المسلمون الأوائل من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

المسلمون الأوائل من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

أول من أسلم

308- اتجه محمد عليه الصلاة والسلام إلى تكوين الخلية الأولى للإسلام، فاتجه إلى الذين يعاشرونه ابتداء،. وكان يعاشره ثلاثة: أولهم أم المؤمنين خديجة، السكن، والمواسية، والحانية، والرقيقة، وأم أولاده، والرفيقة الرؤم، والثانى على بن أبى طالب، وقد كان فى كلاءة النبى عليه الصلاة والسلام وكفالته، وهو له المؤدب والمربي، ذلك أن أبا طالب كان كثير العيال قليل المال، وعند ابن أخيه محمد عليه الصلاة والسلام فضل يسار ومال من عمله فى التجارة فى مال خديجة، وعند العباس عمه مال وفير، إذ كان من أثرياء قريش.

ولقوة إحساس محمد صلى الله عليه وسلم وصلة رحمه وما عنده من مودة فى القربى ذكر حال عمه للعباس واقترح أن يأخذ كل منهما ولدا من أولاد أبى طالب يكفله، فكان من نصيب محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على كرم الله وجهه، وعندما جاءت الدعوة الإسلامية، ونزل الوحى الإلهى كان على فى العاشرة.

وثالث الثلاثة زيد بن حارثة بن شرحبيل، وكان عربيا من بنى كلب.

__________

(1) سورة الحجر: 94.

كان الرق قد جرى عليه بالطريقة الجاهلية، إذ قد أخذته جماعة من الفرسان وهو ابن ثمانى سنوات، وباعوه فى سوق من الأسواق، وال أمره إلى خديجة أم المؤمنين، ثم وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عبدا له على مقتضى ما كان عليه الناس إبان ذاك.

وقد جزع أبوه عليه جزعا شديدا، وبكى لفقده، وقد قال فى ذلك شعرا جاء فيه:

بكيت على زيد وما أدرى ما فعل ... أحى فيرجى أم أتى دونه الأجل

فو الله ما أدرى وإنى لسائل ... أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل

ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة ... فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل «1»

تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل «2»

وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فياطول ما حزنى عليه وما وجل

سأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل «3»

حياتى أو تأتى على منيتى ... فكل امرئ فان وإن غره الأمل «4»

أخذ يبحث عنه فى طول بلاد العرب، حتى عثر عليه عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة، ومحمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم عدو الرق بفطرته لم يرد أن يحتجنه عنده غير مختار، فخيره بين أبيه والمقام عنده، وقال: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك.

ولكن الشاب قد اختار له، فاختار أن يقيم مع محمد صلى الله عليه وسلم وهو يلمح نور النبوة عن الحرية مع أبيه واله، ولكن أباه أخذ يلومه، فقال له: «يا زيد تختار العبودية على أبيك وأمك» فقال ابن الكريم. «إنى قد رأيت من هذا الرجل شيئا، وما أنا بالذى أفارقه أبدا» .

عند ذلك الوفاء أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده، وقام إلى الملأ من قريش، فقال:

اشهدوا أن هذا ابنى وارثا ومورثا.

رأى أبوه ذلك فطابت نفسه، وكان يدعى زيد بن محمد، فلما ألغى التبنى وقال تعالى فى المتبنين:

ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ «5» .

__________

(1) بجل بمعني حسم أي حسم الشئ وأنهاه.

(2) الأرواح جمع ريح، والوجل الخوف.

(3) النص السير الكثير الشديد.

(4) الشعر في سيرة ابن هشام ج 1 ص 248.

(5) سورة الأحزاب: الاية 5.

,

الإسلام فى بيت النبوة:

209- كان أول الإسلام فى بيت النبوة، وأول الدعوة كانت فى بيت محمد عليه الصلاة والسلام، وقد كان الذين يكونونه، وبلغوا حد الإدراك المميز للحقائق الدينية فى الجملة، هم هؤلاء الثلاثة خديجة بنت خويلد الزوجة الطاهرة الوفية الأمينة الحانية على زوجها وثانيهم على بن أبى طالب الذى كان فارسا، وهو الذى رباه النبى عليه الصلاة والسلام، وثالثهم المولى المخلص الذى أزال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عنه الرق، ورفعه إلى شرفه من ذؤابة قريش، حتى كان يقال زيد بن محمد حتى ألغى الله تعالى التبني، ولكنه ألغاه وزيد شريف بالإسلام والإيمان، وشريف بحريته واحترام نسبه الأصلي، الذى لم يرنق برق.

لقد امنت خديجة منذ أن التقى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بروح القدس، جبريل عليه السلام، وعاد إليها يرجف فؤاده، وأخبرها ورقة بن نوفل بمكانة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه رسول هذا الزمان، وأنه لا نبى بعده.

امنت به منذ الابتداء، وكان إيمانها أمنا وسلاما، فقد كانت هى السكن الذى يأوى إلى ما فيه من رحمة وسط عنف المعارضة، وشدة المقاومة، وكما قال ابن هشام فى سيرته: «وازرته على أمره، وكانت أول من امن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء به، فخفف الله تعالى بذلك عن نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله تعالى عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس» رضى الله تبارك وتعالى عنها.

وإنها بذلك صارت لها منزلة فوق منزلة نساء الأنبياء أجمعين، بل صارت لها منزلة فى الذروة بين نساء العالمين حتى صارت ثالثة بين فضليات النساء فى الخليقة، وهى مريم العذراء التى خاطبتها الملائكة من السماء، وبضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبضعتها، فاطمة الزهراء.

وقد أرسل الله تعالى لها تحية طيبة مباركة من السماء، فقد أمر الله تعالى نبيه أن يخبرها على لسان جبريل بأن الله تعالى يقرئها السلام، وروى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بأن يبشر خديجة ببيت من قصب (والقصب هو اللؤلؤ المجوف) لا صخب فيه ولا نصب.

إنها أقامت بيتا للنبى عليه الصلاة والسلام فيه الهدوء والبركة والأمن والسلام يلقى فى خارجه غبار الصخب، وعناء النصب، فكتب الله تعالى لها بيتا فيه الراحة التامة، وفيه الرونق، وفيه الجمال، فيلتقى فيه جمال المنظر، بلطف الهدوء بعد اللغوب.

ولقد أحست بمنزلتها عند الله تعالي، وخصوصا عندما أقرأها السلام بذاته الكريمة فقد ردت التحية فقالت مقال المؤمنة «الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام» فالتقى الإيمان الصادق، بالتنزيه لله، فجعلت الرد على جبريل، أما الله فهو السلام، وهو واهب السلام، فتعالت ذاته، ويقول فى التعليق على ردها شارح المواهب اللدنية «هذا من وفور فقهها، حيث جعلت مكان رد السلام على الله تعالى الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق وما لا يليق» ومع كون هذا إدراكا سليما أقول إنه إحساس عميق وإيمان صادق بالله.

,

أول أسرة فى الإسلام:

211- أسلم من بعد ذلك أو مقارنا لذلك مقارنة زمنية «زيد بن حارثة، وهو الذى اختار محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام على أبيه واختار أن يعيش فى كنف محمد عليه الصلاة والسلام رقيقا،

على أن يعيش فى أسرته حرا طليقا، فلابد أن يكون من أول الناس إسلاما، فانضم إلى الأسرة النبوية غير متلكيء، ولا متلعثم، ولا مضطرب، بل دخل مسرعا، غير متلوم.

اجتمع شمل الأسرة الكريمة على الإيمان، ولازم محمد صلى الله عليه وسلم فى صلاته أم المؤمنين خديجة، وصفيه المجتبى على بن أبى طالب، ولقد جاء تاجر زائرا مكة المكرمة، ولنترك له الكلمة يقص ما رأى:

عن يحيى بن عفيف قال: «جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت فى السماء وأنا أنظر إلى الكعبة. أقبل شاب، فرمى ببصره إلى السماء. ثم استقبل الكعبة. فقام يستقبلها. فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه. فلم يلبث حتى جاءت امرأة.

فقامت خلفهما، فخر الشاب ساجدا. فسجدا معه. فقلت: يا عباس. أمر عظيم. فقال: أتدرى من هذا؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى. أتدرى من هذا الغلام؟

قلت لا. قال: هذا على بن أبى طالب. أتدرى من هذه المرأة التى خلفهما؟ قلت: لا أدرى! قال:

هذه خديجة زوج ابن أخى. وهذا حدثنى أن ربك رب السموات والأرض أمر بهذا الذى تراهم عليه.

وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة، وكانوا الثلاثة المطهرين السابقين إلى الإسلام، ومعهم زيد بن حارثة فكان الرابع.

ويلاحظ فى هذه الأخبار الصادقة أن أولئك أسلموا من غير أن يطالبوا بدليل، بل كانوا المصادقين لما عرفوا من الحق فى ذاته. فأى قلب خال من شوائب الهوى والغرض يسوى بين الإيمان بحجر لا ينفع ولا يضر والإيمان بالواحد الأحد الفرد الصمد، الذى ليس بوالد ولا ولد، ثم مع ذلك الحق الذى يدرك بأدنى تأمل من قلب سليم- ما عرف به الداعى من خلق صادق. وفضل كبير، وعقل مدرك سليم، ثم لا يكون فى كلامه ارتياب مرتاب.

فالذى دفع إلى إيمان تلك الأسرة الطيبة إدراك للحق فى ذاته، وإيمان بصدق ربها، ومن بعد ذلك صفاء فى نفوس أهلها، وأنّى يكون قلب أصفى من قلب أم المؤمنين خديجة، وعلى بن أبى طالب.

,

النور يشرق من بيت النبوة

212- فاض النور من بيت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وانبثق البثق الكبير خارج البيت، ولكنه لم يكن بعيدا عن محمد عليه الصلاة والسلام، فقد ذهب يضيء قلوب أصدقائه، والذين وصلت نفوسهم بنفسه، وإن لم يكونوا له أقرباء قرابة بعيدة أو قريبة، ولكنهم كانوا من قبيله وقومه، ثم كانت

اية الله الكبرى أن عارضه أقرباؤه الأدنون، كأبى لهب، ولم يتبع دينه أولم يظهره حتى أحباؤه من ذوى قرباه كأبى طالب الذى رباه، وكان حبيبا إلى نفسه، وعمه العباس وغيره.

وكانت تلك اية كبيرة تدل على نزاهة الإسلام من أن تقيمه عصبية، أو يتبع للعصبية، إنما هو دين الله جاء لمحو العصبية الجاهلية، ولم تكن عموم دعوته فيها أى استجابة لعصبية، أو موالاة قبلية كما سيتبين ذلك فى القصص النبوي، فلا يقال إن أسرة كانت تطمع فى السلطان. فاستعانت بسلطانها لنبوة كانت فيها. وخصوصا أن بنى هاشم كانت فيهم رياسات بالكعبة الشريفة توارثوها كابرا عن كابر، وكان اخرهم أبو طالب الذى عاصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.

وإذا كان بنو هاشم لم يكونوا أول الناس إسلاما، فقد كانوا بلا ريب أولهم نصرة، وكانوا نصراء النبى عليه الصلاة والسلام عصبية لا إسلاما، إذ كان ذلك عادة العرب يعيش كل شخص فى حماية عصبية، لا يسلمونه، ويعدون تسليمه ذلا، والتهاون فى نصرته قهرا وهوانا، وخصوصا أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان معتدى عليه. وليس معتديا. والإيذاء ينصب عليه انصبابا.

ومن أجل ثبوت أن معاونتهم له فى شدته كانت عصبية، أنهم لم يؤازروه بعد أن صار قويا، بل إن العباس عمه، وهو الذى كان يعد كبير بنى هاشم بعد أبى طالب خرج مقاتلا فى جيش المشركين فى بدر لجيش محمد عليه الصلاة والسلام ابن أخيه، وأسر من بين من أسر من المشركين، ولم يخرجه محمد عليه الصلاة والسلام، إلا بفدية افتدى بها نفسه.

,

السابقون السابقون

230- أشرنا إلى سبق الأربعة الكرام خديجة أم المؤمنين، سكن الرسول التى جعلت بيته روضة الاطمئنان، ويسكن إليها بعد معاناة عداوة الأعداء، والمناضلة فى سبيل الله تعالى،. فيجد المواساة، ويجد القلب الحبيب الودود، وما أكرم الوداد، إذ يذهب ببرحاء العداء، ويجعل الروح والريحان بعد ملاقاة الكذب والبهتان.

ثم ذكرنا أبا بكر الصديق الولى الوفى، والصديق الذى خلص قلبه لله تعالى، وإذا كان إبراهيم أبو الأنبياء خليل الله، فالصديق كبير المصادقين خليل محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد أشرنا إلى أنه ما عتم أن أسلم، بل إنه سعى إلى الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام عندما علم من حكيم بن حزام بأمر ما جرى بين النبى عليه الصلاة والسلام وورقة بن نوفل وزوجه خديجة من مذاكرة فى أمر الرسالة المحمدية.

وذكرنا إسلام على بن أبى طالب الذى صدق ابن عمه بعد تفكير وهو ابن عشر سنين، وكان قد هم باستشارة أبيه، ولكنه فكر وقدر واحده، فعاد إلى ابن عمه يعلمه بإيمانه، فكان المؤمن باقتناع مع الصغر وغضاضة الإهاب.

وذكرنا إيمان زيد بن حارثة الذى اثر جوار محمد عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث على أن يعود إلى أبيه وأمه حرا، فاختار الرق مع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم على الحرية مع أبويه، فجعله محمد صلى الله عليه وسلم الكريم ابنا له وحرا، فكان وارثا ومورثا.

ثم إن إسلام أبى بكر جعل بعض أصدقائه ومن يألفونه يستأنسون بالإسلام، فقد كان ألوفا محبوبا.

قال فيه محمد بن إسحاق: «كان أبو بكر مألفا لقومه، محبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق معروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغنى الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنهم أجمعين» «1» .

وقد قدم هؤلاء للنبى صلّى الله عليه وسلّم، وأخذ أبو بكر يبث الدعوة لأصدقائه وخلانه، وعارفيه، ثم ذهب بطائفة أخرى إلى النبى عليه الصلاة والسلام منهم عثمان بن مظعون، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبى الأرقم.

__________

(1) سيرة ابن هشام. والبداية والنهاية ج 3 ص 29.

أخذ العدد ينمو بفضل الله، وإخلاص صفوة مختارة ممن صفت نفوسهم، واستقامت قلوبهم حتى بلغ العدد ثمانية وثلاثين، ومنهم نساء دخل الإسلام قلوبهن، ومنهم أم جميل أخت عمر بن الخطاب، وزوجها زيد بن نفيل كان من السابقين الأولين.

وقد أراد أبو بكر أن يخرج المسلمون مجاهدين بالدعوة إلى الإسلام قبل أن يتكاثر الجمع، ولكن محمدا عليه الصلاة والسلام صاحب الدعوة والتبليغ رأى التريث، حتى يكون الجمع أوفر وأكثر عددا، لأنه مع العدد عزة الكثرة النسبية، وإن كانوا فى الحقيقة عددا قليلا، ولكن الصديق مازال بمحمد عليه الصلاة والسلام حتى قبل أن يخرجوا من الاستخفاء إلى الإعلان، ويظهر أن الدعوة قد أعلنت بإنذار العشيرة الأقربين، وتذاكر الناس أمرها، ولكن يندر فيهم من يتقبلها، ويكثر فيهم من يعارضها، ومنهم من لم يعرف لهم موافقة ولا مناوأة.

ومهما يكن فقد خرج أبو بكر، ومحمد عليه الصلاة والسلام قام بعمل جليل قبل ذلك الخروج، فقد انبعث كل رجل إلى عشيرته يدعو إلى الإسلام فيها، وخرج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه أبو بكر إلى المسجد الحرام، ثم قام أبو بكر خطيبا، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس. وقال ابن كثير فى روايته ما نصه: كان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله (أى بعد النبى صلى الله عليه وسلم) ، وثار المشركون على أبى بكر وعلى المسلمين فضربوه فى نواحى المسجد ضربا شديدا، ووطيء أبو بكر، وضرب ضربا شديدا «1» .

بعد ذلك، وخصوصا بعد إعلان الإسلام فى مخاطبة بنى هاشم، وبنى عبد المطلب عند الصفا، أخذ الإسلام ينتشر انتشار الضوء فى الظلام، فأسلم بنو مظعون من أولاد كعب بن لؤى، وأسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب وسعيد بن زيد بن نوفل، وامرأته فاطمة، أخت عمر بن الخطاب، وعمير بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود الهذلى، وأسماء بنت أبى بكر- وهكذا غيرهم من أهل مكة الأحرار، وإن لم يكونوا ذوى مال وذوى رياسة.

ومن الضعفاء، وقد كانوا أسبق إلى الإسلام عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق، وهو مولى لأسد اشتراه أبو بكر رضى الله عنه.

ومنهم صهيب بن سنان، ويقال أنه مولى عبد الله بن جدعان، ويقال أنه رومى، ونسب إلى الروم، لأنه كان أسيرا فى أرض الروم.

__________

(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 30.

ومنهم بلال الحبشي، وكان مولى لبعض المشركين عذبوه، حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه.

ومنهم ياسر وعمار ابنه، وأمه، وقد كان ياسر من عرب قحطان من مذحج، وعمار ابنه كان مولى لبنى مخزوم، لأن أمه سمية كانت مولاة لهم، فولدته على الرق، والمولود على الرق يتبع أمه فى رقها، ولا يتبع أباه فى حريته، وكذلك كان نظام الرومان فى الرق الذى سرى إلى العرب.

ومنهم خباب بن الأرت، وغيره من الضعفاء الذين سارعوا إلى الإسلام وقد سارعوا إلى خير الدنيا وخير الاخرة، وإذا كانوا قد أوذوا ابتداء، فقد نالوا الخير انتهاء، وكما قال الله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «1» .

وقد دخل الإسلام بيوتا كثيرة فما من بيت إلا علم بأمر دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وإذا كان العدد قليلا فى ذاته، فإنه ما خلا بيت من بيوت مكة المكرمة من مسلم، أو من قلب مال إليه، وأحس أهل الشرك بأن دولة الأوثان تؤتى من قواعدها، وأن الأحجار أخذت تفقد سيطرتها. ومن استمر متمسكا فعن أرب يريده باسمها، لا عن إيمان بها، فإنه كان يكفى أن يدعو محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى الحى القيوم الذى لا شريك له، حتى تزايلت الأوثان عن مكانتها، وما هو إلا تفكير يسير حتى زالت الأوهام، وصارت أحجارا لا تتجاوز أنها أحجار، ومن تمسك بها فهو غير مؤمن أو سادر فى غلواثه.


ملف pdf

كلمات دليلية: