صاحبًا من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

صاحبًا من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

وأما مشاورته أصحابه

فقال تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [ (1) ] .

وقد اختلف السلف في المعنى الّذي من أجله أمر اللَّه تعالى نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم أن يشاورهم فيه، فقال بعضهم: أمره بمشاورة أصحابه في مكائد الحروب وعند لقاء العدو، وتطييبا منه بذلك لأنفسهم، وتألفا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان اللَّه تعالى قد أغناه بتدبيره له أموره، وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم، وإلى هذا ذهب قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعيّ.

قال قتادة: أمر اللَّه تعالى نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضا وأرادوا بذلك وجه اللَّه، عزم اللَّه لهم على رشده.

وقال الربيع: أمر اللَّه نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه الوحي من السماء، لأنه أطيب لأنفسهم.

__________

[ (1) ] الآية 159/ آل عمران.

وقال ابن إسحاق: وشاورهم في الأمر: أي لقولهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم، وإن كنت عنهم غنيا، تألفهم بذلك على دينهم.

وقال الشافعيّ، وكقوله عليه السلام: والبكر تستأمر، تطييبا لقلبها لأنه واجب.

وقال آخرون: بل أمره اللَّه بمشورتهم في ذلك ليتبين له الرأى وأصوب الأمور في الأمور، لما علم اللَّه تعالى في المشورة من الفضل. وإلى هذا ذهب الضحاك ابن مزاحم والحسن.

قال الضحاك: ما أمر اللَّه نبيه بالمشورة إلا لما علم فيها من الفضل، وعن الحسن: ما شاور قوم قطّ إلا هدوا لأرشد أمورهم.

وقال آخرون: إنما أمره [ (1) ] اللَّه بمشاورة أصحابه مع استغنائه عنهم، ليتبعه المؤمنون وبعده فيما جدّ لهم من أمر دينهم، لأنهم إذا تشاوروا في أمر دينهم متبعين الحق في المشورة، لم يخلهم اللَّه من لطفه وتوفيقه إياهم للصواب من الرأي، ونظيره قوله تعالى فيما مدح به المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [ (2) ] .

قال سفيان بن عيينة في قوله: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ: قال: هي للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فيه أثر.

واختار أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: أن اللَّه تعالى أمر نبيه بمشاورة أصحابه فيما حزبه [ (3) ] من أمر عدوّه ومكائد حربه تألفا منه بذلك لمن لم يأمن عليه الفتنة، وتعريفا لأمته ليقتدوا به في ذلك عند النوازل، وأما النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فإن اللَّه تعالى كان يعرف مطالب ما جدّ به من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه بالصواب، وأما أمته إذا تشاوروا مستنين بفعله فإنه تعالى يسددهم [ (4) ] .

وقد خرّج ابن حبان من حديث طلحة بن زيد عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من

__________

[ (1) ] في (خ) «أمر اللَّه» .

[ (2) ] الآية 38/ الشورى.

[ (3) ] في (خ) «جذّبه» وما أثبتناه من (الطبري) .

[ (4) ] (جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري) ج 3 ص 153.

رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.

وقد ذكرت فيما يأتي فصلا في ذكر من شاوره النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ورجعه إلى رأيه، فتأمّله ففيه ما لم أره مجموعا كما أوردته فيه واللَّه أعلم.

وأمّا ما يفعله عند نزول المطر

فخرج مسلم من حديث يحيى بن يحيى، أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت البنانيّ عن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مطر، قال: فحسر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ثوبه حتى أصابه المطر، فقلنا: يا رسول اللَّه! لم صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربّه [ (1) ] .

وخرّج ابن حبان من حديث أيوب بن مدرك عن مكحول عن معاوية بن قرة [ (2) ] قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأصحابه يكشفون رءوسهم في أول مطر يكون من السماء في العام ويقول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: إنه أحدث بربنا وأعظمه بركه.

وخرّج الحاكم من حديث أبي عامر العقدي حدثنا سليمان بن سفيان المديني، حدثني بلال [ (3) ] بن طلحة بن عبيد اللَّه عن أبيه عن جده أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم كان إذا رأى الهلال قال: اللَّهمّ أهلّه علينا باليمن [ (4) ] والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك اللَّه [ (5) ] .

ومن حديث عفان: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا أبو مطر عن سالم عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا سمع الرعد والصواعق قال: اللَّهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك.

قال: هذا حديث صحيح الإسناد [ (6) ] .

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) ج 6 ص 197.

[ (2) ] في (خ) «قشر» وصوبناها من (تهذيب التهذيب) ج 10 ص 216 ترجمة معاوية بن قرة رقم 399.

[ (3) ] كذا في (خ) ، وفي (المستدرك) «بلال بن يحيى بن طلحة» .

[ (4) ] كذا في (خ) ، وفي (المستدرك) «بالأمن» .

[ (5) ] (المستدرك للحاكم) ج 4 ص 285.

[ (6) ] (المرجع السابق) ج 4 ص 286.

وأمّا احتياطه في نفي التّهمة عنه

فخرّج البخاري ومسلم من حديث أبي سليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: عن [عليّ] [ (1) ] بن الحسين أن صفية زوج النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أخبرته أنها جاءت إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب فقام النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مرّ رجلان من الأنصار فسلما على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال لهما النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: إنها صفية [ (2) ] ، فقالا: سبحان اللَّه يا رسول اللَّه! وكبر عليهما، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا. ذكره البخاري في الاعتكاف، وترجم عليه باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟. وذكره مسلم في كتاب الأدب، وذكره البخاري في كتاب الخمس في باب: ما جاء في بيوت أزواج النبي [ (3) ] صلّى اللَّه عليه وسلّم من حديث عبد الرحمن بن خالد عن شهاب بنحوه، وفيه: فسلّما على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ثم نفذا فقال: على رسلكما، قالا: سبحان اللَّه! الحديث. وذكره في كتاب الأدب في باب التكبير والتسبيح عند التعجب، من حديث أبي اليمان عن شعيب، ومن حديث محمد بن أبي عتيق كلاهما عن ابن شهاب، وذكره في الاعتكاف باختلاف ألفاظ.

وأمّا ما يفعله إذا ورد عليه ما يسرّه

فخرّج أبو داود [ (4) ] في سننه وفي كتاب الجهاد عن مخلد بن خالد، وخرّج أبو عيسى الترمذي [ (5) ] في السّير من جامعه عن محمد بن المثنى، وخرّج ابن ماجة [ (6) ] عن عبدة بن عبد اللَّه وأحمد بن يوسف، أربعتهم عن أبي عاصم الضحاك

__________

[ (1) ] زيادة من رواية البخاري ج 1 ص 346.

[ (2) ] في (البخاري) «صفية بنت حيي» .

[ (3) ] (صحيح البخاري) ج 2 ص 188.

وخرجه الإمام أحمد في (المسند) من حديث أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي اللَّه عنها ج 6 ص 337، و (مسلم) ج 14 ص 155، 156.

[ (4) ] (سنن أبي داود) ج 3 ص 216 حديث رقم 2774.

[ (5) ] (الجامع الصحيح للترمذي) ج 3 ص 69 حديث رقم 1626.

[ (6) ] (سنن ابن ماجة) ج 1 ص 446 حديث رقم 1394 وفيه قال: «حدثنا أبو عاصم عن بكار.

ابن مخلد الشيبانيّ النبيل [ (1) ] عن أبي بكرة بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن بكرة رضي اللَّه عنه ان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان إذا أتاه أمر يسرّه أو بشّر به خرّ ساجدا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث بكار بن عبد العزيز، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا سجدة الشكر. انتهى.

وذكره أبو بكر البزار في مسندة قال: حدثنا عمرو بن عليّ، حدثنا أبو عاصم بهذا الإسناد أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم سرّ بأمر بشّر به فخرّ ساجدا.

وذكر يونس بن بكير عن عنبسة بن الأزهر عن ابن إسحاق قال: لما جاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل، استحلفه ثلاثة أيمان باللَّه الّذي لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا فحلف له، فخرّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ساجدا، أو قد جاء أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم صلّى لما بشّر بقتله [ركع] [ (2) ] ركعتين. وجاء من طريق ابن لهيعة:

حدثني موسى ابن وردان العامري عن أبي هريرة قال: رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مقعدا فخرّ ساجدا.

وأمّا ظهور الرضى والغضب في وجهه

فخرّج ابن حبان من حديث ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب عن عمه عن عبد اللَّه بن كعب عن كعب بن مالك قال:

كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا سرّه الأمر استنار وجهه كأنه دارة القمرة.

وله من حديث الليث عن عروة عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: دخل عليّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مسرورا تبرق أسارير وجهه.

وله من حديث جامع بن أبي راشد عن منذر الثوري عن أم سلمة رضي اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا سرّه الأمر استنار وجهه.

وخرّج الحاكم من حديث أبي همام محمد بن حبيب، حدثنا سفيان الثوري، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

__________

[ (-) ] ابن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي بكرة عن أبيه ... » .

[ (1) ] هذه الكلمة غير واضحة في (خ) وأثبتناها من (تهذيب التهذيب) ج 12 ص 143.

[ (2) ] زيادة للسياق.

إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه واشتد غضبه وعلا صوته، كأنه منذر جيش صبحتكم مساتكم، قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين.

وخرّج ابن حبان وله من حديث قتادة عن أبي السوار عن عمران بن حصين قال: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا كره شيئا عرف في وجهه.

وله من حديث عبد اللَّه بن إدريس عن محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا اشتد وجده أكثر من مسّ لحيته.

وخرّج الحاكم من حديث يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول اللَّه، أتأذن لي فأكتب ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضى والغضب؟ قال: نعم، فإنه لا ينبغي أن أقول عند الرضى والغضب إلا حقا.

قال الحاكم: صحيح الإسناد [ (1) ] .

,

وأما مخالطته الناس وحذره واحتراسه منهم وتفقده أصحابه

ففي حديث هند بن أبي هالة: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يحرز لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي على أحد بشره ولا خلقه، يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس.

وفي حديث علي رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أجود الناس وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه [ (2) ] .

وخرّج الإمام أحمد من حديث همام: حدثنا رجل من الأنصار أن أبا بكر بن عبد اللَّه بن قيس حدثه أن أباه حدثه أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يكثر زيارة الأنصار خاصة وعامة، وكان إذا زار خاصة أتى الرجل في منزله، وإذا زار عامة أتى المسجد.

__________

[ (1) ] (المستدرك على الصحيحين) ج 1 ص 105.

[ (2) ] في (خ) بعد قوله «أحبه» عبارة «يمينه إذا حلف» وحذفناها لبعدها عن السياق ولعلها سهو من الناسخ.

وأمّا يمينه إذا حلف

فخرّج البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر رضي اللَّه عنه قال: كانت يمين النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لا ومقلب القلوب.

وخرّج من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه عنها عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أنه قال: يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا.

وهو مما اتفقا عليه [ (1) ] .

وخرّجا من حديث إسماعيل بن جعفر عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال: بعث النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بعثا وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيم اللَّه إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده.

اللفظ للبخاريّ وقد كرره في مواضع.

وقد أورد البخاري رحمه اللَّه في باب كيف كانت يمين النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم جملة من الأحاديث، منها يمينه: والّذي نفسي بيده، وبو الذي نفس محمد بيده: ولبقي ابن مخلد من حديث حماد بن خالد عن محمد بن هلال عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: كانت يمين رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لا وأستغفر اللَّه

وأمّا قوله إذا أراد القيام من مجلسه

فخرّج أبو داود من حديث الحجاج بن دينار عن أبي هاشم عن أبي العالية عن أبي برزة قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول بآخرة إذا أراد أن يقوم من المجلس:

سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. فقال رجل: يا رسول اللَّه، إنك لتقول قولا ما كنت تقوله فيما ما مضى، قال: كفارة لما يكون في المجلس. وخرّجه النّسائي بنحو أو قريب منه.

والنسائي من حديث الليث عن ابن الهاد عن يحي بن سعيد عن زرارة عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: ما كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقوم من مجلس إلا قال: لا إله

__________

[ (1) ] يعني البخاري ومسلم.

إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقلت: يا رسول اللَّه! ما أكثر ما تقول هؤلاء الكلمات إذا قمت! قال: لا يقولهن أحد حين يقوم من مجلسه إلا غفر له ما كان في ذلك المجلس. وفي لفظ له: قالت: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا قام من مجلس يكثر أن يقول: سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، وساق الحديث بنحوه.

فصل في ذكر زهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في الدنيا وإعراضه عنها وصبره على القوت الشديد فيها واقتناعه باليسير منها وأنه كان لا يدخر إلّا قوت أهله، وصفة عيشه، وأنه اختار اللَّه والدار الآخرة

قال اللَّه جل جلاله: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [ (1) ] .

وأما زهده في الدنيا وإعراضه [ (2) ] عنها

فقد [ (3) ] روى أنه عليه السلام خيّر بين أن يكون عبدا نبيا وبين أن يكون ملكا نبيا، فاستشار فيه جبريل عليه السلام فأشار عليه بأن يتواضع، فاختار أن يكون عبدا نبيا.

وخرّج يعقوب بن سفيان الفسوي، من حديث بقية بن الوليد، عن الزبيدي عن الزهري، عن محمد بن عبد اللَّه بن عباس قال: كان ابن عباس رضي اللَّه عنه يتحدث أن اللَّه عزّ وجلّ أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل عليه السلام، فقال الملك لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: إن اللَّه يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيا، فالتفت نبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أن تواضع، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: بل أكون عبدا نبيا، قال:

فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي ربه عزّ وجلّ [ (4) ] .

__________

[ (1) ] الآية 131/ طه.

[ (2) ] في (خ) «وإعراضها» .

[ (3) ] في (خ) «وقد» .

[ (4) ] سبق تخريج هذا الحديث.

وقال عمر بن الخطاب: رضي اللَّه عنه في حديث اعتزال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم نساءه: فدخلت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في خزانته، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدني عليه إزاره وجلس، وإذا الحصير أثّرت بجنبه، وقلّبت عيني في خزانة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين- أو قال قبضة- من شعير، وقبضة من قرظ نحو الصاعين، وإذا أفيق أو أفيقان معلقان، فابتدرت عيناي، قال:

ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت: يا رسول اللَّه! وما لي لا أبكي وأنت صفوة اللَّه ورسوله، وخيرته من خلقه، وهذه خزانتك، وهذه الأعاجم كسرى وقيصر، في الثمار والأنهار، وأنت هكذا؟ قال: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: فاحمد اللَّه. وذكر الحديث.

وفي لفظ قال: فجلست فرفعت رأسي في البيت، فو اللَّه ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهب ثلاثة، فقلت: أدع اللَّه يا رسول اللَّه أن يوسع على أمتك، فقد وسّع على فارس والروم وهم لا يعبدون اللَّه، فاستوى جالسا فقال: أفي شك يا ابن الخطاب؟ أولئك عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت: أستغفر اللَّه يا رسول اللَّه.

وفي رواية أنس: دخلت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو على سرير مرمول بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ودخل عليه عمر وناس من أصحابه، فانحرف النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم انحرافة، فرأى عمر- رضي اللَّه عنه- أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: ما يبكيك يا عمر؟ فقال عمر: وما لي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال التي أرى؟ فقال له النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم:

يا عمر! أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى، قال: هو كذلك.

ولأبي داود من حديث عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه قال: اضطجع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم على حصير فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه عنه وأقول:

بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، ألا آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه؟

فقال: ما لي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها.

وخرّجه الترمذي بهذا السند ولفظه: نام رسول اللَّه على حصير فقام وقد أثّر

في جنبه، فقلنا يا رسول اللَّه! لو اتخذنا لك؟ فقال: ما لي والدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها. قال: هذا حديث حسن صحيح [ (1) ] .

وخرّجه الحاكم من حديث ثابت بن زيد: حدثنا هلال بن خباب [ (2) ] عن عكرمة عن ابن عباس، ومن حديث عمرو بن مرة كما تقدم وصححاه.

وخرّج ابن حبان من طريق أبي حسين الجعفي عن فضيل بن عياض عن مطرح ابن يزيد عن عبيد اللَّه بن زحر عن القثم عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عرض عليّ ربي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما، فإذا شبعت حمدتك وشكرتك، وإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك [ (3) ] .

وله من حديث محمد بن حمير عن الزارع بن نافع عن أبي سلمة عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: اتخذت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فراشين حشوهما ليف وإذخر فقال:

يا عائشة! ما لي والدنيا؟ إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة في أصلها، حتى إذا فاء الفيء ارتحل فلم يرجع إليها أبدا.

وخرّج الإمام أحمد من حديث مالك بن مغول عن مقاتل بن بشير عن شريح ابن هانئ قال: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه قالت: لم تكن صلاة أحرى أن يؤخرها إذا كان على حدث من صلاة العشاء الآخرة، وما صلاها قط فدخل عليّ إلّا صلّى بعدها أربعا أو ستا، وما رأيته متقى الأرض بشيء قط [ولقد مطرنا مرة بالليل فطرحنا له نطعا، فكأني انظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه] [ (4) ] .

وله من حديث ابن لهيعة عن الأسود عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت:

ما أعجب رسول اللَّه شيئا من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقى. وفي رواية:

ولا أعجبه شيء من الدنيا إلا أن يكون فيها ذو تقى.

وله من حديث مروان بن معاوية قال: أخبرني هلال بن يزيد أبو يعلي قال: سمعت أنس بن مالك يقول:

__________

[ (1) ] (الجامع الصحيح للترمذي) ج 4 ص 17 حديث رقم 2483.

[ (2) ] في (خ) «حباب» ، والتصويب من (الجرح والتعديل) ج 9 ص 75 ترجمة رقم 294.

[ (3) ] ونحوه في المرجع السابق باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه حديث رقم 2451.

[ (4) ] ما بين القوسين تكملة من (سنن أبي داود) ج 2 ص 71 حديث رقم 1303.

أهديت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ثلاثة طوائر، فأطعم خادمه طائرا، فلما كان من الغد أتيته به فقال لها: ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد؟ فإن اللَّه يأتي برزق كل غد [ (1) ] .

وروي بكر بن مضر عن أبي هاني عن علي بن رباح أنه سمع عمرو بن العاص وهو على المنبر يقول: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم، أما هو فكان أزهد الناس في الدنيا، وأما أنتم فأرغب الناس فيها.

ولأبي نعيم من حديث الفضيل بن عياض، أخبرنا سفيان الثوري عن عون ابن أبي جحيفة عن أبيه أن معاوية ضرب على الناس بعثا فخرجوا، فرجع أبو الدحداح فقال له معاوية: ألم تكن خرجت مع الناس؟ قال: بلى، ولكني سمعت من رسول اللَّه حديثا فأحببت أن أضعه عندك مخافة أن لا تلقاني، سمعت [من] [ (2) ] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: يا أيها الناس من ولى منكم عملا فحجب بابه عن ذي الحاجة المسلم [ (3) ] حجبه اللَّه أن يلج باب الجنة، ومن كانت الدنيا نهمته حرّم اللَّه عليه جواري، فإنّي بعثت بخراب الدنيا ولم أبعث بعمارتها [ (4) ] .


تحميل : صاحبًا من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

كلمات دليلية: