حجة الوداع من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

حجة الوداع من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

إلى الأبطح

ثم سار رسول الله والناس معه حتى نزلوا بالأبطح- مكان فسيح شرقي مكة- وأقام هناك إلى يوم الأربعاء يصلّي بأصحابه، ولم يعد إلى الكعبة في تلك الأيام كلها.

,

قدوم علي

وقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن، فوافى النبي بهذا المكان، ووجد زوجته السيدة فاطمة قد أحلّت كما حلّ أزواج النبي، ولبست ثيابا مصبوغة، فقال: من أمرك بهذا؟ قالت: أبي، فأخبر الرسول بذلك فقال: «صدقت، صدقت» ثم قال له: «بم أهللت؟» قال: (بإهلال كإهلال النبي) وكان معه هدي ساقه معه، فقال له النبي: «امكث على إحرامك» ، وقدم أبو موسى الأشعري أيضا، ولم يكن ساق الهدي فأمره الرسول أن يفسخ حجه إلى العمرة ويتحلل منها «1» .

,

الخروج إلى منى

وفي يوم الخميس الثامن من ذي الحجة، ويقال له يوم التروية، خرج النبي وأصحابه إلى منى بعد أن أحرم بالحج الذين كانوا قد تحلّلوا من عمرتهم من الأبطح، وساروا حتى جاؤوا منى، فصلّى بهم النبي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.

__________

(1) رواهما الشيخان.

,

إلى عرفات

وبعد شروق الشمس خرج النبي قاصدا عرفات، وأمر أن تضرب له قبة (بنمرة) «1» ، فسار رسول الله ولا تشك قريش إلا أنه سيقف بالمشعر الحرام «2» كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، ولكن النبي أخلف ظنهم، وسار حتى أتى عرفات ائتمارا بأمر الله في قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، فوجد القبة قد ضربت، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس ركب ناقته (القصواء) حتى أتى بطن الوادي (وادي عرنة) ، وهنالك خطب خطبته المشهورة الجامعة.

,

خطبة عرفة

قال صلى الله عليه وسلم بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت، اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.

ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع «3» ، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب.

وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم ابن «4» ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.

وإنّ ماثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية «5» .

والعمد قود «6» ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.

__________

(1) نمرة: بفتح النون وكسر الميم: موضع بجانب عرفات.

(2) جبل بالمزدلفة يسمى قزح.

(3) أي باطل.

(4) اسمه إياس، وقيل حارثة، والأول أصح، وهو ابن ابن عم النبي.

(5) السدانة خدمة الكعبة، والسقاية سقاية الحج.

(6) قود: قصاص.

أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.

أيها الناس: إنّ النسيء «1» زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.

أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألايوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعظوهن، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح «2» ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان «3» عندكم لا يملكن لأنفسهم شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله «4» ، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.

أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرىء مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب

__________

(1) كانت العرب تدين بالأشهر الحرم التي يحرمون فيها القتال وربما كانوا يستطيلون ثلاثة شهور متوالية لحاجتهم إلى الحرب والقتال، فيؤخرون حرمة المحرم إلى صفر ويجعلون صفر مكانه حتى صار التحريم لعدد الأشهر لا لذواتها، وقد عاب عليهم القران هذا لاتباعهم الهوى في التحليل والتحريم.

(2) غير شديد ولا مؤلم.

(3) جمع عانية وهي الأسيرة أي كالأسيرات في ضعفهن.

(4) عقد النكاح.

بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا:

كتاب الله، وسنة نبيه.

أيها الناس: إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لادم، وادم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.

أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، وإنه لا وصية لوارث، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث.

والولد للفراش، وللعاهر الحجر «1» ، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا «2» . وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بأصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس:

اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، والسلام عليكم ورحمة الله» «3» .

وكان جرير بن عبد الله البجلي يستنصت الناس، وكان ربيعة بن أمية بن خلف يبلّغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعد أن فرغ رسول الله من هذه الخطبة الجامعة أذّن بلال ثم أقام فصلى النبي بالناس الظهر، ثم أقام فصلّى بهم العصر، جامعا بينهما جمع تقديم، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب ناقته حتى جاء الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة فوقف عندها مستقبلا القبلة، حتى غربت الشمس، وقال: «وقفت ههنا وعرفات كلها موقف» .

__________

(1) العاهر: الزاني. الحجر: الرجم. والمراد أنه لا ينسب إليه الطفل لأن الولد للفراش.

(2) الصرف: التوبة. العدل: الفدية.

(3) السيرة لابن هشام، ج 2 ص 306؛ صحيح مسلم بشرح النووي، ج 8 ص 182- 184؛ والبداية والنهاية، ج 5 ص 170- 171.

وأكثر من الدعاء لأمته في هذا اليوم العظيم يوم عرفة، وكان يوم الجمعة، هذا اليوم الذي تسكب فيه العبرات، وتستجاب الدعوات، ويتجلى الله فيه على عباده فيباهي بهم الملائكة، ويقول: «يا ملائكتي هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا غبرا «1» ، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل لغفرتها لهم، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه» «2» .

وقد روي: «أن النبي لما أكثر من الدعاء لأمته بالمغفرة أوحى الله إليه أنه غفر كل شيء إلا ظلم بعضهم بعضا» «3» .

,

ما نزل في يوم عرفة

وفي هذا اليوم المشهور نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. ولما نزلت هذه الاية بكى بعض الصحابة- ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه- وكأنهم فهموا منها الإشارة إلى قرب أجل الرسول، ولما قيل لسيدنا عمر:

ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان.

,

خطأ مشهور

وهو ما يزعمه البعض من أن هذه الاية اخر ما نزل من القران، وهو غلط لم يقل به أحد من العلماء، والحق أن اخر اية نزلت هي قوله تعالى في سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.

والمراد بإكمال الدين: إما إتمام حجهم على حسب ما شرع الله، وإذلال الشرك وأهله بحيث لم يشاركهم فيه أحد من المشركين، وهو تمام النعمة

__________

(1) بضم الشين، والغين: جمع أشعث وأغبر.

(2) رواه عبد الرزاق في مصنفه، وأصله في صحيح مسلم كتاب الحج من باب فضل يوم عرفة، وروى نحوه الإمام أحمد في مسنده.

(3) رواه البيهقي.

عليهم، وإما إكمال الحلال والحرام، وهذا لا ينافي نزول شيء بعدها لا يتعلق بالحلال والحرام «1» .

,

إلى المزدلفة

ثم ركب النبي ناقته بعد الغروب، وشد زمامها حتى لتكاد رأسها تمس مقدمة الرحل، وأردف وراءه أسامة بن زيد وهو يشير إلى الناس قائلا:

«السكينة، السكينة، ليس البر بالإيضاع» «2» حتى أتى إلى «المزدلفة» «3» ، فصلّى بها المغرب والعشاء جامعا بينهما جمع تأخير بأذان وإقامتين ولم يتنفل بينهما، ثم اضطجع صلى الله عليه وسلم حتى صلّى الفجر، ثم ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، ودعا الله وأكثر من الدعاء وهلّل، وكبّر، وما زال واقفا حتى أسفر الصبح جدا.

وقد روي: «أن النبي عاود الدعاء لأمته في المزدلفة، فأكثر من الدعاء، فأوحى الله إليه: إني قد غفرت لهم إلا ظلم بعضهم بعضا، فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم، فلم يجبه هذه العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأوحى الله إليه أنه غفر لهم كل شيء، فجعل إبليس يدعو على نفسه بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه» «4» .

,

إلى منى

ثم دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى قبل أن تطلع الشمس، مردفا وراءه الفضل بن العباس، حتى أتى وادي محسّر «5» فأسرع بدابته، ثم قصد إلى الجمرة الكبرى «جمرة العقبة» فرماها بسبع حصيات صغار يكبر عند كل حصاة منها، حتى إذا

__________

(1) المدخل لدراسة القران الكريم للمؤلف، ص 125.

(2) الإيضاع: الإسراع.

(3) مكان معروف سميت بهذا لأن الناس يزدلفون أي يقتربون فيها إلى الله بالدعاء.

(4) رواه أبو داود الطيالسي، وروى نحوه البيهقي وابن ماجه.

(5) محسر: بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة.

فرغ من الرمي انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وقال: «نحرت ههنا ومنى كلها منحر» ونحر سيدنا علي الباقي وهي تمام المائة، ثم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة «1» ، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها.

ثم حلق صلى الله عليه وسلم شعره والصحابة مطيفون به، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد واحد منهم، وبذلك أحلّ صلى الله عليه وسلم ولبس ثيابه وتطيب قبل أن يطوف بالبيت، والمسلمون جميعا يقتدون به في كل ما يصنع من المناسك، ثم أمر عليا أن يتصدق بلحوم البدن وجلودها وجلالها، ففعل.

,

إلى الكعبة

ثم ركب صلى الله عليه وسلم حتى جاء البيت ليطوف طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج بالإجماع، فطاف وصلّى بمكة الظهر، ولم يسع بين الصفا والمروة، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون الناس على بئر زمزم وقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلوا فشرب منه حتى تضلّع، وأتى السقاية «2» التي يقوم بها العباس فقال: «اسقوني» فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك فأت رسول الله بشراب من عندها فإن هذا يجعل الناس أيديهم فيه، فقال النبي: «لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب الناس» .

وهكذا أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتميز على أمته حتى في الشراب، وهذا غاية العدل والمساواة، وهكذا فليكن الملوك والأمراء، والقادة والرؤساء. ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منى بعد الظهر، فنزل حيث المسجد الموجود اليوم فيما يقال، وأنزل المهاجرين عن يمينه، والأنصار عن يساره، والناس حولهم من بعدهم.

__________

(1) بضعة بفتح الباء: أي قطعة.

(2) كانوا ينقعون التمر والزبيب في الماء ويسقون الناس، وهو من ماثر الجاهلية التي أقرها الإسلام.

,

خطبة يوم النحر

وفي يوم النحر خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على ناقته خطبة أخرى، أكد فيها بعض ما ذكره في يوم عرفات من حقوق الإنسان في الإسلام، والوصاة بالأخوة والواحدة. روى البخاري في صحيحه عن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال:

«أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: «أليس ذو الحجة» قلنا: بلى، قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:

«أليست بالبلدة الحرام» ؟ قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم، وأموالكم- وفي رواية أعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلّغت؟» قالوا: نعم قال: «اللهم اشهد.

فليبلغ الشاهد الغائب، فربّ مبلّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» «1» .

وكان سيدنا علي يبلّغ عن النبي هذه الخطبة، ثم سأله بعض الصحابة عن تقديم بعض المناسك على بعض، وتأخير بعضها عن مكانه نسيانا وسهوا، فما سألوه عن شيء من ذلك إلا وقال: «لا حرج، لا حرج» .

,

المقام بمنى

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة «2» ، يرمي الجمرات «3» في كل يوم إذا زاغت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ويقف بعد كل من الجمرتين الأوليين مستقبلا القبلة، ورافعا يديه يدعو ويطيل الوقوف، فإذا رمى الثالثة انصرف ولا يقف بعدها، وأقام النبي تلك المدة بمنى يصلّي بأصحابه ويقصر الرباعية، ولم يرخص إلا لعمّه العباس وأعوانه بالمبيت بمكة لأجل السقاية.

__________

(1) صحيح البخاري- كتاب الحج- باب خطبة أيام منى.

(2) هي الثلاثة التي تلي يوم النحر. سميت بذلك لأنهم كانوا يشققون فيها اللحم ويجففونه.

(3) هي ثلاث: الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف بمنى، والجمرة الوسطى وجمرة العقبة.

,

خطبة أوسط أيام التشريق

وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى خطبة أخرى أوسط أيام التشريق وهو يوم النفر الأول، روى الحافظان البزار والبيهقي بسندهما عن ابن عمر قال: نزلت هذه السورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول الله أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحّلت، ثم ذكر خطبته في هذا اليوم، وهي تأكيد لبعض ما جاء في خطبتي عرفة، ويوم النحر «1» .

وفي الحق أن تكرار الخطب في حجة الوداع كان أمرا لابد منه، فهي الحجة الوحيدة التي حجّها الرسول، وقد عزّ فيها الإسلام والمسلمون، وأصبحت كلمتهم هي النافذة في الجزيرة العربية، كما كانت الوداع الأخير، فما أشد حاجة المسلمين في هذا المشهد العظيم الفذ إلى التذكير والنصح والتوصية، وإلى تكرار القول والتأكيد عليه حتى يعوه ويحفظوه ولا ينسوه، وإلى تقريرهم بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، وإشهاد الله عليهم، حتى تقوم عليهم الحجة، وتنقطع المعذرة، وقد روي أيضا أن النبي خطبهم أيضا بمكة في اليوم السابع، والظاهر أنها كانت لتعليمهم المناسك والمشاعر.

,

فائدة

كان يقال لليوم السابع من ذي الحجة يوم الزينة، لأنه يزين فيه البدن التي تهدى بالجلال وغيرها. واليوم الثامن يقال له: يوم التروية لأنهم كانوا يروون فيه إبلهم من الماء، ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده، لأن هذه الأماكن لم يكن فيها يومئذ ابار ولا عيون، أما الان ففيها الماء الكثير والحمد لله. واليوم التاسع: يوم عرفة للوقوف فيه بها. واليوم العاشر: يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر. واليوم الحادي عشر: يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له: يوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، وهو أول أيام التشريق. وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النّفر الأول لجواز

__________

(1) البداية والنهاية ج 5 ص 201، 202.

الخروج فيه إلى مكة لمن يريد التعجل. وثالث أيام التشريق يقال له: يوم النّفر الثاني. قال عزّ شأنه:

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ «1» .

,

إلى الأبطح بمكة

وفي اليوم الثالث من أيام التشريق، وكان يوم ثلاثاء ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فنفر بهم من منى حتى نزل بالأبطح، وهو (المحصّب) . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل به في الفتح وفي حجة الوداع، وهو الخيف: خيف بني كنانة، وقد قدمت السبب في نزوله به: فصلّى بهم في الأبطح الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وهجع هجعة استراح فيها من العناء.

وكان رسول الله بعث عائشة مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم، لأنها لم تتمكن عند القدوم من أداء العمرة بسبب حيضتها، فلما قضت عمرتها ورجعت، أذّن النبي في المسلمين بالرحيل، فارتحل وطاف بالبيت طواف الزيارة، وصلّى بهم الصبح عند الكعبة، ثم خرجوا من البلد الحرام من (كدي) راجعين إلى البلد الطيب (المدينة) وهم يكبّرون ويهلّلون ويقولون: ايبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده.

,

في غدير خم

ّ

وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة خطب بمكان يسمى (غدير خم) «2» مبينا فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبراءة عرضه مما تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنّها

__________

(1) سورة البقرة: الاية 203.

(2) بضم الخاء وتشديد الميم: موضع قريب من الجحفة.

بعضهم جورا وتضييقا عليهم وبخلا، والصواب كان معه في هذا لأنها أموال صدقات وخمس، وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه.

وكان مما قاله له النبي في هذه الخطبة ما رواه النسائي بسنده عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خم قال: «كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي: أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. ثم قال:

الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» قال الإمام أبو عبد الله الذهبي:

هذا حديث صحيح، وقد استوفى الكلام على هذا الحديث الإمام الحافظ المؤرخ ابن كثير في بدايته مبينا الروايات الصحيحة من الحسنة من الضعيفة والموضوعة فليرجع إليه من يشاء «1» .

__________

(1) البداية والنهاية ج 5 ص 208- 214.

,

حجة الوداع

، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودّع المسلمين بهذا القول، وحجة الإسلام لأنه لم يحج بعد الهجرة غيرها، وأما قبل الهجرة فقد حجّ مرارا قبل النبوة وبعدها، وحجة البلاغ لأن النبي بلّغ الناس شرع الله في الحج قولا وعملا، وذكّرهم بالمهم من شرائع الإسلام، وحقوق الإنسان، وأشهد الله والناس على ذلك.

,

الأذان بالحج

ولم يكد يحل شهر ذي القعدة من هذا العام حتى أخذ رسول الله في التجهز للحج، وأذّن في الناس بذلك، وأمرهم بالتجهز، فصادفت الدعوة هوى في

__________

(1) رواه النسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

النفوس، فجاء الناس من كل فج وصوب، من القرى والبوادي، والسهل والجبل، والوديان والصحاري، مشاة وركبانا، تحدوهم الرغبة الصادقة في حج بيت الله مهوى القلوب، ومثابة للناس، والحرص على أن يحظوا بالشرف الرفيع شرف مصاحبة الرسول، والنظر إليه، والسماع منه، وضرب حول المدينة الخيام لمائة ألف أو يزيدون، وحّد بينهم الإسلام، وربط قلوبهم على المحبة والإخاء، بعد أن كانوا أوزاعا متفرقين، وأعداء متنابذين.

,

الخروج للحج

وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الألوف المؤلفة بعد أن صلى الظهر بالمدينة أربعا، وقد استخلف عليها أبا دجانة، وقيل: سباع بن عرفطة، حتى وصل إلى ذي الحليفة «1» ، فصلّى العصر بها ركعتين ثم بات بها، فلما أصبح اغتسل للإحرام، وتطيّب ولبّد «2» رأسه، وصلى ركعتين.

وكان رسول الله قد ساق معه الهدي، قيل مائة، وقيل دون ذلك، فأشعر واحدة منها وقلّدها نعلين، وتولى إشعار الباقي وتقليده غيره، ثم ركب ناقته (القصواء) وأهلّ بالحج قائلا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك» ، ولما أشرفت ناقته على البيداء أدخل العمرة على الحج قائلا: «لبيك بعمرة وحجة» ، وأما المسلمون فمنهم من أحرم بحج، ومنهم من أحرم بعمرة، ومنهم من أحرم بعمرة وحج معا، كما روي في الصحيحين.

وسار الرسول والمسلمون وهم يلبون ويكبرون ويهللون، لا ينفكون عن ذلك كلما علوا شرفا- مكانا عاليا- أو هبطوا واديا، وتجاوبت الأصداء بالتوحيد والتهليل، وشهدت الصحراء هذا المشهد الفريد الذي لم تشهد له مثيلا من قبل، ولن تشهد له مثالا من بعد.

__________

(1) هو موضع على ستة أميال من المدينة وهو ميقات أهلها، ويقال له الان: أبيار علي.

(2) التلبيد: دهن الرأس بشيء لزج كصمغ مثلا، حتى لا يتشعث ولا يتولّد به هوام.

,

بم أحرم النبي؟

وقد اختلفت الروايات في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث والسير في صفة إحرامه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع اختلافا كثيرا، واختلف تبعا لذلك أئمة العلم والفقه والحديث: أكان رسول الله مفردا، أم قارنا، أم متمتعا «1» ؟. وليس من شأني هنا أن أعرض لذلك بالتفصيل، فذلك يحتاج إلى رسالة، ولكني أقول:

إن الذي عليه المحققون من العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلّ بالحج، ثم أدخل عليه الإحرام بالعمرة فصار قارنا، واستمر على ذلك لم يتحلل من عمرته حتى قضى النسكين، لأنه كان ساق معه الهدي كما ذكرنا. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أمر من أحرم بالحج ولم يسق الهدي أن يجعله عمرة ويتحلل منها، ثم يهل بالحج يوم التروية، فمن ثمّ حصل هذا الاختلاف، فمن روى أو رأى أنه أهل بالحج فقط أراد ما أهل به أولا، ومن قال: إنه كان قارنا أراد اخر أحواله، ومن قال إنه كان متمتعا أراد التمتاع اللغوي وهو الانتفاع بالجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج، أو أنه فهم من أمره بالاقتصار على العمرة والتحلل منها ثم الإحرام بالحج بعد أنه كان متمتعا «2» .

وأحب أن يضع القارىء الفطن في اعتباره أنه من المستبعد أن تتفق عشرات الألوف هذه كلها على رواية أو رأي، إذ لم يسمع الكل من النبي أو يروا ما صنعه في وقت واحد، وبذلك لا يهوله هذا الاختلاف، ويستبعد من تفكيره أن يكون مبعثه التناقض، أو الهوى والتزيد.

وفي سرف- مكان قريب من مكة- أمر رسول الله من أحرم بالحج

__________

(1) المفرد: المحرم بالحج فقط. القارن: أن يحرم بالحج والعمرة معا. أو يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة، أو بالعكس. المتمتاع: أن يعتمر أولا في أشهر الحج، حتى إذا فرغ منها أحرم بالحج.

(2) راجع صحيح مسلم بشرح النووي، ج 8 ص 135؛ وفتح الباري، ج 3 ص 335؛ والبداية والنهاية، ج 5 ص 140.

ولم يسق الهدي أن يجعل حجه عمرة، وفي (ذي طوى) على مشارف مكة بات الرسول وأصحابه حتى صلّى بهم الصبح، ثم اغتسل لدخول مكة.

,

في مكة

ودخلت هذه الجموع الحاشدة مكة من الثنية العليا نهارا جهارا، وكان ذلك في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، فلما عاين الرسول البيت قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا- ربنا- بالسلام. اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما، وتكريما ومهابة وبرا، وزد من حجّه أو اعتمره تكريما وتشريفا، وتعظيما وبرا» «1» .

,

الطواف بالبيت

وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكب ناقته، يستلم الحجر الأسود بمحجن في يده، لأجل أن يراه الناس فيقتدوا به ويسألوه، ولأجل ألايصرف عنه الناس فقد غشوه من كل جانب، وطاف بطوافه المسلمون، وأمرهم أن يضطبعوا ويرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى «2» ، ويمشوا على هيئتهم في الأربعة الباقية، حتى إذا فرغ من طوافة أتى مقام إبراهيم وهو يتلو قول الله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ «3» إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فصلى وراءه ركعتين، ثم استلم الحجر مرة أخرى.

,

إلى الصفا والمروة

ثم خرج من باب بني مخزوم إلى الصفا وهو يقرأ قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الاية، وقال: «أبدأ بما بدأ الله به» فصعد عليه حتى عاين البيت فاستقبله قائلا: «لا إله إلا الله واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم

__________

(1) رواه الشافعي والبيهقي.

(2) الرمل: هو الهرولة، وقد بينت معنى ذلك وحكمته في ص 377 وما بعدها من كتابنا هذا.

(3) هو الحجر الذي قام عليه سيدنا إبراهيم الخليل وهو يا بني الكعبة، ولا يزال موجودا إلى يومنا هذا تجاه باب الكعبة، أما المحجن: فهو عصا معقوفة في اخرها.

الأحزاب واحده» ثم نزل إلى المروة، ثم رجع إلى الصفا وهكذا حتى أتم سبعة أشواط.

فلما فرغ من السعي بينهما أمر أصحابه بأن من لم يكن معه هدي فليجعل حجه عمرة وليتحلل منها، فتباطأ بعض الصحابة في ذلك تأسفا على عدم الاقتداء به، فطيب خاطرهم، وبين لهم السبب في عدم تحلله فقال:

«لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فحلّ الناس كلهم وقصّروا، ولم يبق محرما إلا النبي ومن ساق معه الهدي.

,

إلى الكعبة

ثم قصد رسول الله الكعبة فطاف بها سبعا، يستلم الركن بمحجن في يده، وكان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنما مشدودة إليها برصاص، فصار يطعنها بعود في يده وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ فجعلت الأصنام تتهاوى وتسقط إلى غير رجعة، ورجعت الكعبة كما كانت على عهد الخليل إبراهيم رمز التوحيد، وعبادة الله واحده.


ملف pdf

كلمات دليلية: