مأساة بئر معونة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

مأساة بئر معونة   من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

غزوة بئر معونة

ثم كانت غزوة بئر معونة- وهي ماء لبني عامر بن صعصعة [ (4) ] ، وقيل:

قرب حرة بني سليم- في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا. وسببها أن عامر ابن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة- أبا براء ملاعب، الأسنّة

قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأهدى له فرسين وراحلتين، فقال: لا أقبل

__________

[ () ] وردت الآيتان بالترتيب الطبيعي لهما.

[ (1) ] في (خ) «أن برد الأرض» .

[ (2) ] في (خ) «بنى» .

[ (3) ] نذر بالشيء نذرا: علمه فحذره (المعجم الوسيط) ج 1 ص 912.

[ (4) ] راجع (معجم البلدان) ج 1 ص 302.

هدية مشرك، وردهما،

وعرض عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، إني أرى أمرك هذا حسنا شريفا، وقومي خلفي، فلو أنك بعثت نفرا من أصحابك معي لرجوت أن يجيبوا دعوتك ويتبعوا أمرك، فإن هم اتبعوك فما أعزى أمرك!

فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: إني أخاف عليهم أهل نجد.

فقال عامر: لا تخف عليهم، أنا لهم جار أن يعرض لهم أحد من أهل نجد.

,

خبر القراء وخروجهم إلى بئر معونة

وكان من الأنصار سبعون رجلا شببة، يسمون القراء، كانوا إذا أمسوا أتوا ناحية المدينة فتدارسوا وصلّوا، حتى إذا كان وجاء الصبح [ (1) ] استعذبوا من الماء وحطبوا من الحطب فجاءوا به إلى حجر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فكان أهلوهم يظنون أنهم في المسجد، وأهل المسجد يظنون أنهم في أهليهم، فبعثهم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وأمرّ عليهم المنذر بن عمرو بن حنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الساعدي: أحد النقباء، وكتب معه كتابا. فساروا ودليلهم المطّلب من بني سليم، حتى [إذا] [ (2) ] كانوا ببئر معونة وهو ماء من مياه بني سليم- عسكروا بها وسرّحوا ظهرهم، وبعثوا في سرحهم الحارث بن الصّمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن عامر، وهو مبذول، ابن مالك بن النجار، وعمرو بن أمية بن خويلد بن عبد اللَّه بن إياس بن عبيد ابن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة [جدي بضم الجيم وفتح الدال] الضمريّ، وقدّموا حرام بن ملحان، وهو مالك بن خالد بن زيد ابن حرام بن جندب [ (3) ] بن عامر بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري بكتاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر، فلم يقرءوا الكتاب.

,

خبر عامر بن الطفيل ومقتل القراء

ووثب عامر بن الطفيل على حرام فقتله، واستصرخ بني عامر فأبوا- وكان أبو براء بناحية نجد- فاستصرخ قبائل من سليم- عصية ورعلا [ (4) ]- فنفروا معه

__________

[ (1) ] أول النهار قبيل الفجر.

[ (2) ] زيادة للسياق.

[ (3) ] في (خ) «جنيدب» .

[ (4) ] في (خ) «ورعل» .

حتى وجدوا القراء فقاتلوهم، فقتلوا رضي اللَّه عنهم إلا المنذر بن عمرو فإنّهم أمّنوه إن شاء، فأبى أن يقبل أمانهم حتى يأتي مقتل حرام، فلما أتى مصرعه قاتلهم حتى قتل، وأقبل الحارث [بن الصمة] [ (1) ] وعمرو بن أمية بالسرح والخيل واقفة، فقاتلهم الحارث حتى قتل بعد ما قتل منهم عدة. وأعتق عامر بن الطفيل عمرو ابن أمية عن أمّه وجزّ ناصيته.

وكان ممن قتل يومئذ عامر بن فهيرة: طعنه جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر ابن كلاب الكلابيّ بالرمح ثم انتزعه، فذهب بعامر في السماء حتى غاب عنه وهو يقول: فزت واللَّه! فأسلم جبار لما رأى من أمر عامر.

دعاء رسول اللَّه على أصحاب الغدر

ولما بلغ رسول اللَّه خبر بئر معونة «جاء معها في ليلة واحدة مصاب [خبيب ابن عدي] [ (2) ] ومرثد بن أبي مرثد وبعث محمد بن مسلمة، فجعل يقول: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها. ودعا على قتلتهم بعد الركعة من الصبح في صبح تلك الليلة التي جاء الخبر فيها. فلما قال: سمع اللَّه لمن حمده، قال: اللَّهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللَّهمّ عليك ببني لحيان وزغب ورعل وذكوان، وعصيّة فإنّهم عصوا اللَّه ورسوله، اللَّهمّ عليك ببني لحيان وعضل والقارة، اللَّهمّ أنج الوليد ابن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين.

غفار غفر اللَّه لها، وأسلم سالمها اللَّه. ثم سجد. فقال ذلك خمس عشرة ليلة، ويقال: أربعين يوما، حتى نزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [ (3) ] .

حزن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على القراء وما نزل فيهم من القرآن

ولم يجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة، وأنزل اللَّه فيهم قرآنا نسخ بعد ما قرئ مدة «بلغوا قومنا [عنا] [ (4) ] أنا لقينا ربنا فرضي عنا

__________

[ (1) ] زيادة للبيان.

[ (2) ] زيادة من (ابن سعد) ج 2 ص 53، و (الواقدي) ج 1 ص 349.

[ (3) ] الآية 128/ آل عمران، وفي (خ) «شيء الآية» .

[ (4) ] ما بين القوسين زيادة من (ابن سعد) ج 2 ص 53، وبدون هذه الزيادة رواها (الواقدي) ج 1 ص 350.

ورضينا عنه» .

هدية أبي براء إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

وأقبل أبو براء فبعث ابن أخيه لبيد بن ربيعة بفرس هدية لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فرده وقال: لا أقبل هدية مشرك، قال: فإنه قد بعث يستشفيك من وجع به [وكانت به الدبيلة] [ (1) ] فتناول النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم مدرة من الأرض فتفل فيها ثم ناوله وقال: دفها [ (2) ] بماء ثم اسقها إياه.

ففعل فبرأ. ويقال: بعث إليه بعكة [ (3) ] عسل فلم يزل يلعقها حتى برأ، وشق على أبي براء ما فعل عامر بن الطفيل.

,

مقتل المشركين

وقدم عمرو بن أمية على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد ما لقي بصدور قناة [ (4) ] رجلين من بني كلاب قد قدما على رسول اللَّه فكساهما وأمنهما، فقتلهما للذي أصابت بنو عامر من القراء.

فقال له النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: بئس ما صنعت! قتلت رجلين قد كان لهما مني أمان وجوار! لأدينهما.

وأخرج ديتهما دية حرّين مسلمين، فبعث بها وبسلبهما إلى عامر بن الطفيل.

,

وأما رفع عامر بن فهيرة بعد قتله في بعث بئر معونة

فخرّج البخاريّ قصة بئر معونة في (المغازي) [ (1) ] من حديث يزيد بن زريع حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، ومن حديث همام، عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أنس بن أبي طلحة، حدثني أنس.

ومن حديث مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أنس، وخرّجها في غزوة الرجيع من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، ثم قال: وعن أسامة قال:

قال هشام بن عروة: فأخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمريّ قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ وأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه، وبين الأرض، ثم وضع فأتى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم خبرهم، فنعاهم الحديث.

وذكر الواقدي خبر بعث بئر معونة، ثم قال عامر بن الطفيل لعمرو بن أمية: هل تعرف أصحابك؟ قال: قلت: نعم، قال: فطاف فيهم، وجعل يسأله عن أنسابهم، فقال: هل تفقد منهم عن أحد؟ قال: أفقد مولى لأبي بكر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- يقال له عامر بن فهيرة، فقال: كيف كان فيكم؟ قال: قلت: كان من أفضلنا، ومن أول أصحاب نبينا إسلاما. قال: ألا أخبرك خبره؟ وأشار إلى رجل، فقال: هذا طعنه برمحه، ثم انتزع رمحه، فذهب بالرجل علوا في السماء حتى واللَّه ما أراه، قال عمرو، فقلت ذلك عامر بن فهيرة كان الّذي قتله من بني كلاب يقال له جبار بن سلمي، ذكر أنه لما طعنه قال: سمعته يقول: فزت واللَّه، قال: فقلت في نفسي: ما قوله فزت؟ قال: فأتيت الضحاك بن سفيان الكلابي، فأخبرته بما كان، وسألته عن قوله: فزت، فقال: الجنة، قال: وعرض علي الإسلام، قال: فأسلمت، ودعاني إلى الإسلام ما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة، ورفعه إلى السماء

__________

[ (1) ] (مغازي الواقدي) : 1/ 349.

علوا قال:

وكتب الضحاك إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يخبره بإسلامي، وما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: فإن الملائكة وارت جثته! وأنزل عليين.

وأما إعلام اللَّه تعالى رسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم يهاجم به المشركون من الميل على المسلمين إذ أضلوا ليقتلوهم

فخرّج مسلم [ (1) ] من حديث زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر قال:

غزونا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قوما من جهينة فقاتلونا قتالا شديدا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ذلك، فذكر ذلك لنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفنا صفين والمشركين بيننا وبين القبلة، قال: فكبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وكبرنا وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول فكبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعا سلم عليهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، قال أبو الزبير: ثم خص جابر أن قال: كما يصلي أمراؤكم هؤلاء.

وخرّج أبو داود [ (2) ] من حديث سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقيّ قال: كنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بعسفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 6/ 375، كتاب صلاة المسافر وقصرها، باب (57) صلاة الخوف، حديث رقم (308) .

[ (2) ] (سنن أبي داود) : 2/ 28- 29، كتاب الصلاة باب (281) صلاة الخوف، حديث رقم (1236) .

المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مستقبل القبلة، والمشركون أمامه، فصف خلف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم صف، وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذين يلونه، وقام الآخرون يحرسونهم فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الّذي يليه إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الّذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم والصف الّذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعا، فسلم عليهم جميعا، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم.

قال أبو داود: روى أيوب، وهشام عن أبي الزبير، عن جابر هذا المعنى عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وكذلك رواه داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس وكذلك عبد الملك، عن عطاء، عن جابر، وكذلك قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن أبي موسى فعله، وكذلك عكرمة بن خالد، عن مجاهد، عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وكذلك هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم.

قال كاتبه: في رواية أبي داود زيادة ذكر الموضع الّذي صلى فيه، وقول أبي عياش: وعلى المشركين خالد بن الوليد، وهو قول الثوري.

وذكر الواقدي، عن خالد بن الوليد- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- في قصة إسلامه قال: فلما خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى الحديبيّة خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه، وتعرضت له فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فأطلع اللَّه نبيه على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو هشام عن أبي الزبير، عن جابر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- قال: صلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بأصحابه الظهر بنخل، فهم بهم المشركون، ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه أحب إليهم

من أبنائهم، قال: فنزل جبريل على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأخبره، فصلى العصر، وصفهم صفين ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بين أيديهم، والعدو بين يديّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وكبروا جميعا، وركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونه، والآخرون قيام، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون، ثم تقدم هؤلاء، وتأخر هؤلاء، وكبروا جميعا، وركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونهم والآخرون قيام، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون.

وأما حماية اللَّه تعالى رسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم من غورث بن الحارث، وكفايته أمره

فخرّج البخاريّ من حديث شعيب، ومحمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن سنان، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- أخبره أنه غزا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قبل نجد، فلما قفل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قفل معه، فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وتفرق الناس في العضاة يستظلون بالشجر، ونزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تحت الشجرة، فعلق بها سيفه.

قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فأستيقظت وهو في يده صلتا فقال لي: من يمنعك منى؟ قلت: اللَّه، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم [ (1) ] .

وقال: أبان حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: كنا مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم فجاء رجل من المشركين، وسيف النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم معلق بالشجرة. فاخترطه، فقال له:

تخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: اللَّه

فتهدده أصحاب النبي

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 7/ 541- 542، كتاب المغازي، باب (32) غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب خصفة منن بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلا، وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، حديث رقم (4135) .

صلّى اللَّه عليه وسلّم وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم أربع، وللقوم ركعتان. وقال مسدد: عن أبي عوانة، عن أبي بشر أسم الرجل غورث بن الحارث، وقاتل فيها محارب خصفة [ (1) ] .

وخرج البخاريّ أيضا من طريق عبد الرزاق حدثنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: غزونا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم غزوة نجد، فلما أدركته القائلة وهو في واد كثير العضاة، فنزل تحت شجرة، وأستظل بها، وعلق سيفه فتفرق الناس في الشجرة يستظلون، وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فجئنا فإذا أعرابى قاعد بين يديه، فقال: إن هذا أتانى وأنا نائم، فأخترط سيفي، فأستيقظت وهو قائم على رأسي مخترط سيفي صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: اللَّه، فشامه، ثم قعد، فهو هذا، قال: ولم يعاقبه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم [ (2) ] . ذكره في غزوة ذات الرقاع [ (3) ] ، وغزوة المريسيع [ (4) ] .

وخرّجه النسائي [ (5) ] وخرّجه البيهقيّ [ (6) ] من طريق أبي بكر الإسماعيليّ قال:

أخبرنا محمد بن يحيي المروزي، قال: حدثنا عاصم هو ابن عليّ، قالا:

حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال: قاتل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم محارب خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل يقال له غورث بن الحارث، حتى قام على رأس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالسيف، فقال:

__________

[ (1) ] (المرجع السابق) : حديث رقم (4136) .

[ (2) ] (المرجع السابق) : 7/ 545، كتاب المغازي، باب (33) غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع، وقال النعمان بن راشد عن الزهريّ: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع، حديث رقم (4139) .

[ (3) ] (سبق تخريجه) .

[ (4) ] (سبق تخريجه) .

[ (5) ] (لعله في الكبرى) .

[ (6) ] (دلائل البيهقيّ) : 3/ 375- 376.

من يمنعك مني؟ قال: اللَّه، قال: فسقط السيف من يده، قال: فأخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم السيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا اللَّه وإني رسول اللَّه؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله،

فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس، ثم ذكر صلاة الخوف، وأنه صلى أربع ركعات، لكل طائفة ركعتين.

قال البيهقيّ: هذا لفظ حديث عاصم، وفي رواية عارم قال الأعرابي:

أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عنه، فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين بإزاء عدوهم، وطائفة تصلي مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، قال: فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، ثم انصرفوا فكانوا مع أولئك الذين بإزاء عدوهم، وجاء أولئك، فصلى بهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ركعتين، فكانت للناس ركعتين ركعتين وللنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم أربع ركعات.

وأما إشارة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم حين ضرب بالفأس في حفر الخندق وإلى ما فتحه اللَّه من المدائن لأمته

فخرج أبو نعيم [ (1) ] من طريق ابن وهب، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم خرج يوم الخندق وهم محدقون حول المدينة فتناول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الفأس فضرب بها ضربة فقال:

هذه الضربة يفتح اللَّه- تعالى- بها كنوز الروم، ثم ضرب الثانية فقال: هذه الضربة يفتح اللَّه- تعالى- بها كنوز فارس، ثم ضرب الثالثة فقال: هذه الضربة يأتيني اللَّه- عزّ وجلّ- بأهل اليمن أنصارا وأعوانا.

وخرجه البيهقيّ [ (2) ] من طريق محمد بن عبد اللَّه الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علّون المقري ببغداد، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يونس القرشيّ، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: حدثنا كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزنيّ قال: حدثني أبي عن أبيه قال: خط رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الخندق عام الأحزاب من أجم السّمر طرف بني حارثة حين بلغ المداد، ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة،

فاختلف المهاجرون والأنصار- في سلمان الفارسيّ- وكان رجلا قويا- فقالت الأنصار: سلمان منا، وقالت المهاجرون: سلمان منا، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: سلمان منا أهل البيت.

قال عمر بن عوف: فكنت أنا، وسلمان، وحذيفة بن اليمان، والنعمان ابن مقرّن، وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحضرنا حتى إذا بلغنا الثديّ أخرج اللَّه من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فكسرت حديدنا، وشقّت

__________

[ (1) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 498- 499، من الأخبار في غزوة الخندق، حديث رقم (429) ، أخرجه الطبراني بإسنادين في أحدهما حييّ بن عبد اللَّه، وثقه ابن معين، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح، كما في (مجمع الزوائد) : 6/ 131.

[ (2) ] (دلائل البيهقيّ) : 3/ 418- 420، باب ما ظهر في حفر الخندق من دلائل النبوة وآثار الصدق.

علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأخبره خبر هذه الصخرة، فإنا إن نعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، فرقى سلمان حتى أتى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول اللَّه، بأبينا أنت وأمنا، خرجت لنا صخرة بيضاء من الخندق مروه فكسرت حديدنا، وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مع سلمان في الخندق، ورقينا عن الشقة في شقة الخندق،

فأخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها- يعني لابتي المدينة- حتى لكأن مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.

ثم ضربها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الثانية، فكسرها، وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.

ثم أخذ بيد سلمان فرقى، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! لقد رأيت شيئا ما رأيته قط، فالتفت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، بأبينا أنت وأمنا، قد رأيناك تضرب، فخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، ولا نرى شيئا غير ذلك، فقال:

صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الّذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.

ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الّذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.

ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها، الّذي رأيتم، أضاءت منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر، وأبشروا يبلغهم النصر.

فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد اللَّه موعود صادق بأن اللَّه وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المسلمون: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [ (1) ] .

وقال المنافقون: ألا تعجبون!؟ يحدثكم ويمنيكم، ويعدكم بالباطل، يخبركم أنه بصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق، ولا تسطيعون أن تبرزوا!!.

فأنزل القرآن: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [ (2) ] .

وله من حديث هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف عن ميمون، قال:

حدثني البراء بن عازب قال: لما كان حين أمرنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا ذلك إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فجاء فلما رآها ألقى ثوبة، وأخذ المعول، فقال:

بسم اللَّه، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها، فقال: اللَّه أكبر أعطيت مفاتيح الشام واللَّه إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، وقال: بسم اللَّه، فقطع ثلثا آخر، فقال: اللَّه أكبر أعطيت مفاتيح فارس، واللَّه إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة، وقال بسم اللَّه، فقطع بقية الحجر، فقال:

اللَّه أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، واللَّه إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة [ (3) ] .

ومن طريق محمد بن إسحاق قال: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثني أبي قال: ابن إسحاق: فحدثني من سمع حميلا يتحدث، عن أنس بن مالك قال: قسم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الخندق بين المهاجرين والأنصار، وظل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يومه ذلك بعمل فضرب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بمعوله ضربة، وبرقت برقة، فخرج نور من قبل اليمن، ثم ضرب أخرى فخرج نور من قبل فارس، فعجب سلمان من

__________

[ (1) ] الأحزاب: 22.

[ (2) ] الأحزاب: 12.

[ (3) ] (المرجع السابق) : 241، باختلاف يسير في اللفظ.

ذلك فقال رسول اللَّه: أرأيت؟ قلت: نعم، قال: لقد أضاء لي أبيض المدائن، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: إن اللَّه قد بشرني في مقامي هذا بفتح اليمن، والروم، وفارس.

وقال: محمد بن إسحاق، عن الكلبي عن أبي صالح، عن سلمان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- قال: ضربت في ناحية الخندق فعصت عليّ صخرة ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قريب مني فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان [جاء] فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت برقة أخرى، قال: فقلت: بأبي أنت وأمي! ما هذا الّذي رأيت تحت المعول؟ قال: وقد رأيت ذلك يا سلمان؟ قلت: نعم، قال: أما الأولى فإن اللَّه فتح بها عليّ اليمن، وأما الثانية فإن اللَّه فتح بها عليّ الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن اللَّه فتح بها عليّ المشرق.

ومن طريق الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا محمد بن أبي يحيى عن العباس بن سهل، بن سعد، عن أبيه قال: كنا مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في الخندق، فأخذ الكرزن [ (1) ] فحفره، فصادف حجرا فضحك، فقيل: لم ضحكت يا رسول اللَّه؟ قال: ضحكت من ناس يؤتي بهم من قبل المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة، وهو كارهون.

قال أبو نعيم: فأخبر صلّى اللَّه عليه وسلّم بانتشار المسلمين وظهورهم حتى يسبوا سبايا الأمم مقيدين مسوقين إلى بلاد الإسلام يسترقون فيسلمون.

وقال الواقدي في (مغازيه) : وحدثني أبيّ بن عباس بن سهل عن أبيه، عن جده قال: كنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم الخندق، فأخذ الكرزن [ (2) ] ، وضرب

__________

[ (1) ] الكرزن والكرزين: قال أبو حنيفة: الكرزن، بفتح الكاف والزاى جميعا، الفأس لها حدّ،

وفي الحديث عن العباس بن سهل عن أبيه قال: كنت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم الخندق فأخذ الكرزين يحفر في حجر إذ ضحك، فسئل: ما أضحك؟ فقال: من ناس يؤتى بهم من قبل المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة وهم كارهون،

قال: أبو عمرو: إذا كان لها حد واحد فهي فأس وكرزن وكرزن، والجمع كرازين وكرازن. (لسان العرب) : 13/ 358.

[ (2) ] راجع التعليق السابق.

به، [فصادف حجرا] ، فصلّ الحجر فضحك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقيل: يا رسول اللَّه مم تضحك؟ قال: أضحك من قوم يؤتي بهم من المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة وهم كارهون [ (1) ] .

وحدثني عاصم بن عبد اللَّه الحكمي، عن عمر بن الحكم قال: كان عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- يضرب يومئذ بالمعول، فصادف حجرا صلدا، فأخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم المعول وهو عند جبل بني عبيد، فضرب ضربة فذهبت أولها برقة إلى اليمن، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة إلى الشام، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة نحو المشرق، وكسر الحجر عند الثالثة، فكان عمر- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- يقول: والّذي بعثه بالحق لصار كأنه سهلة [ (2) ] ،

وكان كلما ضرب ضربه تبعه سليمان ببصره فيبصر عند كل ضربه برقة، فقال سلمان- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه-: يا رسول اللَّه رأيت المعول كلما ضربت به أضاء ما تحته، فقال: أليس قد رأيت ذلك؟ قال:

نعم.

قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم إني رأيت في الأولى قصور الشام، ثم رأيت في الثانية قصور اليمن، ورأيت في الثالثة قصر كسرى الأبيض بالمدائن، وجعل يصفه لسلمان، فقال: صدقت والّذي بعثك بالحق إن هذه لصفته، وأشهد أنك رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: هذه فتوح يفتحها اللَّه عليكم بعدي يا سليمان، لتفتحن الشام ويهرب هرقل إلى أقصى مملكته، وتظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، ولتفتحن اليمن، ولتفتحن هذا المشرق، ويقتل كسرى فلا يكون [كسرى] بعده، قال سلمان: فكل هذا قد رأيت [ (3) ] .

__________

[ (1) ] (مغازي الواقدي) : 2/ 449، وما بين الحاصرتين من (الأصل) فقط.

[ (2) ] السهلة: رمل ليس بالدقاق.

[ (3) ] (مغازي الواقدي) : 2/ 449- 450، وما بين الحاصرتين من (الأصل) فقط.

وأما إخبار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بأن المشركين بعد الخندق لا يغزون المسلمين، وكان كذلك

فخرّج البخاريّ من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد قال: قال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: يوم الأحزاب نغزوهم، ولا يغزوننا [ (1) ] .

ومن حديث إسرائيل قال: سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت سليمان بن صرد يقول: «سمعت النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول حين أجلي الأحزاب عنه: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» [ (2) ] .

وذكر يونس عن ابن إسحاق- رحمة اللَّه عليه- قال: انصرف أهل الخندق عن الخندق، قالوا: يا رسول اللَّه فما ندمنا لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا ولكنكم تغزونهم فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان هو يغزوهم صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى فتح اللَّه- تعالى- عليه مكة شرفها اللَّه- تعالى- وعظمها [ (3) ] .

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 7/ 515، كتاب المغازي، باب (30) غزوة الخندق وهي الأحزاب، قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع، حديث رقم (4109) .

[ (2) ] (المرجع السابق) : حديث رقم (4110) .

[ (3) ] (دلائل البيهقيّ) : 3/ 457- 458، باب قول النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد ذهاب الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزوننا فكان كما قال.

وأخرجه البخاريّ في (الصحيح) من حديث يحيى بن آدم عن إسرائيل.

وأما قذف اللَّه عز وجل الرعب في قلوب بني قريظة

فخرّج البخاريّ [ (1) ] من حديث ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها- قال: لما رجع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: قد وضعت السلاح! واللَّه ما وضعناه فاخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا، وأشار إلى قريظة، فخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إليهم. وخرّجه مسلم.

وخرّج البخاريّ في الجهاد من طريق عبدة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها- أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لما رجع يوم الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار فقال: وضعت السلاح؟ فو اللَّه ما وضعته، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: فأين؟

قال: ها هنا وأومأ إلى بني قريظة، قال: فخرج إليهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم. ترجم عليه باب الغسل بعد الحرب والغبار [ (2) ] .

وخرّج من طريق جرير بن حازم عن حميد بن هلال، عن أنس- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه- قال: كأني انظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى بني قريظة [ (3) ] .

وذكر ابن إسحاق أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، ونزلوا على حكم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فرد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الحكم

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 7/ 815، كتاب المغازي، باب (31) مرجع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إياهم، حديث رقم (4117) .

[ (2) ] (فتح الباري) : 6/ 38، كتاب الجهاد والسير، باب (18) الغسل بعد الحرب والغبار، حديث رقم (2813) .

[ (3) ] (فتح الباري) : 7/ 518، كتاب المغازي، باب (31) مرجع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إياهم، حديث رقم (4118) .

فيهم إلى سعد بن معاذ الأوسي الأشهلي، فحكم فيهم بأن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبي الذراري والنساء [ (1) ] .

وخرّج البيهقيّ من طريق بشر عن أبيه قال حدثنا الزهري: قال:

أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك أن عمه عبيد اللَّه بن كعب أخبره أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة، واغتسل، واستجمر فتبدّى له جبريل- عليه السلام- فقال: عذيرك [ (2) ] من محارب ألا أراك قد وضعت اللأمة، وما وضعناها بعد، قال: فوثب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا بني قريظة، قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم الناس عند الغروب، فقال بعضهم: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتسابا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوا حين جاءوا بني قريظة احتسابا، فلم يعنف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم واحدا من الفريقين [ (3) ] .

__________

[ (1) ] (سيرة ابن هشام) : 4/ 195، 199، والذراري: الذرّ النسل والذرية فعليه من الذر وهم الصغار، وتكون الذرية واحدا وجمعا، وفيها ثلاث لغات أفصحها ضم الذال، وبها قرأ السبعة، والثانية كسرها، ويروي عن زيد بن ثابت، والثالثة: فتح الذال مع تخفيف الراء، وبها قرأ أبان بن عثمان، وتجمع على ذريات، وقد تجمع على الذراريّ.

[ (2) ] عذيرك: أي هات من يعذرك: فعيل بمعنى فاعل.

[ (3) ] (دلائل البيهقيّ) : 4/ 7- 8، باب مرجع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إياهم، وما ظهر في رؤية من رأى من الصحابة جبريل- عليه السلام- في صورة دحية الكلبيّ، ثم قذف الرعب في قلوب بني قريظة وإنزالهم من حصونهم من آثار النبوة.

وقد أخرجه الإمام أحمد والشيخان مختصرا، والحاكم مطولا عن عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنهما- ومن طريق جابر أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ، والطبري في (التاريخ) عن عبد اللَّه بن أبي أوفى.

وخرّج أيضا من حديث عبد اللَّه بن نافع قال: حدثنا عبد اللَّه بن عمر عن أخيه عبيد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها- أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان عندها، فسلم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فزعا فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي. فقال:

هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة، فقال: قد وضعتم السلاح لكنا لا نضع طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد [ (1) ] ، وذلك حين رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من الخندق، فقام النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فزعا، فقال لأصحابه: عزمت عليكم أن لا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يرد أن ندع الصلاة، فصلوا.

وقالت طائفة: واللَّه إنا لفي عزيمة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا، وتركت طائفة إيمانا واحتسابا فلم فلم يعب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم واحدا من الفريقين [ (2) ] .

__________

[ (1) ] حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة، (معجم البلدان) : 2/ 346، موضع رقم (3908) .

[ (2) ] (دلائل البيهقيّ) : 4/ 8- 9، وقال في (هامشه) : وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف، فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون لأن الأمر يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا، قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: وعلم اللَّه أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إلا في بني قريظة ولو بعد أيام، وهذا القول منه ماش على قاعدته الأصلية في الأخذ بالظاهر.

وقالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرتهم هم المصيبون، لأنهم فهموا أن المراد إنما هو تعجيل السير إلى بني قريظة لا تأخير الصلاة، فعملوا بمقتضى الأدلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حولت إليه يومئذ كما يدعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخروا فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه،

وخرج النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بمجالس بينه وبين بني قريظة، فقال: هل مرّ بكم من أحد؟ قالوا مرّ علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج. فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: ليس ذلك بدحية، ولكن جبريل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب، فحاصرهم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأمر أصحابه أن يستتروا بالجحف حتى يسمعهم كلامه، فناداهم: يا إخوة القردة والخنازير، قالوا: يا أبا القاسم لم تك فحاشا، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا حلفاءه فحكم فيهم أن يقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم ونساؤهم.

وقال يونس عن ابن إسحاق: وحدثني والدي إسحاق بن يسار، عن معبد ابن كلب بن مالك السلمي أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار، وقذف اللَّه- عز وجل- في قلوبهم الرعب [ (1) ] .

__________

[ () ] وأما على قول من يجوّز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البحتري، حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا، فلا إشكال على من أخر، ولا على من قدم أيضا، واللَّه- تبارك وتعالى أعلم-.

[ (1) ] (سيرة ابن هشام) : 4/ 195، حصار بني قريظة.

وأما إجابة اللَّه تعالى دعاء سعد بن معاذ رضي اللَّه تبارك وتعالى عنه في جراحته وإجابة اللَّه تعالى إياه في دعوته وما ظهر في ذلك من كرامته

فخرج البخاريّ [ (1) ] ومسلم [ (2) ] من طريق ابن نمير قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك وتعالى عنها- قالت: أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل قريش يقال له ابن العرقة.

قال البخاريّ: يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل، فضرب عليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من خيمة في المسجد، ليعوده من قريب،

فلما رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من الخندق، وضع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل- عليه السلام- وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح فو اللَّه ما وضعناه اخرج إليهم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: فأين؟ فأشار إلى بنى قريظة، فقاتلهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فنزلوا على حكمه، فرد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الحكم فيهم إلى سعد، قال: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم.

وقال مسلم بعد هذا: حدثنا أبو كريب عن ابن نمير، عن هشام قال: قال أبي: فأخبرت أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه عزّ وجل [ (3) ] .

وقال البخاريّ متصلا بقوله: وأن تقسم أموالهم.

قال هشام: أخبرني أبي عن عائشة أن سعدا قال: - وتحجّر كلمه للبرء- فقال: اللَّهمّ إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهد فيك من قوم

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 7/ 523، كتاب المغازي، باب (31) مرجع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة، ومحاصرته إياهم، حديث رقم (4122) .

[ (2) ] (مسلم بشرح النووي) : 12/ 337- 338، كتاب الجهاد والسير، باب (22) جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، حديث رقم (65) ، (66) .

[ (3) ] راجع التعليق السابق.

كذبوا رسولك وأخرجوه، اللَّهمّ فإن كان بقي من حرب قريش فأبقني أجاهدهم فيك، اللَّهمّ فإنّي أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته فلم يرعهم- وفي المسجد خيمة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الّذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها.

وقال مسلم متصلا بقوله: لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه، وعن أبي كريم قال: عن نمير، عن هشام، قال: أخبرني أبي عن عائشة أن سعدا قال:

وتحجّر كلمه للبرء، فقال: اللَّهمّ إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللَّهمّ فإن كان بقي من حرب قريش شيء، فأبقني أجاهدهم فيك اللَّهمّ فإنّي أظن أنك وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها، واجعل موتى فيها، فانفجرت من ليلته، فلم يرعهم- وفي المسجد معه خيمة من بنى غفار- إلا والدم يسيل إليهم.

فقالوا: يا أهل الخيمة! ما الّذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو دما، فمات منها. [ (1) ]

وخرّج البيهقيّ من حديث الليث قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: رمى سعد بن معاذ يوم الأحزاب فقطعوا أكحله، فحسمه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالنار فانتفخت يده، فتركه، فنزف الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: اللَّهمّ لا تخرج نفسي حتى تقرّ عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطره، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه رسول

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 12/ 338- 339، كتاب الجهاد والسير باب (22) جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، حديث رقم (67) ، قوله «رماه في الأكحل» قال العلماء: هو عرق معروف، قال الخليل: إذا قطع في اليد لم يرفأ الدم، وهو عرق الحياة، في عضو منه شعبة لها اسم.

قوله: «فضرب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم خيمة في المسجد «فيه جواز النوم في المسجد، وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحا. وقوله: «إن سعدا تحجر كلمه للبرء «الكلم بفتح الكاف الجرح، وتحجّر أي يبس.

اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فحكم أن تقتل رجالهم، وتسبي نساؤهم، وذراريهم، يستعين بهم المسلمون، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يا سعد: أصبت حكم اللَّه فيهم، وكانوا أربع مائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه، فمات- رحمه اللَّه-[ (1) ] .


ملف pdf

كلمات دليلية: