إسلام أبي بكر الصديق من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

إسلام أبي بكر الصديق من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

إسلام أبى بكر:

213- لا نريد أن نخوض فى أوليته، وسبقه فى الإسلام على ابن أبى طالب رضى الله عنه أو سبق على عليه. فتلك مسألة طائفية يثيرها الطائفيون فى الإسلام. فالشيعة يعدون عليا أسبق والأمويون والناصبيون «1» يخالفون، وما لنا أن نخوض فى ذلك. وكل فريق يذكر أن معه من الصحابة فريقا.

وكان يمتاز من بين قريش، بأنه عالم بالأنساب، فكان نسابة العرب، وكان له علم بأخبار الأولين، وكان تاجرا معروفا بالأمانة والصدق، وإن لم يكن كمعرفة محمد عليه الصلاة والسلام بذلك، ولعل الأمانة قد سرت من صديقه محمد عليه الصلاة والسلام فقد كانا صديقين وتربين لتوافق مشاربهما فى الجملة، وإن كان أبو بكر لم تكن عنده نزاهة محمد عليه الصلاة والسلام حبيبه وخليله فى البعد عن الأوثان، فالفرق بينهما كالفرق بين من يصنعه الله تعالى على عينه ليكون رسولا نبيا، وبين من خلقه الله تعالى صاحبا برا تقيا.

__________

(1) الناصبية والناصبيون الذين يناصبون عليا وأولاده العداوة.

وإنما الذى نقرره أن كليهما أسبق الذكور إلى الإسلام، أبو بكر وهو رجل مكتمل يقارب الأربعين. وعلى فى العاشرة من عمره، لم يبلغ حد المراهقة، ولكنه كان مميزا فاهما، أسلم متفكرا متدبرا مدركا، وقد ذكرنا أن فقهاء المسلمين يعتبرون إسلام الصبى المميز صحيحا وإن اختلفوا فى اعتبار ردته مستحقة للعقاب.

بادر أبو بكر بالإسلام عندما علم بالبعثة المحمدية، واسمه عتيق، أو عبد الكعبة المكرمة، وسماه النبى عليه الصلاة والسلام عبد الله. وقالوا أن أمه كان لا يعيش لها أولاد ذكور، فلما رزقته وعاش سمته عتيقا لأنه عتق من الموت، وقيل سمته عبد الكعبة «المكرمة» لأنها نذرت أن تسميه عبد الكعبة. ثم اختار له صديقه محمد عليه الصلاة والسلام أن يكون عبد الله.

كانت الصحبة تجعلهما كالمتعاشرين فى كمال الخلق، حتى أنه عندما بدت إرهاصات النبوة، وابتدأ البعث، كانت تسأله خديجة عن صاحبه إذا غاب وهو يحضر إليها عندما تقلق عليه، وتقول له:

«يا عتيق أين ذهب» .

يقول الرواة أن أبا بكر أسلم قبل أن يطلب إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. إذ أنه قد كان يتوقع ظهور نبوة صديقه محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه قد سمع كلام ورقة، وعلم من خديجة حديثه لها، وكان يوما عند حكيم بن حزام، إذ جاءت مولاة له، فقالت: إن عمتك خديجة تقول فى هذا اليوم أن زوجها نبى مرسل مثل موسي، عندئذ أدرك أبو بكر أن ما توقعه قد وقع، وأن النور أشع، ولم يبق إلا أن يستضيء به ويعشو إليه، فانسل إلى النبى عليه الصلاة والسلام، فأسلم إذ طلب إليه النبى عليه الصلاة والسلام، وما كان طلبا لجاهل. بل كان طلبا ممن عرف ولم ينكر واستسلم وأذعن لله تعالى «1» .

ولذلك روى ابن إسحاق فى سيرته أنه بلغه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام، إلا كانت عنده كبوة، ونظر وتردد إلا ما كان من أبى بكر ما عكم «2» عنه حين ذكرت» .

فنفس أبى بكر كانت سائغة إلى الإسلام قبل دعوته، لما رأى من إرهاصات النبوة، ولما علم من كلام ورقة، ولأنه كان الصديق الوفى والحبيب الولى لمحمد عليه الصلاة والسلام.

ولقد كان لإشراق نفسه، ولصغوة فؤاده إلى الحق، والاتجاه إليه أنه كان يرى الرؤى التى يكون تأويلها تبشيره بالإيمان.

__________

(1) شرح المواهب اللدنية ج 1 ص 240.

(2) عكم عنه: أى تردد وفكر وانتظر.

جاء فى الروض الأنف «من أسباب توفيق الله له (أى لأبى بكر) أنه رأى القمر نزل مكة المكرمة، ثم تفرق على جميع منازلها وبيوتها، فدخل فى كل بيت منه شعبة، ثم كان جمعه فى حجره، فقصها على بعض الكتابيين، فعبرها له بأن النبى المنتظر الذى قد أظل زمانه يتبعه فيكون أسعد الناس به، فلما دعاه صلى الله تعالى عليه وسلم أجاب» .

دخل أبو بكر فى الإسلام فاستأنس به النبى عليه الصلاة والسلام بأبلغ مما كان واشتدت بينهما الصحبة، فبعد أن كانت الصحبة مبنية على مجرد الاستئناس النفسى والخلقي، صارت الأنسة بالإيمان بالله واحده، وبالمؤازرة فى شدائد الحياة، واتخذ محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام من مكانة أبى بكر، وأنس الناس ومكانته عندهم قوة لدعوة الحق يدعو بها، فوق ما كان له هو عليه الصلاة والسلام من قوة نفس، ومكانة عند الله وعند الناس.

,

تتابع المخلصين:

214- بإسلام أبى بكر تجاوز الإسلام حجرات بيته، لقد كان فيها مقصورا على إسلام الثلاثة الذين يعاشرون النبى عليه الصلاة والسلام وهم زوجه الكريم، وربيبه الأمين علي، وعشيرة الوفى زيد، ولسنا نذكر فى ذلك ترتيبا، وإن كنا نؤكد فى غير تلبث ولا مواربة أن أولهم بإجماع المسلمين الطاهرة التى ازرت النبى عليه الصلاة والسلام قبل البعثة، ووقت انبلاج فجر البعثة، وبعد الأمر بالتبليغ، وكان فضلها عند الله عظيما.

بعد إسلام أبى بكر تتابع الإسلام فى نفر ممن لهم بالنبى عليه الصلاة والسلام مودة سابقة، أو لهم بالصديق صداقة، وكان فيهم استعداد، كان أول من أسلم بعد بيت النبوة وأبى بكر عثمان بن عفان، وقد كانت له بالصديق صداقة، وله بالنبى محبة، ويريد أن يتصل به بنسب، كان يريد أن يكون له صهر، فإنه عندما بلغه أن محمدا صلى الله عليه وسلم أنكح ابنته رقية عتبة أصابته حسرة، ولنترك له الكلمة. فهو يقول:

كنت بفناء الكعبة فقيل أن محمدا صلى الله عليه وسلم أنكح عتبة ابنته رقية فدخلتنى حسرة ألا أكون قد سبقته إليها فانصرفت إلى منزلي، لأجد سعدى بنت كريز، فأخبرتنى أن الله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ... وقال أنها حثته على اتباعه، وإن لم تكن قد ذكرت لمحمد صلى الله عليه وسلم إسلامها. ثم قال: «وكان لى مجلس من الصديق، فأصبته فيه واحده» (فحثه الصديق على الإيمان) قال ومر النبى صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل على، فقال أجب الله تعالى إلى جنته، فإنى رسول الله تعالى إليك وإلى جميع خلقه، فو الله ما تمالكت حين سمعته أن أسلمت، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية.

وكان زواجه برقية الأمنية التى كان يتمناها من قبل، وأصابته حسرة لسبق عتبة بن أبى لهب إليها، وذلك لأن أبا لهب بلغت به الجاهلية العمياء أن حمل ابنه على تطليق رقية عندما دعا محمد صلى الله عليه وسلم عشيرته للإسلام فوجد عثمان طلبته قد هيأها الله تعالى له، فاجتمع عنده الخير العظيم بالإسلام، وأعلنوا إسلامهم ومؤازرتهم.

وأسلم من بعد هؤلاء أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وهو زوج أم سلمة التى تزوجها النبى عليه الصلاة والسلام بعد موته، والأرقم بن أبى الأرقم، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيد بن الحارث بن المطلب وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل الذى كان أبوه من الحنيفيين الذين نفروا من عبادة الأوثان، وزوجه فاطمة ابنة الخطاب، وهكذا أخذ الجمع يكثر واحدا بعد اخر.

وكانوا يستخفون فى صلاتهم، وقبل أن نسير فى بقية درجات الدعوة والاستجابة نسارع إلى الصلاة نبين وقت فرضيتها.


تحميل : إسلام أبي بكر الصديق من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

كلمات دليلية: