حديث الإفك من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

حديث الإفك   من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

بدء حديث الإفك

وكان حديث الإفك [ (4) ] ، وذلك أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم نزل منزلا ليس معه ماء، وسقط عقد عائشة رضي اللَّه عنها من عنقها، فأقام صلّى اللَّه عليه وسلّم بالناس حتى أصبحوا، وضجر [ (5) ] الناس وقالوا: حبستنا عائشة. فضاق بذلك أبو بكر رضي اللَّه عنه وعاتب عائشة عتابا شديدا.

,

تخلف عائشة ومجيء صفوان وحديث الإفك

وكان يرحل بعير عائشة رضي اللَّه عنها أبو مويهبة [ (3) ] ورجل آخر، وكانت تقعد في هودج [ (4) ] ، فحمل الهودج وهو يظنها فيه- لخفة النساء يومئذ من قلة أكلهن- وساروا وقد ذهبت عائشة لحاجتها وتجاوزت العسكر، وفي عنقها عقد من جزع ظفار [ (5) ] فانسل من عنقها ولا تدري به، فرجعت تلتمسه حتى وجدته، ثم عادت وليس في العسكر أحد، فاضطجعت ونامت، فجاء صفوان بن المعطل ابن ربيضة [ (6) ] بن خزاعيّ بن محارب بن مرّة بن فالج [ (6) ] بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة

__________

[ (1) ] دمث المكان وغيره: سهل ولان (ترتيب القاموس) ج 2 ص 209.

[ (2) ] سنن أبي داود ج 3 ص 65 الحديث رقم 2578.

[ (3) ] في (خ) «مويهية» وفي (الواقدي) ج 2 ص 427 «موهبة» وما أثبتناه من (ط) .

[ (4) ] الهودج: مركب للنساء، (ترتيب القاموس) ج 4 ص 543.

[ (5) ] ظفار: مدينة باليمن قرب صنعاء وهي التي ينسب إليها الجذع الظفاري (أي الخرز) (معجم البلدان) ج 4 ص 60 وفي (خ) «أظفار» .

[ (6) ] في (خ) «فاتح» ، في (ط) «ربيضة» . ونسبه في (الاستيعاب) ج 5 ص 142 ترجمة رقم 1223:

ابن سليم السلمي ثم الذّكواني أبو عمرو- وكان في السّاقة [ (1) ]- فاسترجع لما رآها، فاستيقظت وخمرت [ (2) ] وجهها بملحفتها. فلم يكلمها، وأناخ بعيره وولى عنها حتى ركبت، وقاد بها حتى أتى العسكر. فقال أصحاب الإفك- وكبيرهم عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول- ما قالوا، حتى بلغ ذلك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فتغير لعائشة وهي لا تشعر، حتى أعلمتها أم مسطح ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ابن قصي، وكانت أمها خالة أبي بكر رضي اللَّه عنه. فأتت أبويها لتستيقن الخبر، فوجدت عندهما العلم بما قاله أهل الإفك. فبكت ليلتها حتى أصبحت.

استشارة رسول صلّى اللَّه عليه وسلّم اللَّه أصحابه في فراق عائشة

واستشار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم عليا وأسامة في فراق عائشة. فقال أسامة: هذا الباطل والكذب، ولا نعلم إلا خيرا.

وقال عليّ: لم يضيق اللَّه عليك، والنساء كثير، وقد أحلّ اللَّه لك وأطاب، فطلقها وأنكح غيرها.

وخلا صلّى اللَّه عليه وسلّم ببريرة وسألها فقالت: هي أطيب من طيب الذهب، واللَّه ما أعلم عليها إلا خيرا، واللَّه يا رسول اللَّه لئن كانت على غير ذلك ليخبرنك اللَّه بذلك، ألا إنها جارية ترقد عن العجين حتى تأتي الشاة فتأكل عجينها. وسأل زينب بنت جحش فقالت: حاشى سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرا، واللَّه ما أكلمها، وإني لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق. وسأل أم أيمن فقالت: حاشى سمعي وبصري أن أكون علمت أو ظننت بها قط إلا خيرا.

خطبة النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في أمر الإفك واختلاف الأوس والخزرج

ثم صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: من يعذرني ممن يؤذيني في أهلي؟

ويقولون لرجل، واللَّه ما علمت على ذلك الرجل إلا خيرا، وما كان يدخل بيتا من بيوتي إلا معي، ويقولون عليه غير الحق!

فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك

__________

[ () ] «صفوان بن المعطل بن ربيعة بن خزاعيّ بن محارب بن مرّة بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم السّلمى ثم الذكوانيّ، يكنى أبا عمرو» .

[ (1) ] الساقة: مؤخرة الجيش (المعجم الوسيط) ج 1 ص 464.

[ (2) ] خمّرت: غطت.

منه يا رسول اللَّه، إن يك من الأوس آتيك برأسه، وإن يك من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك يمضي لك. فقام سعد بن عبادة- وقد غضب منه- فقال: كذبت لعمر اللَّه، لا تقتله ولا تقدر [ (1) ] على قتله. فقال أسيد بن حضير: كذبت، واللَّه ليقتلنه وأنفك راغم. وكادت تكون فتنة، فأشار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بيده إلى الأوس والخزرج أن اسكتوا، ونزل عن المنبر، فهدّأهم وخفضهم حتى انصرفوا.

دخول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم على عائشة وحديثهما

ودخل على عائشة- وقد مكث شهرا قبل ذلك لا يوحى إليه في شأنها- فتشهد ثم قال: أما بعد يا عائشة، فإنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة يبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بشيء مما يقول الناس فاستغفري اللَّه عز وجل، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى اللَّه تاب اللَّه عليه.

فقالت لأبيها: أجب عني رسول اللَّه. قال: واللَّه ما أدري ما أقول وما أجيب به عنك! فقالت لأمها: أجيبي عني. فقالت: واللَّه ما أدري ما أجيب به. فقالت: إني واللَّه قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم فصدقتم به! فلئن قلت لكم إني بريئة [ (2) ] لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم اللَّه أني منه بريئة لتصدقنني، وإني واللَّه ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [ (3) ] ، فقال أبو بكر رضي اللَّه عنه: ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر، واللَّه ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد [ (4) ] اللَّه، فيقال لنا في الإسلام! وأقبل عليها مغضبا فبكت.

,

أصحاب الإفك

وكان الذين خاضوا في الإفك مع ابن أبيّ: مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. فضربهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الحد. قال الواقدي: وقيل: لم يضربهم [ (2) ] ، وهو أثبت.

إصلاح رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بين الأوس والخزرج

ومكث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أياما، ثم أخذ بيد سعد بن معاذ في نفر حتى دخل على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثوا ساعة، وقرب لهم سعد بن عبادة طعاما فأصابوا منه وانصرفوا. فمكث أياما، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثوا ساعة، وقرب لهم سعد بن معاذ طعاما، فأصابوا [منه] [ (3) ] ، ثم خرجوا، فذهب من أنفسهم ما كانا تقاولا من ذلك القول.

__________

[ (1) ] آية 11/ النور وفي (خ) إلى قوله: «عُصْبَةٌ مِنْكُمْ» .

[ (2) ] «قال الماوردي وغيره: اختلفوا هل حدّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أصحاب الإفك، على قولين: أحدهما أنه لم يحد أحدا من أصحاب الإفك لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة، ولم يتعبده اللَّه أن يقيمها بإخباره عنها، كما لم يتعبده بقتل المنافقين، وقد أخبره بكفرهم» .

«قلت: وهذا فاسد مخالف لنص القرآن، فإن اللَّه عز وجل يقول: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ أي على صدق قولهم فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً.

«والقول الثاني: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم حد أهل الإفك: عبد اللَّه بن أبي ومسطح بن أثاثه، وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وفي ذلك قال شاعر من المسلمين:

لقد ذاق حسان الّذي كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح

وابن سلول ذاق في الحد خزيه ... كما خاض في إفك من القول يفصح

«قلت: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الّذي حدّ حسان ومسطح وحمنة ولم يسمع بحد عبد اللَّه بن أبيّ» راجع (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي) ص 4592.

[ (3) ] زيادة للسياق.

مقالة عبد اللَّه بن أبيّ في جعيل بن سراقة

وكان عبد اللَّه بن أبي بن سلول [وسلول أمه، وإنما هو أبيّ بن مالك بن الحارث ابن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عمرو بن الخزرج] لما قال- وذكر جعيل ابن سراقة الغفاريّ. ويقال: الضمريّ، وجهجاه بن مسعود، ويقال: ابن سعيد ابن حرام بن غفار الغفاريّ، وكانا من فقراء المهاجرين- قال: ومثل هذين يكثّرا على قومي، وقد أنزلنا محمدا في ذروة كنانة وعزها؟ واللَّه لقد كان جعيل يرضى أن يسكت فلا يتكلم، فصار اليوم يتكلم!.


تحميل : حديث الإفك من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

كلمات دليلية: