رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم  من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

وأما رقته ورحمته ولطفه

فخرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة قال: حدثنا ثابت عن أنس قال:

قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعته إلى أم سيف- امرأة قين [ (4) ] يقال له أبو سيف- فانطلق يأتيه واتّبعته، فانتيهنا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخانا، فأسرعت بين يدي رسول فقلت: يا أبا سيف! أمسك جاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأمسك، فدعا النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فضمه إليه وقال ما شاء اللَّه أن يقول، فقال أنس لقد رأيته وهو يكيد بنفسه [ (5) ] بين يدي رسول اللَّه، فدمعت عينا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، واللَّه يا إبراهيم إنا بك لمحزونون [ (6) ] .

__________

[ (1) ] حبه بن خالد أخو سواء الأسدي وقيل العامري وقيل الخزاعي، عدادهما في أهل الكوفة، لهما عندنا حديث واحد عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في عدم اليأس من الرزق رواه الأعمش عن سلام أبي شراحبيل عنهما.

قلت: لم يروه عنهما غيره فيما قاله الأزدي (تهذيب التهذيب) ج 2 ص 177 ترجمة رقم 320 ج 4 ص 265 ترجمة رقم 455.

[ (2) ] (المستدرك) ج 2 ص 64 وفيه «أحق بصدر دابته» .

[ (3) ] زيادة من (المستدرك) و (سنن الدارميّ) ج 2 ص 285 باب صاحب الدابة أحق بصدرها.

[ (4) ] (القين بفتح القاف) : الحداد، وفيه جواز تسمية المولود يوم ولادته، وجواز التسمية بأسماء الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم.

[ (5) ] أي يجود بها، ومعناه وهو في النزع.

[ (6) ] فيه جواز البكاء على المريض والحزن، وأن ذلك لا يخالف الرضا بالقدر بل هي رحمة جعلها اللَّه في قلوب عباده، وإنما المذموم الندب والنياحة والويل والثبور ونحو ذلك من القول الباطل، ولهذا

قال صلّى اللَّه عليه وسلّم ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. (مسلم بشرح النووي) ج 14 ص 74- 75.

وخرّج من حديث إسماعيل بن علية عن أيوب عن عمرو بن سعيد عن أنس ابن مالك قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، قال: كان إبراهيم مسترضعا في عوالي المدينة [ (1) ] ، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخّن، وكان ظئره قينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع،

قال عمرو: فلما مات إبراهيم قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة.

وخرج البخاري [ (2) ] ومسلم [ (3) ] من حديث ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه عنها: جاء أعرابي إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم! فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: أو أملك أن نزع اللَّه من قلبك الرحمة؟.

وفي لفظ مسلم عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول اللَّه فقال:

تقبلون صبيانكم؟ فقالوا نعم؟ قالوا: لكننا ما نقبل، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم:

وأملك إن كان اللَّه قد نزع منكم الرحمة [ (4) ] ؟.

وقد خرجا [ (5) ] من حديث أنس: رويدك يا نجشة، سوقك بالقوارير، يعني

__________

[ (1) ] أما العوالي: فالقرى التي عند المدينة، وقوله: أرحم بالعيال، هذا هو المشهور الموجود في النسخ والروايات، قال القاضي: وفي بعض الروايات الصاد، ففيه بيان كريم خلقه صلّى اللَّه عليه وسلّم ورحمته للعيال والضعفاء، وفيه جواز الاسترضاع، وقوله: وإنه مات في الثدي وإن ظئرين تكملان له رضاعه في الجنة، معناه مات في الثدي أو في حال تغذيته بلبن الثدي، وأما الظئر فبكسر الظاء مهموزة وهي المرضعة ولد غيرها، وزوجها ظئر لذلك الرضيع، فلفظة الظئر تقع على الأنثى والذكر، ومعنى تكملان رضاعه أي تتمانه سنتين، فإنه توفي وله ستة عشر شهرا أو سبعة عشر فترضعانه بقية السنتين فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن» قال القاضي: واسم أبي سيف هذا: البراء، واسم أم سيف زوجته: خولة بنت المنذر الأنصارية كنيتها: أم سيف وأم برده (المرجع السابق) ص 76.

[ (2) ] (صحيح البخاري بشر الكرماني) ج 21 ص 64 حديث رقم 5627.

[ (3) ] (مسلم بشرح النووي) ج 15 ص 76.

[ (4) ] المرجع السابق.

[ (5) ] (مسلم بشرح النووي) ج 15 ص 80 باب رحمته صلّى اللَّه عليه وسلّم للنساء والرّفق بهن قال العلماء: سمي النساء قوارير لضعف عزائمهن تشبيها بقارورة الزجاج لضعفها وإسراع الانكسار إليها، واختلف العلماء في المراد بتسميتهن قوارير على قولين ذكرهما القاضي وغيره أصحهما عند القاضي وآخرين، وهو الّذي جزم به الهروي وصاحب «التحرير» وآخرون أن معناه: أن أنجشة كان حسن الصوت وكان يحدو بهن وينشد شيئا من القريض والرجز وما فيه تشبيب، فلم يأمن أن يفتنهن ويقع في قلوبهن حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك، ومن أمثالهم المشهورة «الغنا رقية الزنا» ، قال القاضي: هذا أشبه بمقصوده

النساء، وفي لفظ: ويحك يا نجشة، رويدك بالقوارير، وفي آخر: يا أنجشة رويدا سوقك بالقوارير، وفي آخر: أيا أنجشة رويدا سوقك بالقوارير.

وخرج البخاري في الأدب المفرد [ (1) ] عن طريق مبارك [ (2) ] عن ثابت عن أنس قال: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا أتي بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنّها كانت صديقة خديجة، اذهبوا به إلى بيت فلانة فإنّها كانت تحب خديجة.

وقال الواقدي في مغازيه وقد ذكر فتح مكة: حدثني عبد الرحمن بن محمد عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم قال: لما سار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من العرج، رأى كلبة تهر على أولادها وهن حولها من ضعفها، فأمر رجلا من أصحابه يقال له جعيل بن سراقة أن يقوم حذاها، لا يعرض لها أحد من الجيش ولا لأولادها [ (3) ] .

وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن يحيى بن سعيد بن العاص عن عائشة أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم استعذر أبا بكر من عائشة، ولم يظن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أن ينال منها بالذي نال منها، فرفع أبو بكر يده فلطمها وصكّ في صدرها، فوجد من ذلك النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وقال: يا أبا بكر، ما أنا بمستعذرك منها بعد هذا أبدا.

__________

[ () ] صلّى اللَّه عليه وسلّم وبمقتضى اللفظ ... » والقول الثاني: أن المراد به الرّفق في السير لأن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واستلذّته فأزعجت الراكب وأتعبته فنهاه عن ذلك لأن النساء يصعقن عند شدة الحركة، ويخاف ضررهن وسقوطهن، وأما «ويحك» فبكذا وقع في مسلم ووقع في غيره، «ويلك» ، قال القاضي: قال سيبويه: «ويل» : كلمة تقال لمن وقع في هلكه، و «ويح» زجر لمن أشرف على الوقوع في هلكة، وقال الفراء: ويل ووي وويس بمعنى ... وفي هذه الأحاديث جواز الحداء- وهو بضم الحاء ممدود- وجواز السفر بالنساء واستعمال المجاز، وفيه مباعدة النساء من الرجال ومن سماع كلامهم إلا الوعظ ونحوه.

[ (1) ] (الأدب المفرد) ج 1 ص 320 حديث رقم 332، وأخرجه الحاكم والبراء وابن حبان.

[ (2) ] «مبارك» هو ابن فضالة البصري، جالس الحسن البصري ثلاث عشر سنة أو أربع عشر سنة، مات سنة 165، قال أحمد: ما روي عن الحسن يحتج به (فضل اللَّه الصمد) هامش ص 320.

[ (3) ] كذا في (خ) ، ورواية الواقدي: «لما سار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من العرج، فكان فيما بين العرج والطلوب، نظر إلى كلبة تهر على أولادها وهم حولها يرضعونها، فأمر رجلا من أصحابه يقال له جعبل ابن سراقة أن يقوم حذاهما، لا يعرض لها أحد من الجيش ولا لأولادها، والطّلوب: ماء في الطريق بين المدينة ومكة. (المغازي للواقدي) ج 2 ص 804.


تحميل : رحمة الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

كلمات دليلية: