زواجه بالسيدة خديجة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

زواجه بالسيدة خديجة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

زواجه بخديجة

فتزوج بخديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما في عقب صفر [و] سنّه ست وعشرين، (وقيل: كانت [ (6) ] سنّه إحدى وعشرين سنة وقيل: ثلاثين، وقال ابن جريج: وله سبع وثلاثون سنة، وقال البرقي: سبع وعشرون سنة قد راهق الثلاثين، ولها من العمر أربعون سنة وعمره خمس وعشرون سنة، وقيل:

ثلاث وعشرون، والأول أثبت [ (7) ] ) على اثنتي عشرة أوقية ونش [ (8) ] ، وقيل:

__________

[ () ] المحارم بينهم» . (البداية والنهاية ج 2 ص 353) ويقول السهيليّ: «والفجار بكسر الفاء بمعنى المفاجرة كالقتال والمقاتلة، وذلك أنه كان قتالا في الشهر الحرام، ففجروا فيه جميعا، فسمي: الفجار (الروض الأنف ج 1 ص 209) ، (أيام العرب في الجاهلية: ص 322- 337) .

[ (1) ] ابن كثير في (البداية والنهاية ج 2 ص 353) .

[ (2) ] ابن هشام في (السيرة ج 1 ص 324) .

[ (3) ] تكملة النسب من ابن هشام.

[ (4) ] القلوص «من الإبل» الفتية المجتمعة الخلق، وذلك حين تركب إلى التاسعة من عمرها، ثم هي ناقة» (المعجم الوسيط ج 2 ص 755) .

[ (5) ] الخبر بتمامه في (ابن سعد) ج 1 ص 156.

[ (6) ] في (خ) «كان» ، والصحيح ما أثبتناه لأن السن مؤنثة.

[ (7) ] في ابن هشام «خمسا وعشرين سنة» (ج 2 ص 5) ونحوه في (عيون الأثر ج 1 ص 47) .

[ (8) ] الأوقية جزء من اثني عشر جزءا من الرطل المصري (المعجم الوسيط ج 1 ص 33) الأوقية أربعون

عشرون بكرة [ (1) ] . وكان الّذي سفر بينهما نفيسة بنت منية أخت يعلي بن منية، وقيل: بل سفر بينهما ميسرة، وقيل: بل مولاة مولّدة. وكان الّذي زوّج خديجة من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عمها عمرو بن أسد بن عبد العزى وقال: محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب يخطب خديجة ابنة خويلد! هذا الفحل لا يقدح أنفه [ (2) ] .

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، فيما يحسب حماد: أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ذكر خديجة وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعاما وشرابا ودعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة: إن محمد بن عبد اللَّه يخطبني فزوّجني إياه، فزوجها، فخلّقته [ (3) ] وألبسته، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء، فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة فقال: ما شأني؟ ما هذا؟! قالت: زوجتني محمد بن عبد اللَّه، فقال: أنا أزوج يتيم أبي طالب! لا لعمري، فقالت خديجة:

ألا تستحي! تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران.

فلم تزل به حتى رضي. وقد ردّ هذا القول بأن أباها توفي قبل الفجار [ (4) ] .

شهوده حلف الفضول [ (5) ]

وشهد صلّى اللَّه عليه وسلّم حلف الفضول مع عمومته في دار عبد اللَّه بن جدعان بن عمرو

__________

[ () ] درهما، والنش نصف أوقية، أو عشرون درهما (لسان العرب ج 6 ص 353) .

[ (1) ] البكر: الفتى من الإبل، والأنثى بكرة، وفي المثل: «جاءوا على بكرة أبيهم» أي جميعا (المعجم الوسيط ج 1 ص 67) ، (جمهرة الأمثال ج 1 ص 316) .

[ (2) ] في الروض الأنف «هو الفحل الّذي لا يقدع أنفه» ج 1 ص 212. وهذا المثل يضرب للشريف لا يردّ عن مصاهرة ومواصلة. والقدح: الكف (مجمع الأمثال للميداني ج 2 ص 395) المثل رقم 4552.

[ (3) ] خلّقه: ملّسه وسوّاه. وأتم خلقه وطيبه بالخلوق. (المعجم الوسيط ج 1 ص 252) .

[ (4) ] «المحفوظ عند أهل العلم أن أباها خويلد بن أسد مات قبل الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد زوّجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، (ابن سعد ج 1 ص 133) وذكر نحوه ابن كثير في (البداية والنهاية ج 2 ص 361) والسهيليّ في (الروض الأنف ج 1 ص 213) ، والطبري في (التاريخ ج 2 ص 282) .

[ (5) ] كان حلف الفضول بعد الفجار، وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة، وذكر ابن قتيبة: «والفضول جمع فضل وهي أسماء الذين تحالفوا وهم الفضيل بن شراعة، والفضل بن وداعة، والفضل بن قضاعة، وكانوا قد تعاهدوا باللَّه ليكونن

ابن كعب [ (1) ] بن تميم بن مرة.

,

[أم المؤمنين خديجة بنت خويلد]

[ (1) ]

__________

[ (1) ] هي خديجة أم المؤمنين، وسيدة نساء العالمين في زمانها، أم القاسم ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى ابن قصي بن كلاب، القرشية الأسدية، أم أولاد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وأول من آمن به وصدقه قبل كل أحد، وثبتت جأشه، ومضت به إلى ابن عمها ورقة ابن نوفل، كما جاء في حديث عائشة في البخاري: بدء الوحي، وفيه أن خديجة، قالت له صلّى اللَّه عليه وسلم: كلا واللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق. وفيه أنها انطلقت إلى ابن عمها ورقة ابن نوفل وقالت له: اسمع من ابن أخيك،

وأخبره رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الّذي نزّل اللَّه على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم،

لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.

ومناقبها جمّة، وهي ممن كمل من النساء، كانت عاقلة، جليلة، ديّنة، مصونة، كريمة، من أهل الجنة، وكان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يثنى عليها، ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها، بحيث إن عائشة كانت تقول: ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة، من كثرة ذكر النبي صلّى اللَّه عليه وسلم لها.

ومن كرامتها عليه صلّى اللَّه عليه وسلم أنه لم يتزوج امرأة قبلها، وجاءه منها عدة أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تسرّى إلى أن قضت نحبها، فوجد لفقدها، فإنّها كانت نعم القرين، وكانت تنفق عليه من مالها، ويتجر هو صلّى اللَّه عليه وسلم لها، وقد أمره اللَّه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.

والقصب في هذا الحديث: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر المنيف، وقد جاء تفسيره في (كبير الطبراني) من حديث أبي هريرة ولفظه: «بيت من لؤلؤة مجوفة» ، والصّخب: «اختلاط الأصوات» ،

__________

[ () ] والنصب: التعب.

قال الزبير بن بكار: كانت خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة، وأمها هي فاطمة بنت زائدة العامرية. كانت خديجة أولا تحت أبى هالة زرارة التميمي، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، ثم بعده النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، فبنى بها وله خمس وعشرون سنة، وكانت أسنّ منه بخمس عشرة سنة.

وقال مروان بن معاوية، عن وائل بن داود، عن عبد اللَّه البهي قال: قالت عائشة: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يوما فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك اللَّه من كبيرة السن! قال: فرأيته غضب غضبا. أسقطت في خلدي، وقلت في نفسي: اللَّهمّ إن أذهبت غضب رسولك عنى لم أعد أذكرها بسوء، فلما رأى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ما لقيت، قال، واللَّه لقد آمنت بى إذ كذبني الناس، وآوتنى إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه منى قالت: فغدا رواح عليّ بها شهرا.

[الخلد، بالتحريك: الباب والقلب والنفس] .

هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، مما كنت أسمع من ذكر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لها، وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين.

محمد بن فضيل عن عمارة، عن أبى زرعة، سمع أبا هريرة يقول: أتى جبريل النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: هذه خديجة أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنى وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. متفق على صحته.

عبد اللَّه بن جعفر: سمعت عليا: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقول: خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم بنت عمران.

أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي: باب تزويج النبي صلّى اللَّه عليه وسلم خديجة وفضلها، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين، والترمذي في المناقب.

وقوله صلّى اللَّه عليه وسلم: «خير نسائها» ،

قال القرطبي: الضمير عائد على غير مذكور، لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعنى به الدنيا، والمعنى أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها.

قال ابن إسحاق: تتابعت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم المصائب بهلاك أبى طالب وخديجة، وكانت خديجة وزيرة صدق، وهي أقرب إلى قصىّ من النبي صلّى اللَّه عليه وسلم برجل، وكانت متموّلة فعرضت على النبي صلّى اللَّه عليه وسلم أن يخرج في مالها إلى الشام، فخرج مع مولاها ميسرة، فلما قدم باعث خديجة ما جاء به، فأضعف، فرغبت فيه، فعرضت نفسها عليه، فتزوجها، وأصدقها عشرين بكرة.

__________

[ () ] قال الشيخ عزّ الدين بن الأثير: خديجة أول خلق اللَّه أسلم بإجماع المسلمين. وقال الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق. والواقدي، وسعيد بن يحيى: أول من آمن باللَّه ورسوله خديجة، وأبو بكر، وعليّ، رضى اللَّه تعالى عنهم.

قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبى حكيم- أنه بلغه عن خديجة أنها قالت: يا ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك؟ فلما جاءوه قال: يا خديجة، هذا جبريل، فقالت: اقعد على فخذي ففعل، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول إلى الفخذ اليسرى، ففعل، قالت: هل تراه؟ قال، نعم، فألقت خمارها، وحسرت عن صدرها، فقالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: أبشر، فإنه واللَّه ملك وليس بشيطان.

[رجاله ثقات، لكنه منقطع] .

حماد بن سلمة، عن حميد، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير، قال: وجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على خديجة حتى خشي عليه، حتى تزوج عائشة [رجاله ثقات لكنه مرسل] .

معمر عن قتادة، وأبو جعفر الرازيّ، عن ثابت، واللفظ لقتادة، عن أس مرفوعا: حسبك من نساء العالمين أربع. [إسناده صحيح وأخرجه الترمذي في المناقب، والحاكم، وأحمد] .

الدراوَرْديّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم، فاطمة، وخديجة، وامرأة فرعون آسية.

[رجاله ثقات] .

وروى عروة، عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، وقال الواقدي: توفيت في رمضان، ودفنت بالحجون. وقال قتادة: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وكذا قال عروة.

* لها ترجمة في: (طبقات ابن سعد) : 8/ 52، 1/ 131- 133، (المستدرك) : 3/ 200- 206، كتاب معرفة الصحابة، باب ومنهم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى رضى اللَّه تعالى عنها، الأحاديث من رقم (4834/ 432) إلى رقم (4856/ 454) ، (الاستيعاب) : 4/ 1817- 1825، ترجمة رقم (2311) ، (المعارف) : 59، 70، 132، 144، 150، 219، 311، (جامع الأصول) : 9/ 120- 125، القسم الثاني من الفرع الثاني من الباب الرابع في فضائل النساء الصحابيات رضى اللَّه تعالى عنهن، الأحاديث من رقم (6666) إلى رقم (6670) ، (الإصابة) : / 600- 605 ترجمة رقم (11086) ، (كنز العمال) : 13/ 690- 693 باب فضائل أزواج النبي صلّى اللَّه عليه وسلم مفصلة، أم المؤمنين خديجة رضى اللَّه عنها، الأحاديث أرقام من (37762) إلى (37770) ، (شذرات الذهب) : 1/ 14.

فأول نسائه خديجة سعيد بن بهم، وأمها: عاتكة ابنة عبد العزى بن قصي، وأمها: الحظيّا بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة [بن كعب بن لؤيّ بن غالب] [ (1) ] ، وأمها نائلة ابنة حذافة بن جمح.

وكانت خديجة عند عتيق بن عائذ بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، فولدت له جارية يقال لها: أم محمد هند، تزوجها ابن عمة لها يقال له صيفي بن أبى أمية بن عائذ بن عبد اللَّه، وهلك عتيق عن خديجة، فتزوجها أبو هالة هند بن النباش بن زرارة [بن وقدان بن حبيب بن سلامة ابن غوىّ بن جروة] [ (2) ] بن أسيد بن عمرو بن تميم بن مرّ. وطابخة بن إلياس [أمه] [ (2) ] خندف [وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة] [ (2) ] .

وقيل: أبو هالة مالك بن إلياس بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدي- بضم العين وقيل بفتحها- ابن أسد- بضم الهمزة- ابن عمرو بن تميم بن مرّ بن أسيد، فهو أسيدى بالتخفيف، فإذا نسب إليه قيل:

اسيّدىّ بالتشديد على ما قاله سيبويه.

وذكر الحافظ أبو محمد بن حزم [ (3) ] أن خديجة كانت عند عتيق فولدت له عبد اللَّه، ثم خلف عليها أبو هالة فولدت له ذكرين هما هند والحرث،

__________

[ (1) ] زيادة للنسب من (جمهرة النسب) .

[ (2) ] ما بين الحاصرتين سياقة مضطرب، وصوبناه من (المرجع السابق) .

[ (3) ] قال الكلبي: كان زوج خديجة بنت خويلد قبل النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، فولدت له هند بن هند، وابن ابنه هند ابن هند بن هند، شهد هند بن أبى هالة بدرا، وقالوا: بل أحدا، وقتل هند بن هند بن أبى هالة مع ابن الزبير، وانقرضوا ولا عقب لهم. (جمهرة النسب) لابن الكلبي) : 269، وقال في هامشه: هند بن أبى هالة صحابىّ شهد بدرا وقيل: أحد، قتل مع على في واقعة الجمل.

وهند بن هند بن أبى هالة قتل مع مصعب بن الزبير يوم المختار بن أبى عبيد في الكوفة، واختلف في اسم أبى هالة، فقيل: النباش بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن عدي بن جردة بن أسيد،

وابنة اسمها زينب، وأن هندا شهد أحدا، والحرث قتله أحد الكفار عند الركن اليماني. قال العسكري: هو أول قتيل قتل في الإسلام، ثم تزوجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على ثنتى عشرة أوقية، وهي أول امرأة تزوجها [ (1) ] .

وروى أنه أصدقها عشرين بكرة، زوجه إياها عمرو بن أسد بن عبد العزى، وعمرها أربعون، وقيل ست وأربعون، وقيل ثمان وأربعون، وقيل خمسون، [وقيل] أربعون، وقيل ثلاثون، وقيل ثمان وعشرون سنة، فأقامت معه صلّى اللَّه عليه وسلم أربعا وعشرين سنة، منها قبل الوحي خمس عشرة سنة، وكان عمره صلّى اللَّه عليه وسلم إذ تزوجها إحدى وعشرين، وقيل: كان ابن خمس وعشرين سنة وشهران وعشرة أيام، وهو الأكثر، وقيل ابن ثلاثين.

فولدت له أربع بنات [هن:] زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم، وولدت له القاسم وعبد اللَّه، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، وهي أول من آمن باللَّه ورسوله على الصحيح، وقيل أبو بكر رضى اللَّه عنه، وكانت وزير صدق له، آزرته على أمره، وثبتته وخففت عنه وهوّنت عليه ما كان يلقى من قومه، وتوفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بأربع سنين، وقيل بثلاث سنين، وهو الأصح، ويقال: توفيت لعشر خلون من رمضان، وهي ابنة خمس وستون سنة، فدفنها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بالحجون [ونزل في قبرها ولم يتزوج] [ (2) ] في حياتها بسواها لجلالتها وعظم محلها عنده.

وقد اختلف أيهما أفضل، هي أو عائشة؟ فرجح فضل خديجة جماعة من العلماء، وماتت ولرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر، وتركت من الأولاد هند بن أبى هالة، وبنات رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم الأربع،

__________

[ (1) ] (جمهرة أنساب العرب لابن حزم) : 16، 120، 142، 171، 210.

[ (2) ] زيادة للسياق من كتب السيرة.

وفضائلها كثيرة رضى اللَّه عنها.

قال الواقدي: حدثني موسى بن شيبة، عن عميرة بنت عبد اللَّه بن كعب عن أم سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية، قالت: لما رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من الشام دخل مكة، وخديجة رضى اللَّه عنها في عليه لها فرأت ملكين يظلانه، وكانت جلدة حازمة، وهي أوسط قريش نسبا وأوسطهم مالا، وكل قومها حريص على نكاحها لو قدروا على ذلك، قد طلبوا وبذلوا لها الأموال، فأرسلتنى دسيسا إلى محمد صلّى اللَّه عليه وسلم بعد أن رجع من الشام، فقلت: يا محمد، ما منعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به، قلت:

فإن كنت كذلك ودعيت إلى الجمال، والمال، والشرف، والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ قلت عليّ فأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت الساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، ودخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في عمومته، فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة.

وذكر أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا أن أبا طالب خطب يومئذ، فقال: الحمد للَّه الّذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضيء معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا حصنة بيته، وسوّاس حزبه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد اللَّه لا يوزن به رجل إلى رجح به، فإن كان في الكمال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي، وهو واللَّه بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل.

وقال المطرز: ألقى أبو طالب على ولىّ خديجة حلّة فقبلها، وكان قبول الحلّة تمام التزويج، قال أبو طالب: فجاءنا البشار من زوايا الدار وأعلى الجدر، ولا أدرى ديارا ولا ناثرا.

وكانت التي غسّلت خديجة أم أيمن وأم الفضل زوجة العباس، وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ولم تكن يومئذ سنّة الجنازة والصلاة عليها، ودفنت بالحجون بمكة، ونزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حفرتها، واشترى معاوية منزل خديجة فجعله مسجدا.

[أم المؤمنين سودة بنت زمعة] [ (1) ]

وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نضر بن مالك

__________

[ (1) ] هي سودة أم المؤمنين- بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، وهي أول من تزوج بها النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بعد خديجة، وانفردت به صلّى اللَّه عليه وسلم نحوا من ثلاث سنين أو أكثر، حتى دخل بعائشة رضى اللَّه عنها. وكانت سيدة جليلة، نبيلة، ضخمة، وكانت أولا عند السكران بن عمرو، أخى سهيل بن عمرو العامري.

وهي التي وهبت يومها لعائشة رضى اللَّه عنها، رعاية لقلب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وكانت قد فركت [قلّ ميلها للرجال] ، وقد أخرج البخاري في النكاح، باب: المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة، وأخرجه أيضا في الهبة، وزاد في آخره: تبتغي بذلك رضى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم.

وأخرجه مسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها وفيه ... فلما كبرت جعلت يومها من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لعائشة، قالت: يا رسول اللَّه قد جعلت يومى منك لعائشة.

وأخرجه أبو داود من طريق أحمد بن يونس، حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد- عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قالت عائشة: يا ابن أختى كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قلّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: يا رسول اللَّه، يومى لعائشة، فقبل ذلك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم منها، قالت: تقول في ذلك أنزل اللَّه تعالى، وفي أشباهها، آراه قال: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً [النساء: 128] .

لها أحاديث، وخرّج لها البخاري، حدّث عنها: ابن عباس، ويحى بن عبد اللَّه الأنصاري.

توفيت في آخر خلافة عمر رضى اللَّه عنه بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. وقال الواقدي: وهذا الثبت عندنا.

وروى عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال: أن سودة رضى اللَّه عنها توفيت زمن عمر رضى اللَّه عنه.

قال ابن سعد: أسلمت سودة وزوجها، فهاجرا إلى الحبشة. وعن بكير بن الأشجّ: أن السكران قدم من الحبشة بسودة، فتوفى عنها فخطبها النبي صلّى اللَّه عليه وسلم. فقالت: أمرى إليك. قال: مري رجلا من قومك يزوجك، فأمرت حاطب بن عمرو العامري، فزوجها، وهو مهاجري بدريّ.

هشام الدستوائى

__________

[ () ] حدثنا القاسم بن أبى بزّة: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بعث إلى سودة بطلاقها، فجلست على طريقه فقالت:

أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه، لم طلقتني؟ الموجدة؟ قال: لا، قالت: فأنشدك اللَّه لما راجعتني، فلا حاجة لي في الرجال، ولكن أحب أن أبعث في نسائك فراجعها. قالت: فإنّي قد جعلت يومى لعائشة. [أخرجه ابن سعد، وسنده صحيح، لكنه مرسل، والصحيح أنه لم يطلقها كما تقدم] .

الأعمش، عن إبراهيم، قالت سودة: يا رسول اللَّه، صليت خلفك البارحة، فركعت بى، حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم، فضحك صلّى اللَّه عليه وسلم. وكانت تضحكه الأحيان بالشيء.

صالح مولى التوأمة، عن أبى هريرة، قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في حجة الوداع: هذه ثم ظهور الحصر.

[ظهور الحصر: منصوب على تقدير: ثم الزمن، والحصر: جمع حصير، وهو ما يفرش في البيوت، والمراد أن يلزمن بيوتهن، ولا يخرجن منها. والحديث

أخرجه ابن سعد وأحمد، وسنده قوى، وأبو داود في أول الحج من طريق عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن واقد بن أبى واقد الليثي، عن أبيه أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم قال لنسائه في حجته: هذه ثم ظهور الحصر.

وسنده حسن في الشواهد] .

وقالت عائشة رضى اللَّه عنها: استأذنت سودة ليلة المزدلفة، أن تدفع قبل حطمة الناس- وكانت امرأة ثبطة- أي ثقيلة، فأذن لها. [وتمامه: فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه صلّى اللَّه عليه وسلم، فلأن أكون استأذنت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كما استأذنته سودة، أحب إلى من مفروح به، والحطمة بفتح الحاء وسكون الطاء: الزحمة، أي قبل أن يزدحموا، ويحطم بعضهم بعضا. أخرجه ابن سعد، والبخاري، ومسلم، وأحمد، والنسائي] .

حماد بن يزيد عن هشام، عن ابن سيرين: أن عمر بعث إلى سودة بغرارة دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في الغرارة مثل التمر! يا جارية، بلّغينى القنع ففرّقتها.

يروى لسودة خمسة أحاديث: منها في الصحيحين: حديث واحد عند البخاري.

الواقدي: حدثنا موسى بن محمد بن عبد الرحمن، عن ريطة، عن عمرة عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: لما قدم النبي صلّى اللَّه عليه وسلم المدينة بعث زيدا، وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، فخرجنا جميعا، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة، وبأم كلثوم، وبسودة بنت زمعة، وبأم أيمن، وأسامة ابنه.

(*) لها ترجمة في: (طبقات ابن سعد) : 8/ 52- 58، (طبقات خليفة) . 335، (المعارف) : 133، 284، 442، (الاستيعاب) : 4/ 1867 ترجمة رقم (3394) ، (جامع الأصول) : 9/ 145، (تهذيب التهذيب) : 12/ 445 ترجمة رقم (2819) ، (الإصابة) : /، ترجمة رقم () ، (خلاصة تذهيب الكمال) : 3/ 484، ترجمة رقم (87) ، (سير أعلام النبلاء) : 2/ 265- 269 ترجمة رقم (40) ، (شذرات الذهب) : 1/ 34 و 60.

ابن حسل بن عدي بن النجار تزوجها السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ- هو أخو سهيل بن عمرو- وهاجرت معه إلى الحبشة ومات، فتزوجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بعد موت خديجة رضى اللَّه عنها، ولى تزويجها أباه أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس- ويقال أبوها- وهو يومئذ شيخ، وأصدقها أربعمائة درهم، وتزوج بعائشة رضى اللَّه عنها، وقيل: تزوج بعائشة قبلها، وكان تزويجه بسودة [وبناؤه] بها في شهر رمضان سنة عشر من النبوة.

وكانت سودة قد رأت في النوم كأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وطئ على عنقها، فأخبرت السكران بذلك، فقال: لئن صدقت رؤياك لأموتن وليتزوجك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فقالت: حجرا وسترا! ثم رأت ليلة أخرى كأن قمرا انقضّ عليها من السماء، فتزوجها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وذلك أن خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمية- امرأة عثمان بن مظعون- قالت: يا رسول اللَّه! إني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة فقال: أجل، أمّ العيال وربة البيت، قال: ألا أخطب عليك؟ قال: بلى، إنك معشر النساء أرفق بذلك، فخطبت عليه سودة بنت زمعة، وخطبت عليه عائشة بنت أبى بكر- وعائشة يومئذ ابنة ست سنين حتى بنى بها حين قدم المدينة-.

وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وكان في أذنها ثقل، وأسنّت عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فهمّ بطلاقها، ويقال طلقها في سنة ثمان من الهجرة تطليقة، فجمعت ثيابها وجلست له على الطريق التي كان يسلكها إذا خرج إلى الصلاة، فلما دنا منها بكت

وقالت: يا رسول اللَّه! أهل أعتددت عليّ في الإسلام بشيء؟ فقال: اللَّهمّ لا،

فقالت: أسألك باللَّه لما راجعتني، فراجعها، وجعلت يومها لعائشة رضى اللَّه عنها، وقالت: واللَّه ما غايتي إلا أن أرى وجهك وأحشر مع أزواجك، وإني لا أريد ما تريد النساء.

فأمسكها حتى توفى عنها مع سائر من توفى عنهن من أزواجه، وفيها نزلت: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ [يُصْلِحا] بَيْنَهُما صُلْحاً [ (1) ] ، وتوفيت سنة ثلاث وعشرين، وصلّى عليها عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، وقيل: إنها توفيت في خلافه عثمان رضى اللَّه عنه، ولها نحو من ثمانين سنة، وكانت قد لزمت بيتها فلم تحج حتى توفيت، وهي أول امرأة وطئها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بالمدينة.

__________

[ (1) ] النساء: 128.

,

فمن خصائص خديجة

أن اللَّه تعالى بعث السلام إليها مع جبريل فبلغها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ذلك وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وكانت أول من آمن باللَّه ورسوله من هذه الأمة وأولاده كلهم منها ما عدا إبراهيم وهذه فضائل لم تكن لامرأة سواها.


ملف pdf

كلمات دليلية: