وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

وفاته

وتوفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ضحى يوم الإثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجره- وقيل مستهله، وقيل ثانيه-، فبعث العبّاس رضي اللَّه عنه في طلب أبي عبيدة بن الجراح، وكان يشقّ: [يضرح] [ (1) ] وبعث في طلب أبي طلحة، وكان يلحد [ (2) ] ، وقال اللَّهمّ اختر لنبيك! فوجد أبو طلحة.

,

حيث دفن

وقال أبو بكر رضي اللَّه عنه- وقد اختلفوا أين يدفن-: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: ما مات نبي قط إلا دفن حيث يقبض.

فخط له صلّى اللَّه عليه وسلّم حول الفراش، ثم حوّل بالفراش في ناحية البيت، وحفر أبو طلحة القبر، فانتهى به إلى أصل الجدار إلى القبلة، وجعل رأسه صلّى اللَّه عليه وسلّم بما يلي بابه الّذي كان يخرج منه إلى الصلاة. ثم غسلوه من بئر عرس، وكان يشرب منها.

جهاز رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

ولما أخذوا في جهازه أمر العباس رضي اللَّه عنه فأغلق الباب، فنادت الأنصار نحن أخواله، ومكاننا من الإسلام مكاننا، وهو ابن أختنا!! ونادت قريش: نحن عصبته [ (3) ] ، فأدخل من الأنصار أوس بن خولي، وأحضروا الماء من بئر عرس، واحضروا سدرا وكافورا، فأرسل اللَّه عليهم النوم فما منهم رجل إلا واضعا لحيته على صدره وقائل يقول ما ندري من هو!: اغسلوا نبيكم وعليه قميصه! فغسّل في القميص. وغسّل الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر والثالثة بالماء والكافور.

,

الغسل

وغسّله عليّ والفضل بن عباس- وكان الفضل رجلا أيّدا [ (4) ]-، وكان يقلّبه

__________

[ (1) ] ضرح الضريح للميت: حفر له فشق في وسط القبر (وكان ذلك عمل أهل مكة لموتاهم) .

[ (2) ] لحد اللحد للميت: حفر وشق في جانب القبر (وكان ذلك عمل أهل المدينة لموتاهم) .

[ (3) ] عصب الرجل: أقاربه من جهة الأب.

[ (4) ] الأيد: الشديد القوي.

شقران، ووقف العباس بالباب وقال: لم يمنعني أحضر غسله إلا أني كنت أراه يستحي أني أراه حاسرا [ (1) ] .

وذهب علي رضي اللَّه عنه يلتمس من بطن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ما يلتمس من بطن الميت، فلم يجد شيئا، فقال: بأبي وأمي!! ما أطيبك حيا وميتا!!

وقيل غسله علي، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران يصبون الماء.

,

الكفن

واشترى له عليه السلام حلة حبرة بتسعة دنانير ونصف ليكفّن بها. ثم بدا لهم فتركوها. فابتاعها عبد اللَّه بن أبي بكر. وكفّن صلّى اللَّه عليه وسلّم في ثلاثة أثواب سحوليّة بيض [ (2) ] ، أحدها برد حبرة. وقيل: أحدها حلة حبرة وليس فيها قميص ولا عمامة وأدرج في أكفانه.

وقيل: كفّن في حلة حبرة وقميص. وفي رواية: في حلة حمراء نجرانية وقميص. وقيل: إن الحلة اشتريت له فلم يكفّن فيها. وقيل كفّن في سبعة أثواب، وهو شاذ. وقيل: كفن في ثلاثة أثواب: قميصه الّذي مات فيه، وحلة نجرانية، وهو ضعيف، وحنّط بكافور، وقيل: بمسك [ (3) ] .

الصلاة على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

ثم وضع على سريره، وكان ألواحا ثم أحدثت له بعد ذلك قوائم، ووضع السرير على شفير القبر، ثم كان الناس يدخلون زمرا زمرا. يصلون عليه.

أول من صلّى على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

وأوّل من صلّى عليه العباس وبنو هاشم. ثم خرجوا ودخل المهاجرون، ثم الأنصار: زمرة زمرة، ثم دخل الصبيان، ثم النساء.

وقيل صلّي عليه اثنتان وسبعون صلاة [ (4) ] .

__________

[ (1) ] حاسرا: كاشفا ثيابه.

[ (2) ] سحولية: نسبة إلى سحول، وهي قرية باليمن.

[ (3) ] الحنوط طين يحنّط للميت.

[ (4) ] في (خ) «اثنان وسبعون» .

,

خبر أمهات المؤمنين

وقد قامت أمهات المؤمنين يلتدمن على صدورهن [ (1) ] : وقد وضعن الجلابيب عن رءوسهن، ونساء الأنصار يضربن الوجوه، وقد بحّت حلوقهنّ من الصياح [ (2) ] .

,

الصلاة عليه

ولم يزل صلّى اللَّه عليه وسلّم موضوعا على سريره، من حين زاغت الشمس في يوم الاثنين إلى حين زاغت الشمس يوم الثلاثاء، فصلي عليه وسريره على شفير قبره.

,

يوم دفنه

ودفنوه ليلة الأربعاء سحرا. وقيل: دفن يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الثلاثاء.

وقيل: يوم الاثنين عند الزوال. قاله الحاكم وصحّحه. وقال ابن عبد البرّ: أكثر الآثار على أنه دفن يوم الثلاثاء، وهو قول، أكثر أهل الأخبار.

فلما أرادوا أن يقبروه [ (3) ] نحّوا السرير قبل رجليه [ (4) ] ، فأدخل من هناك.

,

لحده ومن دخل فيه

ودخل حفرته العبّاس، والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وعلي، وشقران رضي اللَّه عنهم، ويروي أنه نزل أيضا أسامة بن زيد وأوس بن خولي: وبني عليه في لحده بتسع لبنات، وضرح في لحده سمل قطيفة نجرانية كان يلبسها [ (5) ] .

ثم خرجوا وهالوا التراب، وجعلوا ارتفاع القبر شبرا وسطحوه، وجعلوا عليه

__________

[ (1) ] لدمت المرأة صدرها أو التدمت صدرها: ضربته.

[ (2) ] لم يثبت عن أمهات المؤمنين أنهن قد قمن بشيء من لطم الخدود وغير ذلك من الأعمال المنهي عنها شرعا عل لسان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وكل ما ورد في ذلك ما رواه (ابن سعد) ج 2 ص 289: «حتى إذا فرغت الرجال دخلت النساء فكان منهن صوت وجزع لبعض ما يكون منهن فسمعن هذه في البيت ففرقن فسكتن.

وروي (ابن الأثير) في (الكامل) ج 2 ص 320: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «دنا الفراق والمنقلب إلى اللَّه وسدرة المنتهى والرفيق الأعلى..» إلى أن قال صلّى اللَّه عليه وسلّم: « ... ثم ادخلوا على فوجا فوجا فصلوا على ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة» . وانظر أيضا: (البداية والنهاية) ج 5 ص 278.

[ (3) ] في (خ) «بقبره» .

[ (4) ] نحّى الشيء: أبعده ناحية.

[ (5) ] السمل: الخلق البالي من الثياب.

حصباء ورش بلال رضي اللَّه عنه على القبر الماء بقربة: فبدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب الماء إلى الجدار، ولم يقدر أن يدور من الجدار.

عمره عند وفاته صلّى اللَّه عليه وسلّم

وكان عمره صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم توفاه اللَّه ثلاثا وستين سنة على الصحيح. وقيل كان ستين. وقيل خمسا وستين. وهذه الأقوال الثلاثة في صحيح البخاريّ عن ابن عباس رضي اللَّه عنه [ (1) ] .

فصل في ذكر أسمائه صلّى اللَّه عليه وسلّم

اعلم أن لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عدة أسماء: منها ما سماه اللَّه- عزل وجل- به في القرآن الكريم، ومنها ما سمي به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم نفسه، وقد سمّي بعدة أسماء كثيرة.

فذكر الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن وهبة بن عساكر- رحمه اللَّه- عشرين اسما.

وذكر الحافظ أبو الفرح عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي- رحمه اللَّه- ثلاثة وعشرين اسما [ (2) ] وقال الحافظ أبو الخطاب عمر بن حسن بن دحية- رحمه اللَّه- ثلاثمائة اسم في كتابه (المستوفي في أسماء المصطفى) [وقال] [ (3) ] : أنه إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن العظيم والحديث النبوي بلغت ثلاثمائة اسم.

وذكر أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن الحرالّي تسعة وتسعين اسما.

وذكر القاضي أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن العربيّ المعافري في شرح جامع الترمذي عن بعض الصوفية: أن للَّه تعالى ألف اسم، وللنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم ألف اسم، عرف منها أربعة وستون اسما فذكرها.

__________

[ (1) ] آخر النسخة (ط) وهو ما يقابل السطر الثالث والعشرين من ص 179 من النسخة (خ) .

[ (2) ] (صفة الصفوة لابن الجوزي) ج 1 ص 54، 55 باب ذكر أسماء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.

[ (3) ] زيادة للسياق.

وأشهر أسمائه صلّى اللَّه عليه وسلّم (محمد) و (أحمد) ، وهما اسمان من أسماء الأعلام التي يراد بها التمييز بين الأشخاص، وكل منهما ومن بقية أسمائه يشتمل على معنى من معاني الفضل.

ومن تأمل علم أنه ليس من أسماء الناس اسم يجمع من [معاني صفات الحمد] [ (1) ] ما يجمعه هذان الاسمان، فأحمد اسم منقول من صفة لأفعل، وتلك الصفة- أفعل- التي يراد بها التفضيل، فمعنى أحمد: أي أحمد الحامدين لربه.

والأنبياء عليهم السلام كلهم حامدون للَّه تعالى، إلا أن نبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم أكثرهم حمدا، فيكون هو الأحق بالحمد، ومحمد هو البليغ في الحمد، فمن سمّي بهذين الاسمين فقد سمّي بأجمع الأسماء لمعاني الفضل.

يقال رجل محمد ومحمود، إذا كثرت خصاله المحمودة، ومعنى الاسمين واحد، فإنّ وصف الشخص بأنه أحق بالحمد مبالغة في حمده، والمبالغة في حمده تقدير له في الحمد على من لا يبالغ في حمده، فأحمد على هذا هو محمد، ومحمد أحمد.

وقد ذكر اللَّه جل جلاله هذين في كتابه فقال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [ (2) ] ، وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ (3) ] ، وقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ (4) ] .

وخرّج الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البخاري- رحمه اللَّه- في صحيحه من حديث سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه: قال:

قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: ألا تعجبون كيف يصرف اللَّه عني شتم قريش ولعنهم؟ - يشتمون مذمما، ويلعنون مذمما، وأنا محمد [ (5) ] .

وخرّج النسائي أيضا، وذكر أبو الربيع بن سالم أنه روي عن عبد المطلب إنما سماه صلّى اللَّه عليه وسلّم محمدا لرؤيا رآها، زعموا أنه رأى في منامه سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض، وطرف المشرق وطرف في

__________

[ (1) ] ما بين القوسين غير واضح في التصوير من النسخة (خ) ولعل ما أثبتناه هو المناسب.

[ (2) ] من الآية 29/ الفتح.

[ (3) ] من الآية 144/ آل عمران.

[ (4) ] من الآية 6/ الصف.

[ (5) ] (صحيح البخاري) ج 2 ص 270 باب ما جاء في أسماء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.

المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها في نور وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها فقصها. فعبّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا، مع ما حدثته آمنة به [ (1) ] .

وقال أبو القاسم السهيليّ [ (2) ] : لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الاسم قبله صلّى اللَّه عليه وسلّم إلا ثلاثة طمع آباؤهم حيث سمعوا بذكر محمد وبقرب زمانه وأنه يبعث بالحجاز، أن يكون ولدا لهم، ذكرهم ابن فورك في كتاب الفصول، وهم: محمد ابن سفيان بن مجاشع جد [ (3) ] الفرزدق الشاعر، والآخر: محمد بن أحيحة بن الجلاح ابن الحريش بن جمحي بن كلفة بن عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس، والآخر:

محمد بن حمران بن ربيعة.

وكان آباؤهم الثلاثة قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وباسمه، وكان كل واحد منهم قد خلّف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم: إن ولد له ذكر أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك.

وذكر القاضي عياض: من تسمي بمحمد في الجاهلية فبلغوا ستة، ثم قال في هذين الاسمين من عجائب خصائصه وبدائع آياته شيء آخر، هو أن اللَّه جلّ اسمه حمى أن يسمّى بهما أحد قبل زمانه، أما أحمد الّذي أتى في الكتاب وبشرت به الأنبياء. فمنع اللَّه تعالى بحكمته أن يسمّى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعو قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب، أو شك [ (4) ] .

وكذلك محمد أيضا لم يسمّ به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده صلّى اللَّه عليه وسلّم وميلاده، أن نبيا يبعث اسمه محمد، فسمّى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك، رجاء أن يكون أحدهم هو، واللَّه أعلم حيث يجعل رسالته، وهم: محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن برّاء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد

__________

[ (1) ] (الروض الأنف) ج 1 ص 182 «مع ما حدثته به أمه حين قيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وضعتيه فسميه محمد» .

[ (2) ] (المرجع السابق) ج 1 ص 182.

[ (3) ] في (خ) «جد الفرزدق» وما أثبتناه من (السهيليّ) ج 1 ص 182.

[ (4) ] (الشفاء للقاضي عياض) ج 1 ص 145.

ابن خزاعيّ السلمي، لا سابع لهم.

ويقال: أول من سمى محمدا، محمد بن سفيان، واليمن تقول: بل محمد ابن اليحمد من الأزد، ثم حمى اللَّه كل من تسمى به أن يدّعي النبوة، أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشك أحدا في أمره حتى تحققت السمتان له صلّى اللَّه عليه وسلّم ولم ينازع فيهما.

قال كاتبه. وذكر محمد بن مسلمة الأنصاري فيهم، فيه نظر من حيث أنه ولد بعد ولادة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بنحو عشر سنين، ولكنه صحيح من حيث أنه لم تكن النبوة ظهرت- واللَّه أعلم.

وذكر ابن سعد فيهم: محمد الجشمي في بني سراة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقيمي.

وقال أبو العباس المبرد: فتش المفتشون فما وجدوا بعد نبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم من اسمه أحمد قبل أبي الخليل بن أحمد.

وللبخاريّ من حديث الزهري، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول [ (1) ] : إن لي أسماء، أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الّذي يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الّذي ليس بعدي أحد، وقد سماه اللَّه رءوفا رحيما، ذكره البخاري في التفسير، وانتهى حديثه عند قوله: وأنا العاقب.

وذكره مسلم أيضا من حديث عقيل، قال: قلت: لابن شهاب وما العاقب؟

قال: الّذي ليس بعده نبي [ (2) ] .

ومن حديث معمر وعقيل: وأنا الماحي الّذي يمحو اللَّه بي الكفر [ (3) ] ،

وللبخاريّ من حديث مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: لي خمسة أسماء: أنا محمد وأحمد، وأنا الماحي الّذي

__________

[ (1) ]

في رواية (البخاري) ج 2 ص 220 «سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: لي أسماء» .

[ (2) ] (مسلم بشرح النووي) ج 15 ص 106.

[ (3) ] في (خ) «الكفرة» .

يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب.

وذكره البخاري في المناقب في باب ما جاء في أسماء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: تفرد برفعه عن مالك جويرية بن أسماء، ورواه عبد اللَّه ابن وهب، وبشر بن عمرو الزهراني، ويحيى بن عبد اللَّه بن بكير المصري عن مالك مرسلا لم يذكر فيه جبيرا، ورفعه صحيح عن الزهري، فقد وصله عنه يونس ابن زيد، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي، وسفيان بن عيينة (انتهى) .

وقد رفعه عن مالك غير جويرية بن أسماء قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر:

وقد ذكر حديث مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم أن النبي هكذا روي هذا الحديث [رواه] [ (1) ] يحيى مرسلا لم يقل عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر رواة الموطأ، وممن تابعه على ذلك القيعي وابن بكير، وابن وهب وابن القاسم، وعبد اللَّه بن يوسف، وابن أبي أويس، وعبد اللَّه بن مسلم الدمشقيّ، وأسنده عن مالك معن بن عيسى، ومحمد بن المبارك الصوري، ومحمد بن عبد الرحيم، وابن شروس الصنعاني، وإبراهيم بن طهمان، وحبيب ومحمد بن وهب، وأبو حذافة، وعبد اللَّه بن نافع، وأبو المعتب الزهري، كل هؤلاء رواه عن مالك مسندا عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه.

وخرجه مسلم من حديث سفيان عن الزهري، سمع محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: أنا أحمد، وأنا محمد، وأن الماحي الّذي يمحي بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب، والعاقب الّذي ليس بعده نبي [ (2) ] .

وخرجه عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: إن لي أسماء: أنا أحمد وأنا محمد، وأنا الماحي الّذي يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، قال: قلت للزهري: وما العاقب؟ قال: الّذي ليس بعده نبي.

وخرجه مسلم أيضا عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق، وأخرجه أيضا من

__________

[ (1) ] زيادة للسياق.

[ (2) ] (مسلم بشرح النووي) ج 15 ص 104.

حديث يونس بن يزيد عن الزهري، وقال في الحديث: وأنا العاقب الّذي ليس بعده أحد، وقد سمّاه اللَّه رءوفا رحيما [ (1) ] ،

ويحتمل أن تكون تفسير العاقب من قول محمد بن شهاب الزهري، كما بينه معمر، وقوله: وقد سماه اللَّه رءوفا رحيما، من قول الزهري، واللَّه أعلم.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: سألت سفيان- يعني ابن عيينة- عن العاقب فقال لي: آخر الأنبياء.

قال أبو عبيد: وكذلك كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب، وقد عقب يعقب عقبا، ولهذا قيل: ولد الرجل بعده عقبة، وكذلك آخر كل شيء عقبه.

وقوله يحشر الناس على قدمي: أي قدّامي وأمامي.

أي أنهم مجتمعون إليه، وينضمون حوله، ويكونون أمامه يوم القيامة ووراءه.

وقال الخليل بن أحمد حشرتهم السنة: إذا ضمتهم من البوادي، وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [ (2) ] .

وقد روي: يحشر الناس على قدمي

بالإفراد مخفف الياء، وروي بتشديد الياء على التثنية [ (3) ] .

وقيل معناه أنه أول من يبعث من القبر، وكل من عداه إنما يبعثون بعده، وهو أول من يذهب به من المحشر ثم الناس في إثره.

وقيل معنى

قوله وأنا الماحي،

يعني تمحى به سيئات من اتبعه.

وخرج أبو داود الطيالسي من حديث جابر [عن] نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: أنا محمد وأنا أحمد والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة.

ولمسلم من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يسمي لنا نفسه أسماء فقال:

__________

[ (1) ] المرجع السابق ص 105.

[ (2) ] من الآية 40/ الأحزاب.

[ (3) ] (مسلم بشرح النووي) ج 15 ص 105.

أنا محمد وأحمد [ (1) ] والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة [ (2) ] .

وقد روي من عدة طرق عن الليث بن سعد رحمه اللَّه قال: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة عن مسلم عن نافع بن جبير بن مطعم أنه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك: أتحصي أسماء رسول اللَّه التي كان جبير بن مطعم يعدها؟ قال نعم، قال هي ستة: محمد وأحمد وخاتم وحاشر وعاقب وماحي، فأما حاشر: فبعث مع الساعة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وأما عاقب، فإنه عقب الأنبياء، وأما ماحي، فإن اللَّه عزّ وجلّ محا به سيئات من اتبعه.

وذكره الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، وقد قيل إنه إنّما سمي نبي التوبة لأنه أخبر أن اللَّه يقبل التوبة من عباده إذا تابوا، وسمي نبي الملحمة لأن اللَّه فرض عليه قتل الكفار، وجعله شرعا باقيا إلى قيام الساعة، فما فتح مصرا من الأمصار إلا بالسيف أو خوفا من السيف، إلا المدينة النبويّة فإنّها فتحت بالقرآن.

وقيل معنى المقفى: المتبع للأنبياء عليهم السلام، يقال قفوته أقفوه، وقفيته أقفيه إذا اتبعته، وقافية كل شيء آخره، وقيل لأنه قفي إبراهيم عليه السلام.

وقيل المقفي لموسى وعيسى عليهما السلام، لنقل قومهما من اليهودية والنصرانية إلى الحنفية.

وقيل إنما اقتصر صلّى اللَّه عليه وسلّم على هذه الأسماء مع أن له أسماء غيرها، لأنها موجودة في الكتب المتقدمة، وعند الأمم السالفة.

وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: إنما أنا رحمة مهداة، ورواه وكيع عن الأعمش عن أبي صالح منقطعا.

وروي الكلبي عن أبي صالح عن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما في قول اللَّه سبحانه: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [ (3) ] ، يا رجل ما أنزلنا عليك

__________

[ (1) ] في (خ) «أنا محمد ومحمد وأحمد» .

[ (2) ] ونحوه (في سنن الترمذي) ج 4 ص 214 حديث رقم 2996 وفي (الشمائل المحمدية للترمذي) ص 196، 197.

[ (3) ] أول سورة طه.

القرآن لتشقى، وكان يقوم الليل على رجليه، فهي لعلك [ (1) ] ، إن قلت لعكيّ يا رجل، لم يلتفت، فإذا قلت له طه، التفت إليك [ (2) ] .

وقال الخليل بن أحمد: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: محمد وأحمد نبينا صلّى اللَّه عليه وسلّم، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل، عليهم السلام [ (3) ] .

وقال أبو زكريا بن محمد العنبري: ولنبينا محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم خمسة أسماء في القرآن:

محمد، وأحمد، وعبد اللَّه، وطه ويس، قال اللَّه تعالى في ذكر محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وقال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ (4) ] وقال:

وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ (5) ] : يعني النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ليلة الجن كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [ (5) ] . وإنما كانوا يقعون بعضهم على بعض كما أن اللبد تتخذ من الصوف فيوضع بعضه على بعض فيصير لبدا.

قال تعالى: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، والقرآن إنما نزل على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم دون غيره.

وقال تعالى: يس يعني يا إنسان، والإنسان ها هنا: هو محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وقد سماه اللَّه تعالى في القرآن الكريم رسولا ونبيا أميا، وسماه شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى اللَّه بإذنه وسراجا منيرا، وسماه رءوفا رحيما، وسماه نذيرا مبينا، وسماه مذكّرا، وجعله رحمة [للعالمين صلّى اللَّه عليه وسلّم] [ (6) ] .

وعن كعب الأحبار قال: قال اللَّه تعالى لمحمد صلّى اللَّه عليه وسلّم: عبدي المختار.

وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت على بن زيد يقول: اجتمعوا فتذاكروا أي بيت أحسن فيما قالت العرب؟ قالوا: الّذي قال أبو طالب، للنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم:

__________

[ (1) ] لعلك: قبيلة يضاف إليها مخلاف باليمن (معجم البلدان) ج 4 ص 142.

[ (2) ] وفي (تفسير الطبري) في معنى قوله تعالى: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى: «والّذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال: معناه: يا رجل، لأنها كلمة معروفة في لعك فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل» (تفسير الطبري) ج 16 ص 136.

[ (3) ] ذكره (القرطبي) في (الجامع لأحكام القرآن) ج 1 ص 281.

[ (4) ] من الآية 6/ الصف.

[ (5) ] آية 19/ الجن.

[ (6) ] ما بين القوسين مطموس في (خ) بقدر كلمتين أو ثلاثة ولعل ما أثبتناه هو المناسب.

وشق له من اسمه يجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد

ومن أسمائه: الضحوك القتال، والأمين، والقثم، وأحيد، لأنه يحيد أمته عن نار جهنم، فهو محمد وأحمد والأمين، والأمي والحاشر والخاتم، والرسول، ورسول اللَّه والشاهد والضحوك، والعاقب والفاتح، والقتال والقثم، والماحي والمصطفى، والمتوكل والمقفي، والنبي والنذير، ونبي الرحمة، ونبي الملاحم.

فصل في ذكر كنية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

اعلم أن الكنية إنما وضعت لاحترام المكنى بها وإكرامه وتعظيمه، كي لا يصرح في الخطاب باسمه، ومنه قول [الشاعر] [ (1) ] :

أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسّوأة اللقبا

ويقال كنيت الرجل بأبي فلان، وأبا فلان على تعدية الفعل، بعد إسقاط الحرف كلية بكسر الكاف وضمها.

وكذلك يقال: كنيته، وكنية فلان أبو فلان، وكذلك كنيته بالكسر، أي الّذي يكنى به.

وقال اللحياني: يقال كنية، وكنية، وكنية، وكنوة، وكنوة، وكنوة.

وقال المبرد: الكنية من الكناية، والكناية ضرب من التعظيم والتفخيم، فيعظم الرجل أن يدعى باسمه فيكنى. ووقعت الكنية في الصبي على جهة التفاؤل بأن يكون له ولد فيدعى به، وفي الكبير بأن يصان اسمه باسم ابنه، وقال غيره: يقال كنوته وكنيته.

وقال المطرزي: يقال أيضا: أكنيته من الكنية، ويقال-: إن الأصل في سبب الكنى في العرب أن ملكا من ملوكهم الأول ولد له ولد، توسم فيه النجابة، فشغف به حتى إذا نشأ وترعرع لأن يؤدب أدب الملوك، أحب أن يفرد له موضعا بعيدا من العمارة، يكون فيه مقيما يتخلق بأخلاق الملوك من مؤدبيه، ولا يعاشر من يضيع عليه بعض زمانه، فبنى له في البرية منزلا ونقله إليه، ورتب إليه من يؤدبه بأنواع الآداب العلمية والملكية، فأقام له ما يحتاج إليه من أمر دنياه، ثم أضاف

__________

[ (1) ] ما بين القوسين بياض في (خ) .

إليه من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمه، وأمرائه ليؤنسوه ويتأدبوا بآدابه، ويحببوا إليه الأدب بموافقتهم له عليه. وكان الملك في رأس كل سنة [يذهب] [ (1) ] إلى ولده، ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد، ليبصروا أولادهم، وكانوا إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاءوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم، فيقال له: هذا أبو فلان: وهذا أبو فلان، يعنون آباء الصبيان الذين هم عنده، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم، فمن هنالك ظهرت الكنى في العرب.

وكان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يكنى بأبي القاسم، وبأبي إبراهيم،

خرّج البخاري ومسلم من حديث حميد عن أنس رضي اللَّه عنه قال: نادى رجل رجلا بالبقيع:

يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال [الرجل] [ (2) ] يا رسول اللَّه إني لم أعنك!! إنما دعوت فلانا، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي

واللفظ لمسلم [ (3) ] .

وقال البخاري: دعا رجل رجلا. وقال: سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي، ذكره في البيوع في باب ما ذكر في الأسواق. وفي لفظ له: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال [الرجل] [ (4) ] : إنما دعوت هذا، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي [ (5) ] . وذكره أيضا في المناقب.

وخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة عن سليمان ومنصور وقتادة، سمعوا

__________

[ (1) ] مكان هذه الكلمة في (خ) ما رسمه «بعنى» ، ولم أتبين معناه، ولعل ما أثبتناه يعمم المعنى.

[ (2) ] زيادة للإيضاح.

[ (3) ] (صحيح البخاري) ج 2 ص 270، (سنن ابن ماجة) ج 2 ص 1230، 1231 باب (33) الجمع بين اسم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وكنيته، الأحاديث أرقام 3735، 3736، 3737.

[ (4) ] زيادة للإيضاح.

[ (5) ]

سنن الترمذي ج 4 ص 214، 215 باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وكنيته، الأحاديث أرقام 2997، 2998، 2999، 3000 وقال فيه: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا يحيى ابن سعيد القطان، أخبرنا قطر بن خليفة حدثني منذر، وهو الثوري عن محمد، وهو ابن الحنفية عن علي بن أبي طالب أنه قال: «يا رسول اللَّه أرأيت إن ولد لي بعدك أسميه محمدا وأكنيه بكنيتك؟

قال: نعم، قال: فكانت رخصة لي» ، هذا حديث حسن صحيح، انظر أيضا: سنن أبي داود ج 5 باب قم 74، ورقم 75، ورقم 76 الأحاديث أرقام 4965، 4966، 4967، 4968.

سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنه قال: ولد لرجل من الأنصار غلام، فأراد أن يسميه محمدا، قال شعبة في حديث منصور أن الأنصاري قال: حملته على عنقي، فأتيت به النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم،

وفي حديث سليمان: ولد له غلام فأراد أن يسميه محمدا، قال: سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإنّي جعلت قاسما أقسم بينكم، ذكره البخاري في كتاب الخمس وفي كتاب الأدب.

وذكر له مسلم عدة طرق، في بعضها: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإنما أنا قاسم أقسم بينكم.

وفي بعضها: فإنما بعثت قاسما أقسم بينكم، وفي بعضها: فإنّي أنا أبو القاسم أقسم بينكم.

وللترمذي من حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، اللَّه يرزق وأنا أقسم.

وخرج الدارميّ من حديث عقيل عن ابن شهاب عن أنس أنه لما ولد إبراهيم ابن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من مارية جاريته، كان يقع في نفس النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم منه حتى أتاه جبريل عليه السلام فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم [ (1) ] .

قال جامعه: وللناس في التكني بأبي القاسم ثلاثة مذاهب: المنع مطلقا، وإليه ذهب الشافعيّ، والجواز مطلقا، وأن النهي خاص بحياة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم [ (2) ] .

والثالث: لا يجوز لمن اسمه محمد، ويجوز لغيره.

قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذا هو الأصح: لأن الناس ما زالوا يفعلونه في جميع الأعصار من غير إنكار.

وقال النووي: هذا مخالف لظاهر الحديث، وأما إطباق الناس عليه ففيه تقوية للمذهب الثاني.

وحكي الطبري مذهبا رابعا له هو المنع من التسمية بمحمد مطلقا ومن التكنية بأبي القاسم مطلقا [ (3) ] .

__________

[ (1) ] (فتح الباري) ج 6 ص 650 باب كنية النبي.

[ (2) ] انظر التعليق السابق.

[ (3) ]

ذكر (البيهقي) في (السنن الكبرى) ج 9 ص 308، 309 في باب ما يكره أن يتكني به: «قال

فصل في ذكر صفة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

اعلم أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان ربعه، بعيد ما بين المنكبين، أبيض اللون مشربا حمرة، يبلغ شعره شحمة أذنيه، وكان شعره فوق الجمة، ودون الوفرة، ودخل مكة وله أربع غدائر، وكان سبط الشعر، في لحيته كثافة ومات صلّى اللَّه عليه وسلّم ولم يبلغ الشيب في رأسه ولحيته عشرين شعرة، وكان ظاهر الوضاءة، يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر، وكان كما وصفته عائشة رضي اللَّه عنها بما قاله شاعره حسان بن ثابت رضي اللَّه عنه [ (1) ] :

متى يبد في الداجي البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدجى المتوقد

فمن كان أو قد يكون كأحمد ... نظام لحق أو نكال لملحد

وكما كان أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه يقول إذا رآه صلّى اللَّه عليه وسلّم:

أمسى مصطفى بالخير يدعو ... كعضو البدر زايله الظلام

وكما كان عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ينشد إذا رآه:

لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المعني لليلة البدر

وكان أبيض اللون، ليس بالأبيض الأمهق [ (2) ] ولا بالآدم [ (3) ] ، أقنى العرنين [ (4) ] ،

__________

[ () ] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فإنما أنا قاسم بعثت أقسم بينكم» ،

وفي باب من رأى الكراهة في الجمع بينهما: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «من تسمي باسمي فلا يكنى بكنيتي، ومن تكنى بكتيتي فلا يتسمي باسمي» ،

وفي باب ما جاء في الرخصة في الجمع بينهما ما رواه محمد بن الحنفية عن علي رضي اللَّه عنه، ثم قال: والحديث مختلف في وصله، وتعقبه صاحب (الجوهر النقي) ص 309 بأن (الترمذي) قد أخرج هذا الحديث، وصححه، وذهب إلى جواز التكني بأبي القاسم لمن اسمه محمد، مذهب مالك وجمهور السلف وفقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وقد اشتهر جماعة تكنوا بأبي القاسم في العصر الأول، وفيما بعد ذلك إلى اليوم مع كثرة فاعلي ذلك، وعدم الإنكار، كذا في شرح مسلم للنووي.

[ (1) ] ديوان حسان بن ثابت ص 380.

[ (2) ] مهق مهقا: كان لونه أبيض ناصع البياض بغير حمرة، وهو معيب في لون الإنسان، فهو أمهق (المعجم الوسيط) ج 2 ص 890.

[ (3) ] أدم أدما وأدمة: اشتدت سمرته: فهو آدم. المرجع السابق ج 1 ص 10.

[ (4) ] قوله: أقنى العرنين: القنا أن يكون في عظم الأنف احديداب في وسطه، والعرنين: الأنف (صفة الصفوة) ج 1 ص 162.

سهل الخدين، أزج الحاجبين [ (1) ] أقرن [ (2) ] ، أدعج العينين [ (3) ] ، في بياض عينيه عروق حمر دقاق، حسن الخلق معتدلة، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، دقيق السرة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، ضليع [ (4) ] الفم أشنب، مفلج الأسنان [ (5) ] ، بادنا متماسكا [ (6) ] سواء البطن والصدر، ضخم الكراديس [ (7) ] ، أنور المتجرد، أشعر الذراعين والمنكبين، عريض الصدر طويل الزندين، رحب الراحة، شائل الأطراف [ (8) ] خمصان [ (9) ] ، بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمام يشبه حسده، إذا مشى كأنما يتحدّر من صبب [ (10) ] وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر [ (11) ] ، وإذا التفت التفت جميعا، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك [ (12) ] .

__________

[ (1) ] أزج الحاجبين: أي مقوس الحاجبين.

[ (2) ] القرن (بالتحريك) : اقتران الحابين بحيث يلتقي طرفاهما.

[ (3) ] الأدعج: الشديد سواد العينين.

[ (4) ] الضليع: الواسع، والعرب تمدح ذلك، لأن سمته دليل الفصاحة.

[ (5) ] الفلج: انفراج ما بين الأسنان.

[ (6) ] البادن: السمين المعتدل السمن.

[ (7) ] الكراديس: رءوس العظام.

[ (8) ] السائل والشائل: الطويل.

[ (9) ] أخمص القدم هو الموضع الّذي لا يمس الأرض عند الوطء من وسط القدم.

[ (10، 11) ] أي إذا مشي رفع رجليه بقوة. وفي رواية: (تكفّؤا) وهي تأكيد لما قبلها.

[ (12) ] وقد أورد ابن الجوزي في (صفة الصفوة) ج 1 ص 162، 163، 164، 165 فصلا جامعا في تفسير غريب أحاديث صفة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم نذكره هنا بصف إجمالية.

الفخم المفخم: هو العظيم المعظم في الصدور والعيون.

المشذب: الطويل الّذي ليس بكثير اللحم.

الرجل الشعر: الّذي في شعره تكسر، فإذا كان الشعر منبسطا قبل شعر سبط.

والعقيقة: الشعر المجتمع في الرأس.

الأزهر اللون: النير.

أزج الحواجب: أي طويل امتدادهما لوفور الشعر فيهما وحسنه إلى الصدغين.

الأشم: الّذي عظم أنفه طويل إلى طرف الأنف.

وضليع الفم: كبيره، والعرب تمدح بذلك وتهجو بصغره.

والدمية: الصورة وجمعها دمي.

بادن متماسك: أي تام خلق الأعضاء ليس بمسترخي اللحم ولا كثيره.

وقال عند أم سليم [ (1) ] فعرق، فجاءت بقارورة فجعلت تسكب العرق فيها، فاستيقظ صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: يا أم سليم، ما هذا الّذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو أطيب من الطيب.

وكان في صوته صوته صهل وفي عنقه سطع، إن سكت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأجمله من قريب، حلو المنطق خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام، أجود الناس كفّا، وأرحب الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأوفى [ (2) ] الناس بعهده، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه [معرفة أحبّه] .

يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلّى اللَّه عليه وسلّم.


ملف pdf

كلمات دليلية: