نزول تحريم الخمر. من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

نزول تحريم الخمر. من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

تحريم الخمر

وقد اختلف العلماء وأصحاب السير في وقت تحريمها: قيل سنة أربع، وهو الذي يدل عليه كلام ابن إسحاق، فقد ذكر أنه كان في واقعة بني النضير، وقيل سنة ست وهو الذي جزم به الدمياطي في سيرته، واستظهر الحافظ في الفتح أنه كان سنة ثمان «1» ، والذي ترجح عندي أنه كان سنة ست.

ومهما يكن من شيء فقد كانت الخمر ممتزجة بلحوم العرب ودمائهم، حتى بلغ من بعضهم وهو أبو محجن الثقفي أن قال في الجاهلية:

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها

__________

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 85 ص 224، وج 10 ص 24.

ولا تدفنّي بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألاأذوقها

لذلك كان حكمة الشارع الحكيم أن حرمها بالتدريج، فإن النفوس البشرية يشق عليها ترك ما تعودته دفعة واحدة (شديد عادة منتزعة) ، فقد نزل فيها أول ما نزل قوله سبحانه:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما «1» .

والاية وإن لم تقطع بالتحريم إلا أن فيها ترجيح جانب الحرمة على الحلّ، فمن ثمّ تركها قوم واستمر على شربها اخرون.

ثم إن بعض المسلمين وهو عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما لأصحابه، فأكلوا وشربوا، ثم قام أحدهم يصلّي بهم وهو لا يعي، فقرأ: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» ، فترك حرف النفي في الاية وهو (لا) ، فأنزل الله سبحانه:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ «2» .

فقالوا: ما لنا ولشيء يمنعنا عن صلاتنا، فكانوا يتركونها عند الصلوات، وفي الأوقات القريبة منها، حتى إذا ما صلّوا العشاء شربوا وناموا، فيصحون وقد زال أثر السكر، وبذلك صار من السهل تحريمها تحريما باتا، وهذا ما كان.

فقد صنع بعض المسلمين طعاما، فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برؤوسهم، فتهاجوا بالأشعار، فتشاجروا حتى شجّ أحدهم رأس الاخر بعظم، فقال الفاروق عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله سبحانه:

__________

(1) سورة البقرة: الاية 219.

(2) سورة النساء: الاية 43.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «1» .

فقال عمر: انتهينا انتهينا. وبذلك حرمت الخمر تحريما باتا قاطعا، روى هذا الإمام أحمد، وأصحاب السنن.

ولما حرمت نادى منادي رسول الله: ألا إن الخمر قد حرمت، فقام الناس إلى ما عندهم منها فأهرقوه حتى سالت بها طرق المدينة، وبذلك نجح الإسلام أيما نجاح في تحريمها على تأصّلها فيهم، وقد حاولت بعض الدول- الولايات المتحدة- في العصر الحديث تحريمها بسطوة القانون ففشلت، وأين قانون الإنسان من شريعة الرحمن؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار.

وروي أنه لما نزلت اية التحريم البات قال ناس: يا رسول الله فكيف بمن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فراشهم وكانوا يشربونها؟ فأنزل الله سبحانه قوله:

لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «2» .

فالاية إعذار لمن كان يشربها قبل التحريم ومات على ذلك، وليس فيها إباحة شربها لأن شربها لا يجامع التقوى بأي حال من الأحوال.

,

ما هي الخمر؟

والخمر هي كل ما أزال العقل أو غيّر منه. روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال: قام عمر على المنبر فقال: (أما بعد: فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر

__________

(1) سورة المائدة: الايتان 90، 91.

(2) سورة المائدة: الاية 93. والحديث رواه البخاري.

العقل) ، وقد خطب عمر بهذا وهو بمحضر من كبار الصحابة فلم ينكر عليه أحد، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء سلفا وخلفا، وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام» ، وفي رواية: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» .

والخمر بجميع أنواعها حرام قليلها وكثيرها سواء، ويحد شاربها وإن لم يسكر، روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام» ، وكل ما أسكر فهو خمر سواء أكان من العنب، أو التمر، أو الزبيب، أو البصل، أو الشعير، أو الذرة، والعبرة ليست بالأسماء، وإنما العبرة بالإسكار، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الذين يتحايلون على الشرع ويسمون الخمر بغير اسمها فقال: «ليشربنّ أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» «1» .

,

حكمة تحريم الخمر

والخمر مضرة بالصحة «2» ، مذهبة للأموال، مفسدة لما بين الناس من أواصر المحبة والأخوة، مغواة للشيطان، صارفة عن ذكر الله وعن الصلاة، سالبة للعقل الذي هو أشرف ما وهب الله الإنسان، معرّضة شاربها للعربدة والتعدّي على الدماء والأعراض، فهي أم الخبائث، فلا تعجب إذا كان الإسلام حرّمها فيما حرم على المسلمين، ليكون المجتمع الإسلامي على خير ما يكون دينا وخلقا، وأمنا وسلاما.

وقد يقول قائل: إن القران الكريم قرر في اية البقرة أنها لم تخل من منافع، فكيف جعلتها سببا لكل هذه الماثم؟ وأقول لمن يزعم ذلك: إن المراد بالمنافع في الاية الدنيوية وهي ما يتخيله شاربها بعد شربها من النشوة وإدخال

__________

(1) رواه أحمد والبخاري في التاريخ.

(2) انظر ما كتبه الطبيب النطاسي الدكتور عبد العزيز إسماعيل في كتابه «الإسلام والطب الحديث» .

الفرح والسرور على نفسه ونسيان الهموم، وما ينتفع به بعض الناس من صنعها أو بيعها أو الاتجار فيها، وهي منافع لا توازي في معيار الحق والفضيلة شيئا مما فيها من مفاسد ومباذل وماثم، على أن هذه الاية كانت قبل التحريم، فكان من الحكمة مجاراتهم فيما يزعمونه منافع حتى لا ينفروا، ثم لمّا تهيأوا للتحريم حرمها وجردها من أية منفعة أو مصلحة.


ملف pdf

كلمات دليلية: