وراء أوهام أو أساطير لم يوجد من التاريخ الصادق ما يوثقها، ولا من الكتب الدينية الثابتة الصحيحة ما يؤيدها، فلا نهيم فى ظنون وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً «2» .

__________

(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 2 ص 301.

(2) سورة النجم: 28.

وقد بينّا أن البقعة فى ذاتها قبل البناء عليها كانت معروفة فى التواريخ القديمة، وقد أكد هذا المعنى ابن كثير، فقال إن بقعة البيت الحرام كانت معظمة من قبل بناء إبراهيم، فقال: «وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها، مشرفة فى سائر الأعصار والأوقات» .

وإن ذلك كلام حق إذ أن نص القران الكريم يوميء إلى أن البيت كان له مكان مقدر قبل أن يبنيه خليل الله تعالى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، وقد قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ «1» فكلمة بوأنا توميء إلى ان الله تعالى قدر لهذا البيت مكانا من قبل، وهدى إليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

وإننا إذ انتهينا إلى ما قرره ابن كثير وغيره من أن مكان البيت كان معتنى به، وكان معظما ومشرفا، قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإنا قد نحسب أن تكون بناية قد أقيمت حوله للعناية به، ولحفظه من أن يضيع فى غيره، ولكن من هم الذين بنوه، وما مدى ما فعلوا؟ إن ذلك هو المسكوت عنه، والبحث عنه من غير وسائل معرفة من كتاب معصوم، أو تاريخ وثيق، رجم بالغيب وتظنن فى غير مظنة.

ولعل فضول العلم تجعلنا نتساءل أيهما بنى أولا، البيت الحرام أم المسجد الأقصي، فنجيب أنه من المؤكد أن البيت الحرام الذى بناه هو إبراهيم، وقيل إن الذى بنى بيت المقدس هو يعقوب حفيد إبراهيم، وقيل بنى من بعد ذلك، وقد ثبت فى الصحيحين عن أبى ذر: قلت: يا رسول الله، أى مسجد وضع أول: قال المسجد الحرام، قلت: ثم أى؟ قال: المسجد الأقصى» .

ولابد أن نتصور أنه بعد أن بناه إبراهيم خليل الله تعالي، قد جرت فيه إصلاحات كثيرة، فما كان بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليستمر قائما غير قابل للتهدم أكثر من ألفى سنة، فلم يكن كالأهرام بناه فرعون الذى اغتصب كل القوى فى بنائه، ولكن بناه إبراهيم الخليل هو وابنه الذبيح من غير أن يجرى فيه غصب حجر أو مدر أو وبر، أو قوة أى إنسان.

__________

(1) سورة الحج: 26.

,

بناء قريش

122- اتجهت قريش بعزمة ماضية، وإن شئت فقل مخلصة طاهرة، إلى بناء البيت بجهود أبنائها، وأموالهم الطيبة التى لا خبث فيها، فليس فيها ثمن دم مغصوب، ولا ربا، ولا مهر بغى، ودخلوا غير متنازعين، ولا متخاصمين، ولا متخاذلين، أعدوا لذلك العمل الخطير فى معناه، وإن لم يكن البناء كبيرا فى ذاته بين الأبنية التى كانت تجرى فى إرم ذات العماد، وفرعون ذى الأوتاد، ولكنها أقدس ما بنى البشر، وما أقام أهل الحضر والمدر والوبر، لأنها الكعبة، أول بيت وضع للناس مباركا.

تقدموا للهدم ثم البناء، ويظهر أن قدم العهد بالبناء والأحجار، قد جعل بعض الهوام يعيش على مقربة منه، فقد زعموا أنهم قد رأوا حية قد أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها، فأشفقوا منها إشفاقا شديدا وخشوا أن يكونوا قد وقعوا منها فى هلكة، ووقفوا حيارى لا يقدمون، فلما سقط فى أيديهم، والتبس عليهم الأمر، حسبوا أن يكون ذلك لتأثمهم عند البناء بإثم، أو ليس فى مالهم طهر، أو فى العمل الذى أعدوه خبث، أو أن فى النفوس شيئا، عندئذ وقف المغيرة المخزومى، ينصح لهم بعدم التحاسد والتشاجر، وأن يقتسموا، ثم جددوا العزيمة. وقد جاء فى تاريخ الحافظ ابن كثير أنهم لما عزموا ذهبت الحية، وتغيبت عنهم، ورأوا أن ذلك من الله عز وجل.

وإن خبر الحية إن صح نقول إما أن تكون قد ركنت إلى بعض أحجار الكعبة، ويصح أن المولى جل جلاله سيرها إليهم لا من السماء، ولكن من مكان اخر، ليفزعوا، ولتتطهر قلوبهم من رجس الجاهلية عند بنائها، فهى بيت الله الذى بناه بأمر نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلابد أن يا بنى بأطهار على الأقل فى ساعة بنائه، وقد قاموا بتطهير أنفسهم، وتطهير أموالهم، وتولوا بأنفسهم إقامة البناء.

«اقتسموا البناء أرباعا، فكان الربع الأول الذى فيه شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وبنو مخزوم لهم ما بين الركن الأسود والركن اليمانى، ومعهم بطون من قريش إنضموا إليهم، وظهر الكعبة لبنى جمح وسهم، وكان شق الحجر لبنى عبد الدار بن قصى وبنى أسد بن عبد العزى وبنى عدى، وهو الحطيم» «1» .

وبعد أن قسموا هذا التقسيم، وارتضته القلوب كان يجب أن يبتدئ العمل بالهدم أولا، ثم البناء ثانيا، ولكن لهيبة الكعبة فى نفوسهم، ولعجزهم عن أن يعرفوا أهذه إرادة الله رب البيت وحاميه، أم هى أهواؤهم الدافعة إلى أن يفعلوا- هابوا أن يهدموا. عند هذا التردد والتلكؤ تقدم الوليد المخزومى، وحمل

__________

(1) البداية والنهاية ج 3 ص 303.

المعول، وقال: أتقدمكم، وهو يقول: اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية من الركنين (الركن الأسود والركن اليمانى) وهما حصة بنى مخزوم، ومع ذلك لم يتقدم كل ذى حصة من حصته ليهدمها.

أصبح الوليد معتزما من غداته متمما ما بدأ بمعوله، فأخذ يهدم الناس معه، كل يهدم ما فى حصته، وأخذوا يهدمون، حتى رأوا أساس البناء الذى وضعه خليل الله عليه الصلاة والسلام.

ومن مقتضى الفطرة التى لم يأت بها رسول أن تجرى أوهام كثيرة، وأن تروى أخبار حول هذه الأوهام، وإنا نضرب عن كل ذلك صفحا.

123- وإنهم قد أخذوا من بعد ذلك فى إقامته، ويظهر أنه قد عاونهم فى الرسم والبناء رجل قبطى اسمه باقوم، فهو الذى وضع هندسة البناء، وكان مولى لبنى أمية.

وقد قام كل فريق بحصته فى البناء، وقد اشترك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان زميلا فى العمل لعمه العباس بن عبد المطلب، وقد روى الشيخان (البخارى ومسلم) فى ذلك عن جابر أنه لما بنيت ذهب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض، وطمحت عينه إلى السماء، ثم أفاق، فقال إزارى إزارى، فشد عليه إزاره، فما رؤى بعد ذلك عريانا» .

هذا حديث صحيح، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سقناه لبيان أن محمدا عليه الصلاة والسلام اشترك فى أشرف عمل قامت له قريش، وهو فى شرخ الشباب، وحمل الحجارة، وأنه لم يأخذه الترف قط، وأنه لم يفكه فى نعيم المال، فكانت حياته حياة الأقوياء، وإن الخبر يدل على أن الله تعالى كان يرعاه، وقد رباه على عينه، فلما أخذ بنصيحة عمه العباس، ووضع بعض ثوبه على رقبته انكشف بعض عورته، فطمحت عينه إلى السماء وأصابته غشية اتصال بالملأ الأعلى، وسترت عورته، فقد كان فى حراسة الله سبحانه وتعالى، وحياطته.

ولا نرد الخبر لما فيه من غرابة، فقد رواه الشيخان البخارى ومسلم بسند صحيح، وما يروى بسند صحيح لا يرد لمجرد غرابته على الحس والأسباب والمسببات، إنما يرد لوجود دليل يثبت أن ذلك مستحيل، والأمر فى قدرة الله سبحانه وتعالى خالق الأسباب والمسببات، ومانح كل ما فى الوجود نعمة الوجود.

لقد أتموا بناء البيت الحرام، وكان ارتفاعه الذى بنوه ثمانية عشر ذراعا وأخرجوا منه الحجر، وهو ستة أذرع، أو سبعة من ناحية الشام، لأنهم قد قصرت نفقتهم، فلم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم.

وقد يسأل سائل، إن المفروض أن قريشا كانوا من أغنياء العرب، وبجوارهم ثقيف، وهم أغنياء، وكان ممكن أن يعلنوا اكتتابا عاما يجمعون به ما يريدون، فكيف تقصر بهم النفقة عن البناء.

والجواب عن ذلك أنهم لم يشركوا العرب فى بنائهم ليبقى لهم الاختصاص بسدانته وبشرفه، وبإنشائه، وفوق ذلك هم أرادوا ألا ينفقوا منه إلا بمال مكسوب من طيب حلال، وليس بمكسوب مما يجرى فيه كسب خبيث أو فيه شبهة خبث قط، ويظهر أن الطيب من المال عندهم لم يكن كثيرا، إذ كثر فيهم الربا والميسر، ومن الصعب إخراج الطيب، من بين هذا كله.

ولقد جعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق، ويقول ابن كثير: جعلوه مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد، فيدخلوا من شاؤا، ويمنعوا من شاؤا.

وإن النبى عليه الصلاة والسلام كان يريد أن يعيد البيت إلى ما كان على بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لولا أنه يخشى عليه كثرة الهدم والبناء، فقد ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضى الله تبارك وتعالى عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لها: «ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة، ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابا شرقيا، وبابا غربيا وأدخلت فيها الحجر» .

124- تم بناء البيت الحرام، ولم يختلفوا فى شيء عند إقامته، لأن كل قسم منه اختصت به بطن من بطون قريش، ولكن أمرا لا يقبل القسمة اختلفوا فيه، وهو الحجر الأسود، اختلفوا فيمن الذى يضعه فى موضعه من هذه البنية.

تجادلوا فيمن يضعه، وتخالفوا، وكان الخلاف شديدا، وكادت الدماء تسيل لتلغ فيها السيوف، أراد بنو عبد الدار أن يضعوه، بما أعطاهم من قبل قصى من سدانة البيت، وقربوا جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب بن لؤى على الموت وأدخلوا أيديهم فى الدم المملوءة به الجفنة.

ومكثت قريش على تلك الحال التى تأزمت حلقاتها أربع ليال سويا.

ثم اجتمعوا بعدها فى المسجد الحرام، وتشاوروا فى هدأة، وأخفيت جفان الدم أو جفان الموت، وتناصفوا فى القول، وأخفوا نوازع الشر، أو استلوها من الأضغان، وأن القصد الطيب يكف فى كثير من الأحيان نوازع الشر، فيفتح فى وسط الخصام، نورا من الوئام، وقد كانت الجلسة الهادئة سبيل ذلك، ببركة بيت الله الحرام.

لقد وقف أسن قريش يدعوهم إلى السلام وإنهاء الخصام، فقال:

«يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم: فارتضوا ذلك، وعلموا أنه توفيق الله تعالى عندما ظهر أول داخل، فإذا هو محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال كبيرهم: هذا الأمين رضينا به حكما.

وكان محمد صلى الله تعالى وسلم يسمى الأمين، وقد اختص بهذا الاسم، بحيث اذا أطلق لا ينصرف إلا إليه، وقد أشرنا إلى ذلك، وكلما مضى فى عمره الكريم زادوا استيثاقا من أمانته وصدقه وحكمته وعدالته.

لذلك طابت نفوسهم جميعا عندما علموا أنه سيكون الحكم بينهم الذى يرد القضب إلى أجفانها.

انتهى إليهم وأخبروه الخبر، فطابت نفسه وقرت عينه، إذ قرت به القلوب المضطربة وقال: هلم إلى ثوبا فأتى به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى اذا بلغوا موضعه، وضعه بيده الشريفة، ثم بنى عليه» «1» .

هذه حكمة بالغة، انحل بها الخلاف، وانتهى إلى وفاق من أن تمشق السيوف، ويستعدوا للحتوف، وهكذا كانت النفحة المباركة من محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وقد بدت بوادر النبوة، وظهرت إرهاصاتها.

125- قامت الكعبة الشريفة متجهة إلى السماء، واستمرت على ذلك فى عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يود أن يعيدها عليه الصلاة والسلام إلى ما كانت عليه فى عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولكنه قدر أن قريشا قريبو عهد بكفر، فلم يزعجهم.

وبعد عصر الراشدين، ثم عهد معاوية، ثم جاء عهد يزيد بن معاوية، وخرج عليه الخارجون من أهل الإيمان، وكان ممن خرج عليه عبد الله بن الزبير، وقد قوى أمره بعد أن قتل الإمام الحسين بن على، تلك القتلة الفاجرة، وقد بايع الكثيرون ابن الزبير.

ثم تجرد له عبد الملك بن مروان، وكانت المغالبة، وحوصرت مكة التى كان بها ابن الزبير، ورميت الكعبة بالمنجنيق، وتهدمت، فاتجه ابن الزبير إلى إقامتها على قواعد إبراهيم، فأعاد طولها، وأدخل من الحجر الأذرع التى كانت قد نقصت منها لضيق المال الحلال الذى كان بيد قريش، وجعل لها بابا اخر، وكان قد سمع عن طريق خالته أم المؤمنين التى روت حديث النبى عليه الصلاة والسلام الذى ذكرناه انفا.

__________

(1) سيرة ابن هشام.

لم يستمر الأمر لابن الزبير، بل قتل، واستمكن الأمر للحجاج بن يوسف الثقفى المسلط من قبل عبد الملك، فشاور عبد الملك فى الأمر الذى غيره عبد الله بن الزبير فى بناء الكعبة، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم فكتب إليه: «أما ما زاده طولا، فأقره، وأما ما فى الحجر، فرده إلى بنائه، وسد بابه الذى فتحه، ففعل ذلك، ويروى أن عبد الملك ندم على ما أذن، ولعن الحجاج.

ولقد فكر المهدى فى أن يعيد البناء على قواعد إبراهيم فناشده الإمام مالك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فترك الأمر.


تحميل : بنيان الكعبة وقضية التحكيم من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: