بناء مسجد قباء من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

بناء مسجد قباء من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

أما مسجد قباء

فقال البلاذري: وكان من يقدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم إلى المدينة، بعد أبى سلمة بن عبد الأسد، ومن نزلوا عليه بقباء [ (1) ] ، بنوا مسجدا يصلون فيه،

__________

[ (1) ] قباء: بالضم: وأصله أسم بئر هناك، عرفت القرية بها، وهي مساكن بنى عمرو بن عوف من الأنصار وألفه واو يمد ويقصر ويصرف ولا يصرف، وقال عياض: وأنكر البكري فيه القصر قال أبو حنيفة، رحمه اللَّه في اشتقاق قبا: إنه مأخوذ من القبو وهو بالضم والجمع ولم يذكر أهو جمع أو مفرد، ولا يصح أن يكون على قوله جمعا لأن فعل لا يجمع على فعل يجمع فيما علمت.

وهي قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة بها أثر بنيان كثير وهناك مسجد التقوى عامر قدّامة رصيف وفضاء حسن وآبار ومياه عذبة وبها مسجد الضرار يتطوع العوامّ بهدمه، كذا قال البشاري، قال أحمد بن يحى بن جابر: كان المتقدمون في الهجرة من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ومن نزلوا عليه من الأنصار بنوا بقباء مسجدا يصلون فيه الصلاة سنة إلى البيت المقدس، فلما هاجر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، وورد قباء صلى بهم فيه، وأهل قباء يقولون هو المسجد الّذي أسس عل التقوى من أول يوم، وقيل: إنه مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، وقد وسع مسجد قباء وكبر بعد، وكان عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، إذا دخله صلّى إلى الأسطوانة المحلقة، وكان ذلك مصلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، وأقام لما هاجر بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وركب يوم الجمعة يريد المدينة فجمّع في مسجد بنى سالم بن

والصلاة يومئذ إلى بيت المقدس، فجعلوا قبلته إلى ناحية بيت المقدس، فلما قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم صلى بهم فيه.

وقال [الوزير الفقيه أبى عبيد، عبد اللَّه بن عبد العزيز البكري الأندلسى [ (1) ]] في (معجم ما استعجم [من أسماء البلاد والمواضع] ) : من العرب من يذكره ويصرفه، ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه.

وذكر ابن زبالة: أنها إنما سميت قباء ببئر كانت تسمى قباء، يتطيرون منها فسموها قباء.

وقال ابن إسحاق [ (2) ] فأقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس.

وقيل: أقام اثنين وعشرين ليله حكاه يحى. وفي (صحيحه) : أقام فيهم أربعة عشرة ليلة.

قال ابن إسحاق [ (3) ] : وأسس مسجده، ثم أخرجه اللَّه تعالى من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، فيقال: أقام ثلاثا وعشرين ليلة، ويقال: بضع عشرة ليلة.

وقال موسى بن عقبة: ومكث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم في بنى عمرو بن عوف ثلاث ليال. ويقول بعض الناس: بل مكث أكثر من ذلك، وأخذ فيهم مسجدا وأسسه، وهو الّذي ذكر في القرآن الكريم أنه أسس على التقوى [ (4) ] .

وقال أبو القاسم السهيليّ: وذكر ابن أبى خيثمة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم أسسه كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه بحجر فوضعه، ثم جاء عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه بحجر

__________

[ () ] عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج فكانت أول جمعة جمعت في الإسلام، وقد جاء في فضائل مسجد قباء أحاديث كثيرة.

[ (1) ] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق والبيان، (معجم ما استعجم) : 3/ 1045.

[ (2) ] (سيرة ابن هشام) : 3/ 22.

[ (3) ] (سيرة ابن هشام) : 3/ 22.

[ (4) ] (المرجع السابق) .

فوضعه إلى حجر أبى بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، ثم أخذ الناس في البنيان.

وعن الشموس بنت النعمان [ (1) ] قالت: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم حين بنى مسجد قباء، أتى بالحجر قد صهره إلى بطنه فيضعه، فيأتى الرجل يريد أن يقله فلا يستطيع، حتى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره صهره وأصهره إذا ألصقه بالشيء، ومنه اشتقاق الصهر في القرابة [ (2) ] .

__________

[ (1) ] هي الشموس بنت النعمان بن عامر بن مجمع الأنصارية، مدنية، روى عنها عبيد بن وديعة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم حين بنى مسجده كان جبرائيل يؤم الكعبة ويقيم له قبلة المسجد، ذكرها أبو عمر مختصرا. ووصله ابن أبى عاصم، والحديث المذكور من طريق يعقوب بن محمد [الزهري، عن عاصم بن سويد، عن عتبة، وأخرجه الزبير بن بكار في (أخبار المدينة) ، عن محمد بن الحسن] المخزومي، عن عاصم مطولا. وكذلك

أخرجه الحسن بن سفيان وابن مندة، من طريق سلمة، عن عاصم بن سويد، لكن خالف في شيخ عاصم، فقال: عن أبيه، عن الشموس بنت النعمان، قالت: كأنى انظر إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم حين قدم وأسس هذا المسجد مسجد قباء، فرأيته يأخذ الصخرة أو الحجر حتى بصهرة الحجر، وأنا انظر إلى بياض التراب على بطنه، فيأتى الرجل فيقول: يا رسول اللَّه، أعطنى أكفلة، فيقول: لا، خذ حجرا مثله.

حتى أسسه، ويقول: إن جبريل يؤم الكعبة.

فكان يقال: إنه أقوم مسجد قبلة وفي رواية محمد ابن الحسن بالسند المذكور إلى عتبة- أن الشموس بنت النعمان أخبرته، وكانت من المبايعات، فذكره، وفيه: فيأتى الرجل من قريش أو الأنصار. وفيه: فيقولون تراءى له جبريل حتى أم له القبلة، قال عتبة: فنحن نقول: ليس قبلة أعدل منها وقد استشكل ابن الأثير قوله في رواية شبابة يؤم الكعبة بعد ذلك، وخطر لي في جوابه أنه أطلق الكعبة وأراد القبلة أو الكعبة على الحقيقة، وإذا بين له جهتها كان إذا أسند برها استقبل بيت المقدس، وتكون النكتة فيه أنه سيحول إلى الكعبة، فلا يحتاج إلى تقويم آخر، فلما وقع لي سياق محمد بن الحسن رجح الاحتمال الأول. (الإصابة) : 7/ 731- 732. ترجمة رقم (11381) .

[ (2) ] (لسان العرب) : 4/ 472.

قال: وهذا المسجد في الإسلام، وفي أهله نزلت: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [ (1) ] : فهو على هذا هو المسجد الّذي أسس على التقوى، وإن كان

قد روى أبو سعيد الخدريّ رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم سئل عن المسجد الّذي أسس على التقوى فقال: مسجدي هذا. وفي رواية أخرى قال: وفي الآخر خير كثير.

وقد قال لبني عمرو بن عوف حين نزلت: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [ (2) ] : ما الطهور الّذي من اللَّه به عليكم؟ فذكروا له الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة، فقال: هو ذاكم فعليكموه. وليس بين الحديثين تعارض، كلاهما أسس على التقوى، غير أنه قوله سبحانه: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [ (3) ] يقتضي مسجد قباء، لأن تأسيسه كان من أول يوم من حلول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم دار هجرته، والبلد الّذي هو مهاجره. قلت: حديث أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه. الّذي أشار إليه أبو القاسم السهيليّ خرجه مسلم [ (4) ] من طريق يحيى بن سعيد عن حميد الخراط قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بى عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدريّ، قال: فقلت:

كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الّذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لمسجد المدينة قال:

فقلت: اشهد أنى سمعت أباك هكذا ذكره.

وذكره من طريق حاتم بن إسماعيل، عن حميد، عن أبى سلمة عن أبى سعيد، عن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم بمثله. ولم يذكر عبد الرحمن بن أبى سعيد في الإسناد [ (5) ] ذكره في كتاب الحج.

__________

[ (1) ] التوبة: 108.

[ (2) ] التوبة: 108.

[ (3) ] التوبة: 108.

[ (4) ] مسلم بشرح النووي: 9/ 178، كتاب الحج، باب (96) بيان أن المسجد الّذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى اللَّه عليه وسلّم بالمدينة، حديث رقم (514) .

[ (5) ] (المرجع السابق) . الحديث الّذي يلي رقم (514) ، بدون رقم.

وخرجه الترمذي [ (1) ] من طريق قتيبة بن حاتم بن إسماعيل، عن أنيس ابن أبى نجيح، عن أبيه، عن أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه. قال الترمذي: من بنى حدده، ورجل من بنى عمرو بن عوف، في المسجد الّذي أسس على التقوى: فقال الخدريّ: هو مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم في ذلك، فقال: هذا هو، يعنى مسجده وفي ذلك خير كثير

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

وأخرجه النسائي [ (2) ] من حديث قتيبة بن سعيد قال: انبأنا الليث عن عمران بن أبى أنس، عن ابن أبى سعيد الخدريّ رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه قال: تمارى رجلان في المسجد الّذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: هو مسجدي هذا.

__________

[ () ] قوله صلى اللَّه عليه وسلّم: «وقد سئل عن المسجد الّذي أسس على التقوى، فأخذ كفا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم، هذا لمسجد المدينة

«هذا نص بأنه المسجد الّذي أسس على التقوى المذكور في القرآن، ورد لما يقول بعض المفسرين: أنه مسجد قباء. وأما أخذه الحصباء، وضربه في الأرض. فالمراد به المبالغة في الإيضاح، لبيان أنه مسجد المدينة. والحصباء بالمد: الحصى الصغار. (مسلم بشرح النووي) .

[ (1) ]

(سنن الترمذي) : 5/ 261- 262، كتاب تفسير القرآن، باب (10) من تفسير سورة التوبة. حديث رقم (3099) ، ولفظه: تمارى رجلان في المسجد الّذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: هو مسجدي هذا.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، من حديث عمران بن أبى أنس، وقد روى هذا عن أبى سعيد من غير هذا الوجه، ورواه أنيس بن أبى يحيى، عن أبيه عن أبى سعيد رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه.

[ (2) ] أخرجه النسائي في كتاب التفسير من (السنن الكبرى) .

وخرجه الترمذي [ (1) ] من هذا الطريق وقال: حديث حسن صحيح غريب من حديث عمران بن أبى أنس. ذكره في التفسير.

وقال القاضي عياض: وروى أن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم سئل أي مسجد هو قال:

مسجدي هذا. وهو قول ابن المسيب، وزيد بن ثابت وابن عمر، ومالك بن أنس، وغيرهم.

وعن ابن عباس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما أنه مسجد قباء.

وخرج الدارقطنيّ [ (2) ] من حديث عتبة بن أبى حكيم، عن طلحة بن نافع رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، أنه حدثه قال: حدثني أبو أيوب، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهم، عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم في هذا، الآية: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ فقال: يا معشر الأنصار، إن اللَّه قد أثنى عليكم خيرا في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: يا رسول اللَّه، نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: فهل مع ذلك غير؟ قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط، أحب أن يستنجى بالماء، قال: هو ذاك فعليكموه.

__________

[ (1) ] سبق تخريجه.

[ (2) ] (سنن الدار قطنى) : 1/ 61- 62، كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء، حديث رقم (1) ، قال في (التعليق المغنى على الدار قطنى) : قوله عتبة بن أبى حكيم ليس بقوى، أخرج ابن ماجة أيضا من طريقه، قال الزيلعى: سنده حسن، لكن فيه عتبة بن أبى عدي: أرجو أنه لا بأس به، وضعفه النسائي. وعن ابن معين فيه روايتان، وأخرجه الحاكم في (مستدركه) وصححه، ورواه البيهقي في (سننه) .

وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن العلاء، أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبى ميمون عن أبى صلح، عن أبى هريرة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، عن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم.

قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه. قال: وفي الباب عن أبى أيوب وأنس ابن مالك، ومحمد بن عبد اللَّه بن سلام، ومن تفسير سورة التوبة، حديث رقم (3100) .

وذكر السهيليّ: أن عمار بن ياسر هو الّذي أشار على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ببناء مسجد قباء، وهو الّذي جمع الحجارة له، فلما أسسه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم [اعتنى] ببنائه عمار.

وكذلك ذكره ابن إسحاق، في رواية يونس بن بكير عنه.

وقال الحاكم [ (1) ] : قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم أول من قدمها ضحى، فقال عمار ابن ياسر: ما لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يريد أن نجعل له مكانا إذا استيقظ من قائلتنا استظل فيه، فجمع عمار بن ياسر حجارة فبنى مسجد قباء، فهو أول ما بنى.

وقال عمر بن شبة عن الواقدي، عن أفلح بن سعيد عن ابن كعب القرظي قال: قدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قباء وقد بنى أصحابه مسجدا يصلون فيه الى بيت المقدس، فلما قدم صلى بهم إليه، ولم يحدث في المسجد شيئا.

وعن مسلم بن حماد، عن ابن ونيس، قال: بنى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم مسجد قباء، وقدم القبلة إلى موضعها اليوم. وقال عمار الذهبي: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن ما بين الصومعة الى القبلة زاده عثمان بن عفان رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه.

وقال حماد بن سلمة عن أبى جعفر الخطميّ، أن عبد اللَّه بن رواحة كان يقول وهم بينون مسجد قباء:

أفلح من يعالج المساجدا

فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: المساجدا، فقال عبد اللَّه:

ويقرأ القرآن قائما وقاعدا

فقال رسول الله صلى اللَّه عليه وسلّم: قاعدا، فقال عبد اللَّه:

ولا يبيت عنه الليل راقدا

فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: راقدا.

وقال عمر بن شبة أنبأنا عفان قال: أنبأنا حماد بن زيد، قال: انبأنا أيوب عن سعيد بن جبير، أن بنى عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا، وأرسلوا إلى

__________

[ (1) ] (المستدرك) 3/ 434، كتاب معرفة الصحابة، حديث رقم (5655) ، وقد حذفه الذهبي من (التلخيص) .

رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم. فدعوه ليصلي فيهم، ففعل، وأتاهم فصلى فيه، فحسدتهم اخوتهم بنو عوف فقالوا: لنبنى مسجدا، وندعو النبي صلى اللَّه عليه وسلّم فيصلي فيه كما يصلى في مسجد إخوتنا، ولعل أبا عامر يصلى فيه. وكان بالشام، فابتنوا مسجدا، وأرسلوا إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلّم ليصلي فيه فقام ليأتيهم. فأنزل اللَّه تبارك وتعالى القرآن:

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ* أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ (1) ] حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أنبأنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها لبة. كانت تربط حمارا لها فيه، فابتنى سعد بن خيثمة مسجدا، فقال أهل مسجد الضرار: نحن نصلي في مربط حمار لبة؟ لا، لعمرو اللَّه، لكنا نبنى مسجد الضرار نحن نصلي فيه حتى يجيء أبو عامر فيؤمنا فيه، وكان أبو عامر فر من اللَّه ورسوله ولحق بمكة، ثم لحق بعد ذلك بالشام، فتنصر، فمات بها فأنزل اللَّه:

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ (2) ] .

__________

[ (1) ] التوبة: 107- 110، وفي (الأصل) : إلى قوله الْمُطَّهِّرِينَ.

[ (2) ] التوبة: 107- 110.

وفي الصحيحين [ (1) ] عن ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، قال: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يزور قباء راكبا وماشيا.

وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما قال: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يأتي قباء كل سبت، ولم تزل الصحابة تزوره وتعظمه. ولما بنى عمر بن عبد العزيز المسجد النبوي، بنى مسجد قباء ووسعه، فذكر خبر ذلك هنا إن شاء اللَّه تعالى.

قال أبو غسان: طول مسجد قباء وعرضه سواء، وهو ست وستون ذراعا، وطول ذرعه في السماء تسعة عشر ذراعا، وطول رحبته التي في جوفه خمسون ذراعا، وعرضها سبعة أذرع وشبر في تسعة أذرع، وفيه ثلاثة أبواب، وثلاثة وثلاثون أسطوانة، ومواضع القناديل أربعة عشر قنديلا.

قال الحمامي: بين مسجد قباء ومسجد النبي صلى اللَّه عليه وسلّم ميلان ونصف.

[و] وذكر ابن زبالة أن مسجد قباء على سبع أساطين، وكانت لها درجة فيه يؤذن فيها، يقال لها النعامة، حتى زاد فيه الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد ذلك.

وإن سعد بن عبيد [ (2) ] بن قيس بن النعمان بن عمرو بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف، كان يصلى في مسجد قباء في عهد

__________

[ (1) ] رواه البخاري في التطوع، باب من أتى مسجد قباء كل سبت، وباب إتيان مسجد قباء ماشيا وراكبا، وفي الاعتصام، باب ما ذكر النبي صلى اللَّه عليه وسلّم وحض على اتفاق أهل العلم، ومسلم في الحج، باب فضل مسجد قباء، وفضل الصلاة فيه، حديث رقم (1399) .

وأخرجه الإمام مالك في (الموطأ) : 1/ 167، في الصلاة في السفر، باب العمل في جامع الصلاة، والنسائي 2/ 37 في المساجد، باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه.

وأخرجه أبو داود في المناسك، باب في تحريم المدينة، حديث رقم (2040) .

[ (2) ] هو سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمنه بن زيد الأنصاري الأوسي.

ذكره موسى بن عقبة وغيره فيمن شهد بدرا. وقال ابن نمير في (تاريخه) : مات سعد ابن عبيد الفارس بالقادسية شهيدا سنة ست عشرة، وهو أبو زيد الّذي جمع القرآن.

وروى الزبير بن بكار في (أخبار المدينة) ، عن عتبة بن عويم بن ساعدة أن سعد بن

رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، وفي زمان أبى بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، حتى توفى زمان عمر بن الخطاب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، فأمر عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه مجمع بن جارية [ (1) ] أن يصلى بهم بعد أن رده وقال له: كنت إمام مسجد الضرار، فقال: يا أمير المؤمنين، كنت غلاما حدثا، وكنت أرى أن أمرهم على أحسن ذلك، وقدمونى لما معى من القرآن، وكان قد جمع

__________

[ () ] عبيد- وساق نسبة- كان يؤم في مسجد قباء في زمن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم وأبى بكر وعمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهما، وتوفى في زمنه، فأمر عمر فجمع ابن جارية أن يصلى بهم.

وروى البخاري في (تاريخه) من طريق قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال:

شهد سعد بن عبيد القادسية، فقام خطيبا، فقال: إنا مستشهدون غدا فلا تكفنونا إلا في ثيابنا التي أصبنا فيها ... الحديث.

وروى ابن جرير، من طريق قيس بن مسلم، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: قال عمر لسعد بن عبيد- وكان انهزم يوم أصيب أبو عبيد، وكان يسمى القارئ، ولم يكن أحد يسمى القارئ غيره- فذكر قصته.

قلت: اختلف في أبى زيد الّذي جمع القرآن في عهد النبي صلى اللَّه عليه وسلّم، فقيل هذا اسمه: وقيل:

بل اسمه سعيد. وقيل غير ذلك. (الإصابة) : 3/ 68، ترجمة رقم (3178) .

[ (1) ] هو مجمع بن جارية بن عامر بن مجمع بن العطاف بن ضبيعة ابن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف الأنصاري الأوسي.

له في ترجمة سعيد بن عبيد بن قيس ذكر، وأخرج له في السنن ثلاثة أحاديث صحح الترمذي بعضها.

وقال ابن إسحاق في (المغازي) : كان مجمع بن جارية بن العطاف حدثا قد جمع القرآن، وكان أبوه جارية ممن اتخذ مسجد الضرار، وكان مجمع يصلى بهم فيه: ثم إنه أحرق فلما كان زمن عمرو بن الخطاب كلم في مجمع أن يؤم قومه، فقال: لا أو ليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار، فقال: واللَّه الّذي لا إله إلا هو، ما عملت بشيء من أمرهم، فزعموا أن عمر أذن له أن يصلى بهم، ويقال: إن عمر بعثه إلى أهل الكوفة يعلمهم القرآن فتكلم ابن مسعود فعلمه القرآن. (الإصابة) : 5/ 776- 777 ترجمة رقم (7739) .

القرآن في زمن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم إلا سورة أو سورتين، فأمره رضى اللَّه تبارك وتعالى عنهم فصلى بهم.

وأما مسجد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم

فإنه وما يليه من جهة المشرق، دار بنى غنم بن مالك بن النجار، ويقال:

كان جدارا محددا بلا سقف، بناه أسعد، وكان يصلى فيه. وجمع الجمعة بأصحابه. وقيل: إن مصعب بن عمير كان يصلى فيه.

خرج البخاري [ (1) ] ومسلم [ (2) ] وأبو داود [ (3) ] ، من حديث عبد الوارث، عن أبى التياح، عن أنس بن مالك رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه. قال: قدم رسول

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 1/ 689- 690 كتاب الصلاة، باب (48) هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها؟، حديث رقم (428) ، قوله، باب هل تنبش قبور الجاهلية، أي دون غيرهما من قبور الأنبياء وأتباعهم لما في ذلك من الإهانة لهم، بخلاف المشركين فإنّهم لا حرمة لهم.

وأما قوله: «لقول النبي صلى اللَّه عليه وسلّم إلخ» فوجه التعليل أن الوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد تعظيما ومغالاة كما صنع أهل الجاهلية وجرهم ذلك إلى عبادتهم، ويتناول من اتخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش وترمى عظامهم، فهذا يختص الأنبياء ويلتحق بهم أتباعهم، وأما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم، إذ لا حرج في إهانتهم. ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله صلى اللَّه عليه وسلّم في نبش قبور المشركين واتخاذ مسجده مكانها وبين لعنه صلى اللَّه عليه وسلّم من اتخذ قبور الأنبياء مساجد لما تبين من الفرق، (المرجع السابق) : 4/ 100، كتاب فضائل المدينة، باب (9) حرم المدينة رقم (1868) ، (المرجع السابق) : 5/ 500، كتاب الوصايا، باب (27) إذ وقف جماعة أرضا مشاعا فهو جائز، حديث رقم (2771) ، قوله، باب إذا وقف جماعة أرضا مشاعا فهو جائز قال ابن المنير:

احتز عما إذا وقف الواحد المشاع فإن مالكا لا يجيزه لئلا يدخل الضرر على الشريك، وفي هذا نظر، لأن الّذي يظهر أن البخاري أراد الرد على من ينكر وقف المشاع مطلقا، وقد تقدم قبل أبواب أنه ترجم (إذا تصدق أو وقف بعض ماله فهو جائز) وهو وقف الواحد المشاع، وقد تقدم البحث فيه هناك. وأوراد المصنف في الباب حديث أنس في قصة بناء المسجد، وقد تقدم

__________

[ () ] بهذا الإسناد مطولا في أبواب المساجد من أوائل كتاب الصلاة، والغرض منه هنا ما اقتصر عليه من قولهم لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه عز وجل فإن ظاهره أنهم تصدقوا بالأرض للَّه عز وجل، فقبل النبي صلى اللَّه عليه وسلّم ذلك، ففيه دليل لما ترجم له، وأما ما ذكره الواقدي أن أبا بكر دفع ثمن الأرض لمالكها منهم وقدره عشرة دنانير فإن ثبت ذلك كانت الحجة للترجمة من جهة تقرير النبي صلى اللَّه عليه وسلّم على ذلك ولم ينكر قولهم ذلك، فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبين لهم الحكم، واستدل بهذه القصة على أن الحكم المسجد يثبت للبناء إذا وقع بصورة المسجد ولو لم يصرح الباني بذلك، ومن بعض المالكية إن أذن فيه ثبت له حكم المسجد، ومن الحنفية إن أذن للجماعة بالصلاة فيه ثبت والمسألة مشهورة، ولا يثبت عند الجمهور إلا إن صرح الباني بالوقفية أو ذكر صيغة محتملة ونوى معها. وجزم بعض الشافعية بمثل ما نقل عن الحنفية لكن في الموات خاصة، والحق أنه ليس في حديث الباب ما يدل لإثبات ذلك ولا نفيه واللَّه أعلم.

قوله «لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه» أي لا نطلب ثمنه من أحد لكن هو مصروف إلى اللَّه، فالاستثناء على هذا التقدير منقطع، أو التقدير لا نطلب ثمنه إلا مصروفا إلى اللَّه، فهو متصل (المرجع السابق) : 7/ 337- 338، كتاب مناقب الأنصار، باب (46) مقدم النبي صلى اللَّه عليه وسلّم وأصحابه المدينة حديث رقم (3932) قوله: (بحائطكم) أي بستانكم وقد تقدم في الباب قبله أنه كان مربدا، فعله كان أولا حائطا ثم خرب فصار مربدا، ويؤيده قوله: «إنه كان فيه نخل وخرب» وقيل: كان بعضه بستانا وبعضه مربدا، وقد تقدم في الباب الّذي قبله تسمية صاحبي المكان المذكور ووقع عند موسى بن عقبة عن الزهري أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير، وزاد الواقدي أن أبا بكر دفعها لهما عنه، قوله «خرب» بكسر المعجمة وفتح الراء والموحدة، وتقدم توجيه آخر في أوائل الصلاة بفتح أوله وكسر ثانيه، قال الخطابي: أكثر الرواة بالفتح ثم الكسر، حدثناه الخيام بالكسر ثم الفتح، ثم حكى احتمالات: منها الخرب بضم أوله وسكون ثانيه قال: هي الخروق المستديرة في الأرض، والجرف بكسر الجيم وفتح الراء بعدها فاء ما تجرفه السيول تأكله من الأرض، والحدب بالمهملة وبالدال المهملة أيضا المرتفع من الأرض، قال وهذا لائق بقوله: «فسويت» لأنه إنما يسوى المكان المحدوب، وكذا الّذي جرفته السيول، وأما الخراب فيبني ويعمر دون أن يصلح ويسوى. قلت: وما المانع من تسوية الخراب بأنه ما يزال ما بقي منه ويسوى أرضه، ولا ينبغي الا لنفاث إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة.

__________

[ () ] قوله. فأمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم بقبور المشركين فنبشت، قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدا نصا عن أحد من العلماء نعم اختلفوا هل تنبش بطلب المال؟

فأجازه الجمهور ومنعه الأوزاعي وهذا الحديث حجة للجواز، لأن المشرك لا حرمة له حيا ولا ميتا، وقد تقدم في المساجد البحث فيما يتعلق بها.

قوله: «وبالنخل فقطع» هو محمول على أنه لم يكن يثمر لكن دعت الحاجة إليه لذلك.

قوله: «فصفوا النخل» أي موضع النخل وقوله: «عضادتيه» بكسر المهملة وتخفيف المعجمة تثنية عضادة، وهي الخشبة التي على كتف الباب، ولكل باب عضادتان، وأعضاء كل شيء ما يشد حوانيه.

قوله: «يرتجزون» أي يقولون رجزا، وهو ضرب من الشعر على الصحيح.

وقوله: «فانصر الأنصار والمهاجرة» كذا رواه أبو داود بهذا اللفظ، وسبق ما فيه في أبواب المساجد، واحتج من أجاز بيع المالك بهذه القصة لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين وأجيب باحتمال أنهما كان من بنى النجار فساومهما وأشرك معهما في المساومة عمها الّذي كانا في حجرة كما تقدم في الحديث الثاني عشر (فتح الباري) .

[ (2) ] مسلم بشرح النووي: 5/ 10، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب (1) اقتناء مسجد النبي صلى اللَّه عليه وسلّم، حديث رقم (524) ، وفي هذا الحديث جواز الارتجاز وقول الأشعار، في حال الأعمال الثقال ونحوها لتثبيت النفوس وتسهيل الأعمال والمشي عليهما (شرح النووي) .

[ (3) ] (سنن أبى داود) : 1/ 302، كتاب الصلاة، باب (12) في بناء المسجد، حديث رقم (453) ، وقال الخطابي في (معالم السنن) : فيه من الفقه أن المقابر إذا نبشت ونقل ترابها ولم يبق هناك نجاسة تخالط أرضها فإن الصلاة فيها جائزة، وإنما نهى صلى اللَّه عليه وسلّم عن الصلاة في المقبرة إذا كان قد خالط ترابها صديد الموتى ودمائهم فإذا نقلت عنها، زال ذلك الاسم وعاد حكم الأرض إلى الطهارة.

وفيه من العلم أنه أباح نبش قبور الكفار عند الحاجة إليه. وقد روى عنه صلى اللَّه عليه وسلّم أنه أمر أصحابه بنبش قبر أبى رغال في طريقه إلى الطائف، وذكر لهم أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه فأخرجوه. وفي أمره بنبش قبور المشركين بعد ما جعل أربابها تلك البقعة لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، دليل على أن الأرض التي يدفن فيها الميت باقية على ملك أوليائه. وكذلك ثيابه التي يكفن فيها، وان النباش سارق من حرز في ملك ولو كان موضع القبر وكفن الميت مبقّى على

اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم المدينة، فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشر ليلة، ثم أرسل إلى بنى النجار، فجاءوا متقلدين سيوفهم.

قال أنس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: وكأنى انظر إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم على راحلته، وأبو بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه ردفه. وملأ بنى النجار حوله، حتى ألقى بفناء بنى أيوب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه.

وذكر ابن إسحاق في (التهذيب) أن [أبا] أيوب كان يتبع بناء النبي صلى اللَّه عليه وسلّم، وتبع هذا اسمه بناء.

حدثنا سعد قال: قال أنس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم يصلى حيث أدركته الصلاة، ويصلى في مرابض الغنم ثم أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بنى النجار، فجاءوا، فقال: يا بنى النجار، ثامنونى بحائطكم هذا، قالوا: لا واللَّه، لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه.

وظاهر هذا أنهم لم يأخذوا ثمنه.

وفي (طبقات ابن سعد) ، عن الواقدي: أنه صلى اللَّه عليه وسلّم اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه. ونقل ابن عقبة أن أسعد مات قبل أن يبنى المسجد، فابتاعه النبي صلى اللَّه عليه وسلّم من وليهما.

وعن أبى معشر: اشتراه أبو أيوب منهما، فأعطاه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم فبناه مسجدا.

قال أنس رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: كان فيه ما أقول لكم: كان فيه نخل، وقبور المشركين، خرب، فأمر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم بالنخل فقطع وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت [قد صنعوا] النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادته حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون. ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم معهم ويقولون:

__________

[ () ] ملك الميت حتى ينقطع ملك الحىّ عنه من جميع الوجوه لم يكن يجوز بنبشها واستباحتها بغير إذن مالكها.

وفيه دليل على أن من لا حرمه لدمه في حياته فلا حرمة لعظامه بعد مماتة،

وقد قال صلى اللَّه عليه وسلّم: كسر عظام المسلم ميتا ككسره حيا

فكان دلالته أن عظام الكفار بخلافه (خطابي) .

اللَّهمّ لا خير إلا خير الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة

ذكره البخاري في باب نبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، وذكره في كتاب الهجرة بهذا السند، إلا أنه قال: فانصر الأنصار والمهاجرة. وذكره في آخر كتاب الحج، في باب حرم المدينة، وفي باب بنيان المسجد [ (1) ] .

وقال أبو سعيد الخدريّ رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه: كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه ببناء مسجد فقال: اكفوا الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

وأورد حديث صالح بن كيسان: أنبأنا نافع أن عبد اللَّه أخبره أن المسجد كان على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم مبينا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده عسب النخل.

قال موسى بن عقبة: والمسجد يومئذ سقفه من جريد النخل، وخوص لبن على السقف، كثير الطين، إذا كان المطر يملأ المسجد طينا، وإنما هو كهيئة العريش، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم عمره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. وأخرجه أبو داود.

وخرج أبو داود [ (2) ] أيضا من حديث عمر بن سليم الباهلي، عن أبى الوليد، قال: سألت ابن عمر عن الحصا الّذي في المسجد فقال: مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجيء بالحصى في ثوبه فيبسطه تحته، فلما قضى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم الصلاة قال: أحسن هذا.

وخرجه قاسم بن أصبغ بهذا السند، ولفظه: حدثني أبو الوليد، قال: قلت لابن عمر: بدؤ هذا الحصا في المسجد؟ قال: نعم، مطرنا من الليل،

__________

[ (1) ] سبق تخريجه.

[ (2) ] (سنن أبى داود) : 1/ 315- 316 كتاب الصلاة باب (15) في حصى المسجد، حديث رقم (458) .

فخرجت لصلاة الغداة، وكان الرجل يمر على البطحاء فيجعل في ثوبه من الحصباء، فيصلي عليه، فلما رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ذلك قال: ما أحسن هذا البساط!

وكان ذلك بدؤه.

قلت: عمر بن سليم الباهلي، البصري، يروى عن الحسن، وأبى غالب صاحب أبى أمامة، وقتادة، وغيرهم. ويروى عنه: زيد بن الخطاب، وكثير بن هشام، ومسلم بن إبراهيم، وسهل بن عامر، وآخرون. خرج له أبو داود، وابن ماجة، وقال ابن أبى حاتم: صدوق، وأبو الوليد هذا مجهول.

قال أبو حاتم: هو مولى عبد اللَّه بن رواحة [ (1) ] .

ويقال: أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم أمر يخضب المسجد، فمات قبل ذلك، فخضبه عمر بن الخطاب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه، وزاد فيه، دار العباس، رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه.

وقال ابن إسحاق [ (2) ] : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، قال: حدثني رجال من قومي، من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قالوا: سمعنا بمخرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم من مكة، وتوكفنا [ (3) ] قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرّتنا، ننتظر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، فو اللَّه ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة.

حتى إذا كان اليوم الّذي قدم فيه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، جلسنا كما كنا نجلس، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم حين دخلنا البيوت، فكان أول من رآه رجل من اليهود، وقد رأى ما كنا نصنع، وأنا ننتظر قدوم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم علينا، فصرح بأعلى صوته: يا بنى قيلة! هذا جدكم قد جاء!.

__________

[ (1) ] له ترجمة في: (تهذيب التهذيب) : 7/ 402، ترجمة رقم (762) ، (الثقات) : 7/ 176.

[ (2) ] (سيرة ابن هشام) : 3/ 19- 20 قدومه صلى اللَّه عليه وسلّم قباء.

[ (3) ] توكفنا: انتظرنا، هامش (المرجع السابق) .

قال: فخرجنا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه في مثل سنه، وأكثر [الناس] لم يكن رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قبل ذلك..

وركبه الناس ولا يعرفونه من أبى بكر حتى زال الظل عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، فقام أبو بكر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك [ (1) ] .

قال ابن إسحاق: فنزل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم فيما يذكرون على كلثوم بن هدم، أخى بنى عمرو بن عوف، ثم أحد بنى عبيد، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة.

ويقول من تذكر: انه نزل على كلثوم بن هدم، وإنما كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم إذا خرج من منزل كلثوم بن هدم، جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة.

قال ابن إسحاق [ (2) ] : فأقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس. وأسس مسجده، ثم أخرجه اللَّه تعالى من بين أظهرهم يوم الجمعة، فأدركت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم الجمعة في بنى سالم بن عوف، فصلاها، فكانت أول جمعة بالمدينة صلاها بالمدينة.

فأتاه عتبان بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة، في رجال من بنى سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول اللَّه! أقسم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فإنّها مأمورة لنا فيه، فخلوا سبيلها.

فذكره إلى أن قال: فانطلقت حتى جاءت دار بنى مالك بن النجار، وبركت على باب مسجده صلى اللَّه عليه وسلّم، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى النجار، ثم من بنى مالك، في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو.

__________

[ (1) ] (المرجع السابق) : 3/ 20.

[ (2) ] (المرجع السابق) : 3/ 21- 22.

فلما بركت [ (1) ] ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم عليها لم ينزل وثبت، فسارت غير بعيد ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت وزمت، وألقت بجرانها فنزل نها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه رحله فوضعه في بيته، فنزل عليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم [ (2) ] .

وسأل عن المربد، لمن هو؟ فقال له معاذ ابن عفراء: هو يا رسول اللَّه لسهل وسهيل ابني عمرو، وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه، فاتخذه مسجدا، فأمر به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم أن يبنى [ (3) ] .

ونزل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم على أبى أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، فعمل فيه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ليرغب المسلمين في العمل فيه، فيعمل فيه المهاجرون والأنصار، ودأبوا فيه. فقال قائل من المسلمين:

لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل

وارتجز المسلمون وهم بينونة، يقولون:

لا عيش إلا عيش الآخرة ... اللَّهمّ ارحم الأنصار والمهاجرة

فدخل عمار بن ياسر رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه وقد أثقلوه باللبن، فقال: يا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم! قتلوني، يحملون عليّ ما لا يحملون، قالت أم سلمة رضى اللَّه تبارك وتعالى عنها: فرأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا وهو يقول: ويح ابن سمية! ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية [ (4) ] .

وارتجز عليّ بن أبى طالب رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه يومئذ:

__________

[ (1) ] (المرجع السابق) : 3/ 23- 24.

[ (2) ] (سيرة ابن هشام) : 3/ 23-، مبرك الناقة.

[ (3) ] (المرجع السابق) : 3/ 24، بناء مسجد المدينة.

[ (4) ] قال ابن هشام: هذا كلام وليس برجز،

وقال ابن إسحاق: فيقول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم: لا عيش إلا عيش الآخرة، اللَّهمّ ارحم الأنصار والمهاجرة، (المرجع السابق) 3/ 25.

لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها [ (1) ] قائما وقاعدا

ومن بريء عن العباد مكائدا [ (2) ]

فأخذهما عمار وجعل يرتجزهما.

قال ابن إسحاق: وأقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم في بيت أبى أيوب حتى بنى له مسجده ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبى أيوب [ (3) ] .

قال فأقام بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه.

وقال موسى بن عقبة: عن ابن شهاب: وكان المسجد مربدا للتمر لغلامين يتيمين من بنى النجار، في حجر أسعد بن زرارة لسهل وسهيل ابني عمرو. وزعموا أنه كان رجال من المسلمين يصلون في ذلك المربد، قبل قدوم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم، ويقال: بل اشتراه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم منهما، فابتناه مسجدا، فطفق هو وأصحابه ينقلون اللبن ويقولون- وهو ينقل اللبن مع أصحابه-:

هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ ربّنا وأطهر

ويقول:

اللَّهمّ لا خير إلا خير الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة

وقال البلاذري: وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة [ (4) ] وفيه جدار كان أسعد بناه تجاه بيت المقدس، وكان يصلى إليه بمن أسلم قبل قدوم مصعب بن عمير، ثم صلى بهم إليه مصعب.

__________

[ (1) ] كذا في (الأصل) ، وفي (ابن هشام) : «فيه» .

[ (2) ] هذه الشطرة من (الأصل) فقط.

[ (3) ] (سيرة ابن هشام) : 3/ 26- 27.

[ (4) ] هو أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك من النجار، أبو أمامة الأنصاري الخزرجي. قديم الإسلام، شهد العقبتين، وكان نقيبا على قبيلته، ولم يكن في النقباء أصغر سنا منه. ويقال: انه أول من بايع ليلة العقبة.

وقال الواقدي- عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن حبيب، عن عبد الرحمن، قال:

خرج أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد القيس إلى مكة يتنافران إلى عقبة بن ربيعة، فسمعا

ويقال: إن أسعد صلى بهم قبل قدوم مصعب وبعده، إلى قدوم المهاجرين والأنصار، لأن مصعب لم يزد على تعليمهم القرآن.

وذكر محمد بن سعد عن الواقدي، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق رضى اللَّه تبارك وتعالى عنه.

وروى أبو بكر بن أبى الدنيا، من حديث الحس


ملف pdf

كلمات دليلية: