بدء الدعوة سرًّا من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

بدء الدعوة سرًّا من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين

«1»

216- دخل عدد من كبار قريش الإسلام، وإن كان قليلا، ولكن تسامع الناس بالدعوة المحمدية التى جاءت برسالة إلهية، حتى كان علمها قد سرى سريان النور إلى داخل البيوت، حتى قيل ما من بيت من بيوت قريش إلا علم بالإسلام ودعوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وأنه يخاطب من السماء، فالأخبار فى خفاء وقد تعلم، وإن لم يكن دعا إليها، ولم يحرك ذلك عنادا، ولا خصاما ونزالا، لأنها ما أصابت اهتماما إلا ممن كان لهم صفاء نفسى لم يعكره تعصب، أو لجاجة فى عناد، فكان الأمر بين متبع وإن كان عدده قليلا، وغير مهتم، وإن كان كانوا الأكثرين.

وفى هذه الأثناء دخل الضعفاء، وهم دائما نفوسهم أصفى وأكثر إنصافا، وإدراكا، لأنهم يحسون بالظلم، ويرجون التغيير، فإذا جاء نور يكونون أول من يعشو إليه، ويذهب فى استجابة ضارعة، مع رجاء الإنقاذ ولو فى المال، فما كانت حالهم صالحة لأن تبقى، ولا يمكن أن يرضى الحق بقاءها، لأن حالهم شقاء ولا يزيدهم إذا كان الخير مرجوا، وتغيير الباطل مأمولا، فصادق يفتح باب الأمل ويغلق باب اليأس، يكون فى رجاء التغيير سلوان وإن كانت الحال مؤلمة أسيفة.

لذلك دخل الضعفاء والعبيد فى الإسلام أمثال عمار بن ياسر وأبيه وأمه وخباب بن الأرت، وبلال الحبشى وغيرهم كثير، والدعوة بينهم، يستطيبون سماعها، ويصدقون الاستجابة لها ويستعذبون كل عذاب فى سبيلها.

وكانت الاستجابة للدعوة لا تعتمد على معجزة ولا دليل يتحدى به، بل يرون الحق سائغا، وهو يدعو إلى نفسه وما نزل من القران الكريم يستجيبون له، لأنهم يرونه الحق الواضح، وفى الداعى وهو محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين، وإنما يقدم الدليل للمرتاب، ويوضح إذا كان الحق يحتاج إلى مقدمات ونتائج، فإن النبى هو الأمين، وإن الذى يسمعون هو القران الكريم، وإن الذين استجابوا من الكبراء هم فضلاء الجماعة وأمناؤها.

__________

(1) سورة الشعراء: 14، 15.

والدعوة تسرى سريان الماء العذب فى خفاء العشب الأخضر والزهر الأنضر، ولكن لابد أن تستعلن ليعلمها القريب، وتكشف فى وضح النهار المشرق، ويسرى علمها، فالخفاء مهما يكن لا يخلو من إبهام.

ولذلك لما سرت الدعوة المختفية المتربية فى خلية نمائها، طلب الله تعالى إلى رسوله أن يعلنها، فقال امرا له وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «1» .

تقدم النبى محمد عليه الصلاة والسلام وجمع بنى هاشم وبنى عبد مناف، وغيرهم من بطون قريش، جمعهم فى الصفا، وقال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا، ثم ساق لهم ما يدعوهم إليه، ولنترك الكلمة لرواية البخارى فى صحيحه عن ابن عباس رضى الله عنهما، فقد قال: لما نزلت الايات وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.

وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ صعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادى، يا بنى فهر، يا بنى عدى، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الذى لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا، لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا. قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزل قوله تعالى:

تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. وهذا يدل على أن كبير المعارضة فى تلك الدعوة المباركة هو أبو لهب عم النبى عليه الصلاة والسلام، لكيلا يعلم الناس أنها عصبية أسرة أو بطن من قبيلة، إنما هى رسالة الله تعالى إلى خلقه.

وروى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه قوله تعالى:

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.. الايات وقف وقال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بنى عبد المطلب لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سلينى ما شئت من مال، لا أغنى عنك من الله شيئا. وهذا الحديث مخرج على شرط البخارى، وروى مثله الإمام أحمد فى مسنده.

217- ولقد جاء فى التاريخ الكبير لابن الأثير: لما أنزل الله تعالى على رسوله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ اشتد ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضاق ذرعا، فجلس فى بيته كالمريض،

__________

(1) سورة الشعراء: 214- 217.

فأتته عماته يعدنه، فقال: ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى، فقلن له: فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك.

فدعاهم ومعهم نفر من بنى المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين.

فبادرهم أبو لهب فقال: هؤلاء عمومتك، وبنو عمك، فتكلم ودع الصبأة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك فحبسك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بنى أبيه بشر مما جئتهم به.

فسكت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يتكلم فى هذا المجلس، وإن هذا من حكمة البيان، فقد بادر أبو لهب بخلق جو عنيف من الاعتراض الشديد، والإنذار والوعيد، وبذلك يشجع كل معارض، ولو كان فى الأصل مترددا، فزال التردد إلى حال معترضة، ولذا أجل قوله إلى مجلس اخر، حتى يزول غبار الاعتراض الذى أثاره أبو لهب.

ويقول ابن الاثير: دعاهم مرة ثانية، ووقف فقال:

«الحمد لله أحمده وأستعينه، وأثق به، وأتوكل عليه، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له» ثم قال: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذى لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا» .

وفى هذه المرة لم يبادر أبو لهب، بل بادر أبو طالب حبيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإن لم يتبع، فقال غير موافق، ولكن يعاون، وغير متبع ولكن من غير معاداة.

قال أبو طالب: «ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقا لحديثك!!، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أنى أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال أحوطك وأنفعك، غير أن نفسى لا تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب.

ولم يسكت أبو لهب، (والباطل لجوج دائما) بل قال: هذه والله السوءة خذوا على يديه قبل أن يأخذه غيركم.

فقال أبو طالب (مصرا) : والله لنمنعنه ما بقينا.


ملف pdf

كلمات دليلية: