غزوة حنين : 8 هـ من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

غزوة حنين : 8 هـ من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

جبل أحد واتخاذ المنبر وحنين الجذع

ولما نظر إلى أحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه [ (2) ] ! اللَّهمّ إني حرّمت ما بين لابتي المدينة [ (3) ] . ونهى أن يطرق الرجل أهله ليلا بعد صلاة العشاء [ (4) ]

ولما قدم المدينة اتخذ المنبر، وله درجتان والمستراح، وخطب عليه فحنّ الجذع [ (5) ] الّذي كان

__________

[ (1) ] يقول ابن القيم في (زاد المعاد) ج 3 ص 357: «لكن قد اضطربت الرواة في هذه القصة، فقال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبه، عن جامع: إن الحارس فيها كان ابن مسعود، وقيل: إن الحارس كان بلالا، واضطربت الرواية في تاريخها، فقال المعتمر بن سليمان عن شعبة عنه: إنها كانت في غزوة تبوك، وقال غيره عنه: أنها كانت في مرجعهم من الحديبيّة، فدلّ على وهم وقع فيها، ورواية الزهري عن سعيد سالمة من ذلك، وباللَّه التوفيق» .

ويقول أيضا في ص 358 من المرجع السابق: فصل في فقه هذه القصة (باختصار) :

- أن من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها.

- أن السنن والرواتب تقضى كما تقضى الفرائض- أن الفائتة يؤذن لها ويقام- قضاء الفائتة جماعة.

- قضاؤها على الفور

لقوله «فليصلها إذا ذكرها»

- وفيها تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان.

[ (2) ] (مجمع الزوائد) ج 6 ص 155، رواه أحمد، وعقبة، ذكره ابن أبي حاتم وقال: روى عنه عبد العزيز ولم يخرجه، قلت: وروى عن الزهري عند أحمد، وفيه رجاله رجال الصحيح، وانظر أيضا (موطأ مالك) حديث رقم 1610.

[ (3) ] اللابة: الأرض الواسعة، والمدينة ما بين لابتين، (المرجع السابق) حديث رقم 1602.

[ (4) ] (سنن الترمذي) ج 4 ص 166 حديث رقم 2855 «وفي الباب عن أنس وابن عمر وابن عباس. هذا حديث حسن صحيح، وقد روى من غير وجه عن جابر عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وقد روى عن ابن عباس «أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم نهاهم أن يطرقوا النساء ليلا، قال: فطرق رجلان بعد نهي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فوجد واحد منهما مع امرأته رجلا» .

وفي (المغازي) ج 2 ص 712، 713:

«عن أم عمارة قالت سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول وهو بالجرف: لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء.

قالت: فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره فخلّى عن سبيله ولم يهجه، وضن بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان يحبها، فعصى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ورأى ما يكره.

[ (5) ] (الشفا للقاضي عياض) ج 1 ص 257، 258 و (دلائل النبوة لأبي نعيم) ج 2 ص 142، 143 و (المطالب

يستند إليه إذا خطب.

,

إعجاب المسلمين بكثرتهم يوم حنين

فقال رجل من بني بكر: لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة! فأنزل اللَّه تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [ (2) ] .

,

عيون هوازن ورعب المشركين

فبعث مالك بن عوف ثلاثة رجال متفرقين في العسكر [يأتونه بخبر أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم] [ (4) ] ، فرجعوا وقد تفرقت أوصالهم [من الرعب] [ (4) ] ، وقالوا:

رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو اللَّه ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! وقالوا:

ما نقاتل أهل الأرض إنما نقاتل إلا أهل السماء! وإن أطعتنا رجعت بقومك. فسبّهم وحبسهم. ثم بعث آخر فعاد إليه بمثل ما قال الثلاثة، فلم ينته. وبعث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عبد اللَّه بن حدرد مرثد بن أبي مرثد الغنويّ تلك الليلة على فرسه وهو يحرس المسلمين.

,

خروج غير المسلمين إلى حنين

وكان قد خرج رجال من مكة على غير دين، ينظرون على من تكون الدائرة، فيصيبون من الغنائم، منهم أبو سفيان بن حرب [ (5) ] ، ومنهم معاوية بن أبي سفيان- خرج ومعه الأزلام [ (6) ] في كنانته، وكان يسير في أثر العسكر، كلّما مرّ بترس

__________

[ (1) ] الآية 138/ الأعراف.

[ (2) ] سنن الطريق: نهجه ووجهه.

[ (3) ] فزع به: أنبهه.

[ (4) ] زيادة من (ابن سعد) ج 2 ص 150.

[ (5) ] كذا في (خ) و (الواقدي) ج 3 ص 895، وهو غريب، فمن الثابت أن أبا سفيان بن حرب أسلم ليلة الفتح، ومعاوية أسلم يوم الفتح، والحارث بن هشام أسلم يوم الفتح أيضا.

[ (6) ] الأزلام: سهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية.

ساقط أو رمح أو متاع حمله، حتى أوقر جمله [ (1) ]-، وصفوان بن أمية، ومعه حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزّى، وسهيل بن عمرو، والحارث ابن هشام [ (2) ] ، وعبد اللَّه بن أبي ربيعة، فلما كانت الحرب وقفوا خلف الناس.

,

خبر على وقتاله يوم حنين

قال الحارث بن نوفل: فحدّثني الفضل بن العباس قال: التفت العباس يومئذ وقد أقشع [ (5) ] الناس عن بكرة أبيهم- فلم ير عليا فيمن ثبت، فقال: شوهة وبوهة [ (6) ] ! أوفي مثل هذه [ (7) ] الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم؟ وهو صاحبه فيما هو صاحبه!! [يعني المواطن المشهورة له] فقلت: بعض قولك لابن أخيك! أما تراه في الرّهج؟ قال: أشعره [ (8) ] لي يا بنيّ. قلت ذو كذا، ذو كذا، ذو البردة. قال: فما تلك البرقة؟ قلت: سيفه يرفل [ (9) ] به بين

__________

[ (1) ] في (خ) «وما معه» .

[ (2) ] زيادة للبيان من (ط) .

[ (3) ] اجتلدوا: ضربوا بالسيف.

[ (4) ] في (الواقدي) ج 2 ص 901 بعد قوله «المستعان» «قال له جبريل: لقد لقنت الكلمات التي لقن اللَّه موسى يوم فلق البحر أمامه وفرعون خلفه» ومعنى لقن: فهم.

[ (5) ] أقشع الناس: تفرقوا.

[ (6) ] في (خ) «شوهة بوهة» وهذا يقال في الدعاء والذم، كذا في (ط) ولم أجد المثل في مجمع الأمثال ولا في جمهرة الأمثال.

[ (7) ] في (خ) ، (ط) «هذا» وما أثبتناه حق اللغة.

[ (8) ] الرهج: غبار الحرب وأشعره لي: أذكر لي شعاره الّذي يعرف به بين رفقته

[ (9) ] يرفل: يتبختر.

الأقران [ (1) ] . فقال برّ ابن برّ؟ فداه عم وخال! قال: فضرب عليّ يومئذ أربعين مبارزا كلهم يقده حتى يقدّ أنفه وذكره. قال: وكانت ضرباته منكرة.

,

هزيمة هوازن وقتل دريد بن الصمة

ومرّت هوازن في هزيمتها إلى الطائف، وإلى أوطاس، وإلى نخلة. فسارت الخيل تريد من أتى نخلة. أدرك الربيع بن ربيعة بن رفيع بن أهبان [ (1) ] بن ثعلبة بن ضبيعة بن يربوع بن سمّال بن عوف بن مريء القيس بن بهثة بن سليم السّلمي-[وكان يقال له «ابن الدّغنّة» ، وهي أمه فغلبت على اسمه] [ (2) ]- دريد بن الصّمة فقتله.

,

[غزوة حنين]

ثم سار إلى غزاة حنين، وقد اجتمع بها هوازن وثقيف، فأوقع بهم، وغنم ما بأيديهم، في يوم [الثلاثاء] ، لعشر خلون من شوال، ثم نزل على الطائف ثمانية عشر يوما، وقيل: تسعة عشر يوما، وقيل: خمسة عشر يوما، وقيل: أربعين يوما، ثم رحل عن ثقيف، وعاد إلى الجعرانة، وقسّم غنائم هوازن، وأقام بها ثلاثة عشر يوما، وخرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة، ودخل مكة محرما بعمرة، وخرج منها يوم الخميس، فسلك على سرف إلى مرّ الظهران، وقد يوم الجمعة، لثلاث بقيت من ذي القعدة، [واستخلف يومئذ ابن أم مكتوم] [ (1) ] .

[حنين- بالتصغير- واد قرب ذي المجاز، وقيل: ماء بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف، وتسمى غزوة هوازن] [ (2) ] .

[لما فرغ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من فتح مكة وتمهيدها، وأسلم عامة أهلها، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضهم إلى بعض، وحشدوا وقصدوا محاربة المسلمين، وكان رئيسهم مالك بن عوف النصري] [ (2) ] .

[فخرج إليهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال، في اثنى عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفان ممن أسلم من أهل مكة، وهم الطلقاء، يعنى الذين خلى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم، فلم يسترقهم، واحدهم طليق- فعيل بمعنى مفعول- وهو الأسير إذا أطلق سبيله] [ (2) ] .

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من كتب السيرة.

[ (2) ] (المواهب اللدنية) : 1/ 596- 605 مختصرا.

[وخرج معه صلّى اللَّه عليه وسلّم ثمانون من المشركين، منهم صفوان بن أمية، وكان صلّى اللَّه عليه وسلّم استعار منه مائة درع بأداتها، فوصل إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب، ووجه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عبد اللَّه بن أبى حدرد الأسلمي، فدخل عسكرهم، فطاف به، وجاء بخبرهم] [ (1) ] .

[وقال رجل يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشقّ ذلك على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، ثم ركب بغلته البيضاء [دلدل] ، ولبس درعين والمغفر والبيضة، فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي، فحملوا حملة واحدة فانكشفت خيل بنى سليم مولية، وتبعهم أهل مكة والناس] [ (1) ] .

[ولم يثبت معه صلّى اللَّه عليه وسلّم يومئذ إلا العباس بن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، والفضل بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد، في أناس من أهل بيته وأصحابه صلّى اللَّه عليه وسلّم] [ (1) ] .

[قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفها مخافة أن تصل إلى العدو، لأنه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يتقدم في نحر العدو، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركابه، وجعل عليه السلام يقول للعباس: ناديا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة [يعنى شجرة بيعة الرضوان] التي بايعوه تحتها أن لا يفروا عنه] [ (1) ] .

[فجعل ينادى تارة: يا أصحاب السمرة، وتارة: يا أصحاب سورة البقرة- وكان العباس رجلا صيتا- فلما سمع المسلمون نداء العباس، أقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها] [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (المواهب اللدنية) : 1/ 596- 605 مختصرا.

[فأمرهم صلّى اللَّه عليه وسلّم أن يصدقوا الحملة، فاقتتلوا مع الكفار،

فأشرف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حمى الوطيس،

وهو التنور يخبز فيه، يضرب مثلا لشدة الحرب الّذي يشبه حرها حرّه، وهذه من فصيح الكلام الّذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم

وتناول صلّى اللَّه عليه وسلّم حصيات من الأرض ثم قال: شاهت الوجوه

- أي قبحت- ورمى بها في أوجه المشركين، فما خلق اللَّه تعالى منهم إنسانا إلا ملأ عينيه من تلك القبضة] [ (1) ] .

[وفي البخاري [4316، 4317] عن البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم حنين؟ فقال ولكن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يفر، كانت هوازن رماة، ولما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام، ولقد رأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أبا ابن عبد المطلب] [ (1) ] .

[وهذا فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال:

أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، بل أنا متيقن أن الّذي وعدني اللَّه به من النصر حق، فلا يجوز عليّ الفرار] [ (1) ] .

[وأمر صلّى اللَّه عليه وسلّم بطلب العدوّ، فانتهى بعضهم إلى الطائف، وبعضهم نحو نخلة، وقوم منهم إلى أوطاس، واستشهد من المسلمين أربعة، وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا] [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (المواهب اللدنية) : 1/ 596- 605 مختصرا.


تحميل : غزوة حنين : 8 هـ من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

كلمات دليلية: