زواجه من ميمونة بنت الحارث من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

زواجه من ميمونة بنت الحارث من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

الحكمة في زواجها

ومن ثمّ نرى أن زواج رسول الله بها لم يكن إلا جبرا لخاطرها وكسرها، وحفظا لها ولأولادها من الضّيعة، وقد سمعت انفا أنها ما كانت تعدل بأبي سلمة أحدا، ولولا أن رسول الله تقدم إليها لما رضيت بالزواج من أي رجل أيا كان في قومها، لأنها لا ترى خيرا من أبي سلمة إلا رسول الله الذي لم يكن يخطر لها على بال أثناء مقالتها، وأيضا فقد كان هذا الزواج وفاء بحق زوج من خيار المسلمين، وخاطر بنفسه في سبيل الله، وبهذا الزواج ضرب رسول الله أروع الأمثال في باب المواساة بالنفس والمال، ووضع الأساس الصالح لأولي الأمر في رعاية حقوق المواطن المؤمن الصالح، والجندي الباسل المضحي بنفسه في سبيل الله ورسوله.

فهذه الاعتبارات السامية هي التي حدت برسول الله أن يتزوج بها، لا كما يزعم بعض المتخرصين من أن ذلك كان لجمالها، وهي بشهادتها كانت مسنة، ومهما قيل في بقاء مسحة من جمال الشباب عليها فهناك- ولا ريب- من الشابات الأبكار الشريفات من يفقنها في هذا، وللشباب ماله من سحر وفتنة، وإنكار ذلك مكابرة، ولا أدري كيف يرغب رجل شهواني- كما زعموا- في امرأة مسنة مترهلة، وذات شغل شاغل بعيالها؟ ألا كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.

وقد كانت عاقلة عالمة راوية، روت عن رسول الله بالذات وبالواسطة، وعن غيره من الصحابة، وعنها روى الكثيرون، وقد ساهمت في نشر العلم والحكمة عن رسول الله، وبسبب سؤالها للنبي نزلت بعض ايات القران وتشريعاته، وهي اخر أمهات المؤمنين وفاة كما قال الحافظان الذهبي وابن حجر، وكان وفاتها سنة اثنتين وستين بعد مقتل الحسين إبان حكم يزيد بن معاوية، وقيل غير

ذلك. وبموتها انطفأ اخر مصباح من مصابيح أمهات المؤمنين طالما شع النور والهدى والعلم، فرضي الله عنها وأرضاها.

,

زواج النبي بميمونة بنت الحارث

وفي ذي القعدة من هذا العام تزوج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية، أخت أم الفضل لبابة الكبرى زوج عمه العباس، وكانت قبل النبي عند أبي رهم بن عبد العزّى وقيل عند حويطب بن عبد العزى «1» ، وكانت جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، فجعلت أم الفضل أمرها إلى زوجها العباس، فعرضها العباس- وقد تأيّمت- على رسول الله فقبل «2» ، وأصدقها العباس عن الرسول أربعمائة درهم ولما بلغتها خطبة النبي وهي راكبة على بعير قالت: الجمل وما عليه لرسول الله، وقد أراد النبي أن يدخل بها وهو بمكة، فأبى المشركون ذلك كما ذكرنا، فخرج وبنى بها وهو بسرف.

وكانت اخر امرأة تزوجها رسول الله ممن دخل بهن كما قال ابن سعد، وقد اختلفت الروايات في الصحيحين وغيرهما أتزوجها النبي وهو محرم أم وهو حلال؟ فعن ابن عباس تزوجها وهو محرم، وروى غيره أنه تزوجها وهو حلال، فمن ثمّ جمع العلماء بين الروايات بأنه عقد عليها وهو محرم ودخل بها وهو حلال بعد قضاء عمرته، وقد شاء الله أن تكون وفاتها بسرف حيث بنى بها النبي، ودفنت هناك، وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين وقيل سنة إحدى وستين، فرضي الله عنها وأرضاها «3» .

__________

(1) ذكر المرحوم الشيخ الخضري في «نور اليقين» ، ص 212 أنها كانت تحت حمزة بن عبد المطلب، ولم أر هذا لغيره.

(2) وقيل: إن النبي أرسل جعفر بن أبي طالب فخطبها عليه، فلعلها لما بلغتها الخطبة وكلت من يتولى العقد.

(3) الإصابة، ج 4 ص 411.

,

الحكمة في زواجها

قد سمعت أن العباس عرضها على الرسول فكان من أدب النبي مع عمه- والعم صنو الأب- ألايرد له رغبة شريفة، ولا سيما أن في تحقيق هذه الرغبة توثيق الصلة بعمه العباس، وتأليفه إلى الدخول في الإسلام، وبزوج عمه أم الفضل وهي من السابقات إلى الإسلام، وبابن عمه جعفر فقد كانت زوجه أسماء بنت عميس أختا لميمونة من أمها، كما كانت سلمى بنت عميس زوجة سيد الشهداء حمزة أختا لها من أمها.

ولعل النبي أراد ما هو أهم من هذا وهو استمالة البطل المغوار خالد بن الوليد، فقد كانت ميمونة أختا لأمه لبابة الصغرى، هذا إلى ما في زواج الرسول بها من توثيق صلته بقبيلة من أشرف القبائل العربية، وهم بنو هلال وبغيرها من قبائل العرب؛ فقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب «1» أن ميمونة بنت الحارث كان لها ثلاث أخوات شقيقات، وأربع أخوات من أمها، وكلهن كنّ متزوجات في أشرف القبائل، وبعضهن كنّ من المنجبات، ولأولادهن منازل عالية في الإسلام، وكان النبي يسمي لبابة الكبرى، وميمونة، وأسماء، وسلمى: (الأخوات المؤمنات) وبحسبهن ذلك شرفا.

__________

(1) ج 4 ص 404.

موقف النّبيّ عليه السّلام من اليهود وموقفهم منه

ذكرنا فيما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابا شرط لهم فيه وشرط عليهم، وأقرهم على دينهم بشرط أن لا يغدروا، ولا يمالئوا عليه عدوا، ولكن اليهود قوم في طبيعتهم الغدر والدس والخيانة، فقابلوا هذا الإحسان بالإساءة، وحاربوا الدعوة الإسلامية بأساليبهم الماكرة حربا لا هوادة فيها، فقد هموا بقتل النبي وهو بدارهم لولا أن عصمه الله منهم، وطالما سعوا في إفساد ما بين المسلمين ولا سيما الأوس والخزرج من أخوة ومحبة كانت بفضل اعتناقهم الإسلام، وكثيرا ما نقضوا العهود وحاولوا طعن المسلمين من ظهورهم، وكثيرا ما ألّبوا عليه المشركين والقبائل كما حدث في غزوة الأحزاب.

وهكذا كانت حياتهم في المدينة وما جاورها سلسلة من المخازي، والمؤامرات الدنيئة، فلم يكن بدّ من أن يقف النبي منهم موقفا حازما، فأجلاهم عن المدينة واستراح من شرورهم، وقتل من يستحق منهم القتل، ولم تأت السنة السابعة حتى تقوّض سلطانهم في شبه الجزيرة، ولم يعد لهم شأن يذكر، وأذعنوا لسلطان الإسلام وسطوته. وهذا إيجاز يحتاج إلى تفصيل، وإليك البيان.


ملف pdf

كلمات دليلية: