إرسال قريش وفدا إلى النجاشي ليردَّ المسلمين من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

إرسال قريش وفدا إلى النجاشي ليردَّ المسلمين من كتاب خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم

اسم الكتاب:
خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم
المؤلف:
محمد ابو زهره

خديعة:

265- خديعة أو انخداع على حسب تقدير الأسباب.

لقد فشل الرسولان اللذان ذهبا إلى النجاشى ليحرضاه بالهدية الراشية، وبالقول المعسول، وبالإيقاع المفسد فى أن يحملاه على إخراج من حلوا فى داره، واستظلوا بعدالته، وخرجا مذمومين مدحورين.

ولكن أحدهما عمرو بن العاص داهية قريش وماكرها، أشاع الشائعات بأن قريشا امنت بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن هذه الشائعات تجاوبت أصداؤها، حتى وصلت إلى المؤمنين فى هجرتهم بالحبشة، فاطمأن إلى صدقها بعض المهاجرين، وطاهر القلب ينخدع، وقد خدع إبليس من قبل أبانا ادم الطاهر.

عاد من عاد منهم حاسبين صدق الشائعة، وكانت عدتهم نحو ثلاثة وثلاثين، ولكنهم ما إن شارفوا مكة حتى وجدوا الأذى والاستهزاء والسخرية تستقبلهم، فمنهم من دخل فى جوار بعض كبراء المشركين، ومنهم من استقبل الأذى صابرا، ومنهم من حسبه ذوو قرابته.

واستطاع الماكرون بذلك أن يعيدوا بعض المهاجرين إليهم ليتحكموا فيهم، ولكن لم تتم بغيتهم، لأنه بقيت الكثرة فى أرض الحبشة لم تغتر بهذه الشائعة الكاذبة التى دفعتها فرية خبيثة ماكرة.

وقد يقول قائل: هل لك من سند يؤيد فرض الشائعة، وخصوصا أنه تذكر أسباب لهذه الشائعة غير ما ذكرت وبينت، وهى قصة المشركين مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما مجد اللات والعزى كما يزعمون وكما جاء فى صحيح البخارى.

ونحن نجيب عن ذلك بما تقتضيه الفروض التاريخية من تعليل لأسباب الوقائع باقترانها بالوقائع الزمنية التى قارنتها، لقد كانت تلك الشائعة الغريبة وكانت فى أعقاب واقعة حقيقية ثبتت، وهى طرد النجاشى الرسولين اللذين جاا ليحملاه على الإيقاع بالمؤمنين ليخرجهم، ويستمكنوا من رقابهم، وحرياتهم، وليفتنوهم عن دينهم، ويفسدوا رجال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والعقل بلا ريب يربط بروابط منطقية بين الأمرين، كما اقترنا فى الزمن.

ولا يمكننا أن نفرض السبب الذى يذكره مؤرخو السيرة، وهو سجود النبى عليه الصلاة والسلام للات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، ولابد أن نعرج عليه بالقول، ولو كانت الرواية فى كتب الحديث، ونبين استحالة قبوله.

جاء فى كتاب البداية والنهاية لابن كثير ما نصه فى بيان سبب الشائعة:

«كان له سبب، وهو ما ثبت فى الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حبس يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى «1»

يقرؤها عليهم، حتى ختمها وسجد، وسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والإنس، وكان لذلك سبب ذكره المفسرون عند قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «2» وذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا. لئلا يسمعها من لا يضعها فى مواضعها إلا أن أصل القصة فى الصحيح. قال البخارى: «حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: سجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» . انفرد به البخارى دون مسلم، وقال البخارى حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت الأسود عن عبد الله قال قرأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفينى هذا ... رواه مسلم «وأبو داود، والنسائي، وروى مثله أحمد فى سنده» «3» .

إننا نقرر أن تلك القصة مكذوبة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك لما يأتى:

__________

(1) سورة النجم: 1، 2.

(2) سورة الحج: 52.

(3) البداية والنهاية ج 3 ص 90.

أولا: أن مقتضاه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يقرأ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى زاد بتأثير الشيطان «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» فلما أتم السورة تلاوة ووصل إلى قوله تعالى: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سامِدُونَ. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا سجد سجدة التلاوة فسجدوا معه.

وذلك باطل بلا ريب ومستحيل أن يقع لأن الشيطان لا يتسلط على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وفى شأن التنزيل والقران الكريم، وإلا جاء الشك الباطل فى شأن القران الكريم، وجوز الفاسقون على مقتضاه أن يكون القران قد اعتراه التغيير والتبديل، والزيادة، وتجويز أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم وهو مبلغ الرسالة قد اعتراه خرف، وابتعاد عن مؤداه، وذلك باطل فما يؤدى إليه باطل بلا ريب.

وثانيا: أن هذه الأخبار لم يسند فيها القول إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن كلها مرسلات، فلا يلتفت إليها.

وثالثا: أن الذين يقولون هذا القول يسندونه إلى تفسير قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «1» فزعموا أنه ألقى فى أمنيته صلى الله تعالى عليه وسلم زيادة تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، ثم نسخت تلك الزيادة التى ألقاها الشيطان فى أمنيته وأحكم الايات، وذلك من شأنه أن يشكك فى أصل القران الكريم، ويا بنى عليه المفترون قولهم أن فى القران الكريم زيادة ونقصا، وذلك قول قائله كافر، لأنه ينكر ما جاء به القران الكريم من أنه محفوظ إلى يوم القيامة تصديقا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «2» .

وقد يقول قائل، وكيف نفسر قوله تعالي: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ، وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ «3» ... نقول إن التمنى هو ما يتعلق بما يتمناه الإنسان بمقتضى غريزته، فالأنبياء ليسوا معصومين بمجرد غريزتهم من التمني، ولكن الشيطان يجيء من جهة الأمانى، ويزين الأهواء ويحسنها، فينسخ الله

__________

(1) سورة الحج: 52

(2) سورة الحجر: 9.

(3) سورة الحجر: 52.

تعالى أى يزيله من قلب النبى عليه الصلاة والسلام ويحكم سبحانه وتعالى آياته الظاهرة والباطنة على النبوة والرسالة والحق، وبذلك تنزه قلوبهم.

وقد يقال: وماذا نصنع فى الروايات التى قد رويت عن البخارى كما ذكر ابن الأثير؟ ونحن نقول أنها رواية أمر يستحيل على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم الأمين، ومثل هذه الرواية ترد مهما يكن الراوى، أنقول أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سحر، وزاد فى القران ما يكون شركا، والرواية مهما تكن رواية احاد، ولو طبقنا قاعدة الشافعى الذى يقرر فيها أن من ينكر حديث خبر الاحاد، أو خبر الخاصة لا يقال له تب أى لا يكفر، فكان المؤدى أن نكون بين أمرين أحدهما أن ننكره ولا نكفر، والثانى أن نقول ما يشكك فى الرسالة والقران الكريم فنكفر! إن الاحتياط لديننا، ولقران ربنا، وعصمة نبينا أن ننكر نسبة تلك الأخبار لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصحتها، ونؤمن بالقران الكريم والنبى عليه الصلاة والسلام بل أن نؤمن بالله تعالى.

وإننا ننتهى من هذا إلى أن نقرر أن سبب إشاعة إسلام أهل مكة المكرمة ليس هو تلك الرواية غير الصادقة التى تفتن الناس عن دينهم، وتشككهم فى القران الكريم والنبى صلى الله عليه وسلم. إنما لسبب مما استنبطناه من سياق التاريخ وارتباط وقائعه واقترانها وهو إشاعة إسلام أهل مكة المكرمة ليعود الذين فروا بدينهم، فينالهم المشركون بأيديهم وألسنتهم.


ملف pdf

كلمات دليلية: