خطبة عرفة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

خطبة عرفة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

حجة الوداع

ثم كانت حجة الوداع، ويقال حجّة الإسلام، وحجّة البلاغ، وحجّة التمام، وقد أجمع صلّى اللَّه عليه وسلّم الخروج في ذي القعدة سنة عشر من مهاجره [ (2) ] ، وقد أسلمت جزيرة العرب ومن شاء اللَّه من أهل اليمن- فصلّى الظهر بذي الحليفة، وأذّن في الناس بالحجّ، فقدم المدينة بشر كثير يريدون أن يأتمّوا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ويعملوا بعمله [ (3) ] .

المسير وصفه إحرامه صلّى اللَّه عليه وسلّم

وسار من المدينة- متدهّنا [ (4) ] ومترجّلا [ (5) ] [متجردا في ثوبين صحاريّين: إزار ورداء، وذلك] [ (6) ] يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة-، ومعه أزواجه، وأهل بيته، وعامة المهاجرين والأنصار ومن شاء من قبائل العرب وأفناء [ (7) ] الناس.

وقال ابن حزم: الصحيح أنه خرج لستّ بقين (من ذي القعدة) ، فصلّى

__________

[ (1) ] في (خ) «تبايع» .

[ (2) ] في (خ) «مهاجرة» .

[ (3) ] في (خ) «ويعملون بعمله» .

[ (4) ] متدهنا: بالطيب والزيت.

[ (5) ] مترجلا: مسرحا شعره وممشطه.

[ (6) ] ما بين القوسين زيادة من (ابن سعد) ج 2.

[ (7) ] الأفناء: الأخلاط.

الظهر بذي الحليفة ركعتين، وأحرم عند صلاة الظهر من يومه ذلك. ويقال: انتهى إلى ذي الحليفة عند الظهر فبات لأن تجتمع إليه أصحابه والهدي، حتى أحرم عند الظهر من الغد في ثوبين صحاريين. إزار ورداء أبدلها بالتنعيم بثوبين من جنسهما.

وقيل صلّى الظهر يوم الخميس لستّ بقين من ذي القعدة، ثم خرج فصلّى العصر بذي الحليفة، واجتمع إليه نساؤه وحجّ بهنّ جميعا في الهوادج.

فلما انتهى إليه اجتماع إليه اجتماع أصحابه والهدي، دخل مسجد ذي الحليفة بعد أن صلّى الظهر فصلّى ركعتين، ثم خرج فدعا بالهدي فأشعره [ (1) ] في الجانب الأيمن بيده، ووجّهه إلى القبلة، وقلده نعلين نعلين [ (2) ] ثم ركب ناقته، فلما استوى بالبيداء أحرم. وقيل: أشعر هديه وقلده قبل أن يحرم. والقول- أنه لم يبت- أثبت.

,

إحرام عائشة

وطيّبته عائشة رضي اللَّه عنها لإحرامه بيدها، وأحرمت وتطيبت، فلما كانوا بالقاحة [ (1) ] سال من الصفرة على وجهها [ (2) ] ،

فقال: ما أحسن لونك الآن يا شقيراء [ (3) ] .

,

صفة سعيه بين الصفا والمروة

ثم خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم، وقال: أبدأ بما بدأ اللَّه به. وسعى على راحلته، لأنه قدم وهو شاك وقيل: سعى على بغلته، والمعروف على راحلته.

فصعد على الصّفا فكبّر سبع تكبيرات وقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، صدق اللَّه وعده، ونصره عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك. ونزل إلى المروة، فلما انصبت قدماه في الوادي رمل. وقال في المشي. أيها الناس! إن اللَّه كتب عليكم السعي فاسعوا، وسعى حتى انكشف إزاره عن فخذه. وقال في الوادي: ربّ اغفر وارحم، ثم أنت الأعزّ الأكرم، فلما انتهى إلى المروة فعل عليها مثل ما فعل على الصفا، فبدأ بالصفا وختم بالمروة.

,

عدة الخطب في حجة الوداع

وخطب في حجته ثلاث خطب: الأولى قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة، والثانية يوم عرفة بعرفة حين زاغت الشمس على راحلته قبل الصلاة، والثالثة يوم النحر بمنى بعد الظهر على راحلته القصواء، وقيل: بل خطب الثانية ثاني يوم النّحر.

وقال المحبّ الطبري: دلت الأحاديث على أنّ الخطب في الحج خمس، خطبة

يوم السابع من ذي الحجّة وخطبة يوم عرفة، وخطبة يوم النحر، وخطبة القرّ [ (1) ] وخطبة يوم النفر الأول [ (2) ] ، قال الواقدي: فقال- يعنى في خطبة يوم النّحر بمنى-:

,

خطبة عرفة

أيها الناس: إني واللَّه ما أدري لعلي لا ألقاكم بمكاني هذا، بعد يومكم هذا، رحم اللَّه امرأ سمع مقالتي فوعاها، فربّ حامل فقه لا فقه له، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه! واعلموا أن أموالكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. واعلموا أن الصدور لا تغلّ على ثلاث [ (1) ] :

إخلاص العمل للَّه، ومناصحة أهل الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم [ (2) ] . ألا إن كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع، وأول دماء الجاهلية أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث [بن عبد المطلب] [ (3) ]-[كان مسترضعا في بني سعد [بن بكر] [ (3) ] فقتلته [ (4) ] هذيل]-، وربا الجاهلية موضوع [ (5) ] كله وأول ربا أضعه ربا عبّاس بن عبد المطلب: اتقوا اللَّه في النساء، إنما أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، وإنّ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكنّ أحدا تكرهونه، [وعليهنّ أن لا يأتين بفاحشة مبينة] [ (6) ] . فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، [فإن انتهين] [ (6) ] ، فلهن [ (7) ] عليكم رزقهن وكسوتهنّ بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب اللَّه وأنتم مسئولون عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأديت ونصحت! ثم قال بإصبعه السبّابة يشير إلى السماء يرفعها ويكبّها ثلاثا: اللَّهمّ اشهد.


ملف pdf

كلمات دليلية: