غزوة حمراء الأسد من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

غزوة حمراء الأسد   من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

غزوة حمراء الأسد

ثم كانت غزوة حمراء الأسد [ (2) ] يوم الأحد صبيحة أحد. وذلك أن عبد اللَّه ابن عمرو بن عوف المزني [ (3) ] أو في باب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ليلة الأحد، وبلال على الباب بعد ما أذّن وهو ينتظر خروج النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فلما خرج أخبره المزني أنه أقبل من أهله حتى كان بملل إذا قريش قد نزلوا، فسمع أبا سفيان وأصحابه يشتورون [ (4) ] ليرجعوا حتى يستأصلوا من بقي، وصفوان يأبى ذلك عليهم. فدعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أبا بكر وعمر رضي اللَّه عنهما وذكر لهما ذلك، فقالا: أطلب العدو يا رسول اللَّه، ولا يقتحمون على الذرية، فلما صلى الصبح يوم الأحد- ومعه وجوه الأوس والخزرج، وقد باتوا في المسجد على بابه- أمر بلالا فنادى: إن رسول اللَّه يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس.

,

اللواء

ودفع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لواءه إلى أبي بكر، وقيل: لعليّ رضي اللَّه عنهما، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأقام على حرسه عبّاد بن بشر.

خبر عبد اللَّه ورافع ابني سهل

وكان عبد اللَّه ورافع ابنا سهل بن رافع بن عدي بن زيد بن أمية بن زيد الأنصاريان، رجعا من أحد وبهما جراح كثيرة فخرجا يزحفان، فضعف رافع فحمله عبد اللَّه على ظهره عقبة ومشى عقبة [ (2) ] .

فدعا لهما رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لما أتياه وقال: إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم،

ولم يخرج أحد لم يشهد أحدا سوى جابر بن عبد اللَّه، واستأذنه رجال لم يخرجوا أحدا فلم يأذن لهم.

خروج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

ولما اجتمع الناس ركع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ركعتين في المسجد ودعا بفرسه على باب المسجد- وعليه الدرع والمغفر- فركب، وإذا بطلحة رضي اللَّه عنه، فقال:

يا طلحة، سلاحك. فأسرع ولبس سلاحه- وبه تسع جراحات- وأقبل فقال له صلّى اللَّه عليه وسلّم: أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسّيالة. قال: ذلك ظننت، أما إنهم- يا طلحة- لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح اللَّه مكة علينا.

__________

[ (1) ] في (خ) «جريحا» .

[ (2) ] العقبة: المرة بعد المرة، ونصّ (الواقدي) ج 1 ص 335- 336: «فكان عبد اللَّه يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة» .

,

خبر معبد الخزاعي وانصراف المشركين

ولقي معبد بن أبي معبد الخزاعي-[وهو يومئذ مشرك، وكانت خزاعة سلما للنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم] [ (3) ]- رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: يا محمد، لقد عز علينا ما أصابك في نفسك وما أصاب أصحابك، ولوددنا أن اللَّه أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك، ثم مضى، فوجد أبا سفيان وقريشا بالروحاء وهم مجمعون على الرجوع:

فأخبرهم أن محمدا وقومه وأصحابه قد تركهم يتحرقون عليهم [ (4) ] مثل النيران، وأنهم في طلبهم، فانصرفوا سراعا خائفين من الطلب لهم. وبعث أبو سفيان مع نفر من عبد القيس مرّ بهم يريدون المدينة أن يعلموا [ (5) ] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أنهم أجمعوا الرجعة إليه،

فلما بلغوه صلّى اللَّه عليه وسلّم ذلك قال: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل.

فنزل في ذلك قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (6) ] ، وقوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [ (7) ] . وبعث معبد الخزاعي رجلا فأخبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بانصراف أبي

__________

[ (1) ] في (خ) «سليكا» .

[ (2) ] زيادة في المرجع السابق ص 337.

[ (3) ] زيادة للبيان من (الواقدي) ج 1 ص 338.

[ (4) ] في (خ) «عليكم» وهو نص (الواقدي) .

[ (5) ] في (خ) «وهو يعلم» .

[ (6) ] في (خ) «فاخشوهم الآية» وهي الآية 173/ آل عمران.

[ (7) ] في (خ) «القرح الآية» . وهي الآية 172/ آل عمران، وفي رواية (الواقدي) ج 1 ص 340

سفيان ومن معه خائفين، فانصرف صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى المدينة بعد ثلاث.

,

غزوة حمراء الأسد

وخرج يوم الأحد، صبيحة أحد إلى حمراء الأسد، في طلب قريش، ثم عاد بعد ثلاث، ولم يلق كيدا، [واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم] [ (1) ] .

[قال الواقدي: وكانت يوم الأحد لثمان خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا، ودخل المدينة يوم الجمعة وغاب خمسا] [ (2) ] .

[وقال جابر بن عبد اللَّه: يا رسول اللَّه، إن مناديا نادى ألا يخرج معنا إلا من حضر القتال بالأمس، وقد كنت حريصا على الحضور، ولكن أبى خلفنى على أخوات لي وقال: يا بنى، لا ينبغي لي ولك أن ندعهن ولا رجل عندهن، وأخاف عليهنّ وهن نسيات ضعاف، فأذن لي يا رسول اللَّه أن أسير معك، فأذن له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم] [ (2) ] .

[قال جابر: فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري، واستأذنه رجال لم يحضروا القتال فأبى ذلك عليهم] [ (2) ] .

[وخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد شطيت، وشفته قد كلمت من باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه محجوشتان] [ (2) ] .

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من كتب السيرة.

[ (2) ] (مغازي الواقدي) : 1/ 334 وما بعدها مختصرا.

[فدخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم المسجد فركع ركعتين، والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، وبعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحقوهم بحمراء الأسد، ولهم زجل، وهم يأتمرون بالرجوع] [ (1) ] .

[ومضى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في أصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، قال جابر: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة ثلاثين جملا حتى وافت الحمراء، وساق جزرا فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثا] [ (1) ] .

[وكان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يأمرهم في النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمرنا أن نوقد النيران، فيوقد كل رجل نارا، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان مما كبت اللَّه تعالى عدونا] [ (1) ] .

[ومر بأبي سفيان نفر من عبد القيس يريدون المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون محمدا وأصحابه ما أرسلكم به، على أن أوقر لكم أباعركم زبيبا غدا بعكاظ، إن أنتم جئتمونى؟ قالوا: نعم، قال: حيثما لقيتم محمدا وأصحابه فأخبروهم أنا قد أجمعنا الرجعة إليهم، وأنا في آثارهم، فانطلق أبو سفيان] [ (1) ] .

[وقد الركب على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأصحابه بالحمراء، فأخبروهم الّذي أمرهم أبو سفيان، فقالوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، وفي ذلك أنزل اللَّه عز وجل:

الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [ (2) ] ، وقوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ (3) ]] .

__________

[ (1) ] (مغازي الواقدي) : 1/ 334 وما بعدها.

[ (2) ] آل عمران: 172.

[ (3) ] آل عمران: 173.


ملف pdf

كلمات دليلية: