عمرة القضاء من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

عمرة القضاء من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

عمرة القضية

ثم كانت عمرة القضية، وتسمى عمرة القضاء، وغزوة القضاء، وعمرة الصّلح، ويقال لها: عمرة القصاص، قال الغريابيّ: أخبرنا [ (1) ] ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [ (2) ] قال: فحزنت قريش لردها [ (3) ] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم الحديبيّة محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله اللَّه مكة من العام القابل فقضى عمرته، وأقصّه [ (4) ] ما حيل بينه وبين يوم الحديبيّة.

,

أول الجمع للعمرة

وذلك أن ذا القعدة لما أهلّ في سنة سبع، أمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبيّة، فلم يتخلف من أهلها أحد هو حي، وخرج سوى أهل الحديبيّة رجال عمّار. وكان المسلمون في عمرة القضية ألفين. وقال جماعة من العرب: واللَّه يا رسول اللَّه ما لنا زاد، وما من

__________

[ (1) ] في (خ) «نا» وهي اختصار «أخبرنا» ، كما أن «ثنا» اختصار «حدثنا» .

[ (2) ] الآية 194/ البقرة.

[ (3) ] في (خ) «بردها» .

[ (4) ] أعطاه القصاص.

أحد يطعمنا.

فأمر المسلمين أن ينفقوا في سبيل اللَّه، وأن يتصدقوا، وألا يكفّوا أيديهم فيهلكوا [ (1) ] . فقالوا: يا رسول اللَّه! بم نتصدق وأحدنا لا يجد شيئا؟

فقال: بما كان، ولو بشق تمرة، ولو بمشقص [ (2) ] يحمل به أحدكم في سبيل اللَّه.

فأنزل اللَّه تعالى في ذلك: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ (3) ] يعني: ترك النفقة في سبيل اللَّه.

,

وأما عمرة القضاء

فقال ابن إسحاق: فلما رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهري ربيع، وجمادين ورجبا، وشعبان، و [شهر] [ (3) ] رمضان، وشوالا ثم خرج في ذي القعدة، في الشهر الّذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء، مكان عمرته التي صدوه عنها [ (4) ] .

قال ابن هشام- ويقال لها: عمرة القصاص [ (5) ] ، لأنهم صدوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في ذي القعدة، في الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص رسول اللَّه

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 12/ 380، 381، كتاب الجهاد والسير، باب (34) صلح الحديبيّة، حديث رقم (1784) .

[ (2) ] (المرجع السابق) : حديث رقم (91) ، قال الإمام النووي: وفي هذه الأحاديث جواز مصالحة الكفار إذا كان فيها مصلحة، وهو مجمع عليه عند الحاجة، وأن مدتها لا تزيد على عشر سنين إذا لم يكن الإمام مستظهرا عليهم، وإن كان مستظهرا لم يزد على أربعة أشهر، وفي قول: يجوز دون سنة، وقال الإمام مالك: لا حد لذلك، بل يجوز ذلك قل أم كثر بحسب رأى الإمام، واللَّه تعالى أعلم.

[ (3) ] زيادة للسياق من (سيرة ابن هشام) .

[ (4) ] (سيرة ابن هشام) : 5/ 17، عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع.

[ (5) ] وهذا الاسم أولى بها لقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ وهذه الآية فيها نزلت، فهذا الاسم أولى بها، وسميت عمرة القضاء لأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قاضى قريشا عليها، لا لأنه قضى العمرة التي صد عن البيت فيها، فإنّها لم تكن فسدت بصدهم عن البيت، بل كانت عمرة تامة متقبلة، إنهم حين حلقوا رءوسهم بالحل احتملها الريح فألقتها في الحرم، فهي معدودة في عمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وهي أربع: عمرة الحديبيّة، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي قرنها مع حجه في حجة الوداع، فهو أصح القولين أنه كان قارنا في تلك الحجة وكانت إحدى عمره عليه السّلام في شوال كذلك.

صلّى اللَّه عليه وسلّم، فدخل مكة في الشهر الحرام الّذي صدوه فيه من سنة سبع-: بلغنا عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أنه قال: فأنزل اللَّه في ذلك:

الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [ (1) ] .

__________

[ () ] روى عروة عن عائشة وأكثر الروايات أنهن كن كلهن في ذي القعدة إلا التي قرن مع حجه، كذلك روى الزهري وانفرد معمر عن الزهري بأنه عليه السلام كان قارنا، وأن عمراته كن أربعا بعمرة القران.

وأما حجاته عليه السلام فقد روى عن الترمذي أنه حج ثلاث حجات ثنتين بمكة، وواحدة بالمدينة، وهي حجة الوداع، ولا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع، وإن كان حج مع الناس، إذ كان بمكة، كما روى الترمذي، فلم يكن ذلك الحج على الناس، وكماله، لأنه كان مغلوبا على أمره وكان الحج منقولا عن وقته، كما تقدم في أول الكتاب، فقد ذكر أنهم كانوا ينقلونه على حسب الشهور الشمسية، ويؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما، وهذا هو الّذي منع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أن يحج من المدينة، حتى كانت مكة دار إسلام، وقد كان أراد أن يحج مقفله من تبوك، وذلك بإثر الفتح بيسير، ثم ذكر أن بقايا المشركين يحجون، ويطوفون عراة فأخر الحج، حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وذلك في السنة التاسعة، ثم حج في السنة العاشرة بعد إمحاء رسوم الشرك، وانحسار سير الجاهلية، ولذلك قال في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض» .

والعمرة واجبة في قول أكثر العلماء، وهو قول ابن عمر وابن عباس، وقال الشعبي:

ليست بواجبة، وذكر عنه أنه كان يقرؤها: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالرفع أي برفع لفظ العمرة على جعل وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ كلاما مستأنفا- لا يعطفها على الحج.

وقال عطاء: هي واجبة إلا على أهل مكة، ويكره مالك أن يعتمر الرجل في العام مرارا، وهو قول الحسن وابن سيرين، وجمهور العلماء على الإباحة في ذلك، وهو قول على وابن عباس وعائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، قالوا: يعتمر الرجل في العام ما شاء.

[ (1) ] البقرة: 194.

قال موسى بن عقبة: فلما بلغ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ناجح، وضع الأداة كلها: الجحف، والرماح، والمجان، والنبل، ودخلوا بسلاح الراكب:

السيوف في القرب.

قال ابن إسحاق: فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها: أن محمدا وأصحابه في عسرة وجهد وشدة، فحدثني من لا أتهم، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: صفوا له عند دار الندوة، لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم المسجد، اضطبع بردائه [ (1) ] ، واخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم اللَّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة،

ثم استلم الركن، وخرج يهرول [ (2) ] ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت منهم، واستلم [ (3) ] الركن اليماني، ومشى حتى استلم الركن الأسود ثم يهرول كذلك ثلاثة أشواط، ومشى سائرها، فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إنما صنعها لهذا الحي من قريش، للذي بلغه عنهم، حتى حج حجة الوداع، فلزمها فمضت السنة بها.

قال موسى بن عقبة: فلما قدم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مكة، أمر أصحابه فقال: اكشفوا عن المناكب، واسعوا في الطواف ليرى المشركون جلدكم وقوتكم، وكان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يكايدهم بكل ما استطاع، فانكفأ أهل مكة، الرجال والنساء ينظرون إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأصحابه، وهم يطوفون بالبيت، وعبد اللَّه بن رواحة يرتجز بين يدي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، متوشحا بالسيف، وهو يقول:

خلوا بنى الكفار عن سبيله ... إني شهدت أنه رسوله

حقا وكل الخير في سبيله ... نحن قتلناكم على تأويله

كما ضربناكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله

__________

[ (1) ] اضطبع: أدخل الرداء تحت إبطه الأيمن وغطى به الأيسر.

[ (2) ] الهرولة ضرب من السير، فوق المشي ودون الجرى.

[ (3) ] في (ابن هشام) : «حتى يستلم» .

ويذهل الخليل عن خليله [ (1) ]

فقال عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة! فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: يا عمر، إني أسمع! فأسكت عمر.

قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين، كراهية ان ينظروا إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأصحابه غيظا، وحنقا، ونفاسة، وحسدا، خرجوا إلى بوادي مكة.

قال ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ثلاثة، فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل، في نفر من قريش، في اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فاخرج عنا، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وما عليكم لو تركتموني، فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟

قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا، فخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم،

وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف [ (2) ] ، فبنى بها هنالك ثم انصرف إلى المدينة.

__________

[ (1) ] هذه الأبيات في (ابن هشام) هكذا:

خلوا بنى الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله

يا رب إني مؤمن بقيله ... أعرف حق اللَّه في قبوله

نحن قتلناكم على تأويله ... كما قاتلناكم على تنزيله

ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله

[ (2) ] مكان قرب التنعيم، وبسرف كانت وفاتها رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، وذلك سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين، صلى عليها ابن عباس ويزيد بن الأصم، وكلاهما ابن أخت لها، ويقال فيها نزلت: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [الأحزاب: 50] في أحد الأقوال، وذلك أن الخاطب جاءها وهي على بعيرها فقالت البعير وما عليه لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم واختلف الناس في تزويجه إياها، أكان محرما أم حلالا، وقد أوضحنا ذلك مفصلا في الحديث عن أزواج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.

قال ابن هشام [ (1) ] : فأنزل اللَّه عز وجل- فيما حدثني أبو عبيدة: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ (2) ] .

__________

[ (1) ] (سيرة ابن هشام) : 5/ 20- 21.

[ (2) ] الفتح: 27، والفتح القريب: يعنى خيبر.

وأما عمرة الجعرانة [ (1) ]

فخرج البخاري [ (2) ] ومسلم [ (3) ] من حديث همام، حدثنا قتادة، أن أنسا رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أخبره أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت في حجته، عمرة من الحديبيّة أو [زمن] الحديبيّة في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة [حيث قسم] غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.

لم يقل البخاري: أو زمن الحديبيّة. ذكره في عمرة الحديبيّة، وذكره في آخر كتاب الجهاد، في باب من قسم الغنيمة في غزوة وسفره، ولفظه: أن أنس بن مالك رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أخبره قال: اعتمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين. لم يذكر في هذا الباب غير هذا، وكرره.

__________

[ (1) ] الجعرانة: ماء بين مكة والطائف، وهر إلى مكة أقرب، نزلها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لما قسم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين، وأحرم منها صلّى اللَّه عليه وسلّم، وله فيها مسجد، وبها آبار متقاربة، وفي الحديث دخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، الجعرانة، فجاء إلى المسجد فركع ما شاء اللَّه تعالى، ثم أحرم ثم استوى على راحلته» . (معجم البلدان) 2/ 165، (الروض المعطار) : 176 قال ابن سعد: اعتمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ليلا من الجعرانة، ثم رجع كبائت، قال: فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس.

ثم

قال: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم اعتمر من الجعرانة، وقال: اعتمر منها سبعون نبيا.

(طبقات ابن سعد) 2/ 171- 172.

[ (2) ] (فتح الباري) : 7/ 557- 558، كتاب المغازي، باب (36) ، غزوة الحديبيّة، وقول اللَّه تعالى لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: 18] ، حديث رقم (4148) ، (فتح الباري) : 6/ 223، باب 186، من قسم الغنيمة في غزوة وسفره، حديث رقم (3066) .

[ (3) ] (مسلم بشرح النووي) : 8/ 484- 485، كتاب الحج، باب (35) بيان عدد عمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وزمانهن، حديث رقم (1253) .

وخرج النسائي من حديث ابن جريج قال: حدثني مزاحم بن أبى مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، عن [محرش] الكعبي، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم خرج من الجعرانة يعتمر ليلا، فدخل مكة ليلا فقضى عمرته، ثم خرج من تحت ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرف، حتى جامع الطريق- طريق المدينة بسرف [ (1) ]- فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس.

وقال الواقدي: انتهى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى الجعرانة ليلة الخميس، لخمس ليال خلون إلى المدينة، خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء [لاثنتي] عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا، فأحرم من المسجد الأقصى، الّذي بحيز [ (2) ] الوادي بالعدوة القصوى ولم يجز الوادي إلا محرما، فلم يزل يلبى حتى استلم الركن.

ويقال لما نظر إلى البيت قطع التلبية، فلما أتى البيت أناخ راحلته على باب بنى شيبة ودخل فطاف ثلاثة أشواط، يرمل من الحجر إلى الحجر، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة على راحلته، حتى إذا انتهى إلى المروة في الطواف السابع حلق رأسه عند المروة، ثم انصرف إلى الجعرانة من ليلته، فكان كبائت بها، فلما رجع الجعرانة، خرج يوم الخميس فسلك في وادي الجعرانة، وسلك معه الناس، حتى خرج على سرف، ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مر الظهران [ (3) ] . قال: وقدم المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذي القعدة [ (4) ] .

__________

[ (1) ] (سنن النسائي) : 5/ 219- 220، كتاب المناسك، باب (104) دخول مكة ليلا، حديث رقم (2863) ، حديث رقم (2864) .

وأخرجه أيضا: أبو داود في مناسك الحج باب المهلة بالعمرة تحيض فيدركها الحج فتنقض عمرتها وتهل بالحج هل تقضى عمرتها؟ حديث رقم (1996) ، رقم (935) .

[ (2) ] في (المواهب اللدنية) : «تحت الوادي» .

[ (3) ] (مغازي الواقدي) : 3/ 959 مختصرا.

[ (4) ] (المرجع السابق) : 960.

وخرج الإمام أحمد من حديث ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول:

أخبرني عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر، مستندين إلى حجرة عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، أنا لنسمعها بست [ (1) ] ، قلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في رجب؟ [قال: نعم، قلت: يا أماه! أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قلت يقول: اعتمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في [رجب] [ (2) ] ، قالت: يغفر اللَّه لأبى عبد الرحمن، [نسي] [ (3) ] ، ما اعتمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في رجب، قال: وابن عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم، سكت [ (4) ] .

__________

[ (1) ] في (مسند أحمد) : «تسنن» .

[ (2) ] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق من (المسند) .

[ (3) ] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق من (المسند) .

[ (4) ] (مسند أحمد) : 7/ 82- 83، حديث رقم (23758) .

فصل في ذكر حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد الهجرة

قال سفيان: حج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قبل أن يهاجر حججا، وحج بعد ما هاجر الوداع. ذكره الحاكم [ (1) ] ، [وقيل: حج ثلاث حجج، حجتين قبل الهجرة، وحجة بعد ما هاجر، معها عمرة] .

وخرج مسلم [ (2) ] من حديث أبى بكر بن أبى شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل المزني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، فسأل عن القوم حتى انتهى إلى فقلت: أنا محمد بن على بن حسين، فأهوى بيده الى رأسي، فنزع زرى الأعلى، ثم نزع زرى الأسفل، ثم وضع كفه على ثديي، وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبا بك يا ابن أخى، سل عما شئت، فسألته- وهو أعمى وحضر وقت الصلاة- فقام في [شملة ملتحفا بها] ، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلى بنا، فقلت: أخبرنى عن حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال بيده: فعقد تسعا، فقال: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة، أن

__________

[ (1) ] (المستدرك) : 3/ 56- 57، كتاب المغازي والسرايا حديث رقم (4382) ، وقد سكت عنه الذهبي في (التلخيص) ، ولفظه: حج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قبل أن يهاجر حجة الوداع، وكان جميع ما جاء به مائة بدنة، فيه جمل كان في أنفه برة من فضة، نحر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بيده الشريفة ثلاثا وستين ونحر على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه غير، فقيل للثوري من ذكره؟ فقال: جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وابن أبى ليلى عن مقسم، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما.

قال الحاكم: وأما الأحاديث المأثورة المفسرة في حجة الوداع قد اتفق الشيخان على إخراجها بأسانيد صحيحة على شرطهما وأتمها وأصحها حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جابر الّذي انفرد بإخراجه مسلم بن الحجاج، وقد انتهيا بمشيئة اللَّه وعونه إلى ابتداء مرض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.

[ (2) ] (مسلم بشرح النووي) : 8/ 420- 439، باب (19) حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، حديث رقم (1218) ، وهو حديث طويل ذكر المقريزي طرفا منه.

رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حاج، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كيف أصنع؟ فقال:

اغتسلي واستشفرى بثوب، وأحرمى.

فصلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت بها ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصرى، بين يديه من راكب، وماش ويمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به، وأهل بالتوحيد: لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الّذي يهلون به، فلم يرد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عليهم شيئا منه، ولزم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تلبيته.

قال جابر: لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ [مُصَلًّى] ، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبى يقول- ولا أعلمه ذكرها إلا عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم- كان يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قرأ: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا، فرقى عليها حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد اللَّه عز وجل، وكبره، وقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي، حتى إذا صعدنا، مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة، قال: لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت، لم أسق الهدى، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة، فقام

سراقة بن مالك بن جشعم [فقال: يا رسول اللَّه] [ (1) ] ! ألعامنا هذا أم لأبد؟

فشبك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أصابعه، واحدة في الأخرى، وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل أبدا أبدا.

وقدم على بن أبى طالب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه [ (2) ] من اليمن ببدن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فوجد فاطمة [ (3) ] رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبى أمرنى بهذا، قال: وكان علي يقول بالعراق فذهبت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم محرشا على فاطمة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها للذي صنعت، مستفتيا لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم [فيما] [ (4) ] ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت، صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللَّهمّ إني أهل بما أهل به رسول اللَّه [ (5) ] صلّى اللَّه عليه وسلّم، قال: فإن معى [الهدى فلا تحل] .

قال: فكان جماعة الهدى الّذي قدم به عليّ من اليمن، والّذي أتى به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مائه، قال: فحل الناس كلهم وقصروا، إلا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية، توجهوا إلى منى، فركب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلا، حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر، فضربت [ (6) ] له بنمرة، فسار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ولا تشك قريش، إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس، أمر صلّى اللَّه عليه وسلّم بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: ان دماءكم

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من (صحيح مسلم) .

[ (2) ] زيادة للسياق.

[ (3) ] كذا في (الأصلين) ، وفي (صحيح مسلم) : «رضى اللَّه عنها» .

[ (4) ] زيادة للسياق.

[ (5) ] في (صحيح مسلم) : «رسولك» .

[ (6) ] في (صحيح مسلم) : «تضرب له» .

وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا، دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بنى سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا عباس ابن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلام اللَّه، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب اللَّه.

وأنتم تسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس، اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد، [اللَّهمّ اشهد] [ (1) ] ، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل [ (2) ] المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا، حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس! السكينة، السكينة.

كلما [ (3) ] أتى جبلا من الجبال، أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء، بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل

__________

[ (1) ] في (صحيح مسلم) «اللَّهمّ أشهد» .

[ (2) ] في الأصلين:. «خيل» .

[ (3) ] في الأصلين:. «فلما» .

القبلة، فدعاه وكبره، وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس.

وأردف الفضل بن عباس- وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما- فلما دفع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، مرت ظعن يجزين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يديه على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى، التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي.

ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنه، ثم أعطى عليا فنحر ما غير، وأشركه في هديه، ثم أمر من بين بدنه ببضعه، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه [ (1) ] .

وكرره مسلم من طرق [ (2) ] ، وأخرجه أبو داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه بنحو حديث مسلم [ (3) ] ، وقد روى هذا الحديث عن جعفر بن محمد، وعبد الملك بن جريج، وعبيد اللَّه وعبد اللَّه العرنيين وسفيان الثوري، وعلى بن صالح، ومالك بن أنس، ومحمد بن

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 8/ 420- 439، باب (19) حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، حديث رقم (1218)

[ (2) ] (المرجع السابق) : حديث رقم (148) ، من حديث جابر.

[ (3) ] (سنن أبى داود) : 2/ 455، 456، كتاب المناسك، باب (57) صفة حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حديث رقم (1905) ، أخرجه النسائي في الحج، باب الكراهية في الثياب المصبغة للمحرم مختصرا رقم (46) ، حديث رقم (2713) ، وفي مواضع أخر، وفي مواقيت الصلاة، باب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وأخرجه ابن ماجة في المناسك، باب حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، حديث رقم (3074) .

إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن عمرو بن علقمة المكيّ، وحاتم بن إسماعيل، وسلام القاري، وجماعة يطول ذكرهم.

وقال الواقدي: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، سار من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة، ودخل مكة يوم الثلاثاء، الرابع من ذي الحجة، وكان يوم التروية يوم الجمعة، فركب حين زاغت الشمس إلى [منى] ، ويقال: بل ركب يوم الخميس، فبات بمنى ليلة الجمعة، التاسع من ذي الحجة، ثم أصبح فركب إلى عرفة. [ (1) ]

وقد اختلف العلماء فيما كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في حجته به محرما، فقال قوم: كان مفردا.

روى مالك عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها، وعن محمد بن عبد الرحمن بن عروة، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أفرد بالحج.

وروى ابن عيينة وغيره، عن الزهري عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: من أراد أن يهل بحج فليهل، من أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل.

قالت عائشة: وأهل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالحج، وأهل به الناس معه. وذكر الحديث.

وكذلك رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها سواء وقالوا فيه: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأما أنا فإنّي أهل بالحج.

وروى الدراوَرْديّ، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أفرد بالحج.

__________

[ (1) ] (مغازي الواقدي) : 3/ 1101.

وروى الدراوَرْديّ، عن علقمة بن أبى علقمة، عن أمه، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها قالت: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أفرد بالحج [ (1) ] .

وروى أبو مصعب عن مالك، عن علقمة بإسناد مثله، ورواه عباد بن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما قال: أهللنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالحج مفردا، وروى بكر المزني عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما مثله. وهذا حجة من قال بإفراد الحج وفضله، وهو قول مالك، وأشهر قول الشافعيّ، واستحسنه أبو ثور، وفضله على التمتع والقران، وهو قول عبد العزيز بن أبى مسلمة، والأوزاعي وغيره، وروى ذلك عن أبى بكر، وعمر، وعثمان، وعن عائشة وجابر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهم.

وقال قوم: بل كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم متمتعا، فروى معمر عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتق اللَّه ترخص لي المتعة، فقال ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما: سل أمك يا عروة، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما فلم [يفعلاه] ، فقال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: واللَّه ما أراكم منتهين حتى يعذبكم اللَّه! أحدثكم عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وتحدثونا عن أبى بكر وعمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما.

وروى عن الليث عن عقيل، عن ابن شهاب عن سالم، عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما قال: تمتع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، وساق الهدى معه من ذي الحليفة، وبدأ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالعمرة

__________

[ (1) ] أخرج ابن سعد من حديث عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على ثلاثة أنواع: منا من قرن بين عمرة وحج، ومنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بعمرة، فأما من قرن بين عمرة وحج، فإنه لا يحل حتى يقضى المناسك، ومن أهل بعمرة فإنه إذا طاف وسعى حل من كل شيء حتى يستقبل الحج.

ثم قال: أخبرنا سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة عن أنس: أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم صرح بهما جميعا. (طبقات ابن سعد) : 2/ 74- 175.

إلى الحج، قال عقيل: قال ابن شهاب: وأخبرنى عروة، عن عائشة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها بمثل خبر سالم عن أبيه، في تمتع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالعمرة إلى الحج.

وعن سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه في المتعة:

صنعها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وصنعناها معه، وعن عمران بن حصين رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: تمتعنا على عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم متعة الحج،

وروى شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تمتع، ورواه حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد،

وروى مالك وعبيد اللَّه بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها أنها قالت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: ما بال الناس حلوا بعمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر [ (1) ] .

روى ابن إسحاق عن الزهري، عن سالم قال: إني [لجالس] مع ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما في المسجد، [إذ] جاءه رجل من أهل الشام، فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما: حسن جميل، قال: فإن أباك كان ينهى عنها، فقال: ويلك! فإن كان أبى نهى عن ذلك، وقد فعله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأمر به، أفبقول أبى آخذ، أم بأمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، قم عنى.

وقال عبد الملك بن شريك: تمتعت، فسألت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، رضى اللَّه تعالى تبارك وتعالى عنهم فقالوا: هديت لسنة نبيك.

وقال شعبة عن أبى حمزة: تمتعت، فنهاني عنها أناس، فسألت ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما فقال: سنة أبى القاسم صلّى اللَّه عليه وسلّم هي التمتع. وروى الثوري عن ليث بن أبى سليم، عن [طاووس] ، عن ابن عباس رضى اللَّه

__________

[ (1) ] (سيرة ابن هشام) : 6/ 7، لبد رأسه: جعل في رأسه صلّى اللَّه عليه وسلّم صمغا حتى لا يتشعث، (مغازي الواقدي) : 3/ 1092.

تبارك وتعالى عنهما قال: تمتع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وأبو بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه حتى مات، وأول من نهى عنها معاوية.

قال ابن عبد البر: ليث هذا منكر ضعيف، والمشهور عن عمر وعثمان رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع.

وذكر معمر عن الزهري، عن سالم قال: سئل ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له: إنك لتخالف أباك، فقال ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: لم يقل الّذي تقولون، إنما قال عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: أفردوا الحج من العمرة، فإنه أتم للعمرة، إن العمرة لا تتم في شهور الحج إلا بهدى، وأراد أن يزار البيت في غير شهر الحج، فجعلتموها أنتم حراما، وعاقبتم الناس عليها، وقد أحلها اللَّه تعالى، وعمل بها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فإذا أكثروا عليه قال: كتاب اللَّه بيني وبينكم، كتاب اللَّه أحق أن يتبع، أم عمر؟.

وهذا نحو حجة من قال: التمتع أفضل، وهو مذهب عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير، وعائشة أيضا رضى اللَّه تعالى تبارك وتعالى عنهم، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعيّ، كان رحمه اللَّه يقول: الإفراد أحب إلى من التمتع، ثم القران، وقال في (البويطي) : التمتع أحب إليّ من القران.

[وقال] قوم: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قارنا، وجعل القران الأصل، وهم:

أبو حنيفة، والثوري، والمزني، وإسحاق بن راهويه، وروى عن على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، وحجتهم

حديث عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول وهو بوادي العقيق: أتانى الليلة آت من ربى، فقال: صلى في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة. رواه الأوزاعي، وعلى بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، [أنه] سمع عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه يقول: [إنه] سمع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول بذلك.

وحديث الصبى بن معبد، عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، قال الصبى: أهللت بالحج والعمرة، فلما قدمت على عمر، رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، ذكرت ذلك له فقال، هديت لسنة نبيك صلّى اللَّه عليه وسلّم.

قال ابن عبد البر: وهو حديث كوفى جيد الإسناد ورواه الثقات عن أبى وائل عن الصبى [ (1) ] بن معبد، عن عمر، ومنهم من يجعله عن أبى وائل، عن عمر، فيمن رواه هكذا عن أبى وائل، عن عمر: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعاصم بن أبى النجود، وسيار [والحكم، ورواه الأعمش، منصور، وعبدة بن أبى لبابة عن أبى وائل، عن الصبى بن معبد، عن عمر، وهو الأجود، وهم أحفظ] .

وقد روى عن الصبى بن معبد، وأبو وائل، حديث أنس [بن مالك] رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: لبيك بحج وعمرة معا، رواه حميد الطويل، وحبيب بن الشهيد، وعن بكر المزني قال:

سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يلبى بالحج والعمرة جميعا.

قال بكر: فحدثت بذلك عن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه فقال لي:

بالحج وحده،

فلقيت أنسا رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه فحدثته فقال: ما تعدونا إلا صبيانا، سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: لبيك بحج وعمرة معا [ (2) ] .

قال ابن عبد البر: وهذا الحديث يعارض ما روى عن ابن عمر، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم تمتع، وفيهما نظر، ويخرج على مذهب ابن عمر في التمتع، أنه لبى بالحج وحده، وقد روى معمر وغيره، عن أيوب عن أبى قلابة، عن أنس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أهل بحجة وعمرة، وروى عن أنس من وجوه، وروى قتادة عن مطرف، عن عمران بن حصين

__________

[ (1) ] هو الصبى بن معبد التغلبي الكوفي، روى عن عمر في الجمع بين الحج والعمرة، وفيه قصة زيد ابن صوحان، وسلمان بن ربيعة، وحكى عن هريم بن عبد اللَّه التغلبي، وذكره ابن حبان في (الثقات) ، وهو تابعي ثقة، رأى عمر ابن الخطاب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، وعامة أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم (تهذيب التهذيب) : 4/ 359 360 مختصرا.

[ (2) ] (طبقات ابن سعد) : 2/ 174.

أنه قال له: إني أحدثك حديثا، لعل اللَّه أن ينفعك به: اعلم أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قد جمع بين حج وعمرة، ولم ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال فيها برأيه.

قال ابن عبد البر: وهذا قد تأوله جماعة على التمتع وقالوا: إنما الّذي أراد ابن عمر أن يقوله: أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قد جمع بين حج وعمرة، أي أنه جمع بينهما في سفرة واحدة، وحجة واحدة، وقد روى عن عمر ما يعضد هذا التأويل.

روى أبو الحسن، وأبو رجاء، عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه تعالى، وفعلناها مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنه حتى مات، قال رجل بعد برأيه ما شاء.

وروى شعبة عن الحكم، عن على بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان، وعلى بن أبى طالب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، ما بين مكة والمدينة، وعثمان ينهى أن يجمع بين الحج والعمرة، فلما رأى ذلك على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أتى بهما جميعا، فقال: لبيك بحجة وعمرة معا، فقال له عثمان رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: تراني أنهى عنهما وأفعله؟ فقال على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: لم أكن [أخالف] سنة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.

قال ابن عبد البر: وهذا يحتمل أن يكون، لأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أباح ذلك فصار سنة. فقال: والإفراد أفضل، لأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان مفردا، فلذلك قلنا: أنه أفضل، لأن آثاره أصح في إفراده صلّى اللَّه عليه وسلّم.

وقد اختلف أيضا في وقت خروج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من المدينة، فقيل:

كان خروجه [صلّى اللَّه عليه وسلّم لخمس] بقين من ذي القعدة، [و] قال بعضهم: كان يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة بالمدينة، وصلّى العصر بذي الحليفة.

وذكر الواقدي أنه كان يوم السبت لخمس ليال [ (1) ] بقين من ذي القعدة، ولا يصح على ما جاء في الصحيح، أن الوقفة كانت بالجمعة، فيكون هلال

__________

[ (1) ] (مغازي الواقدي) : 3/ 1089.

ذي الحجة بالخميس، فلا يكون المتبقى خمسا، ولا يصح حمله على الأيام، ويحسب يوم الخروج منها لقوله لخمس، ولو أراد الأيام لقال: لخمسة.

وذكر الواقدي أيضا: أن يوم التروية وافق يوم الجمعة [ (1) ] ، فعلى هذا تكون الوقفة يوم السبت، ويكون قوله: لخمس بقين، مستقيما، إلا أنه خلاف ما جاء في الصحيح.

وقال أبو محمد على بن حزم: أنه خرج يوم الخميس لستة بقين، وهو أيضا [خلاف ما] جاء في الصحيح، أنه لخمس بقين.

وخرج الترمذي عن عبد اللَّه بن أبى زيادة عن زيد بن حباب، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حج ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، ومعها عمرة، وساق ثلاثة وثلاثين بدنة، وجاء على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، من اليمن ببقيتها، فيها جمل لأبى جهل في أنفه برة من فضة فنحرها، وأمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من كل بدنة ببضعة، فطبخت، وشرب من مرقها، وقال: [قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب] .

ورأيت عبد اللَّه بن عبد الرحمن يروى هذا الحديث، عن عبد اللَّه بن أبى زياد، وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري، عن جعفر، عن أبيه عن جابر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، ورأيته لا يعده محفوظا. قال: وإنما روى عن الثوري، عن أبى إسحاق، عن مجاهد مرسلا [ (2) ] ، حدثنا عبد اللَّه بن أبى زياد، حدثنا زيد بن حباب، فذكره سواء.

وخرجه ابن ماجة عن أبى محمد القاسم بن محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة، حدثنا عبد اللَّه بن داود، حدثنا سفيان الثوري قال:

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من (سنن الترمذي) .

[ (2) ] (سنن الترمذي) : 3/ 178- 179، كتاب الحج، باب (6) ما جاءكم حج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، حديث رقم (815) .

حج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ثلاث حجج: حج حجتين قبل أن يهاجر، وحج حجة بعد ما هاجر إلى المدينة، وقرن في حجته عمرة، واجتمع ما جاء به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وما جاء به على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، مائة بدنة، فيها جمل لأبى جهل، على أنفه برة من فضة، فنحر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ثلاثة وستين، ونحر على رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه ما غير. قيل له: من ذكره؟ قال:

جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، وابن أبى ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. [ (1) ]

__________

[ (1) ] (سنن ابن ماجة) : 2/ 1027، كتاب المناسك، باب (84) باب حجة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، حديث رقم (3076) .

فصل في ذكر من حدّث عنه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

اعلم أن رسول اللَّ


ملف pdf

كلمات دليلية: