مقتل حمزة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

مقتل حمزة  من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

خبر وحشي ومقتل حمزة

وكان وحشي عبدا لابنة الحارث [ (5) ] بن عامر بن نوفل، ويقال: لجبير بن

__________

[ (1) ] في (خ) «وإن» وما أثبتناه رواية (الواقدي) ج 1 ص 280 وهو أجود.

[ (2) ] زيادة للإيضاح.

[ (3) ] في (خ) «الدحداجة» و «الدحداج» .

[ (4) ] الأوزاع: الجماعات والضروب المتفرقون (المعجم الوسيط) ج 2 ص 1029.

[ (5) ] في (خ) «الحرب» وما أثبتناه من (الواقدي) ج 1 ص 285.

مطعم، فقالت له ابنة الحارث: إن أبي قتل يوم بدر، فإن قتلت أحد الثلاثة فأنت حر: إن قتلت محمدا، أو حمزة، أو عليا، فإنّي لا أرى في القوم كفؤا لأبي غيرهم.

فكمن لحمزة رضي اللَّه عنه إلى صخرة، وقد اعترض له سباع بن عبد العزى (واسم عبد العزى عمرو بن نضلة بن غبشان بن سليم) - وهو ابن أم أنمار- فاحتمله ورمى به وبرك عليه فشحطه شحط [ (1) ] الشاة. ثم قام حتى بلغ المسيل فزلت رجله عن جرف، فهز وحشي حربته وضرب بها خاصرة حمزة خرجت من مثانته فلحق بربه. فأتاه وحشي فشق بطنه وأخرج كبده فجاء بها إلى هند بنت عتبة فقال لها:

ماذا لي إن قتلت قاتل أبيك؟ قالت: سلبي [ (2) ] ! فقال: هذه كبد حمزة! فمضغتها ثم لفظتها، ونزعت ثيابها وحليها فأعطتها وحشيا، ووعدته إذا جاء مكة أن تعطيه عشرة دنانير، وقامت معه حتى أراها مصرع حمزة فقطعت مذاكيره، وجدّعت أنفه وقطعت أذنيه، ثم جعلت مسكتين ومعضدين وخدمتين [ (3) ] حتى قدمت بذلك مكة وكبده معها.

وفي المسند للإمام أحمد قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقرت بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: أكلت منها شيئا؟

قالوا: لا، قال: ما كان اللَّه ليدخل من حمزة النار. وفي رواية ابن سعد [ (4) ] : إن اللَّه قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا.

ويروى أن هندا لما أخرجت كبد حمزة لاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصاحت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفروا بما أصابوا من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فهجاها حسان بن ثابت لما بلغه ذلك من قولها [ (5) ] .

__________

[ (1) ] شحط القتيل في الدم: اضطرب (المعجم الوسيط) ج 1 ص 474.

[ (2) ] السلب: كل ما مع القتيل من سلاح وثياب ودابة، والمراد هنا كل ما تملك من الحلي والذهب وغيره.

(المعجم الوسيط) ج 1 ص 441.

[ (3) ] المسكة وجمعها المسك: السوار تجعله المرأة في يديها.

والمعضدة والمعضد: الدملج يكون كالسوار، تجعله على عضدها بين الكتف والمرفق. والخدمة وجمعها الخدم: الخلخال تجعله في رجلها. هامش (ط) ص 153.

[ (4) ] (الطبقات الكبرى) ج 3 ص 13.

[ (5) ] قالت:

نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكري

شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري

موقف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على مقتل حمزة

وجعل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: ما فعل عمي؟ ويكرر ذلك، فخرج الحارث ابن الصمة فأبطأ، فخرج علي رضي اللَّه عنه فوجد حمزة رضي اللَّه عنه مقتولا، فأخبر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فخرج يمشي حتى وقف عليه فقال: ما وقفت موقفا أغيظ إليّ من هذا! فطلعت صفية بنت عبد المطلب [ (1) ] رضي اللَّه عنها فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم:

[يا زبير] [ (2) ] أغن عني أمك. هذا وحمزة يحفر له فقال: إن في الناس تكشفا.

فقالت: ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فلما رأته قالت: يا رسول اللَّه، أين ابن أمي حمزة؟ قال: هو في الناس، قالت: لا أرجع حتى انظر إليه. فجعل الزبير يجلسها حتى دفن حمزة رضي اللَّه عنه. وقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: لولا أن يحزن نساءنا لتركناه للعافية [ (3) ] حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير.

بكاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على حمزة

ويقال: لما أصيب حمزة رضي اللَّه عنه جاءت صفية بنت عبد المطلب تطلبه فحالت بينها وبينه الأنصار، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: دعوها، فجلست عنده،

__________

[ () ]

فشكر وحشي عليّ عمري ... حتى ترم أعظمي في قبري

فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فقالت:

خزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر

صبحك اللَّه غداة الفجر ... بالهاشميّين الطوال الزهر

بكل قطاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعليّ صقري

إذا رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النّحر

وندرك السوء فشرّ نذر

(عيون الأثر) ج 1 ص 18.

فقال حسان:

أشرت لكاع وكان عادتها ... لؤما إذا أشرت مع الكفر

(ابن هشام) ج 3 ص 36- 37.

[ (1) ] أخت حمزة، وعمة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وأم الزبير بن العوام.

[ (2) ] زيادة للسياق.

[ (3) ] العافية: طلاب الرزق من الدواب والطير (المعجم الوسيط) ج 2 ص 612.

فجعلت إذا بكت بكى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وإذا نشجت نشج [ (1) ] . وكانت فاطمة عليها السلام تبكي ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كلما بكت يبكي، وقال: لن أصاب بمثلك أبدا. ثم قال: أبشرا! أتاني جبريل وأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد اللَّه وأسد رسوله.

,

المثلة بحمزة

ورأى صلّى اللَّه عليه وسلّم به مثلا شديدا فأحزنه ذلك المثل، ثم قال: لئن فرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم، فنزلت هذه الآية: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ (2) ] [فعفا رسول اللَّه] فلم يمثل بأحد [ (3) ] ،

وجعل أبو قتادة الأنصاري يريد أن ينال من قريش، لما رأى من غم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في قتل حمزة وما مثل به، ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يشير إليه أن اجلس- وكان قائما-

فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: احتسبتك عند اللَّه، ثم قال: يا أبا قتادة: إن قريشا أهل أمانة، من بغاهم العواثر كبه [ (4) ] اللَّه لفيه، وعسى إن طالت بك مدة أن تحقر عملك مع أعمالهم وفعالك مع فعالهم، لولا أن تبطر [ (5) ] قريش لأخبرتها بما لها عند اللَّه، فقال أبو قتادة: واللَّه يا رسول اللَّه ما غضبت إلا للَّه ولرسوله حين نالوا منه ما نالوا، فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم.

مقتل عبد اللَّه بن جحش وخبره

وقال عبد اللَّه بن جحش بن رئاب بن يعمر [ (6) ] بن صبرة بن مرة بن كبير [ (6) ] ابن غنم بن دودان [ (6) ] بن أسد بن خذيمة الأسدي: يا رسول اللَّه! إن هؤلاء القوم قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت اللَّه فقلت: اللَّهمّ إني أقسم عليك نلقى العدو غدا فيقتلونني ويبقرونني ويمثلون بي، فألقاك مقتولا قد صنع هذا بي، فتقول:

فيم [ (6) ] صنع بك هذا؟ فأقول: فيك. وأنا أسألك أخرى: أن تلي تركتي من

__________

[ (1) ] نشج نشيجا: تردد البكاء في صدره من غير انتحاب (المرجع السابق) ص 921.

[ (2) ] الآية 126/ النحل.

[ (3) ] هذه رواية (الواقدي) ج 1 ص 290.

[ (4) ] في (خ) «أكبه» .

[ (5) ] البطر: تقول بطر فلان النعمة: استخفّها فكفرها.

[ (6) ] في (خ) «رباب بن نعمان» ، «ابن كثير» ، «داود» ، «قيم» .

بعدي. فقال: نعم. فخرج حتى قتل ومثل به. ودفن هو وحمزة [ (1) ] رضي اللَّه عنه في قبر واحد. وولي تركته رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فاشترى لابنه [ (2) ] مالا بخيبر، فأقبلت أخته حمنة بنت جحش. فقال لها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: يا حمن! احتسبي، قالت: من يا رسول اللَّه؟ قال: خالك حمزة، قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، غفر اللَّه له ورحمه، هنيئا له الشهادة! ثم قال لها: احتسبي، قالت: من يا رسول اللَّه؟ قال: أخوك، قالت: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، غفر اللَّه له ورحمه، هنيئا له الشهادة، ثم قال لها: احتسبي، قالت: من يا رسول اللَّه؟ قال: مصعب بن عمير، قالت وا حزناه!! وفي رواية أنها قالت: وا عقراه!! فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد! ثم قال لها: لم قلت هذا؟ قالت: يا رسول اللَّه، ذكرت يتم بنيه فراعني.

فدعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لولده أن يحسن عليهم الخلف، فتزوجت طلحة فولدت له محمد بن طلحة، فكان أوصل الناس لولدها. وكانت حمنة خرجت يومئذ إلى أحد مع النساء يسقين الماء.

طلوع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على أصحابه في الشّعب

وطلع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على أصحابه في الشّعب بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ يتكفأ في الدرع [وكان صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا مشى يتكفأ تكفؤا] [ (3) ]- وقد بدن وظاهر بين درعين- وكان يتوكأ على طلحة بن عبيد اللَّه، فما صلى الظهر يومئذ بأصحابه إلا جالسا. وقد حمله طلحة رضي اللَّه عنه- حين انتهى إلى الصخرة- حتى ارتفع عليها. ثم مضى إلى أصحابه ومعه النفر الذين ثبتوا معه، فلما رأوهم ولوا في الشعب ظنا أنهم من المشركين، حتى جعل أبو دجانة يليح إليهم بعمامة حمراء على رأسه فعرفوه، فرجعوا أو بعضهم. وكانوا الذين ثبتوا معه صلّى اللَّه عليه وسلّم- وطلعوا وهو بينهم إلى الشعب- أربعة عشر: سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار.

سرور المسلمين بسلامة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

فسروا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى كأنهم لم تصبهم في أنفسهم مصيبة، وبينا هم

__________

[ (1) ] حمزة: خال عبد اللَّه بن جحش.

[ (2) ] في (المغازي) «لأمه» ج 1 ص 291.

[ (3) ] زيادة للبيان، وهي صفة مشية النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وذلك أنه كان «إذا مشى كأنما ينحط من صبب» راجع (صفة الصفوة لابن الجوزي) ج 1 ص 156 صفة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وص 213 من هذا الكتاب.

على ذلك ردّ المشركون فإذا هم فوقهم، وإذا كتائبهم قد أقبلت،

فندبهم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم يحضهم على القتال، فعدوا إليهم فانكشفوا، ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ (1) ] .

وأبو سفيان في سفح الجبل فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: ليس لهم أن يعلونا فانكشفوا [ (2) ] .

خبر النّعاس

وألقى اللَّه النعاس على من مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وهم سلّم [ (3) ] لمن أرادهم، لما بهم من الحزن فناموا ثم هبوا من نومهم كأن لم تصبهم قبل ذلك نكبة. وقال معتب ابن قشير، ويقال: بشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك ابن عوف بن عمرو بن عوف الأنصاري: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا! فأنزل اللَّه تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [إلى آخر الآيات] [ (4) ] قال أبو اليسر كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن غنم [ (5) ] بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري: لقد رأيتني يومئذ- في أربعة عشر رجلا من قومي- إلى جنب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وقد أصابنا النعاس أمنة، فما منهم إلا رجل يغط غطيطا حتى إن الجحف [ (6) ] لتناطح. ولقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده وما يشعر به حتى أخذه بعد ما تثلم: وإن المشركين لتحتنا. وقال أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي ابن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري: ألقي علينا النعاس، فكنت أنعس حتى سقط سيفي من يدي. وكان النعاس لم يصب أهل النفاق والشك يومئذ، فكل [ (7) ] منافق يتكلم بما في نفسه، وإنما أصاب النعاس أهل اليقين والإيمان.

__________

[ (1) ] في (خ) «الرسل الآية» 144/ آل عمران.

[ (2) ] في (خ) «ما انكشفوا» ، وما أثبتناه رواية (الواقدي) ج 1 ص 295.

[ (3) ] السّلم: الاستسلام والتسليم، والأسر من غير حرب (المعجم الوسيط) ج 1 ص 446.

[ (4) ] الآيات من 153- 155/ آل عمران.

[ (5) ] في (خ) «ابن غزيه» وهو خطأ، ونسبه في (الإصابة) هكذا: «كعب بن عمرو بن عباد بن سواد بن عنم الأنصاري أبو اليسر» راجع (الإصابة) ترجمة رقم 7416 ج 8 ص 301.

[ (6) ] الجحف: تقول: جحف فلان مع فلان جحفا: مال.

[ (7) ] في (خ) «وكل» وما أثبتناه من (المغازي) ج 1 ص 296.

خبر أبي سفيان ومقالته وردّ عمر

ولما تحاجزوا أراد أبو سفيان بن حرب الانصراف، وأقبل على فرس حتى أشرف على المسلمين في عرض الجبل فنادى بأعلى صوته: أعل هبل! ثم صاح: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول، وإن الحرب سجال، وحنظلة بحنظلة [ (1) ] ،

فقال عمر رضي اللَّه عنه: أجيبه يا رسول اللَّه؟ فقال: بلى، فأجبه!

فقال أبو سفيان: أعل هبل! فقال عمر:

اللَّه أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: إنها قد أنعمت فعال [ (2) ] عنها، ثم قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر رضي اللَّه عنه:

هذا رسول اللَّه، وهذا أبو بكر، وهذا عمر. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول وإن الحرب سجال. فقال عمر: لا سواء! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان: إنكم لتقولون ذلك، لقد خبنا إذا وخسرنا! لنا العزى ولا عزى لكم! فقال عمر: اللَّه مولانا ولا مولى لكم! قال أبو سفيان: إنها قد أنعمت يا ابن الخطاب فعال [ (2) ] عنها قم إليّ يا ابن الخطاب أكلمك، فقام عمر، فقال أبو سفيان: أنشدك بدينك، هل قتلنا محمدا؟ قال عمر: اللَّهمّ لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال أنت عندي أصدق من ابن قميئة، ثم

قال أبو سفيان ورفع صوته: إنكم واجدون في قتلاكم عنتا ومثلا، إلا أن ذلك لم يكن عن رأي سراتنا، أدركته حمية الجاهلية فقال: أما إذ [ (3) ] كان ذاك فلم نكرهه ثم نادى: ألا إن موعدكم بدر [ (4) ] الصفراء على رأس الحول، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: قل نعم! فقال عمر رضي اللَّه عنه: نعم.

انصراف المشركين ومخافة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من مباغتة المدينة

فانصرف أبو سفيان إلى أصحابه وأخذوا في الرحيل،

فأشفق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم والمسلمون من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذراري والنساء، فبعث سعد

__________

[ (1) ] يريد حنظلة ولده، وحنظلة غسيل الملائكة.

[ (2) ] في (خ) «فقال» وما أثبتناه من (الواقدي) ج 1 ص 297 وعال عنها: تجاف عنها ولا تذكرها بسوء، يعني آلهتهم. (النهاية) ج 3 ص 294.

[ (3) ] في (خ) «إذا» .

[ (4) ] كذا في (خ) و (الواقدي) ج 1 ص 197. أما في (ط) «بدرا الصفراء» .

ابن أبي وقاص لينظر: إن ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظعن، وإن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهي الغارة. ثم قال عليه السلام: والّذي نفسي بيده لئن ساروا إليه لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم،

فذهب سعد يسعى إلى العقيق فإذا هم قد ركبوا الإبل وجنبوا الخيل، بعد ما تشاوروا نهب المدينة فأشار عليهم صفوان بن أمية ألا يفعلوا فإنّهم لا يدرون ما يغشاهم، فعاد فأخبر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم.

,

خبر البكاء على حمزة

ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فبكين حمزة رضي اللَّه عنه بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النيران يتكمدون [ (1) ] بها من الجراح. وأذّن بلال رضي اللَّه عنه حين غاب الشفق فلم يخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه الصلاة يا رسول اللَّه،

فهب صلّى اللَّه عليه وسلّم من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل، وسمع البكاء فقال: ما هذا؟ فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة. فقال: رضي اللَّه عنكن وعن أولادكن، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن.

وصلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صفّ له الرجال ما بين بيته إلى مصلّاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه يحرسونه فرقا [ (2) ] من قريش أن تكر، ويقال: إن معاذ بن جبل رضي اللَّه عنه جاء بنساء بني سلمة، وجاء عبد اللَّه بن رواحة رضي اللَّه عنه بنساء بلحارث [بن الخزرج] [ (3) ]

فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: ما أردت هذا! ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي.


ملف pdf

كلمات دليلية: