غزوة بني قينقاع من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

غزوة بني قينقاع من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

غزوة بني قينقاع وإجلاؤهم

ثم كان إجلاء بني قينقاع [ (5) ]- أحد طوائف اليهود بالمدينة- في شوال بعد بدر، وقيل: في صفر سنة ثلاث، وجعلها محمد بن إسحاق بعد غزوة «قرارة الكدر» . وكان سببها أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لما قدم المدينة مهاجرا وادعته يهود كلها، وكتب بينه وبينهم كتابا، وألحق كل قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانا، وشرط عليهم شروطا منها: ألا يظاهروا عليه عدوا.

فلما قدم من بدر بغت يهود، وقطعت ما كان بينها وبين رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من العهد، فجمعهم [بسوق بني قينقاع] [ (6) ] وقال: يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يوقع اللَّه بكم مثل وقعة قريش، فو اللَّه إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه،

فقالوا: يا محمد لا يغرنك من لقيت، إنك قهرت قوما أغمارا [ (7) ] وإنا واللَّه أصحاب الحرب، ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا.

,

سبب إجلائهم

فبينما هم على ما هم عليه- من إظهار العداوة ونبذ العهد- جاءت امرأة رجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع فجلست عند صائغ في حليّ لها، فجاء أحد بني قينقاع فحل درعها من ورائها بشوكة وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها، فاتبعه رجل من المسلمين فقتله، فاجتمع عليه بنو قينقاع وقتلوه، ونبذوا العهد إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وحاربوا، وتحصنوا في حصنهم. فأنزل اللَّه تعالى:

وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [ (8) ]

فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: أنا أخاف [ (9) ] بني قينقاع

فسار إليهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم السبت

__________

[ (1) ] البكاءون: هم السبعة الذين نزل فيهم قوله تعالى: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ الآية 92/ التوبة.

[ (2) ] في (خ) «عزة» .

[ (3) ] زيادة للإيضاح.

[ (4) ] في (خ) «أقبل» .

[ (5) ] في (خ) «قينقا» .

[ (6) ] زيادة للإيضاح.

[ (7) ] أغمار: جمع غمر، وهو الجاهل الّذي لا تجربة عنده.

[ (8) ] الآية 58/ الأنفال.

[ (9) ] في (خ) «أخافه من» .

النصف من شوال بعد بدر ببضع وعشرين يوما، وهم سبعمائة مقاتل: منهم ثلاثمائة متدرّعون بدروع الحديد، ولم يكن لهم حصون ولا معاقل، وإنما كانوا تجارا وصاغة، وهم حلفاء لعبد اللَّه بن أبيّ بن سلول، وكانوا أشجع يهود فكانوا أول من غدر من اليهود، فحاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فأمر بهم فربطوا، واستعمل على رباطهم وكتافهم المنذر بن قدامة السّلمي من بني غنم بن السّلم بن مالك بن الأوس، ثم خلّى عنهم بشفاعة عبد اللَّه بن أبي بن سلول، وأمرهم أن يجلوا من المدينة، فأجلاهم محمد بن مسلمة الأنصاريّ، وقيل: عبادة بن الصامت، وقبض أموالهم، وأخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من سلاحهم ثلاث قسيّ [ (1) ] وهي الكتوم والروحاء والبيضاء، وأخذ درعين: الصّغديّة وفضة، وثلاثة أسياف وثلاثة أرماح. ووجدوا في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة، وخمّس [ (2) ] ما أصاب منهم، وقسم ما بقي على أصحابه. وخرجوا بعد ثلاث فلحقوا بأذرعات [ (3) ] بنسائهم وذراريهم، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا، وقال الحاكم: هذه وبني النضير واحدة وربما اشتبها على من [ (4) ] لا يتأمل.

واستخلف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في غزوة بني قينقاع على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه، وكان أبيض، ولم تكن الرايات يومئذ.

غزوة السّويق

ثم كانت غزوة السّويق، خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم الأحد الخامس من ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا في مائتين من المهاجرين والأنصار، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، فغاب [ (5) ] خمسة أيام. وذلك أن المشركين لما رجعوا إلى مكة من بدر حرّم أبو سفيان صخر بن حرب الدّهن حتى يثأر من محمد وأصحابه بمن أصيب من قومه، فخرج في مائتي راكب، وقيل: في أربعين راكبا، فجاءوا بني النضير- في طرف المدينة- ليلا، ودخلوا على سلّام بن مشكم فسقى

__________

[ (1) ] جمع قوس.

[ (2) ] أخذ خمس الغنيمة.

[ (3) ] أذرعات: بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان (معجم البلدان) ج 1 ص 130.

[ (4) ] في (خ) «اشتبها ولا يتأمل» .

[ (5) ] في (خ) «ففات» .

أبا سفيان خمرا وأخبره من أخبار النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وخرج [أبو سفيان] [ (1) ] سحرا، فوجد رجلا من الأنصار في حرث فقتله وأجيره- وهذا الأنصاري هو معبد بن عمرو- وحرّق بيتين بالعريض، وحرق حرثا لهم وذهب. فخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بمن معه في أثره، وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق [ (2) ]- وهي عامة أزوادهم- يتخففون منها لسرعة سيرهم خوفا من الطلب، فجعل المسلمون يأخذونها. فسمّيت غزوة السويق لهذا.

أول عيد ضحى فيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم

وعاد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى المدينة. وصلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم صلاة الأضحى بالمصلى، وضحى بشاة، وقيل: بشاتين، وضحّى معه ذوو اليسار. قال جابر ضحينا في بني سلمة سبع عشرة أضحية، وهو أول عيد ضحى فيه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم.

,

غزوة بنى قينقاع

ثم خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى غزاة بنى قينقاع من اليهود، في يوم السبت، النصف من شوال بعد البدر، فحصرهم إلى هلال ذي القعدة وجلالهم.

وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث من الهجرة، وجعلها ابن إسحاق بعد غزاة قرارة الكدر، ولم يتجاوز أرض المدينة.

[قال ابن الأثير: لما عاد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من بدر، أظهرت يهود له الحسد بما فتح عليه، وبغوا ونقضوا العهد، وكان قد وادعهم حين قدم المدينة مهاجرا] .

[فلما بلغه حسدهم جمعهم بسوق بنى قينقاع، فقال لهم: احذروا ما نزل بقريش وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل. فقالوا: يا محمد! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة] .

[فكانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبينه، فبينما هم على مجاهرتهم، إذ جاءت امرأة مسلمة إلى سوق بنى قينقاع، فجلست عند صائغ لأجل حلىّ لها، فجاء رجل منهم فحل درعها إلى ظهرها، وهي لا تشعر، فلما قامت بدت عورتها، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فقتله، ونبذوا العهد إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وتحصنوا في حصونهم، فغزاهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وحاصرهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، فكتفوا وهو يريد قتلهم، وكانوا حلفاء الخزرج،

فقام إليه عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول، فكلمه فيهم، فلم يجبه، فأدخل يده إلى جيب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فغضب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وقال: ويحك! أرسلنى، فقال: لا أرسلك حتى تحسن إلى موالىّ،

أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعونى من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، وإني واللَّه لأخشى الدوائر، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: هم لك، خلوهم، لعنهم اللَّه ولعنه معهم] [ (1) ] .

[وغنم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم والمسلمون ما كان لهم، ولم يكن لهم أرضون، إنما كانوا صاغة، وكان الّذي أخرجهم عبادة بن الصامت الأنصاري، فبلغ بهم ذباب [اسم موضع] ، ثم ساروا إلى أذرعات من أرض الشام، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى هلكوا] [ (1) ] .

[وكان صلّى اللَّه عليه وسلّم قد استخلف على المدينة أبا لبابة، وكان لواء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مع حمزة، وقسم الغنيمة بين أصحابه وخمسها، وكان أول خمس أخذه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في قول] [ (1) ] .

[ثم انصرف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وحضر الأضحى، وخرج إلى المصلّى، فصلى بالمسلمين، وهي أول صلاة عيد صلاها، وضحى فيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بشاتين، وقيل بشاة، وكان أول أضحى رآه المسلمون، وضحى معه ذو اليسار، وكانت الغزاة في شوال بعد بدر، وقيل: كانت في صفر سنة ثلاث، وجعلها بعضهم بعد غزوة الكدر] [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (الكامل في التاريخ) : 2/ 137- 139.


تحميل : غزوة بني قينقاع من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

كلمات دليلية: