الهجرة الأولى إلى الحبشة من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

الهجرة الأولى إلى الحبشة من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

الهجرة إلى الحبشة

259- عدد الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وتابعوه فى الصبر على الأذى يزيد ويكثر، ولم يقتصر على الضعفاء. بل دخل فيهم أشراف من مكة المكرمة، وبتزايد العدد يتزايد الاضطهاد ويكثر ويتنوع. فمن إيذاء بالأيدى والسياط، والإلقاء فى الرمضاء فى الحرور، ومن أفعال لا تصدر إلا عن السفهاء الأنذال. كما فعل أبو جهل مع النبى عليه الصلاة والسلام وغيره، ومن استهزاء وسخرية، ومن منع من العبادة. ويجدون فى ذوى الكرامات مرتعا خصيبا للنيل من كراماتهم.

أصبح الإيذاء عاما ولا مناص من التخلص منه، وهم بمكة المكرمة وما حولها فلابد من الهجرة، وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً «1» وإلى أى أرض يهاجرون.

لابد من أرض تتوافر فيها الحرية، وتكون بعيدة عن سطوة مكة ومن فيها قريش. ولهم مكانة فى القبائل، وتكون تحت سلطان حاكم فيه طيبة لا يؤذى ولا يمكن أحدا من الإيذاء. حتى يكونوا فى بعد عن الاضطهاد واحتماله.

وذلك فى أرض الحبشة. فهى بعيدة عن سطوة قريش. وهى لا تدين لقريش بالاتباع كغيرها من قبائل. وفيها حاكم طيب عرف بذلك واشتهر، فأشار النبى عليه الصلاة والسلام بالهجرة إليه. وقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه وقد رأى البلاء ينزل بهم. وهو لا يقدر على منعه عنهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» .

كانت أول زمرة من الهجرة إلى الحبشة فى السنة الخامسة من مبعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

ولا شك أن الهجرة لها ثمرة أخرى غير دفع الأذى، والاعتصام منه ومنع الفتنة التى أرهقوا بها عسرا، وهذه الثمرة هى التعريف بالإسلام، وبالمباديء الإسلامية، فقد وقف جعفر بن أبى طالب

__________

(1) سورة النساء: 100.

المتحدث باسم المهاجرين أمام النجاشى يبين الحقائق الإسلامية، وما يدعو إليه دين الواحدانية من صلة الأرحام، والحث على مكارم الأخلاق، وما يمنعه من فساد الجاهلية والعصبية المغرقة. وقد نقلنا ذلك من قبل.

وهناك ثمرة أخرى أن الهجرة إلى الحبشة تعرف النصارى بالإسلام، وما قاله فى عيسى عليه السلام. فهى تزرع الإسلام فى أرض غير أرض مكة وتباينها، كما أن الهجرة من بعد ذلك إلى المدينة كان فيها تعريف اليهود بالإسلام ودعوتهم إليه. فأسلم من أسلم وكفر وقاوم وعاند من كفر: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «1» .

وقد هاجروا زمرا، وكان فى أول زمرة عثمان بن عفان ومعه رقية بنت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والتى تزوجها ذو النورين عثمان بن عفان بعد أن تركها وأختها ابنا أبى لهب اللعين، وكانت عدة الزمرة الأولى نحو عشرة من الرجال والنساء. ثم توالت الهجرة بعد ذلك.

ويقول ابن إسحاق: كان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا، أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين» «2» .

وقد ناقش هذا الرقم ابن كثير، وانتهى إلى أن الشك فى كون الزائد عن الثمانين ثلاثة وروى عن الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه قال: «بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نبلغ نحوا من ثمانين» «3» .

260- وأبو بكر لم يكن من الذين هاجروا، ولكن قدر الله تعالى شرف الهجرة فى صحبة أكرم خلق الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه كما روى ابن إسحاق والبخارى عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت «حين ضاقت عليه (أبى بكر) مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى تظاهر قريش على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الهجرة فأذن له، فخرج رضى الله تعالى عنه مهاجرا إلى الحبشة، حتى إذا سار من مكة يوما- أو يومين- لقيه ابن الدغنة أخو بنى الحارث بن أبى بكر، وهو سيد الأحابيش، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى، واذونى وضيقوا على. قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فإنك فى جوارى. فرجع معه، حتى إذا دخل

__________

(1) سورة الإسراء: 16

(2) البداية والنهاية ج 3 ص 69.

(3) روى هذا الخبر البخارى فى صحيحه.

مكة قام معه ابن الدغنة، فقال: يا معشر قريش إنى قد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير، فكفوا عنه.

أقام أبو بكر فى منزله، وكان له مسجد عند باب داره فكان يصلى فيه، وكان رقيقا، إذا قرأ القران استبكى، فيقف عليه الصبيان، والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيبته، فيمشى رجال قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وله هيبة، ونحن نتخوف منه على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم فأته فمره بأن يدخل بيته فليصنع ما شاء، فمشى ابن الدغنة إليه، فقال يا أبا بكر إنى لم أجرك لتؤذى قومك، وقد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة. فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى، فشأنكم بصاحبكم» «1» .

رضى أبو بكر بالبقاء فى العذاب أو الإيذاء، وهو يصلى مجاهرا بصلاته أمام داره، أو فى فنائها غير معتمد إلا على الله تعالى، ورضى بأن يكون قريبا من النبى متعرضا لما يتعرض له عليه الصلاة والسلام، مطمئنا إلى الأذى راضيا بذلك الجوار الكريم.

,

متابعة الأولياء ومتابعة الأعداء:

261- سافر أولئك المهاجرون إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم من أن يفتنوا فيه، وفرارا بأنفسهم من المهانة والاستهزاء والسخرية، فوجدوا حاكما طيبا، أكرم مثواهم، وتركهم فى أرضه أحرارا مطمئنين، ولقد رق أبو طالب لفراق ابنه جعفر، وما نزل بالمسلمين من أبناء مكة حتى فروا فأرسل إلى النجاشى يوصيه بهم.

والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل إليه كتابا يشير فيه إلى البر بهم ويأمر بالإسلام معا، وهذا نص كتابه عليه الصلاة والسلام كما جاء فى رواية البيهقى.

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشى الأصحم ملك الحبشة:

«سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح «2» الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخته، كما خلق ادم بيده ونفخه.

__________

(1) روى هذا الخبر النحاس في صحيحة.

(2) كان خلقه بنفخة من روح القدس جبريل، وولد بكلمته.

وإنى أدعوك إلى الله واحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى فتؤمن بى وبالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤك فأقرهم، ودع التجبر، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحته والسلام على من اتبع الهدى» .

هذا كتاب فيه متابعة لأمرين:

أولهما- أنه يدعو إلى الإسلام، فهو يتابع دعوته حيث تجد المناسبة والرجل المناسب، وقد وجد فيه قلبا مفتوحا يدخل فيه الحق مزدلفا، لأن العادل يستمع إلى الحق، وهو يكون ممن يستمعون إلى الحق فيتبعون أحسنه، وقد استجاب لدعائه، وامن بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وقد أجاب دعوة النبى عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام وكتب إليه عليه الصلاة والسلام يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من النجاشى الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبى الله من الله، ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذى هدانى إلى الإسلام فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى عليه السلام ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صدقا ومصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وأرسلت إليك بأريحا بن الأصحم ابن أبجر، فإنى لا أملك إلا نفسى، وإن شئت أن اتيك فعلت يا رسول الله، فإنى أشهد أن ما تقول حق» .

ونرى من هذا أنه أرسل ابنه فى وفد من الحبشة للالتقاء بالنبى عليه الصلاة والسلام، وبيان الخضوع لطاعة الله ورسوله.

الأمر الثانى- هو متابعته العطف على الذين هاجروا، فقد دعاه عليه الصلاة والسلام إلى الإحسان إليهم فى إقامتهم وألا يرهقهم بتجبر ذوى السلطان.

وإنه لفرط محبته عليه الصلاة والسلام للذين هاجروا، ولإحساسه بوجوب الوفاء، وشكر من يستحق الثناء، والمقابلة الحسنة بمثلها على الأقل فإن النبى عليه الصلاة والسلام عندما جاء الوفد الذى بعثه، كان عليه الصلاة والسلام يقوم بخدمته بنفسه، فقد روى البيهقى بسنده عن أبى أمامة قال: «قدم وفد النجاشى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقام يخدمهم عليه الصلاة والسلام، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال إنهم كانوا لأصحابى مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم» .

262- هذه متابعة لأصحابه الذين هاجروا إلى النجاشى، وهى متابعة الرحيم الحانى الذى يريد الاطمئنان على أصحابه الذين هاجروا إلى تلك الأرض النائية، ومازال بملكهما حتى صار فى صفهم، وطابت إقامتهم، وكرمهم تكريم الإخوة، لا تكريم العادل فقط.

هذه متابعة الأولياء، أما متابعة الأعداء، فقد كانت على النقيض من ذلك، لم يكتفوا بأن أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، بل أرادوا النكاية بهم، وأن يجعلوا المهجر يلفظهم، كما لفظوهم لأنهم رأوهم ينشرون الإسلام ويمدون ظلاله الوارفة، فدفعتهم العصبية الجاهلية لأن يفسدوا عليهم طيب الإقامة، والقرار، واستقامة أمورهم، فأرسلوا من يحاول إفساد النجاشى عليهم.

قال ابن إسحاق: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد استقروا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشى فيردهم عليهم، ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من الأرض التى اطمأنوا بها، وآمنوا فيها، فأرسلوا عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص «1» ، وأرسلوا معهم هدايا يدفعونها للنجاشى ليغروه بها.

ولقد أزعج المهاجرين الأبرار. روى عن أم سلمة أنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشى أمينا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشى فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا النجاشى هدايا مما يستطرف من متاع مكة ...

فجمعوا أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص، أمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته، قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم ... فخرجا حتى قدما على النجاشى ونحن عنده بخير دار، عند خير جار «1» .

لقد نفذ الرسولان ما أوصاهما به قومهما، وقدموا لكل بطريق هديته وذكروا عند إعطاء كل واحد هديته، أنه جاء إليهم غلمان من سفهائهم فى زعمهم، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم، فإذا تكلم الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فوعدهم البطارقة بما طلبوا.

مهدوا للقاء الملك ذلك التمهيد القائم على رشوة البطارقة، ثم التقوا بالنجاشى، وقدموا هداياهم قبل أن يتكلموا، ثم تكلموا فى غيبة المهاجرين، فقالوا:

__________

(1) سيرة ابن هشام ج 1 ص 334.

«أيها الملك انه قد ضوى «1» إلى بلدك منا سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، وجاؤا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من ابائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى «2» بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.

عندئذ تكلم البطارقة، وحركت الهدايا لهواتهم، فقالوا: صدقا، أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، ليرداهم إلى بلادهم.

أحس النجاشى بالحملة الباطلة، فرد الكيد ردا حاسما وقال: لا أسلمهم إليهم ولا يكاد قوم جاورونى، ونزلوا بلادى واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذا فى أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاورونى.

ذلك هو القول الحق من حاكم عادل، ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ليواجههم الرجلان، جاؤا، ودعا الأساقفة.

قال لهم: ما هذا الدين الذى فارقتم به فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى (وكان لا يزال نصرانيا) ولا فى دين أحد من هذه الملل؟.

فرد عليه جعفر بن أبى طالب قائلا: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنواحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ... فعدد عليه أمور الإسلام. ثم قال: فصدقناه وامنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله واحده، فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان ... وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا فى جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك.

قال النجاشى- متعرفا دارسا-: هل معك مما جاء به عن الله شيء «3» .

__________

(1) ضوي معناها لجأ.

(2) أي أبصر بهم

(3) الخبر بطوله روته أم المؤمنين أم سلمة، وقد تصرفنا في بعض الكلمات تصرفا لا يخرج الخبر عن ألفاظه.

قال له جعفر: نعم. فقال له النجاشى: هات ما عندك. فقرأ عليه صدرا من كهيعص.

تأثر النجاشى من وضوح الحقائق بين يديه، وكان فيما قرأه خبر زكريا وما وهبه الله تعالى من يحيى، ثم جاء فى حمل مريم إذ جاء الملك، وقال لها إنى رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ... ثم ولادة عيسى عليه السلام.. إن النجاشى كان مؤمنا يدرك الحق إذا ألقى عليه، وكان عادلا، وكان صادق النظر لإيمانه وعدله.

فبكى من فرط تأثره، وإدراكه الحق حتي اخضلت لحيته، وقالوا إن أساقفته وافقته ابتداء حين سمعوا ما تلي عليهم.

قال النجاشي: إنه والذي جاء به عيسي ليخرج من مشكاة واحدة.

ثم قال للاثنين اللذين بعثهما القرشيون: انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.

263- هذه هي الجولة الأولي في الكيد الذي يكيد الباطل لأهل الحق، وقد كانت النتيجة إحقاق الحق، ولكن عمرو بن العاص لا يقف عند الهزيمة الأولي في الكيد، فهو واسع الباع فيه، فكانت المجاوبة بينه وبين صاحبه الذي هو أنقي نفسا.

قال عمرو لصاحبه: والله لاتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم.

فقال له صاحبه: لا تفعل، فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا.

قال عمرو الماكر: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد.

جاء الغد، والتقى عمرو بالنجاشى، ومعه صاحبه عبد الله بن ربيعة.

قال عمرو: أيها الملك، إنهم يقولون فى عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم وقد وقعوا فى حيرة وخوف، فقال بعضهم: ما تقولون فى عيسى بن مريم، ولكن الذين تحملوا أذى قومهم على استعداد لأن يتحملوا غيره، ولذا قالوا مصممين: نقول والله ما قال نبينا كائنا فى ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا على النجاشى قال لهم: ماذا تقولون فى عيسى بن مريم؟.

قال جعفر: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم يقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

عندما سمع النجاشى هذا ضرب بيده على الأرض، فأخذ منها عودا، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود.

والبطارقة حاضرون فتنافروا حوله حين قال ما قال: فقال: وإن نخرتم.

ثم التفت إلى المسلمين من أصحاب محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ما معناه: اذهبوا فأنتم الامنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لى جبلا من ذهب وأنى اذيت رجلا منكم.

انتصر النجاشى الهمام للحق وأهله- ودخل فى الإسلام- كما تدل على ذلك مكاتبته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم التى نقلناها من قبل، وقد رد على قريش هديتها، كما رد مكيدتها فى قومها وعشيرتها.

ولكن الهدية فعلت فعلها فى البطارقة، ويظهر أنهم بعد إسلامه تامروا مع بعض رجال الحبشة، فخرج عليه رجل منهم فكان المسلمون فى فزع، وتقول السيدة أم المؤمنين أم سلمة: «فو الله ما علمنا حزنا أحزننا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشى، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرفه» .

وقد أخرجت أم سلمة والزبير بن العوام الذى كان من المهاجرين، وقد عاد الزبير يحمل البشرى بانتصار النجاشى على خصمه، ففرح المهاجرون فرحة ما فرحوا مثلها.

264- استقام الأمر للمهاجرين فى الحبشة، ولم يذكر التاريخ أكانوا يتولون عملا فيها أم كانوا فى ضيافة النجاشى، لم يذكر التاريخ شيئا من ذلك، لأن مؤرخى السيرة النبوية الطاهرة ما كانوا يعنون إلا بحال المسلمين. وحال الإسلام، وتحمل المسلمين للأذى فى سبيل عقيدتهم، يفصلون فى ذلك ما يشاء طالب الحقيقة أن يعرفه، ولكنهم ما كانوا يعنون بالأعمال المادية من صناعة ومكاسب! ولكن أردنا أن نعرف ما طواه التاريخ ولم يذكره، نتعرفه من صور الرجال الذين هاجروا، فلابد أن نتصور من صورهم أحوالهم.

لقد كان من بينهم ذو النورين عثمان التقى الطاهر، وهو مع ذلك التاجر الماهر، وقد خرج ومعه بعض ماله غالبا، وما كان ليترك عمله فى التجارة حتى تأكل النفقة ماله، ولم يثبت فى التاريخ أنهم كانوا فى ضيافة النجاشى، لأنهم كانوا يتزايدون فى الهجرة ولا ينقصون، وإذا كان لابد من فرض فى هذا، فهو أننا نتصور أنه كان يعينهم ليتمكنوا من أعمالهم الكاسبة التى تدر عليهم ما يكفيهم بالمعروف من غير إسراف، ولا تقتير.

ونتصور حينئذ أمرين نفرضهما فرضا:

أولهما- أن يكونوا قد قاموا بما يكسبهم القوت، ولا يعيشون كلا على غيرهم فليس ذلك من مكارم الأخلاق فى الإسلام.

ثانيهما- أن نفرض التعاون الكامل بينهم، يعين غنيهم فقيرهم، والقادر منهم العاجز، وإذا كانت المؤاخاة قد نظمت العلاقات بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج بما فعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فإن التعاون أو المؤاخاة الطبيعية فرضت نفسها فى أرض الحبشة بحكم الاغتراب أولا، وبحكم الحاجة إليه ثانيا، وبحكم الخلق الإسلامى الذى يوجب التراحم والتعاطف ثالثا، وقد كان التعاطف امتدادا لما كان فى مكة من حماية ضعفاء المسلمين من أقويائهم، كما يفعل أبو بكر من شراء العبيد المسلمين وإعتاقهم من غير منّ ولا أذى.


تحميل : الهجرة الأولى إلى الحبشة من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: