المعجزات الحسية للحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

المعجزات الحسية للحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

[رابعا: انقياد الشجر]

وأما انقياد الشجر،

فخرج مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب ابن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فذكر الحديث [ (1) ] إلى أن قال: عن جابر بن عبد اللَّه، وسرنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقضي حاجته، فاتبعته بأداوة من ماء، فنظر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان [ (2) ] بشاطئ الوادي، فانطلق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى إحداهما [ (3) ] ، فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي عليّ بإذن اللَّه، فانقادت معه [كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائدة، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي عليّ بإذن اللَّه فانقادت معه كذلك] [ (4) ] حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما، لأم بينهما- يعني جمعهما- فقال: التئما عليّ بإذن اللَّه فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحسّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بقربي فيبتعد، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفته، فإذا أنا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم مقبلا

__________

[ (1) ] قال ابن الأثير الجزريّ: هذا حديث عبادة بن الوليد عن أبي اليسر وجابر: قد مرّ أوله في كتاب «الدّين والقرض» من حرف الدال، وبعضه في كتاب «فضيلة المسجد» ، وبعضه في كتاب «السّب واللعن» ، وبعضه في كتاب «الصلاة» ، لأن كل واحد من أحاديثه حديث منفرد مستقل بنفسه، وقد جاءت في بعض الصحاح متفرقة، قد ذكرناها كذلك، وسردها مسلم حديثا واحدا، وأوردها الحميدي في مسند أبي اليسر، وكان معظم معاني الحديث يتضمن ذكر المعجزات، فأوردناه بطوله في هذا الباب لئلا يخلو الكتاب من ذكر الحديث مسرودا على حالته وإن كان قد جاء مفرقا في أبوابه.

(جامع الأصول) : 11/ 384.

[ (2) ] في (خ) : «وإذا بشجرتين» ، وما أثبتناه من رواية مسلم.

[ (3) ] كذا في (خ) ، وفي رواية مسلم: «إلى إحداهما» ، وكلاهما صحيح.

[ (4) ] ما بين الحاضرتين سقط في (خ) ، وأثبتناه من رواية مسلم.

وإذا الشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وقف وقفة فقال برأسه هكذا- وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا- ثم أقبل، فلما انتهى إليّ قال: يا جابر، هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا فأقبل بهما، حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك، قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته فانذلق لي، فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت أجرهما حتى قمت مقام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري، ثم لحقت فقلت: قد فعلت يا رسول اللَّه نعم ذاك، قال: إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفّه عنهما ما دام الغصنان رطبين [ (1) ] .

وذكر الحديث.

وخرج البيهقي وغيره من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كان بالحجون وهو كئيب [حزين] [ (2) ] لما آذاه المشركون، فقال: اللَّهمّ أرني اليوم آية لا أبالي من كذبني بعدها، قال: فأمر فنادى شجرة من قبل عقبه أهل المدينة، فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه [فسلمت عليه] [ (3) ] ، قال: ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، فقال: ما أبالي من كذبني بعد هذا من قومي [ (4) ] .

وفي رواية: فنادى شجرة من جانب الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا حتى وقفت بين يديه [ (5) ] .

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 18/ 351- 352، كتاب الزهد والرقاق، باب (18) حديث جابر الطويل، وقصة أبي اليسر، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 196- 197، (دلائل أبي نعيم) : 2/ 392، حديث رقم (296) .

[ (2) ] في (خ) : «كان على الحجون كثيبا، وما أثبتناه من رواية أبي نعيم في (دلائل النبوة) .

[ (3) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (4) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 389- 390، حديث رقم (290) ، (الخصائص الكبرى) :

1/ 302، والحجون: موضع بأعلى مكة، (دلائل البيهقي) : 6/ 13.

[ (5) ] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 198.

ومن حديث أبي معاوية عن الأعمش، عن أبي سفيان عن أنس بن مالك قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم- وهو خارج من مكة قد خضبه أهل مكة بالدماء- فقال: مالك؟ قال: خضبني هؤلاء بالدماء، وفعلوا وفعلوا، قال: تريد أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: ادع تلك الشجرة، فدعاها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فجاءت تخط الأرض حتى قامت بين يديه، قال: مرها فلترجع، قال: فارجعي إلى مكانك فرجعت إلى مكانها، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: حسبي [ (1) ] .

ومن حديث يونس بن بكير عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى شعاب مكة- وقد دخله من الغم ما شاء اللَّه من تكذيب قومه إياه- فقال: رب أرني ما أطمئن إليه ويذهب عني هذا الغم، فأوحى اللَّه إليه:

أدع أي أغصان هذه الشجرة شئت، فدعى غصنا فانتزع من مكانه، ثم خدّ في الأرض حتى جاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: ارجع إلى مكانك، فرجع الغصن فخدّ في الأرض حتى استوى كما كان، فحمد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وطابت نفسه ورجع، وقد كان قال المشركون: أتضلل [ (2) ] آباءك وأجدادك يا محمد؟

فأنزل اللَّه عزّ وجل: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ، إلى قوله.

وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ (3) ] .

قال البيهقي: وهذا المرسل لما تقدم من الموصول شاهد، وقد سخر اللَّه تعالى الشجرة لنبينا صلّى اللَّه عليه وسلم حتى جعلها آية لنبوته لمن طلب منه آية، وشهدت له الشجرة بالنّبوّة في بعض الرواية.

فذكر من طريق محمد بن فضيل عن أبي حبان عن عطاء، عن ابن عمر رضي اللَّه عنه قال: كنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي فلما دنا منه

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 154، باب مبتدإ البعث والتنزيل، وما ظهر عند ذلك من تسليم الحجر والشجر، وتصديق ورقة ابن نوفل إياه، (سنن الدارميّ) : 1/ 12- 13، باب كيف كان أول شأن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، (المواهب اللدنية) : 2/ 539، (مسند أحمد) : 3/ 555- 556، حديث رقم (11702) .

[ (2) ] كذا في (خ) ، وفي (دلائل البيهقي) : «أفضّلت» .

[ (3) ] الزمر: 164، والحديث أخرجه البيهقي في (دلائل النبوة) : 6/ 14.

قال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أين تريد؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال:

ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وهي على شاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ الأرض خدّا، فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت له كما قال ثم رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابي إلى قومه فقال: إن يتبعوني آتيك بهم، وإلا رجعت إليك فكنت معك [ (1) ] .

وخرجه أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، عن محمد بن طريف قال:

حدثنا محمد بن فضيل بنحو ما أخرجه البيهقي.

وخرج البيهقي من حديث شريك عن سماك عن أبي ظبيان، عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: بم أعرف أنك رسول اللَّه؟

قال أرأيت لو دعوت هذه العذق من هذه النخلة، فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض، ثم جعل ينقر حتى أتى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، ثم قال له: ارجع، فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وآمن [ (2) ] .

[و] رواه البخاري في (التاريخ) عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني قال:

أخبرني شريك فذكره.

وخرج البيهقي من حديث أبي معاوية عن الأعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أتى النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلم رجل من بني عامر فقال: إني من أطب الناس، فإن كان بك جنون داويتك! فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلم: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم، قال:

فادع ذاك العذق، فدعاه، فجاء ينقر على ذنبه حتى قام بين يديه، ثم قال: ارجع، فرجع، فقال: يا بني عامر! ما رأيت أسحر من هذا [ (3) ] .

وله من حديث الأعمش، عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: جاء رجل من

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 14- 15.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 15، (المستدرك) : 2/ 620 وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، حديث رقم (4237/ 247) .

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 15- 16.

بني عامر إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قال: إن عندي طبا وعلما فما تشتكي؟ هل يريبك من نفسك شيء؟ إلى من تدعو؟ قال: أدعو إلى اللَّه عزّ وجل والإسلام، قال: إنك لتقول قولا، فهل لك من آية؟ قال: نعم إن شئت أريتك آية- وبين يديه شجرة- فقال لغصن منها: تعال يا غصن، فانقطع الغصن من الشجرة ثم أقبل ينقر حتى قام بين يديه، فقال: ارجع إلى مكانك فرجع، قال العامري: يا آل عامر بن صعصعة، لا [ألومك] [ (1) ] على شيء قلته أبدا [ (2) ] .

ومن طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: ما هذا الّذي يقول أصحابك؟ قال: - وحول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أعذاق- قال: فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: هل لك أن أريك آية؟ قال:

فدعا عذاقا منها فأقبل يخد الأرض ويسجد، ويرفع رأسه حتى وقف بين يديه، ثم أمره فرجع، قال: فخرج العامري وهو يقول: يا آل عامر بن صعصعة! واللَّه لا أكذبه بشيء يقوله أبدا [ (3) ] .

قال البيهقي: كذا قال سالم بن أبي الجعد، وذكر في هذه الرواية تصديق الرجل إياه، كما هو في رواية سماك، ويحتمل أنه توهمه سحرا ثم علم أنه ليس بساحر، فآمن وصدّق، وروى في ذلك عن بريدة، عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم [ (4) ] .

وخرج البيهقي من حديث يونس بن بكير، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر قال: خرجت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في سفر، وكان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه [أحد] [ (1) ] فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم ولا شجر، فقال لي: يا جابر خذ الإداوة وانطلق بنا، فملأت الإداوة ماء فمشينا حتى لا نكاد نرى.

فإذا شجرتان بينهما أذرع، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: يا جابر، انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: ألحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما،

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي) .

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 16.

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 17.

[ (4) ] المرجع السابق.

ففعلت، فرجعت حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته.

ثم رجعنا [ (1) ] [فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما علينا الطير يظلّنا، فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، ومعها صبي تحمله، فقالت يا رسول اللَّه! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه، فوقف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فتناوله، فجعله بينه وبين مقدمة الرحل، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: اخسأ عدوّ اللَّه! أنا رسول اللَّه، قال: فأعاد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، ثم ناولها إياه، فلما رجعنا فكنا بذلك الماء، عرضت لنا المرأة معها كبشان تقودهما والصبي تحمله، فقالت:

يا رسول اللَّه، اقبل مني هديتي، فو الّذي بعثك بالحق إن عاد إليه، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: خذوا أحدهما وردوا الآخر] [ (2) ] وخرجه أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ [ (3) ] .

وخرج البيهقي من حديث زمعة بن صالح [عن زياد] [ (4) ] ، عن أبي الزبير، أنه سمع يونس بن خبّاب الكوفي يحدث أنه سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم أنه كان في سفر إلى مكة، فذهب إلى الغائط فكان يبعد حتى لا يراه أحد، قال: فلم يجد شيئا يتوارى به، فبصر بشجرتين، فذكر قصة الشجرتين وقصة الجمل بنحو من حديث جابر، وحديث جابر أصح، قال البيهقي: وهذه الرواية ينفرد به زمعة بن صالح عن زياد، أظنه ابن سعد عن أبي الزبير [ (5) ] .

وله من حديث يونس بن بكير، عن الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن يعلي ابن مرة عن أبيه قال: سافرت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم سفرا، فرأيت أشياء عجبا، نزلنا منزلا فقال: انطلق إلى هاتين الأشاءتين فقل: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقول لكما

__________

[ (1) ] في (خ) : «ثم رجعنا» ، وما أثبتناه من (دلائل البيهقي) .

[ (2) ] ما بين الحاصرتين تكملة الحديث من المرجع السابق.

[ (3) ] (سنن الدارميّ) : 1/ 10- 11، وقال فيه: ثم رجعتا إلى مكانهما فركبنا رواحلنا فسرنا ... إلخ الحديث.

[ (4) ] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي) .

[ (5) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 20.

أن تجتمعا، فانطلقت فقلت لهما ذلك، وانتزعت كل واحدة منهما من أصلها، فنزلت كل واحدة إلى صاحبتها فالتقتا جميعا، فقضى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حاجته من ورائها ثم قال: انطلق فقل لهما: فلتعد كل واحدة إلى مكانها، فأتيتهما فقلت لهما ذلك، فنزلت كل واحدة حتى عادت إلى مكانها.

وأتته امرأة فقالت: إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين يأخذه في كل يوم مرتين، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أدنيه، فأدنته منه، فتفل في فيه وقال: اخرج عدوّ اللَّه، أنا رسول اللَّه، ثم قال لها: إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع، فلما رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم استقبلته [ (1) ] ومعها كبشان وأقط وسمن فقال لي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: خذ هذا الكبش فأخذ منه ما أراد، فقالت: والّذي أكرمك، ما رأينا به شيئا منذ فارقتنا.

ثم أتاه بعير فقام بين يديه فرأى عينيه تدمعان، فبعث إلى أصحابه فقال:

ما لبعيركم هذا يشكوكم؟ فقالوا: كنا نعمل عليه فلما كبر وذهب عمله تواعدنا لننحره غدا، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: فلا تنحروه واجعلوه في الإبل يكون فيها [ (2) ] .

وخرج من حديث وكيع عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن [يعلي] ابن مرة عن أبيه قال: رأيت من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ثلاثة أشياء: فذكر الحديث بمعنى رواية يونس، إلا أنه زاد: خذ أحد الكبشين ورد الآخر، وخذ السمن والأقط.

مرة بن يعلي هو مرة بن أبي مرة الثقفي، وقيل: فيه عن يعلي نفسه أنه قال:

رأيت ...

فذكر من طريق وكيع عن الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن يعلي بن مرة قال: رأيت من النبي صلّى اللَّه عليه وسلم عجبا: خرجت معه في سفر فنزلنا منزلا، فأتته امرأة بصبي لها به لمم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: اخرج عدو اللَّه أنا رسول اللَّه، قال:

[فبرأ] [ (3) ] ، فلما رجعنا جاءت أم الغلام بكبشين وشيء من أقط وسمن، فقال

__________

[ (1) ] في المرجع السابق: «فاستقبله ومعه» ، وما أثبتناه من (خ) .

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 20- 21.

[ (3) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.

النبي صلّى اللَّه عليه وسلم: يا يعلي، خذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر، وخذ السمن والأقط، قال: ففعلت [ (1) ] .

هذا أصح، والأول وهم. قاله البخاري، يعني روايته عن أبيه وهم، إنما هو عن يعلي نفسه، وهم في وكيع مرة، ورواه على الصحة مرة. قال البيهقي:

وقد وافقه فيما زعم البخاري أنه وهم يونس بن بكير، فيحتمل أن يكون الوهم من الأعمش واللَّه أعلم.

وخرج من حديث شريك عن عمر بن عبد اللَّه بن يعلي بن مرة عن أبيه، عن جده قال: رأيت من النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي: كنت معه في طريق مكة ... الحديث. قال: ورواه عطاء بن السائب عن عبد اللَّه بن حفص، عن يعلي بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتها من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بينا نحن نسير معه ... ، فذكر قصة البعير وقال: ثم سرنا حتى نزلنا منزلا، فنام النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على رسول اللَّه فأذن لها [ (2) ] ، ثم ذكر قصة المرأة.

وخرج الإمام أحمد هذا الحديث من طريق عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر عن عطاء.. فذكره [ (1) ] . قال البيهقي: الرواية الأولى عن يعلي بن مرة في أمر الشجرتين أصح لموافقتها رواية جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، إلا أن يكون أمر الشجرة في هذه.

الرواية حكاية عن واقعة أخرى [ (3) ] .

وخرج من حديث معاوية بن يحيى الصدفي قال: أخبرني الزهري عن خارجة ابن زيد، قال: قال أسامة بن زيد: خرجنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى الحجة التي حجها، حتى إذا كنا ببطن الروحاء ... ، فذكر قصة المرأة بزيادة ثم قال: يا أسيم،

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 21- 22، (مسند أحمد) : 5/ 182 حديث رقم (17113) .

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 23- 24، (المواهب اللدنية) : 2/ 540- 541، (دلائل أبي نعيم) :

2/ 391، حديث رقم (293) ، (مسند أحمد) : 5/ 183، حديث رقم (17115) .

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 24.

انظر هل ترى من خمر لمخرج رسول اللَّه؟ فقلت: يا رسول اللَّه، قد دحس الناس الوادي فما فيه موضع، فقال: انظر هل ترى من نخل أو حجارة؟ فقلت:

يا رسول اللَّه قد رأيت نخلات متفرقات ورجما من حجارة، قال: انطلق إلى النخلات فقل لهن: إن رسول اللَّه يأمر كن أن تدانين لمخرج رسول اللَّه، وقل للحجارة مثل ذلك، قال: فأتيتهن فقلت ذاك لهن، فو الّذي بعثه [ (1) ] بالحق نبيا، لقد جعلت انظر الى النخلات يخددن الأرض خدا حتى اجتمعن، وانظر إلى الحجارة يتقافزن حتى صرن رجما خلف النخلات، فأتيته فقلت ذاك له، قال:

خذ الإداوة وانطلق، فلما قضى حاجته وانصرف قال: يا أسيم، عد إلى النخلات والحجارة فقل لهن: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يأمركن أن ترجعن إلى مواضعكن [ (2) ] .

وخرج أبو نعيم من حديث حيان بن علي، عن صالح بن حيّان عن ابن بريدة عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللَّه! قد أسلمت فأرني شيئا أزدد به يقينا، قال: ما الّذي تريد؟ قال: ادع تلك الشجرة فلتأتك، قال:

اذهب فادعها، فأتاها الأعرابي فقال: أجيبي رسول اللَّه قال فمالت على جانب من جوانبها فقطعت عروقها، ثم مالت على الجانب الآخر فقطعت عروقها، ثم أتت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقالت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فقال الأعرابي: حسبي حسبي، فقال لها النبي صلّى اللَّه عليه وسلم: ارجعي فرجعت فجلست على عروقها [وفروعها] [ (3) ] .

__________

[ (1) ] في المرجع السابق: «بعثك» .

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 25- 26، (دلائل أبي نعيم) : 2/ 393- 394، حديث رقم (298) ، (المطالب العالية) : 4/ 8- 10، حديث رقم (3830) ، (الخصائص الكبرى) :

2/ 302.

[ (3) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 390، حديث رقم (291) ، وصالح بن حيان ضعيف، وما بين الحاصرتين زيادة من المرجع السابق، وزاد بعدها:

فقال الأعرابي: ائذن لي يا رسول اللَّه أن أقبل رأسك ورجليك، ففعل، ثم قال: ائذن لي أن أسجد لك، قال: لا يسجد أحد لأحد، ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها،

(المستدرك) : 4/ 190، حديث رقم (7326/ 87) ، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في (التلخيص) : بل واه، وفي إسناده صالح بن حيان: متروك.

وروى يحيى بن أبي عمرو [السيباني] [ (1) ] قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه قال: قال لي مسروق:

أخبرني أبوك أن شجرة أنذرت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بالجن [ (2) ] .

__________

[ (1) ] تصويب للنسب من (تهذيب التهذيب) : 11/ 228، ترجمة رقم (425) .

[ (2) ] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 197.

لكن قال ابن أبي حاتم في (علل الحديث) : 2/ 392- 393 حديث رقم (2687) :

سمعت أبي رضي اللَّه عنه ذكر حديثا رواه ابن فضيل عن أبي حيان، عن عطاء عن ابن عمر قال: كنا مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فقال له النبي صلّى اللَّه عليه وسلم: هل لك إلى خير من الذهاب؟

قال: نعم، قال: تشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأني رسول اللَّه، قال الأعرابي فمن يشهد لك؟ قال هذه الشجرة ...

الحديث، قال أبي: وقد حدثنا على الطنافسىّ وعبد المؤمن بن علي، عن ابن فضيل هكذا، وأنا أنكر هذا، لأن أبا حيان لم يسمع من عطاء، ولم يرو عنه، وليس هذا الحديث من حديث عطاء، قلت: من تراه؟ قال: لحديث أبي جناد أشبه.

* وللَّه درّ الإمام الأبوصيريّ حيث قال:

جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشي إليه على ساق بلا قدم

فكأنما سطرت سطرا لما كتبت ... فروعها من بديع الخط في اللقم

واللقم: بفتح اللام والقاف: أوسط الطريق. فشبّه أثار مشي الشجر لما جاءت إليه صلّى اللَّه عليه وسلم بكتابة كانت أوقعها على نسبة معلومة، في أسطر منظومة. وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره صلّى اللَّه عليه وسلم حتى تخر ساجدة بين يديه، فنحن أولى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه، زاده اللَّه شرفا لديه. وتأمل قول الأعرابي: «ائذن لي أن أسجد لك» لما رأى من سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك حتى أعلمه صلّى اللَّه عليه وسلم أن ذلك لا يكون إلا للَّه، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود للرب المعبود، ويقوم على ساق العبوديّة، وإن لم يكن له قدم كما قامت الشجرة. (بردة المديح للإمام الأبوصيري) ، (حاشية الباجوري على متن البردة) ، المواهب اللدنية) : 2/ 541- 542.

,

[سادسا: حنين الجذع]

وأما حنين الجذع: فإنه من الآيات المشهورة، والأعلام الثابتة، التي نقلها خلف الأمة عن سلفها،

خرج البخاري من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رضي اللَّه عنه، أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول اللَّه! ألا تجعل لك شيئا تقعد عليه؟ فإن لي غلاما نجارا، قال: إن شئت، قال:

فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلّى اللَّه عليه وسلم على المنبر الّذي صنع، فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي صلّى اللَّه عليه وسلم حتى أخذها، فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الّذي يسكّت حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر. ذكره في كتاب البيوع في باب النجار [ (1) ] .

وخرج في باب علامات النبوة من حديث يحيى بن سعيد قال: أخبرني حفص ابن عبيد اللَّه بن أنس بن مالك أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه، سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فوضع يده عليها فسكت. وذكره في الجمعة في باب الخطبة على المنبر [ (2) ] .

قال البيهقي: ولهذا الحديث طرق، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر من طريق الشافعيّ رحمه اللَّه، قال: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال:

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 4/ 400، كتاب البيوع، باب (32) النجار، حديث رقم (2095) ، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 199.

[ (2) ] (فتح الباري) : 2/ 504- 505، كتاب الجمعة، باب (26) الخطبة على المنبر، حديث رقم (918) ، (فتح الباري) : 6/ 746، كتاب المناقب، باب (25) علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3584) ، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 199.

أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم واعتنقها فسكنت [ (1) ] .

وله من حديث آدم بن أبي إياس قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق الهمذاني عن سعد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إذا خطب أسند ظهره إلى خشبة، فلما صنع له المنبر فقدته الخشبة فحنت حنين الناقة الخلوج إلى ولدها، فأتاها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فوضع يده عليها فسكنت [ (2) ] .

ومن طريق الأعمش عن أبي صالح، عن جابر قال: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما جعل له المنبر خطب عليه حنت الخشبة حنين الناقة الخلوج [ (3) ] ، فاحتضنها فسكنت [ (4) ] .

ومن طريق أبي عوانة عن الأعمش، عن أبي صالح عن جابر عن أبي إسحاق عن ابن أبي كرب عن جابر قال: كانت خشبة في المسجد فكان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يخطب عليها فقلنا له: لو جعلنا لك مثل العريش فقمت عليه، ففعل، فحنت الخشبة كما تحن الناقة، فأتاها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فاحتضنها ووضع يده عليها [ (5) ] .

ومن حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن جابر قال: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يقوم إلى جذع نخلة فيخطب قبل أن يوضع المنبر، فلما وضع المنبر صعد

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 561، (سنن البيهقي) : 3/ 195 باب مقام الإمام في الخطبة.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 560، (فتح الباري) : 2/ 504- 505، حديث رقم (918) من كتاب الجمعة، باب (26) الخطبة على المنبر.

[ (3) ] ناقة خلوج: جذب عنها ولدها بذبح أو موت، فحنت إليه، وقلّ لذلك لبنها، وقد يكون في غير الناقة، وفي ذلك ذهاب إلى قوله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج] ، لسان العرب) : 2/ 256.

[ (4) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 562.

[ (5) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 562، وقال في هامشه: هذا الخبر رواه الطبراني في (الكبير) .

رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم [عليه] فحنّ ذلك الجذع حتى سمعنا حنينه، قال: فأتاه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فوضع يده عليه فسكن [ (1) ] .

ومن حديث يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن جابر مثله، غير أنه قال:

فحنّ حنين العشار [ (2) ] .

وخرج البخاري من حديث يحيى بن كثير أبي غسان، حدثنا أبو حفص عمر ابن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء، قال: سمعت نافعا عن ابن عمر قال: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه [ (2) ] .

وقال عبد الحميد: أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا معاذ بن العلاء عن نافع بهذا، ورواه أبو عاصم أيمن بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم.

وخرج أبو بكر بن أبي شيبة من حديث حماد بن أبي سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع حتى أتاه فاحتضنه فسكن. قال:

لو لم احتضنه لحن إلى يوم القيامة [ (3) ] .

وخرج البيهقي من حديث سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد بن قيس، عن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إذا خطب إلى خشبة ذات فرضتين، أراها من دوم كانت في مصلاه فكان يتكىء إليها، فقال له أصحابه: يا رسول اللَّه! إن الناس قد كثروا فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت يراك الناس، فقال: ما شئتم، قال سهل: ولم يكن بالمدينة إلا

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 556.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 557، ورواه الإمام البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، عن محمد بن المثنى، عن أبي غسان يحيى بن كثير.، وبهذا الإسناد أخرجه الترمذي في صلاة الجمعة، باب ما جاء في الخطبة على المنبر، حديث رقم (918) ، (فتح الباري) :

2/ 504- 505.

[ (3) ] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 199.

نجار واحد، قال: فذهبت أنا وذلك النجار إلى الغابة فقطعنا هذا المنبر من أثلة، قال: فقام رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فحنت الخشبة فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: ألا تعجبون من هذه الخشبة؟ فأقبل الناس عليها فرقّوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم، فنزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فأتاها فوضع يده عليها فسكنت، فأمر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بها فدفنت تحت منبره أو جعلت في السقف [ (1) ] .

ومن حديث عكرمة بن عمار قال: حدثني إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقوم مسندا ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يوم الجمعة، فخطب الناس فجاءه روميّ فقال:

يا رسول اللَّه! ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتين ويقعد على الثالثة، فلما قعد على المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد بخوراه، فنزل إليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فالتزمه فسكن، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: والّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لما زال كذا إلى يوم القيامة حزنا على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، ثم أمر به فدفن [ (2) ] .

ومن حديث ابن المبارك قال: حدثنا مبارك بن فضالة قال: حدثني الحسن عن أنس بن مالك، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة ويسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا، فسوي له منبرا إنما كانت له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فحنت واللَّه الخشبة حنين الواله [ (2) ] ، قال أنيس: وأنا في المسجد أسمع ذلك، قال: فو اللَّه ما زالت تحن حتى نزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكنت،

فبكى الحسن وقال: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم شوقا إليه! أفليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه [ (3) ] ؟

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 559- 560.

[ (2) ] في (خ) «حنين الوالدة» ، وما أثبتناه من (دلائل البيهقي) .

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 559، (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) : 1/ 200.

ومن حديث إسحاق الأزرق، عن شريك بن عبد اللَّه، عن عمار الدهني، [ (1) ] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة رضي اللَّه عنها قالت:

كان لرسول صلّى اللَّه عليه وسلم خشبة يستند إليها إذا خطب، فصنع له كرسي أو منبر، فلما فقدته خارت كما يخور الثور حتى سمعها أهل المسجد، فأتاها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فاحتضنها فسكنت [ (2) ] .

وخرج أبو محمد الدارميّ قال: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد اللَّه بن عمرو عن عبد اللَّه بن محمد عن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، يصلي [ (3) ] ، إلى جذع [ويخطب عليه إذا كان المسجد عريشا] [ (4) ] ، فقال [له] رجل [ (4) ] من أصحابه [ (5) ] : ألا نجعل لك عريشا [ (6) ] تقوم

__________

[ (1) ] في (خ) : «الذهبي» ولعله تصحيف وما أثبتناه من (دلائل البيهقي) ، و (تهذيب التهذيب) :

7/ 355.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 563 ثم قال: هذه الأحاديث التي ذكرناها في أمر الحنانة كلها صحيحة، وأمر الحنانة من الأمور الظاهرة، والأعلام النيرة، التي أخذها الخلف عن السلف، ورواية الأحاديث فيه كالتكليف، والحمد للَّه على الإسلام والسنة، وبه العياذ والعصمة.

ثم قال محققه: أحاديث حنين الجذع: رويت عن أنس، وجابر، وسهل بن سعد في البخاري، وحديث أبي بن كعب أخرجه ابن ماجة، وعبد اللَّه بن أحمد في زياداته على المسند، وحديثا ابن عباس وأم سلمة: أخرجهما الطبراني في (الكبير) .

وقد روى أحاديث حنين الجذع أيضا البيهقي في (السنن الكبرى) ، وأبو نعيم في (الدلائل:

بأسانيده عن جابر، وعن أبيّ بن كعب، وعن سهل بن سعد، وعن أبي سعيد الخدريّ وعن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها.

وفي الباب أحاديث كثيرة، وصحح كثير من العلماء بالسنة أن حديث حنين الجذع من الأحاديث المتواترة، لوروده عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة، تفيد القطع بوقوع ذلك.

وقال الحافظ ابن حجر: حنين الجذع وانشقاق القمر، نقل كل منهما نقلا مستفيضا، يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم، ممن لا ممارسة له في ذلك. (دلائل البيهقي) : 2/ 563.

[ (3) ] في (خ) : «يخطب» وصوبناه من (سنن الدارميّ) .

[ (4) ] زيادة للسياق المرجع السابق.

[ (5) ] في (خ) : «من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم» ، وما أثبتناه من المرجع السابق.

[ (6) ] في (خ) : «هل لك أن نجعل لك منبرا» وما أثبتناه من المرجع السابق.

عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمع من خطبتك؟ قال: نعم، قال: فصنع له ثلاث درجات [هن اللواتي على المنبر] [ (1) ] ،

فلما صنع المنبر ووضع في موضعه، وأراد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أن يقوم على المنبر [مرّ عليه فلما جاوزه] [ (2) ] ، خار [ (3) ] حتى تصدع وانشق، فنزل [ (4) ] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان [ (5) ] عنده في داره حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا [ (6) ] .

ومن حديث صالح بن حيان قال: حدثني ابن بريدة عن أبيه قال: قال: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلم إذا خطب قام فأطال القيام، فكان يشق عليه قيامه، فأتي بجذع نخلة فحفر له وأقيم إلى جنبه [قائما للنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلم] [ (7) ] ، فكان إذا خطب فطال القيام عليه استند إليه فاتكأ عليه، فبصر به رجل كان ورد المدينة [فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع] [ (7) ] فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، وإن شاء قام.

فبلغ ذلك النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: ائتوني به، فأتوه به فأمره أن يصنع له هذه المراقي [الثلاث أو الأربع هي الآن في منبر المدينة] [ (7) ] ، فوجد النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في ذلك راحة، فلما فارق النبي صلّى اللَّه عليه وسلم الجذع وعمد إلى هذه التي صنعت له [ (8) ] ، جزع الجذع فحن كما تحن الناقة حين فارقه النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، فزعم ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه وقال: اختر أن أغرسك في المكان الّذي كنت فيه فتكون كما كنت، وإن شئت [أن] [ (7) ] أغرسك في

__________

[ (1) ] في (خ) : «وتسمعهم خطبتك» وما أثبتناه من المرجع السابق.

[ (2) ] زيادة للسياق من (سنن الدارميّ) .

[ (3) ] خرج منه صوت كصوت الثور.

[ (4) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «فرجع إليه» .

[ (5) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «فلم يزل عنده» .

[ (6) ] (مسند الدارميّ) : 1/ 17- 18، باختلاف يسير.

[ (7) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (8) ] في (خ) : «إلى الّذي صنع له» ، وما أثبتناه من المرجع السابق.

الجنة فتشرب من أنهارها وعيونها فيحسن نبتك وتثمر فيأكل كل أولياء اللَّه من ثمرك فعلت، فزعم أنه سمع من النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وهو يقول له: نعم قد فعلت مرتين، فسئل النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: اختار أن أغرسه في الجنة [ (1) ] .

وقال البغوي وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثنا عيسى بن سالم أبو سعيد الشاشي، حدثنا عبيد اللَّه بن عمر- يعني الرقي عن وهب عن عبد اللَّه بن محمد ابن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يصلي إلى جذع [وكان المسجد عريشا] [ (2) ] ، فقال رجال من أصحابه: ألا نجعل شيئا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمع خطبتك؟ فقال: نعم، فصنع له ثلاث درجات فقام عليها كما كان يقوم، فصغى [ (3) ] إليه الجذع فقال له: اسكن، ثم [ (4) ] قال لأصحابه: [هذا الجذع حنّ إليّ، فقال له النبي صلّى اللَّه عليه وسلم: اسكن] [ (5) ] إن تشأ غرستك [ (6) ] في الجنة فيأكل منك الصالحون، وإن تشأ أعيدك [ (7) ] رطبا كما كنت، فاختار الآخرة على الدنيا،

فلما قبض رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم دفع إلى أبيّ فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة [ (8) ] .

قال البيهقي رحمه اللَّه: هذه الأحاديث التي ذكرناها في أمر الحنانة كلها صحيحة، وأمر الحنانة من الأمور الظاهرة، والأعلام النيرة التي أخذها الخلف عن السلف، ورواية الأحاديث فيه كالتكليف، والحمد للَّه على الإسلام والسنة، وبه العياذ والعصمة [ (9) ] .

__________

[ (1) ] (سنن الدارميّ) : 1/ 16.

[ (2) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (3) ] في (خ) : «فأصغى» ، وما أثبتناه من (المسند) .

[ (4) ] في (خ) : «ثم التفت فقال» ، وما أثبتناه من (المسند) .

[ (5) ] زيادة للسياق من (المسند) .

[ (6) ] في (خ) : «أن أغرسك» وما أثبتناه من (المسند) .

[ (7) ] في (خ) : «أن أعيدك» وما أثبتناه من (المسند) .

[ (8) ] (مسند أحمد) : 6/ 167، حديث رقم (20751) ، ورقم (20741) ، (20745) ، من حديث الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه.

[ (9) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 563.

وقال أبو [] [ (1) ] ابن عقيل: لا ينبغي أن يتعجب من حنين الجذع ومجيء الأشجار إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فإن من جعل في المغناطيس خاصية تجذب الحديد إليه، يجوز أن يجعل في الرسول خاصية تجذب ذلك إليه.

وقال عمرو بن سواد: قال لي الشافعيّ رحمه اللَّه: ما أعطى اللَّه عزّ وجلّ نبيا ما أعطى محمدا صلّى اللَّه عليه وسلم، فقلت: أعطى عيسى عليه السلام إحياء الموتى، فقال:

أعطى محمدا صلّى اللَّه عليه وسلم الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذاك [ (2) ] .

__________

[ (1) ] هذه الكلمة غير واضحة في (خ) ، ولم أجدها في كني الرجال.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 68.

[سابعا: تسليم الأحجار والأشجار عليه صلّى اللَّه عليه وسلم]

وأما تسليم الأحجار والأشجار عليه:

فخرج مسلم من حديث سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: إني لأعرف [حجرا بمكة] كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن [ (1) ] .

وفي لفظ: إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت، إني لأعرفه إذا مررت عليه [ (2) ]

وخرج الحاكم من حديث الوليد بن أبي ثور عن السّدي، عن عباد بن عبد اللَّه، عن علي رضي اللَّه عنه قال: كنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه [ (3) ] .

وقال يونس بن بكير: عن إسحاق حدثني عبد الملك بن عبد الملك بن عبد اللَّه بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة الثقفي- وكان واعية عن بعض أهل العلم-

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 15/ 43، كتاب الفضائل، باب (1) فضل نسب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، حديث رقم (2277) ، وما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

[ (2) ] وقد اختلف في هذا الحجر، فقيل: هو الحجر الأسود، وقيل: حجر غيره بزقاق يعرف به بمكة، والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الّذي كان يسلم على النبي صلّى اللَّه عليه وسلم متى اجتاز به.

وقد ذكر الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن رشيد- بضم الراء- في رحلته مما ذكره في (شفاء الغرام) عن علم الدين أحمد بن إسماعيل بن خليل قال: أخبرني عمي سليمان قال: أخبرني محمد بن إسماعيل ابن أبي الصيف قال: أخبرني أبو حفص الميانشي قال: أخبرني كل من لقيته بمكة أن هذا الحجر هو الّذي كلم النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، وهو الحجر المبني في الجوار المقابل لدار أبي بكر المشهورة بسوق الليل.

(المواهب اللدنية) : 2/ 534.

[ (3) ] (المستدرك) : 2/ 677، حديث رقم (4238/ 249) ، قال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.

أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حين أراد اللَّه كرامته، وابتدأه بالنّبوّة، كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول اللَّه

وخرج الطبراني من حديث إبراهيم بن طهمان، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقول: لما كانت ليالي بعثت، ما مررت بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه [ (1) ] .

وقال الواقدي: حدثنا علي بن محمد بن عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن برة بنت أبي بحراة قالت:

لما ابتدأ اللَّه تعالى محمدا صلّى اللَّه عليه وسلم بالنّبوّة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى شيئا، وأفضى إلى الشعاب والأودية، ولا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه، فكان يلتفت عن يمينه وعن شماله، وخلفه فلا يرى أحدا [ (1) ] .

وتقدم عن قريب

حديث ابن بريدة عن أبيه قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول اللَّه، قد أسلمت فأرني شيئا أزدد به يقينا، قال: ما الّذي تريد؟ قال: ادع تلك الشجرة فلتأتك، قال: اذهب فادعها، فأتاها فقال: أجيبي رسول اللَّه، فمالت على جانب من جوانبها، فقطعت عروقها، ثم مالت على الجانب الآخر فقطعت عروقها، حتى أتت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقالت: السلام عليك يا رسول اللَّه.

وحديث يعلي ابن مرة أنه قال: سرنا حتى نزلنا منزلا، فقام النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له، فقال، هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فأذن لها [ (2) ] .

__________

[ (1) ] أحاديث الباب تشهد على صحتهما.

[ (2) ] سبق تخريجه.

,

[رابع وخمسون: ظهور البركة في شعير أم شريك]

وأما ظهور البركة في شعير أم شريك وعكتها، وريها من عند اللَّه ببركة الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم، فخرج البيهقي من حديث يونس بن بكير، عن عبد الأعلى، عن أبي المساور القرشي، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: كانت امرأة من دوس يقال لها: أم شريك، أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فلقيت رجلا من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟

قالت: أطلب رجلا يصحبني إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، قال: فتعالي فأنا أصحبك، قالت: فانتظرني حتى أملأ سقائي ماء، قال: معي ماء، لا تريدين ماء.

قال: فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشّى وقال: يا أم شريك، تعالي إلى العشاء، فقالت: اسقني من الماء فإنّي [عطشى] [ (1) ] ، ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، فقال: لا أسقيك حتى تهودي، فقالت: لا جزاك اللَّه عني خيرا، غررتني [ (2) ] ومنعتني أن أحمل ماء، فقال: لا واللَّه لا أسقيك منه قطرة حتى تهودين، فقالت: لا واللَّه لا أتهود أبدا بعد أن هداني اللَّه إلى الإسلام، وأقبلت إلى بعيرها فعقلته، ووضعت رأسها على ركبته فنامت، قالت: فما أيقظني إلا [برد] [ (3) ] دلو قد وقع على جبيني.

فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، فشربت حتى رويت، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل، ثم ملأته، ثم رفع بين يدي وأنا انظر حتى توارى مني في السماء، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال: يا أم شريك، قلت: واللَّه قد سقاني اللَّه، فقال: من أين؟ أنزل عليك من السماء؟ قلت: نعم، واللَّه لقد أنزل اللَّه عزّ وجلّ عليّ من السماء، ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء.

ثم أقبلت حتى دخلت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فقصت عليه القصة، فخطب إليها نفسها، فقالت: يا رسول اللَّه، لست أرضى نفسي لك، ولكن بضعي لك،

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (2) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «غربتني» .

[ (3) ] في (خ) : «تردد» .

فزوجني من شئت، فزوجها زيدا، وأمر لها بثلاثين صاعا وقال: كلوا ولا تكيلوا، وكان معها عكة سمن هدية لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فقالت لجارية لها: بلغي هذه العكة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، قولي: أم شريك تقرئك السلام، وقولي: هذه عكة سمن هديتها لك، فانطلقت بها فأخذوها ففرغوها، وقال لها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم علقوها ولا توكوها [ (1) ] ، فعلقوها في مكانها.

فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمنا، فقالت: يا فلانة! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم؟ فقالت: قد واللَّه انطلقت بها كما قلت، ثم أقبلت بها أصوبها ما يقطر منها شيء، ولكنه قال: علقوها ولا توكوها، فعلقتها في مكانها، وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءة، فأكلوا منها حتى فنيت، ثم كالوا الشعير، فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء [ (2) ] . [قلت: وقد روى ذلك من وجه آخر، ولحديثه في العكة شاهد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه في أم مالك.] [ (3) ] .

__________

[ (1) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «ولا يأكلوها» ، ورواية (خ) أقرب وأنسب للسياق.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 123، باب فيما ظهر من الكرامات على أم شريك في هجرتها إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وما ظهر من دلالات النبوة في العكة التي أهدتها له.

[ (3) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[خامس وخمسون: إشباع أبي أمامة تكرمة له صلّى اللَّه عليه وسلم]

وأما إشباع اللَّه تعالى أبي أمامة رضي اللَّه عنه تكرمة لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فخرج البيهقي من حديث علي بن الحسن بن شقيق بن دينار- أبي عبد اللَّه المزوي- قال: أنبأنا الحسين ابن واقد قال: حدثني أبو غالب عن أبي أمامة قال: أرسلني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم- أظنه قال: إلى أهله- وهم على طعام- يعني الدم في خوان- فقالوا لي: كل، قال: قلت:

إني لأنهاكم عن هذا الطعام، وأنا رسول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إليكم، وكذبوني وزبروني، قال: فانطلقت [عن ذا] [ (1) ] وأنا جائع ظمآن، وقد نزل بي جهد فنمت، فأتيت في منامي بشربة من لبن فشبعت ورويت وعظم بطني، فقال القوم: أتاكم رجل من خياركم وأشرافكم فرددتموه؟ اذهبوا إليه فأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي، فأتوني بطعام، قال: قلت: لا حاجة لي في طعامكم، فإن اللَّه عزّ وجلّ قد أطعمني وسقاني، فانظروا إلى حالتي التي أنا عليها، فآمنوا بي وبما جئتهم من عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم.

وخرجه من حديث صدقة بن هرمز، عن أبي غالب، عن أبي أمامة رضي اللَّه عنه قال: بعثني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى قومي، فانتهيت إليهم وأنا طاو، وهم يأكلون الدم، فقالوا: هلم، فقلت: إنما جئتكم لأنهاكم عن هذا، قال: فاستهزءوا بي، وكنت [مجهدا] [ (2) ] ، فسمعتهم يقول بعضهم لبعض: أتاكم رجل من سراة قومكم فما لكم بد من أن تسقوه [ (3) ] ولو مذقة، قال: فوضعت رأسي فنمت، فأتاني آت في منامي فناولني إناء فأخذته فشربته فاستقيت وقد كظّني بطني، فناولوني إناء قالوا: خذ، قلت: لا حاجة لي فيه، قالوا: قد رأيناك بجهد، قلت:

إن اللَّه عزّ وجلّ أطعمني وسقاني، فأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم [ (4) ] .

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي) .

[ (2) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «وكنت بجهد» .

[ (3) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «تطعموه» .

[ (4) ] (دلائل البيهقي) 6/ 126- 127، باب ما جاء فيما ظهر على أبي أمامه حين بعث رسولا إلى قومه من الكرامات. وأخرجه أيضا الحاكم في (المستدرك) : 3/ 744، كتاب معرفة الصحابة، ذكر أبي أمامة الباهلي رضي اللَّه تعالى عنه، حديث رقم (6705/ 2303) ، قال الذهبي في (التلخيص) : صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين. وأبو غالب قد وثقه.

[سادس وخمسون: إغاثة اللَّه له صلّى اللَّه عليه وسلم عند ما نزل به ضيف]

وأما إغاثة اللَّه عز وجل نبيه الكريم صلّى اللَّه عليه وسلم عند ما نزل به ضيفه وليس عنده ما يقربه،

فخرج البيهقي من حديث عبيد اللَّه بن موسى، عن مسعر عن زبيد عن مرة، عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال: أضاف النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ضيفا، فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعاما، فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فقال: اللَّهمّ إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت، قال: فأهديت إليه شاة مصلية [ (1) ] فقال: هذه من فضل اللَّه عزّ وجل، ونحن ننتظر الرحمة. قال البيهقي:

والصحيح عن زبيد قال: أضاف النبي صلّى اللَّه عليه وسلم. مرسلا من قول زبيد [ (2) ] .

وخرج من حديث الوليد بن سليمان بن أبي السائب، حدثنا واثلة بن الخطاب عن أبيه عن جده واثلة بن الأسقع رضي اللَّه عنه قال: حضر رمضان، ونحن في أهل الصفة، فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجلا من أهل الصفة فأخذه فانطلق به فعشّاه، فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد [ (3) ] ، فانطلقنا إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها: هل عندك شيء؟ فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تقسم: ما أمسى في [بيتها] [ (4) ] ما يأكل ذو كبد، فقال لهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: [اجتمعوا،] فاجتمعوا، فدعا وقال: اللَّهمّ إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنّهما بيدك لا يملكهما أحد غيرك، فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن، وإذا بشاة مصلّية ورغف، فأمر بها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فوضعت بين أيدينا، فأكلنا حتى شبعنا، فقال لنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: إنا سألنا اللَّه من فضله ورحمته فهذا فضله، وقد ذخر لنا عنده رحمته [ (2) ] .

__________

[ (1) ] وفي رواية المقرئ: فأهوت إليه شاة مصلية. (دلائل البيهقي) .

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 128- 129، باب ما جاء في إجابة اللَّه تعالى دعاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حين ضافه ضيف ولم يكن عنده شيء.

[ (3) ] [فأصبحنا صياما، ثم أتت علينا القائلة فلم يأتنا أحد] . (المرجع السابق) .

[ (4) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

[سابع وخمسون: ظهور البركة في التمر الّذي خلفه عبد اللَّه بن عمرو بن حرام]

وأما ظهور البركة في التمر الّذي خلفه عبد اللَّه بن عمرو بن حرام رضي اللَّه عنه، حتى قضى دينه ولم يكد ينقص،

فخرج البخاري من حديث أبي عوانه، عن مغيرة عن عامر، عن جابر رضي اللَّه عنه قال: أصيب عبد اللَّه وترك عيالا ودينا، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضا من دينه، فأبوا، فأتيت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فاستشفعت به عليهم فأبوا، فقال صلّى اللَّه عليه وسلم: صنف تمرك كل شيء منه على حدته، عذق ابن زيد على حدة، واللين على حدة، والعجوة على حدة، ثم أحضرهم حتى آتيك، ففعلت، ثم جاء صلّى اللَّه عليه وسلم فقعد عليه وكال لكل رجل حتى [استوفى] [ (1) ] وبقي التمر كما هو كأنه لم يمس [ (2) ] .

وغزوت مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم على ناضح لنا فأزحف الجمل فتخلف عليّ، فوكزه النبي صلّى اللَّه عليه وسلم من خلفه، قال: بعنيه ولك ظهره إلى المدينة، فلما دنونا استأذنت قلت: يا رسول اللَّه! إني حديث عهد بعرس، قال: فما تزوجت؟ بكرا أم ثيبا؟

قلت: ثيبا، قلت: أصيب عبد اللَّه وترك جواري صغار، فتزوجت ثيبا تعلّمهنّ وتؤدبهن، ثم قال: ائت أهلك،

فقدمت فأخبرت خالي ببيع الجمل فلامني، فأخبرته بإعياء الجمل وبالذي كان من النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ووكزه إياه، فلما قدم النبي صلّى اللَّه عليه وسلم غدوت إليه بالجمل فأعطاني ثمن الجمل، والجمل، وسهمي مع القوم. ترجم عليه باب: الشفاعة في وضع الدين [ (3) ] .

وخرج البخاري في كتاب البيوع، في باب الكيل على البائع والمعطى، وفخرج النسائي في كتاب الوصايا، كلاهما من حديث جرير عن مغيرة عن الشعبي، عن

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من رواية (البخاري) .

[ (2) ] (فتح الباري) : 5/ 85- 86، كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب (18) الشفاعة في وضع الدين، حديث رقم (2405) .

[ (3) ] (المرجع السابق) : حديث رقم (2406) .

جابر رضي اللَّه عنه قال: توفى عبد اللَّه بن حرام وعليه دين، فاستعنت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم إليهم فلم يقبلوا، فقال لي النبي صلّى اللَّه عليه وسلم اذهب فصنف تمرك أصنافا: العجوة على حدة، وعذق ابن زيد [ (1) ] على حدة، ثم أرسل إليّ، ففعلت، ثم أرسلت إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فجاء فجلس إلى أعلاه- أو في وسطه- ثم قال: كل للقوم، فكلتهم حتى أوفيتهم الّذي لهم وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء [ (2) ] .

وقال النسائي: فاستشفعت برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم على غرمائي أن يضعوا من دينه شيئا، فطلب إليهم وأبوا [ (3) ] .

وخرجه البخاري في غزوة أحد من حديث عبيد اللَّه بن موسى، حدثنا شيبان أبو معاوية [ (4) ] عن فراس عن الشعبي فذكره [ (5) ] . وخرجه في آخر كتاب الوصايا، من حديث شيبان عن فراس قال: قال الشعبي: حدثني جابر بن عبد اللَّه الأنصاري رضي اللَّه عنه أن أباه استشهد يوم أحد وترك ستّ بنات وترك عليه دينا، فلما حضره جذاذ النخل أتيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فقلت: يا رسول اللَّه! قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا، وإني أحب أن يراك الغرماء، قال:

اذهب فبيدر كل تمر على ناحية ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه كأنما أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرا ثلاث مرات ثم جلس عليه، ثم قال: ادع أصحابك، فما زال يكيل لهم حتى أدى اللَّه أمانة والدي،

وأنا واللَّه راض أن يؤدي اللَّه أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم واللَّه البيادر كلها حتى انظر إلى البيدر الّذي كان عليه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم،

__________

[ (1) ] ابن زيد: شخص نسب إليه النوع المذكور من التمر، وتمر المدينة أصنافه كثيرة جدا تزيد على الستين، والتمر الأحمر أكثر من الأسود عندهم.

[ (2) ] (فتح الباري) : 4/ 432- 433، باب (51) الكيل على البائع والمعطي، حديث رقم (2127) .

[ (3) ] (سنن النسائي) : 6/ 556، كتاب الوصايا، باب (4) قضاء الدين قبل الميراث، وذكر اختلاف الناقلين لخبر جابر فيه، حديث رقم (3640) .

[ (4) ] زيادة للسياق من (البخاري) .

[ (5) ] (فتح الباري) : 7/ 453- 454، كتاب المغازي، باب (18) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، حديث رقم (4053) .

كأنه لم ينقص تمرة واحدة [ (1) ] . قال أبو عبد اللَّه: أغروا بي: يعني هيجوا بي.

فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ترجم عليه في الوصايا باب قضاء الوصي ديون الميت بغير محضر من الورثة وذكره في غزوة أحد [ (2) ] : حتى أدى اللَّه عن والدي أمانته، وأنا أرضى أن يؤدي اللَّه أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلم اللَّه البيادر كلها.. حتى [آخر] الحديث.

وقال في باب علامات النبوة في الإسلام: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا قال: حدثني عامر، قال: حدثني جابر أن أباه توفي وعليه دين، فأتيت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقلت: إن أبي ترك عليه دينا وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش عليّ الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا، ثم أخّر ثم جلس عليه فقال: انزعوه، فأوفاهم الّذي لهم، وبقي مثل ما أعطاهم [ (3) ] .

وخرج في كتاب الأطعمة، من حديث أبي حازم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن أبي ربيعة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان بالمدينة يهودي وكان يسلفني في [تمري] إلى الجذاذ، وكان لجابر الأرض التي بطريق رومة، فجلست فخلا عاما، فجاءني اليهودي عند الجذاذ ولم أجد منها شيئا، فجعلت استنظره إلى قابل فيأبى، فأخبر بذلك النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال لأصحابه: امشوا نستنظر لجابر من اليهودي، فجاءوني في نخلي، فجعل النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يكلم اليهودي، فيقول يا أبا القاسم لا أنظره، فلما رأى النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلم قام فطاف في النخل، ثم جاءه فكلمه فأبى، فقمت فجئت بقليل من رطب، فوضعته بين يدي النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، فأكل ثم قال: أين عريشك يا جابر؟

فأخبرته فقال: افرش لي فيه، ففرشته فدخل فرقد ثم استيقظ، فجئته بقبضة أخرى، فأكل منها ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، فقام في الرّطاب في النخل

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 5/ 518- 519، كتاب الوصايا، باب (36) ، حديث رقم (2781) قضاء الوصي دين الميت بغير محضر الورثة.

[ (2) ] سبق الإشارة إليه تعليق رقم (5) من الصفحة السابقة

[ (3) ] (فتح الباري) : 6/ 728، كتاب المناقب، باب (25) علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3580) ، ونحوه في (دلائل أبي نعيم) : 2/ 435- 436، باب قصة غرماء جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه، حديث رقم (435) .

الثانية ثم قال: يا جابر، خذ واقض، فوقف في الجذاذ، فجذذت منها ما قضيته وفضل منه، فخرجت حتى جئت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فبشرته فقال: أشهد أني رسول اللَّه [ (1) ] .

قال أبو عبد اللَّه: عرش وعريش: بناء، وقال ابن عباس: معروشات ما يعرش من الكروم وغير ذلك، ويقال: عروشها: أبنيتها، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف: [قد وقع] [ (2) ] في هذا الحديث إشكال في لفظه ومعناه، أما المعنى:

فلأن جابر لم يداين أولئك اليهود، وإنما كان أبوه مات وترك الدين عليه، وهي قضية مشهورة.

وخرج البيهقي من حديث محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكيم قال: أخبرنا عروة عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه أنه أخبره أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم [ليشفع إليه، فجاءه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم] [ (2) ] فكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى، فدخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فمشى فيها ثم قال: يا جابر، جذّ له فأوفه الّذي له، فجذّ بعد ما رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت له سبعة عشرة وسقا.

فجاء جابر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ليخبره بالذي فعل، فوجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يصلي العصر، فلما انصرف [رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم] [ (2) ] جاءه فأخبره أنه قد وفّاه، وأخبره بالفضل الّذي فضل له، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: أخبر ذلك ابن الخطاب، فذهب جابر إلى عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه فأخبره، فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ليباركن اللَّه عزّ وجلّ فيها [ (3) ] .

قال البيهقي: رواه البخاري في الصحيح عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 9/ 706- 707، كتاب الأطعمة، باب (41) الرطب والتمر، وقول اللَّه تعالى:

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا، حديث رقم (5443) .

[ (2) ] زيادة للسياق من (دلائل البيهقي) .

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 150، باب دعاء النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في التمر الموروث عن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام رضي اللَّه عنه حتى قضى منه دينه وكأنه لم ينقص منه شيء، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة.

عياض،

وهذا لا يخالف الأول، فإن الأول في سائر الغرماء الذين حضروا وحضر النبي صلّى اللَّه عليه وسلم حتى أوفاهم ديونهم، وهذا في اليهودي الّذي أتاه بعدهم، وطالب بدينه، فأمر النبي صلّى اللَّه عليه وسلم جابراً بجذ ما بقي على النخلات وإيفائه حقه، واللَّه أعلم [ (1) ] .

وقال الواقدي- وقد ذكر غزوة ذات الرقاع-: وحدثني إسماعيل بن عطية ابن عبد اللَّه بن أنيس [عن أبيه] عن جابر بن عبد اللَّه قال: لما انصرفنا راجعين فكنا بالشّقرة، قال لي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: يا جابر، ما فعل دين أبيك؟ فقلت:

عليه انتظرت يا رسول اللَّه أن يجذّ له نخله، قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إذا جذذت فأحضرني، قال: قلت: نعم، ثم قال: من صاحب دين أبيك؟ فقلت: أبو الشحم اليهودي، له على أبي سقة [ (2) ] من تمر، فقال لي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: فمتى تجذّها؟ قال: قلت: غدا، قال: يا جابر، إذا جذذتها فاعزل العجوة على حدتها، وألوان التمر على حدتها.

قال: ففعلت، فجعلت الصّيحانيّ على حدة، وأمهات الجرادين على حدة، والعجوة على حدة، ثم عمدت إلى جمّاع من التمر مثل نخبة وقرن وشقحة وغيرها من الأنواع- وهو أقل التمر- فجعلته حبلا [ (3) ] واحدا، ثم جئت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فأخبرته فانطلق ومعه عليه أصحابه، فدخلوا الحائط، وحضر أبو الشحم.

قال: فلما نظر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى التمر مصنفا قال: اللَّهمّ بارك له، ثم انتهى إلى العجوة فمسها بيده، وأصناف التمر، ثم جلس وسطها، ثم قال: ادع غريمك.

فجاء أبو الشحم، فقال: اكتل، فاكتال حقه كله من حبل واحد وهو العجوة، وبقية التمر كما هو، فقال: يا جابر، هل بقي على أبيك شيء؟ قال: قلت:

__________

[ (1) ] المرجع السابق.

[ (2) ] سقة من تمر: قال ابن الأثير: السقة جمع وسق، وهو الحمل، وقدّره الشرع بستين صاعا، وقد صحّفه بعضهم بالشين المعجمة وليس بشيء، مختصرا من (النهاية) : 2/ 169.

[ (3) ] الحبل: قطعة من الرمل ضخمة ممتدة، (المرجع السابق) : 1/ 197.

لا، قال: وبقي سائر التمر فأكلنا منه دهرا وبعنا منه حتى أدركت الثمرة من قابل، ولقد كنت أقول: لو بعت أصلها ما بلغت ما على أبي من دين، فقضى اللَّه ما كان على أبي من الدين، فلقد رأيتني والنبي صلّى اللَّه عليه وسلم ليقول لي: ما فعل دين أبيك؟ فقلت:

قد قضاه اللَّه، قال: اللَّهمّ اغفر لجابر، فاستغفر لي في ليلة خمسا وعشرين مرة [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (مغازي الواقدي) : 1/ 401- 402.

,

[ثامن وخمسون: سماع الصحابة تسبيح الطعام وهم يأكلونه]

وأما سماع الصحابة رضي اللَّه عنهم تسبيح الطعام وهم يأكلونه مع المصطفى صلّى اللَّه عليه وسلم،

فخرج البخاري في باب علامات النبوة في الإسلام، من حديث إسرائيل عن منصور، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا نعد الآيات بركة وكنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: حيّ على الطهور المبارك والبركة من اللَّه، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، ولقد كنا نسمع تسبيع الطعام وهو يؤكل [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (فتح الباري) : 6/ 728، كتاب المناقب، باب (25) علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3579) ، (دلائل البيهقي) : 6/ 62- 63، باب ما جاء في تسبيح الطعام الّذي كانوا يأكلون مع نبينا محمد صلّى اللَّه عليه وسلم، وما في ذلك من آثار النبوة، (سنن الترمذي) : 5/ 557، كتاب المناقب، باب (5) في إثبات نبوة النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وما قد خصّه اللَّه عز وجل، حديث رقم (3633) ، وقال في آخره: هذا حديث حسن صحيح.

[تاسع وخمسون: مسحه ضرع شاة أم معبد فدرّت باللبن]

وأما مسحه صلّى اللَّه عليه وسلم ضرع شاة أم معبد فدرت باللبن، بعد ما كانت في جهد لا تبض بقطرة، فخرجه الأئمة الحفاظ: خرجه الحرث بن أبي أسامة، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، من حديث أبي أحمد بشر بن محمد السكري المزوي قال:

حدثنا عبد الملك بن وهب المذحجي، حدثنا الحرّ بن الصباح، عن أبي معبد الخزاعي [ (1) ] ، أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر رضي اللَّه عنه وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد اللَّه بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية [ (1) ]- وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة، تحتبي [ (2) ] وتجلس بفناء الخيمة، فتطعم وتسقى- فسألوها: هل معها لحم أو لبن يشتروا منها؟

فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك، فقالت: لو كان عندنا شيئا ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون.

فنظر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فإذا شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: فهل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذاك، قال: تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، قال: فدعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بالشاة فمسحها، وذكر اسم اللَّه ومسح ضرعها، وذكر اسم اللَّه ودعا بإناء لها يربض الرهط فتفاجت [ (3) ] ودرّت واجترت، فحلب فيه

__________

[ (1) ] أم معبد الخزاعية، هي عاتكة، بنت خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم، وقيل: عاتكة بنت خالد ابن خليف، بن منقذ بن ربيعة، وهي أخت حبيش بن خالد الأشعر الخزاعي القديدي، وله صحبة ورواية، وهو راوي حديثها. وزوجها أبو معبد الخزاعي مختلف في اسمه، وتوفى في حياة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وكان يسكن قديدا، وهي موضع قرب مكة، وفي (معجم ما استعجم) : 3/ 1054، أن هذه القرية سميت قديدا لتقدد السيول بها، وهي لخزاعة.

[ (2) ] تحتبي: تجلس على أليتها، وتضم فخذيها إلى بطنها بذراعيها لتستند.

[ (3) ] تفاجّت: فرّجت ما بين رجليها للحلب.

ثجا حتى علاه البهاء، فسقاها وسقى أصحابه فشربوا جميعا حتى أراضوا، وشرب صلّى اللَّه عليه وسلم آخرهم وقال: ساقي القوم آخرهم، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا،

قال: فقل ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيلا عجافا يتساوكن هزلا [ (1) ] ، فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاة عازب؟ فقالت: لا واللَّه، إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت وكيت.

قال: صفيه لي يا أم معبد، فو اللَّه إني أراه صاحب قريش الّذي يطلب، فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق، مبلج الوجه، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره عطف، وفي صوته صهل، أحور أكحل، أزجّ أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سماه وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة، لا تشنأه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أجمل الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفنّد.

قال: هذا واللَّه صاحب قريش الّذي تطلب، ولو صادفني لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.

قال: وأصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض، يسمعونه ولا يدرون من يقوله وهو ينشد ويقول:

جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالبرّ وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد

فيال قصي ما روى اللَّه عنكم ... به من فعال لا تجاري وسؤدد

سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

__________

[ (1) ] ضعافا.

فغادرها رهنا لديها لحالب ... يردّدها في مصدر ثم مورد

قال: فأصبح الناس وقد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، قال: وأجابه حسان بن ثابت يقول:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسرى إليهم ويغتدى

ترحّل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدّد

هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد

وهل يستوي ضلال قوم تسكعوا ... عمى، وهداة يقتدون بمهتدى

لقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد

وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في صحوة اليوم أو غد

ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد اللَّه يسعد

ويهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمسلمين بمرصد [ (1) ]

__________

[ (1) ] (دلائل أبي نعيم) : 1/ 337- 340، حديث رقم (238) ، وقال في آخره: قال أبو أحمد بن بشر بن محمد، حدثنا عبد الملك بن وهب: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت، ولحقت برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم. ورواه أبو أمية محمد بن إبراهيم بن بشر بن محمد مثله.

حدثنا سليمان بن أحمد، إملاء وقراءة، قال حدثنا على بن عبد العزيز قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام:

البرزة من النساء: الجلدة، التي تظهر للناس، ويجلس إليها القوم.

مرملين مسنتين: المرمل الّذي قد نفد زاده، والمسنت الّذي أصابته السّنة، وهي الأزمة والمجاعة.

قال أبو عبيد: إذا قال: يال فلان: فذلك في الاستغاثة بالفتح، ويال المسلمين. وإذا أراد التعجب والنداء قال: بال فلان بالكسرة.

كسر الخيمة: وهو مؤخرها، وفيه لغتان: كسر، وكسر.

وقال بعضهم: الكسر هو في مقدم الخيمة.

فتفاجّت عليه: يعني فرجت رجليها كما تفعل التي تحلب.

بإناء يربض الرهط: أي ينهنههم مما يجتريهم لكثرته إذا شربوه.

فحلب فيها ثجا: يعني سيلا، وكذلك كل سيل، ومنه

قوله صلّى اللَّه عليه وسلم وقد سئل عن الحجّ فقال: العجّ والثّجّ،

وخرج قاسم بن أصبغ من حديث أبي هاشم محمد بن سليمان بن الحكم، عن جده أيوب بن الحكم عن حرام بن هشام عن أبيه هشام، عند جده حبيش ابن خالد صاحب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فذكره بمعناه.

__________

[ () ] فالعجّ: رفع الصوت بالتلبية، والثّجّ: سيل دماء الهدي، وقال تعالى: ماءً ثَجَّاجاً [النبأ: 14] .

أراضوا: أصل هذا في صبّ اللبن على اللبن، ومعنى قولها: أراضوا: هو شرب لبن صبّ على لبن.

فغادره عندها: تركه عندها.

تساوكن هزلا: التساوك: المشي الضعيف.

الشاة عازب: يعني قد عزبن عن البيت فخرجن إلى المرعى.

الحيّل: التي ليست بحوامل.

وقولها في صفة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم.

ظاهر الوضاءة: يعني الجمال، والوضيء: الجميل.

المتبلّج الوجه: الّذي فيه إضاءة ونور. رجل مبلّج وأبلج، قال الأعشى:

حكّمتوه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الباهر

لم تعبه ثجلة: ومعناه عظم البطن، تقول: فليس هو كذلك.

لم تزر به صعلة: تريد صغر الرأس، يقال: رجل صعل.

وسيم قسيم: كلاهما هو الجمال.

في عينيه دعج: وهو سواد الحدقة، يقال: رجل أدعج، امرأة دعجاء.

في أشفاره عطف: كان بعض الناس يظنها معطوفة، وأنا أظنها وطفا، وكذلك كل مستطيل مسترسل، وأيضا السحابة الدانية من الأرض وطف.

في صوته صهل: إنه صحل، وهو شبيه بالبحح، وليس بالشديد منه، ولكنه حسن، وبذلك توصف الظباء.

في عنقه سطع: هو الطول، يقال منه رجل أسطع، وامرأة سطعاء، وهذا مما يمدح به الناس.

الأزجّ: هو المقوس الحاجبين، والأقرن: هو الّذي التقى حاجباه بين عينيه.

منطقه لا نزر ولا هزر: فالنزر: القليل: والهزر: الكثير، تقول: قصد بين ذلك.

لا تقتحمه عين من قصر: تقول: لا تزدريه فتنبذه ولكن تقبله وتهابه.

محفود محشود: فالمحفود: المخدوم، قال اللَّه عزّ وجل: بَنِينَ وَحَفَدَةً، ومحشود: هو الّذي قد حشده أصحابه وحفّوا حوله، (المرجع السابق) ، (دلائل البيهقي) : 2/ 491- 496، باب اجتياز رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بالمرأة وابنها، وما ظهر في ذلك من آثار النبوة، 6/ 84- 86، باب ما جاء في ظهور بركته في الشاة التي لم يكن فيها لبن حتى نزل لها لبن، وقد مضى ذلك في ذكر نزوله بمخيمتي أم معبد، ونزوله قبل ذلك بالأغنام التي كان يرعاها ابن أم معبد، (المستدرك) : 3/ 10- 12، كتاب الهجرة، حديث رقم (4274/ 18) ، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ويستدل على صحته وصدق رواته بدلائل: منها: نزول المصطفى صلّى اللَّه عليه وسلم بالخيمتين متواترا في أخبار صحيحة ذوات عدد. ومنها: أن الذين ساقوا الحديث على وجهه أهل الخيمتين من الأعاريب الذين لا يهتمون بوضع الحديث، والزيادة والنقصان، وقد

وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من مكة، لم يعلم أهل مكة أين وجّه، حتى سمعوا مغردا بين أخشبي [ (1) ] مكة يقول:

جزى اللَّه خيرا والجزاء بكفه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالهدى واهتديا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهنئ بني كعب مكان فنائهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد [ (2) ]

قال ابن إسحاق: فعرف أهل مكة أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم توجه قبل المدينة.

وقال الواقدي: حدثني حزام بن هشام عن أبيه عن أم معبد- واسمها عاتكة بنت خالد بن حبيب- قالت: لما طلعوا الأربعة على راحلتين، نزلوا بنا، فجئت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بشاة أريد أن أذبحها، فإذا هي ذات در، فأدنيتها منه فلمس ضرعها فقال: لا نذبحها،

فأرسلتها وجئت بأخرى فذبحتها فطبخت لهم، فأكل هو وأصحابه، قلت: ومن معه؟ قالت: ابن أبي قحافة ومولى ابن أبي قحافة وابن أريقط- وهو على شركه بعد- قالت: فتغدى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، منها وأصحابه، وسفرتهم منها، ما وسعته سفرتهم، وأبقى عندنا لحمها أو أكثره.

فبقيت الشاة التي لمس ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة، زمان عمر بن

__________

[ () ] أخذوه لفظا بعد لفظ، عن أبي معبد وأم معبد، ومنها: أن له أسانيد كالأخذ باليد أخذ الولد عن أبيه، والأب عن جده، لا إرسال ولا وهن في الرواة. ومنها: أن الحرّ بن الصباح النخعي، أخذه عن أبي معبد، كما أخذه ولده عنه، فأما الإسناد الّذي رويناه بسياقة الحديث عن الكعبيين، فإنه إسناد صحيح عال للعرب الأعاربة، وقد علونا في حديث الحرّ بن الصباح، (عيون الأثر) : 1/ 190، (سيرة ابن هشام) : 3/ 14، (دلائل أبي نعيم) : 2/ 337- 343، حديث رقم (238) .

[ (1) ] الأخشبان: جبلان بمكة.

[ (2) ] هذه الأبيات في (عيون الأثر) : 1/ 188- 189، هكذا:

جزى اللَّه خيرا والجزاء بكفه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد

هما رحلا بالحق وانتزلا به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد

فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد

وأكسي لبرد الحال قبل ابتذاله ... وأعطى برأس السابح المتجرد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

وفي بعض المراجع: «السانح» بدلا من «السابح» .

الخطاب رضي اللَّه عنه، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة، كنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير. قال حزام: وكانت أم معبد يومئذ مسلمة.

قال المؤلف- رحمه اللَّه-: هكذا أورد أبو نعيم هذا الخبر من حديث أم معبد- رضي اللَّه عنها- عن الواقدي، وفيه ما يخالف ما تقدم، على أن فيه علما من أعلام النبوة.

وخرج أبو نعيم من حديث إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: حدّثت عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه عنه أنها قالت: لما خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر رضي اللَّه عنه فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري واللَّه أين أبي، قالت: فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدي لطمة خرم قرطي.

قالت: ثم انصرفوا، فمضى ثلاث ليال ما ندري أين توجه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يغني بأبيات شعر غنى بها العرب، وأن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج بأعلى مكة:

جزى اللَّه رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالهدى واهتديا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمة من محمد

وأكسي لبرد الحال قبل ابتذاله ... وأغطى برأس السانح المتجرد

قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وأبو بكر وعامر ابن فهيرة، وعبد اللَّه بن أريقط دليلهما [ (1) ] .

وخرج البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني قال: سمعت عبد الرحمن بن

__________

[ (1) ] (عيون الأثر) : 1/ 189، حيث رواه بعد حديث أم معبد ثم قال في آخره: وبه قال أبو بكر الشافعيّ: حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان، حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثت عن أسماء ... ، وساق الحديث، وزاد بيتين.

أبي ليلى يحدث عن أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه قال: خرجت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من مكة فأتينا إلى حيّ من أحياء العرب، فنظر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد إليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبدي اللَّه، إنما أنا امرأة وليس عندي أحد، فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال: فلم يجبها- وذلك عند المساء- فجاء ابن لها بأعنز له يسوقها فقالت له: انطلق يا بني بهذه العنز والشاة إلى هذين الرجلين فقل لهما: تقول لكما أمي: اذبحا هذه وكلا وأطعمانا.

فلما جاء، قال له النبي صلّى اللَّه عليه وسلم: انطلق بالشفرة وجئني بالقدح، قال: إنها عزبت وليس لها لبن، قال: انطلق، فانطلق فجاء بقدح، فمسح النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح ثم قال: انطلق به إلى أمك، فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال: انطلق بهذه وجئني بأخرى، ففعل بها كذلك، ثم جاء بأخرى فسقا أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، قال:

فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا، فكانت تسمية المبارك.

وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أماه، إن هذا الرجل الّذي كان مع المبارك، فقامت إليه فقالت: يا عبد اللَّه، من الرجل الّذي كان معك؟ قال: وما تدرين من هو؟

قالت: لا، قال: هو النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، قالت فأدخلني عليه، قال: فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها [ (1) ] .

وفي رواية: قالت: دلني عليه، فانطلقت معي وأهدت له شيئا من أقط ومتاع الأعراب، قال: فكساها وأعطاها، قال: ولا أعلم إلا قال: أسلمت [ (2) ] .

قال البيهقي- رحمة اللَّه عليه-: هذه القصة وإن كانت تنقص عما روينا في قصة أم معبد وتزيد في بعضها فهي قريب منها، وتشبه أن تكونا واحدة، وقد ذكر

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 491- 492 باب اجتياز رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بالمرأة وابنها- وما ظهر في ذلك من آثار النبوة.

[ (2) ] هي رواية ابن عبدان كما صرح بذلك البيهقي في المرجع السابق.

محمد بن إسحاق بن يسار من قصة أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه القصة قصة واحدة سواء بها [ (1) ] .

وذكر من حديث يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: لما نزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بخيمتي أم معبد- وهي التي غرد بها الجن بأعلى مكة- واسمها عاتكة بنت حنيف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم، فأرادوا القرى،

قالت: واللَّه ما عندنا طعام ولا منحة ولا لنا شاة إلا حائل، فدعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم [ببعض غنمها، فمسح ضرعها بيده، ودعا اللَّه، وحلب في العس حتى رغى وقال: اشربي يا أم معبد، فقالت: اشرب فأنت أحق به، فردّه عليها فشربت. ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فشرب، ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخرى، ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم يروح.

وطلبت قريش رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه، فقالوا:

رأيت محمدا وحليته كذا؟ فوصفوه لها فقالت: ما أدري ما تقولون، قد ضافني حالب الحائل، قالت قريش: فذاك الّذي نريد] .

[قال البيهقي: فيحتمل أن يكون أولا، أي التي في كسر الخيمة، كما روينا في حديث أم معبد، ثم رجع ابنها بأعنز، كما روينا في حديث ابن أبي ليلى، ثم لما أتى زوجها وصفته له، واللَّه تعالى أعلم] [ (2) ] .

وخرج الحاكم قصة أم معبد من طريق [أبي سعيد، أحمد بن محمد بن عمرو الأخمسيّ بالكوفة، حدثنا الحسين بن حميد بن الربيع الخزار، حدثنا سليمان بن الحكم

__________

[ (1) ] (المرجع السابق) ، وقد رجح هذا أيضا الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) : 3/ 238.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 493- 494، وما بين الحاصرتين مطموس في (خ) وقد أثبتناه منه.

وقد سجّل شاعر العروبة والإسلام [أحمد محرم] في (ديوان مجد الإسلام) هذا الحدث الجليل من خيمة أم معبد فقال:

ما حديث لأمّ معبد تستقيه ... ظمأى النفوس عذبا نميرا

سائل الشاة كيف درّت وكانت ... كزّة الضرع لا ترجّى الدرورا

بركات السّمح المؤمّل يقرى ... أمم الأرض زائرا أو مزورا

مظهر الحق للنّبوّة سبحانك ... ربّا فرد الجلال قديرا

وما بين الحاصرتين مطموس في (خ) ، واستدركناه من كتب السيرة.

ابن أيوب بن سليمان بن ثابت بن بشار الخزاعي، حدثنا أخي أيوب بن الحكم، وسالم بن محمد الخزاعي، جميعا، عن حزام بن هشام، عن أبيه حزام بن حبيش ابن خويلد صاحب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة، وأبو بكر رضي اللَّه تعالى عنه، ومولى أبي بكر: عامر بن فهيرة، ودليلهما: الليثي عبد اللَّه بن أريقط، مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية- وكانت امرأة برزة جلدة، تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم- فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين.

فنظر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى الشاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى اللَّه تعالى، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرّت فاجترّت.

فدعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجا، حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم حتى أراضوا، ثم حلب فيه الثانية على هدة حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحلوا عنها.

فقلّ ما لبث حتى جاء زوجها أبو معبد ليسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا، مخّهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن أعجبه، قال: من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب حائل، ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا واللَّه إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أم معبد، قالت: - رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزريه صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزجّ أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق،] [ (1) ]

__________

[ (1) ] ما بين الحاصرتين مطموس في (خ) ، واستدركناه من كتب السيرة.

فصلا لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة، لا تشنأه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال سمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.

قال أبو معبد: هذا واللَّه صاحب قريش الّذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.

وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:

جزى اللَّه ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد

فيال قصي ما زوى اللَّه عنكم ... به من فعال لا تجازي وسؤدد

ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد اللَّه يسعد

وليهن بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحا ضرة الشاة مزبد

فغادره رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر بعد مورد]

[فلما سمع حسان الهاتف بذلك شبب يجاوب الهاتف فقال رضي اللَّه تعالى عنه:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدّس من يسري إليهم ويغتدى

ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحلّ على قوم بنور مجدّد

هداهم به بعد الضلالة ربهم ... فأرشدهم من يتبع الحق يرشد

وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمى، وهداة يهتدون بمهتدي

وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد

وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد [ (1) ]

قال ابن هشام: وأم معبد هي: أم معبد بنت كعب، امرأة من بني كعب، من خزاعة] [ (2) ] .

__________

[ (1) ] (المستدرك) : 3/ 10- 11، حديث رقم 4274/ 18، وقال في آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في (التخليص) : صحيح، ونزول المصطفى صلّى اللَّه عليه وسلّم بالخيمتين متواترا في أخبار صحيحة، ولذلك دلائل منها: أن الذين ساقوا الحديث على وجهه أهل الخيمتين من الأعاريب الذين لا يتهمون، وقد أخذوه عن أبي معبد وأم معبد. ومنها: أن له أسانيد كالأخذ باليد أخذ الولد عن أبيه، لا إرسال ولا وهن في الرواة، ومنها: أن الحرّ بن الصباح النخعي أخذه عن أبي معبد، كما أخذه ولده عنه. وقد سبق شرح غريب هذا الحديث.

[ (2) ] (سيرة ابن هشام) : 3/ 14، وأم معبد اسمها: عاتكة بنت خالد، إحدى بنى كعب من خزاعة، وهي أخت حبيش بن خالد، وله صحبة ورواية، ويقال له الأشقر، وأخوها حبيش بن خالد وخالد الأشعر أبو هما، هو ابن حنيف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب ابن عمرو، وهو أخو خزاعة. (هامش المرجع السابق) .

وما بين الحاصرتين مطموس في (خ) ، واستدركناه من كتب السيرة.

[ستون: حلبة صلّى اللَّه عليه وسلّم عناقا [ (1) ] لا لبن فيها مع عبد يرعى غنما]

وأما حلبة صلّى اللَّه عليه وسلّم عناقا لا لبن فيها مع عبد يرعى غنما،

فخرج البيهقي من حديث محمد بن غالب، حدثنا أبو الوليد: حدثنا عبيد اللَّه بن إياد بن لقيط، عن قيس ابن النعمان قال: لما انطلق النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأبو بكر رضي اللَّه عنه مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت [ (2) ] وما بقي لها لبن، فقال: ادع بها، فاعتقلها النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ومسح ضرعها، ودعا اللَّه حتى أنزلت.

قال: وجاء أبو بكر رضي اللَّه عنه بمجن فحلب صلّى اللَّه عليه وسلّم فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: باللَّه من أنت؟ فو اللَّه ما رأيت مثلك قط! قال: أو تراك تكتم عليّ حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإنّي محمد رسول اللَّه.

قال: أنت الّذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك.

قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا [ (3) ] .

وخرجه أبو داود الطيالسي من حديث عبد اللَّه بن إياد بن لقيط، فذكره وقال في آخره:

فأتى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد ما ظهر بالمدينة. وخرجه الحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد [ (4) ] .

__________

[ (1) ] العناق: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة.

[ (2) ] أخدجت: ولدت قبل أوانها.

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 2/ 497، باب اجتيازه صلّى اللَّه عليه وسلّم مع صاحبه بعبد يرعى غنما، وما ظهر عند ذلك من آثار النبوة.

[ (4) ] (المستدرك) : 3/ 9- 10، حديث رقم 4273/ 17، وقال في آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في (التلخيص) : صحيح، (البداية والنهاية) : 3/ 238 نقلا عن البيهقي، (عيون الأثر) : 1/ 190- 191.

[حادي وستون: حلبة صلّى اللَّه عليه وسلّم اللبن من شاة لم ينز عليها الفحل]

وأما حلبة صلّى اللَّه عليه وسلّم اللبن من شاة لم ينز عليها الفحل،

فخرج أبو نعيم من حديث أبي داود قال: حدثنا حماد [بن سلمة] [ (1) ] عن عاصم، عن زرّ عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال: كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه- وقد فرا من المشركين- فقال: يا غلام، عندك لبن تسقينا؟ فقال: إني مؤتمن، [ولست بساقيكما، قالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الضرع فمسحه، ودعا، فحفل الضرع، وأتى أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص، فلما كان الغد، أتيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقلت: علّمني هذا القول الطيب- يعني القرآن- فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم:

إنك غلام معلّم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد] [ (2) ] .

__________

[ (1) ] زيادة للنسب من (دلائل أبي نعمي) .

[ (2) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 329، حديث رقم 233، (البداية والنهاية) : 3/ 238- 239 عن البيهقي، (مسند أحمد) : 1/ 626، حديث رقم (3587) ، حديث رقم (3588) ، (طبقات ابن سعد) : 3/ 150- 151، باب: ومن حلفاء بني زهرة بن كلاب من قبائل العرب: عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وما بين الحاصرتين مطموس في (خ) ، وقد أثبتناه من كتب السيرة.

[ثاني وستون: ظهور الآية في اللبن للمقداد رضي اللَّه عنه]

وأما ظهور الآية في اللبن للمقداد- رضي اللَّه عنه-

فخرج مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فليس أحد منهم يصلنا، فأتينا النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: احتلبوا هذا اللبن بيننا، فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم نصيبه.

قال فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما، [ويسمع اليقظان، قال:

ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل.

قال: ندّمني الشيطان، فقال: ويحك ما صنعت! أشربت شراب محمد، فيجيء فلا يجده، فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعليّ شملة، إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فسلم كما كان يسلّم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه، فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك، فقال:

اللَّهمّ أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني.

قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فإذا هي حافلة، وإذا هنّ حفّل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، ما كانوا يطعمون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: أشربتم شرابكم الليلة؟.

قال: قلت: يا رسول اللَّه اشرب، فشرب، ثم ناولني، فقلت: يا رسول اللَّه اشرب، فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قد روى، وأصبت دعوته، ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، قال: فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: إحدى سوءاتك يا مقداد، فقلت: يا رسول اللَّه! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: ما هذه إلا رحمة من اللَّه، أفلا كنت آذنتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها، قال: فقلت: والّذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس] [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 14/ 257- 260، كتاب الأشربة، باب (32) إكرام الضيف وفضل إيثاره، حديث رقم (174) ، وفي هذا الحديث: آداب السلام على الأيقاظ في موضع فيه نيام أو من في معناهم، وأنه يكون سلاما متوسطا بين الرفع والمخافتة، بحيث يسمع الأيقاظ ولا يهوش به على غيرهم، وفيه: الدعاء للمحسن والخادم، ولمن سيفعل خيرا، وفيه: ما كان عليه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من الحلم، والأخلاق والمحاسن المرضية، وكرم النفس، والصبر، والإغضاء عن حقوقه، فإنه صلّى اللَّه عليه وسلّم لم يسأل عن نصيبه من اللبن. والشاة الحافل: الممتلئ ضرعها باللبن، (دلائل البيهقي) : 6/ 84- 86، باب ما جاء في ظهور بركته صلّى اللَّه عليه وسلّم في الشاة التي لم يكن فيها لبن، حتى نزل لها لبن، (طبقات ابن سعد) : 1/ 184، وما بين الحاصرتين مطموس في (خ) ، واستدركناه من كتب السيرة.

[ثالث وستون: سرعة سير الإبل بعد جهدها بدعائه صلّى اللَّه عليه وسلّم]

وأما سرعة سير الإبل بعد جهدها بدعائه صلّى اللَّه عليه وسلّم فخرج أبو نعيم من حديث المعتمر قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو نضرة عن جابر، وحدثنا محمد بن أحمد بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال:

حدثنا أبو كامل [الجحدريّ] ، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال:

حدثنا الجريريّ عن أبي نضرة، عن جابر رضي اللَّه عنه، وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النرسي، قال: حدثنا جميل بن الحسن قال:

حدثنا غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن جابر رضي اللَّه عنه قال:] [كنا في مسير مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، قال: وأنا على ناضح لي، إنما هو في أخريات الناس، قال: فضربه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أو نخسة، أراه قال: بشيء كان معه، قال: فجعل بعد ذلك يتقدم الناس ينازعني حتى أني لأكفّه [ (1) ] .] .

[وخرّج من حديث أحمد بن محمد بن الحسن الماسرجسي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا جرير عن مغيرة، عن الشعبي، عن جابر رضي اللَّه عنه، قال:] [غزوت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فتلاحق بي وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير، قال: فقال لي: ما لبعيرك؟ قلت: عليل، قال: فتخلف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فزجره ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قدامها يسير، قال: فكيف ترى بعيرك؟

قال: قلت: بخير قد أصابته بركتك [ (2) ] .] .

وخرّج من حديث سليمان بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن داود المكيّ قال:

حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الصعق بن حزن، وأبو هلال الراسبي، قالا: حدثنا سيار أبو الحكم عن الشعبي، عن جابر قال:]

__________

[ (1) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 437- 438، باب قصة البعير المتخلف لجابر بن عبد اللَّه وأبي طلحة رضي اللَّه عنهما، حديث رقم (348) ، وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد.

[ (2) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 438، حديث رقم (349) .

[كنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في غزاة، وأنا على بعير لي قطوف [ (1) ] ، فمر بي النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فغمز بعيري بعصا في يده، فإذا هو في أول الركاب [ (2) ] .

وخرج من حديث يوسف القاضي قال: حدثنا أبو الربيع، حدثنا حماد، حدثنا أيوب عن أبي الزبير، عن جابر قال:] .

[أتى عليّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وقد أعيى بعيري، قال: فنخسه فوثب، قال:

فكنت أحبس بعد ذلك خطامه فما أقدر عليه [ (3) ] .] .

[ومن حديث جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه قال: فزع الناس، فركب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فرسا لأبي طلحة بطيئا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال: لن تراعوا وإنه لبحر، قال: فو اللَّه ما سبق بعد ذلك اليوم [ (4) ]] .

[وخرج البيهقي من حديث أبي نعيم، حدثنا زكريا، قال: سمعت عامرا يقول:

حدثني جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه: أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيّبه فقال: فلحقني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فضربه ودعا له، فسار سيرا لم يسر مثله.

ثم قال: بعنيه بأوقية، قلت: لا، قال: بعنيه بأوقيتين، فبعته واشترطت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على أثري وقال: أترى أني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك، ودراهمك، فهو لك [ (5) ]] .

[وخرج من حديث حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر

__________

[ (1) ] قطوف: بطيء.

[ (2) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 438، حديث رقم (350) ولم أجده عند غير أبي نعيم.

[ (3) ] المرجع السابق، حديث رقم (351) ، وأخرجه مسلم.

[ (4) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 439، حديث رقم (352) ، وأخرجه البخاري بسند حديث الباب، كما أخرجه من حديث أنس من طرق أخرى بألفاظ متقاربة.

[ (5) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 151، باب دعاء النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في بعير جابر بن عبد اللَّه وقد أعيا، حتى صار ببركة دعائه في أول الركب ... ، وقد أخرجه البخاري في (54) كتاب الشروط، (4) باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة، ومسلم في (22) كتاب المساقاة، (21) باب بيع البعير واستثناء ركوبه، (الإحسان) : 14/ 450، باب ذكر البيان بأن جابر بن عبد اللَّه استثنى حملان راحلته التي وصفناها إلى المدينة بعد البيع، حديث رقم (6519) .

رضي اللَّه عنه قال: أتى عليّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وقد أعيا بعيري، فنخسه فوثب، فكنت بعد ذلك أحبس خطامه فما أقدر عليه، فلحقني النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: بعنيه، فبعته منه بخمس أواق، قلت: على أن لي ظهره إلى المدينة، قال صلّى اللَّه عليه وسلّم: ولك ظهره إلى المدينة، فلما قدمت المدينة، أتيت فزادني أوقية، ثم وهبه لي. [ (1) ]] .

[وله من حديث عبد اللَّه بن أبي الجعد الأشجعي، عن جعيل الأشجعي، قال: غزوت مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم في بعض غزواته وأنا على فرس لي جعفاء ضعيفة، قال: فكنت في أخريات الناس، فلحقني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: سر يا صاحب الفرس، فقلت: يا رسول اللَّه! جعفاء ضعيفة، قال: فرفع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم مخفقة معه، فضربها بها، وقال اللَّهمّ بارك له فيها، قال: فلقد رأيتني ما أمسك رأسه إن تقدم الناس، قال فلقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا] [ (2) ] .

وله من حديث أبي سهل بن زياد القطان، حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا زكريا بن علي، حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال:] .

جاء رجل إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم- أو قال: فتى- فقال: إني تزوجت امرأة فقال:

هل نظرت إليها؟ فإن في أعين الأنصار شيئا، قال: قد نظرت إليها، قال: على كم تزوجتها؟ فذكر شيئا، قال: فكأنكم تنحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال، ما عندنا اليوم شيء نعطيكه، ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه، فبعث بعثا إلى بني عبس، وبعث الرجل فيهم فأتاه فقال: يا رسول اللَّه، أعيتني ناقتي أن تنبعث، قال: فناوله رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كالمعتمد عليه للقيام، فأتاها، فضربها برجله،

قال أبو هريرة: والّذي نفسي بيده، لقد رأيتها تسبق القائد [ (3) ]] .

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 152، وأخرجه مسلم أيضا.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 153، (التاريخ الكبير) : 2/ 249، ترجمة رقم (2356) ، جعيل، قال رافع بن زياد بن أبي الجعد، أخى سالم بن أبي الجعد، قال: حدثني جعيل، قال: غزوت مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأنا في أخريات الناس....

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 154، (صحيح مسلم) : (16) كتاب النكاح، (12) باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد النكاح، حديث رقم (75) .

[وله من حديث جعفر بن عوف، قال: أنبأنا الأعمش، عن مجاهد، أنّ رجلا اشترى بعيرا، فأتى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فقال: إني اشتريت بعيرا، فادع اللَّه أن يبارك لي فيه، فقال صلّى اللَّه عليه وسلّم: اللَّهمّ بارك له فيه، فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق، ثم اشترى بعيرا آخر، فأتى به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال: يا رسول اللَّه! إني اشتريت بعيرين، فدعوت اللَّه أن يبارك لي فيهما، فادع اللَّه أن يحملني عليه، قال: فقال: اللَّهمّ احمله عليه، قال فمكث عنده عشرين سنة] [ (1) ] .

[قال البيهقي: هذا مرسل، ودعاؤه صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين، ثم سأله صاحب البعير الدعاء بأن يحمله عليه، وقعت الإجابة إليه صلّى اللَّه عليه وسلّم أفضل زكاة، وأطيبها، وأنماها] [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (المرجع السابق) : 154- 155. وما بين الحاصرتين مطموس في (خ) واستدركناه من كتب السيرة.

,

[سادس وثمانون: إحياء شاة جابر بعد ما طبخت وأكلت]

وأما إحياء شاة جابر بعد ما طبخت وأكلت، فقال الحافظ أبو نعيم: فان قلت إن عيسى عليه السلام كان يحى [الموتى بإذن] [ (1) ] اللَّه، فأعجب منه ما رفع اللَّه تعالى به شأن محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، وجعله [ (2) ] آية بينة شهدها الجماعة الكثيرة على [ (3) ] إحياء شاة جابر بن عبد اللَّه، وما أحيا اللَّه لامرأة من الأنصار ابنها على عهد النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم آية عجيبة لنبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم [ (4) ] .

ثم ذكر من حديث أبى برّة [ (5) ] محمد بن أبى هاشم مولى بنى هاشم [بمكة] [ (1) ] قال: حدثنا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري، عن أبيه سهل بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك قال:

أتى جابر بن عبد اللَّه النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم فسلم عليه فرد عليه السلام، قال: جابر فرأيت وجه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم متغيرا، وما أحسب وجه رسول اللَّه تغير إلا من الجوع [ (6) ] ، فأتيت منزلي فقلت للمرأة: ويحك! لقد رأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فسلمت عليه فردّ عليّ السلام، فرأيت [ (7) ] وجهه متغيرا، وما أحسب وجه رسول اللَّه متغيرا إلا من الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: واللَّه ما لنا إلا هذا الداجن وفضلة من زاد نعلّل بها الصبيان.

قال: فقلت لها هل لك أن نذبح هذا الداجن وتصنعين ما كان عندك ثم نحمله إلى رسول اللَّه؟ قالت: أفعل من ذلك ما أحببت، فذبحت الداجن وصنعت ما

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم) .

[ (2) ] في (المرجع السابق) : «وجعلت له آية ... » .

[ (3) ] في (المرجع السابق) «في» .

[ (4) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 616، فصل ما أوتى عيسى عليه السلام.

[ (5) ] في (خ) : «برزة» وصوبناه من المرجع السابق.

[ (6) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «من جوع» .

[ (7) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «ووجهه متغيرا» .

كان عندها، وطحنت وخبزت، ثم ردنا في جفنة لنا،

فوضعت الداجن ثم حملتها إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فوضعناها بين يديه، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: يا رسول اللَّه! أتيتك فسلمت عليك فرأيت وجهك متغيرا، فظننت أن وجهك لم يتغير إلا من الجوع، فذبحت داجنا كانت لنا، ثم حملتها إليك.

قال: يا جابر، اذهب فاجمع لي قومك، قال: فأتيت أحياء العرب فلم أزل أجمعهم فأتيته بهم، ثم دخلت إليه فقلت: يا رسول اللَّه، هذه الأنصار قد اجتمعت، فقال: أدخلهم عليّ أرسالا، فأدخلتهم عليه أرسالا فكانوا يأكلون منها، فإذا شبع قوم خرجوا ودخل آخرون، حتى أكلوا جميعا، وفضل في الجفنة شبيه ما كان فيها، وكان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول لهم: كلوا ولا تكسروا عظما.

ثم إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم جمع العظام في وسط الجفنة، ووضع يده عليها، ثم تكلم بكلام لم أسمعه إلا أنى أرى شفتيه تتحركان، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها، فقال لي: خذ شاتك يا جابر، بارك اللَّه لك فيها.

فأخذتها ومضيت، وإنها لتنازعنى أذنها حتى أتيت بها البيت، فقالت لي المرآة:

ما هذا يا جابر؟ قلت: واللَّه هذه شاتنا التي ذبحناها لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، دعا اللَّه فأحياها لنا، قالت: أنا أشهد أنه رسول اللَّه، أنا أشهد أنه رسول اللَّه، أنا أشهد أنه رسول اللَّه، صلّى اللَّه عليه وسلّم [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (دلائل أبي نعيم) : 2/ 616- 617، حديث رقم (560) ، وذكره السيوطي في (الخصائص الكبرى) : 2/ 283، وعزاه إلى أبى نعيم.

وقال ابن كثير في (البداية والنهاية) : 6/ 325: قلت: وقد ذكرت في قصة سخلة جابر يوم الخندق وأكل الألف منها ومن قليل شعير ما تقدم، وقد أورد الحافظ محمد بن المنذر المعروف بيشكر في كتابه (الغرائب والعجائب) بسنده كما سبق أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم جمع عظامها ثم دعا اللَّه تعالى فعادت كما كانت، فتركها في منزله. واللَّه تعالى أعلم. وقد أخرج البخاري في صحيحه قصة شاة جابر لكن بغير معجزة إحيائها. (فتح الباري) : 7/ 503، كتاب المغازي، باب (30) غزوة الخندق وهي الأحزاب، حديث رقم (4102) .

[سابع وثمانون: تسخير الطائر له صلّى اللَّه عليه وسلّم]

وأما تسخير الطائر له،

فخرج البيهقي من حديث حبان قال: حدثنا أبو سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: كان النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم إذا أراد الحاجة أبعد، قال: فذهب يوما فبعد تحت سمرة فنزع خفيه ولبس أحدهما، فجاء طائر فأخذ الخف الآخر فحلّق به في السماء، فانسلت منه أسود سالخ، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: هذه كرامة أكرمنى اللَّه بها، اللَّهمّ إني أعوذ بك من شر ما يمشى على رجلين، ومن شر ما يمشى على أربع، ومن شر ما يمشى على بطنه [ (1) ] .

__________

[ (1) ] ونقله ابن كثير عن البيهقي بسنده ولفظه في (البداية والنهاية) : 6/ 167 وعنوان له: حديث آخر في ذلك وفيه غرابة.

[ثامن وثمانون: كثرة غنم هند [بنت عتبة] [ (1) ] بدعائه صلّى اللَّه عليه وسلّم]

وأما كثرة غنم هند بدعائه صلّى اللَّه عليه وسلّم،

فقال أبو الوليد الواقدي: حدثني عبد اللَّه ابن يزيد عن أبى حصين الهذليّ قال: لما أسلمت هند بنت عتبة، أرسلت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بهدية وهو بالأبطح مع مولاة [ (2) ] لها، بجديين مرضوفين [ (3) ] وقد [ (4) ] ، فانتهت الجارية إلى خيمة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم. فسلّمت واستأذنت فأذن لها، فدخلت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو بين نسائه: أم سلمة [زوجته] [ (5) ] وميمونة، ونساء من نساء بنى عبد المطلب، فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، وهي معتذرة إليك وتقول: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: بارك اللَّه لكم في غنمكم، وأكثر والدتها.

فرجعت المولاة إلى هند فأخبرتها بدعاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فسرت بذلك، فكانت المولاة تقول: لقد رأينا من كثرة غنمنا ووالدتنا ما لم نكن نرى قبل ولا

__________

[ (1) ] هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية، والدة معاوية بن أبى سفيان. أخبارها قبل الإسلام مشهورة، وشهدت أحدا، وفعلت بحمزة ما فعلت، ثم كانت تؤلب على المسلمين إلى أن جاء اللَّه تعالى بالفتح فأسلم زوجها، ثم أسلمت هي يوم الفتح.

ومن طرق ما أخرجه ابن سعد بسند صحيح مرسل عن الشعبي، وعن ميمون بن مهران، ففي رواية الشعبي لما سمعت قوله تعالى: وَلا يَزْنِينَ، قالت هند: وهل تزني الحرة، وعند قوله تعالى:

وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ، قالت هند: أنت قتلتهم، وفي رواية نحوه، لكن قالت: وهل تركت لنا ولدا يوم بدر؟

وسؤالها عن أخذها من مال زوجها بغير إذنه ما يكفيها، وهل عليها فيه من حرج؟ مخرّج في الصحيحين، وفيه: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك، وهو من رواية هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، ترجمتها في: (الإصابة) : 8/ 2155 ترجمة رقم (11856) ، (طبقات ابن سعد) : 8/ 170، (الاستيعاب) : 4/ 1922- 1923، ترجمة رقم (4113) .

[ (2) ] في (خ) : «مولاتها» وما أثبتناه من (مغازي الواقدي) .

[ (3) ] المرضوف: الّذي يشوى على الرضف، والرضف الحجارة المحماة على النار. (النهاية) : 2/ 85.

[ (4) ] القدّ: جلد السخلة. (القاموس المحيط) .

[ (5) ] زيادة من (مغازي الواقدي) .

قريبا، فتقول هند: هذا دعاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وبركته، فالحمد للَّه الّذي هدانا للإسلام، ثم تقول: لقد كنت أرى في النوم أنى في الشمس أبدا قائمة والظلّ منىّ قريب لا أقدر عليه، فلما دنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم منا رأيت كأنى دخلت الظل [ (1) ] .

__________

[ (1) ] (مغازي الواقدي) : 2/ 868- 869.

[تاسع وثمانون: إحياء الحمار الّذي نفق]

وأما الّذي أحيا اللَّه تعالى له حماره، فخرج البيهقي من حديث الحسن بن عرفة، حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن أبى سبرة النخعي قال:

أقبل رجل من أهل اليمن، فلما كان في بعض الطريق نفق حماره فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال: اللَّهمّ إني خرجت من الدثينة [ (1) ] مجاهدا في سبيلك [و] ابتغاء مرضاتك، وأشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ اليوم منّة، أطلب إليك أن تبعث لي حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه [ (2) ] .

قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة، حيث يكون في أمته مثل هذا. وقد رواه محمد بن يحى الذهلي، وغيره، عن محمد ابن عبيد عن إسماعيل، عن الشعبي [ (2) ] . [وكأنه سمعه منهما] [ (3) ] .

وخرجه من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، وأحمد بن بجير وغيرهما، قالوا: حدثنا [ (4) ] محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد، عن الشعبي، أن قوما أقبلوا من اليمن متطوعين في سبيل اللَّه، فنفق حمار رجل منهم، فأرادوه أن ينطلق معهم [فأبى] [ (3) ] ، قال: فقام فتوضأ وصلى وقال: اللَّهمّ إني جئت من الدثينة- أو قال- الدفينة- مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وإني أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ منّة، وإني أطلب إليك أن تبعث لي حماري، ثم قام إلى الحمار فضربه، فقام الحمار ينفض أذنيه، فأسرجه ثم ألجمه ثم ركبه، [فأجراه فلحق] [ (5) ] بأصحابه، فقالوا: ما شأنك؟

__________

[ (1) ] كذا في (خ) ، (دلائل البيهقي) ، وفي (البداية والنهاية) : «الدفينة» .

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 48، باب ما جاء في المجاهد في سبيل اللَّه الّذي بعث حماره بعد ما نفق.

[ (3) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

[ (4) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «أنبأنا» .

[ (5) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

قال: شأنى [ (1) ] أن اللَّه بعث لي حماري [ (2) ] .

قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع بالكناسة [ (3) ] ، قال ابن أبى الدنيا:

أخبرنى العباس بن هشام عن أبيه عن جده، عن مسلم [ (4) ] بن عبد اللَّه بن شريك النخعي، أن صاحب الحمار رجل من النخع يقال له: نباته بن يزيد، خرج في زمن عمر رضي اللَّه عنه غازيا، حتى إذا كان بسرّ [ (5) ] عميرة نفق حماره، فذكر القصة غير أنه قال: فباعه [بعد] [ (6) ] بالكناسة، فقيل له: تبيع حمارا أحياه اللَّه لك؟ قال: فكيف أصنع؟ فقال رجل من رهطه ثلاثة أبيات فحفظت هذا البيت:

ومنّا الّذي أحيا الإله حماره ... وقد مات منه كل عضو ومفصل [ (7) ]

وفي كتاب (الجمهرة لابن الكلبي) : وولد عامر بن سعد بن مالك بن النخع عوفا ومالكا والحارث وحزنا، منهم نباته بن يزيد الّذي أحيا اللَّه حماره في زمن عمر بن الخطاب وقد نفق بسنّ سميرة فأحياه اللَّه حتى غزا قزوين ثم رجع فباعه بعد بالكوفة [ (8) ] وذكر البكري أن سنّ سميرة بالقرب من عانات [ (9) ] .

__________

[ (1) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «قال: ما شأني» وما أثبتناه أجود للسياق، وهو حق اللغة.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 49، باب ما جاء في المجاهد في سبيل اللَّه الّذي يعث حماره حق بعد ما نفق.

[ (3) ] الكناسة: موضع مشهور بالكوفة.

[ (4) ] في (خ) : «سلمة» ، وصوبناه من (المرجع السابق) .

[ (5) ] في (خ) : «ببئر» ، وصوبناه من (المرجع السابق) .

[ (6) ] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (7) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 49، في ذات الباب، وعنه نقله ابن كثير في (البداية والنهاية) : 6/ 169، 170 باب حديث فيه كرامة لولىّ من هذه الأمة، ثم قال: وقد ذكرنا في باب رضاعه عليه السلام، ما كان من حمارة حليمة السعدية، وكيف كانت تسبق الركب في رجوعها لما ركب معها عليها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو رضيع، وقد كانت أدمت بالركب في مسيرهم إلى مكة، وكذلك ظهرت بركته عليه في شارفهم- وهي الناقة التي كانوا يحلبونها- وشياههم، وسمنهم، وكثرة ألبانها، صلوات اللَّه وسلامه.

عليه.

[ (8) ] (اللباب) : 2/ 306، قال: وقد فاته عامر بن سعد بن مالك بن النخع، بطن من النخع، ومنهم نباته بن يزيد الّذي أحيا اللَّه حماره ...

[ (9) ] (معجم ما استعجم) : 2/ 761. قال كثيّر:

[تسعون: إحياء اللَّه ولد المهاجرة بعد موته، وإجابة دعاء العلاء بن الحضرميّ [ (1) ]]

وأما إحياء اللَّه ولد المهاجرة بعد موته، وإجابة دعاء العلاء بن الحضرميّ حتى سقى اللَّه المسلمين وقد عطشوا، وحتى جاز بهم البحر للقاء عدوهم، ومشي مسلم الخولانيّ على الماء تكرمة للمصطفى صلّى اللَّه عليه وسلّم، فخرج البيهقي من طريق أبى أحمد بن عدي الحافظ قال: حدثنا محمد بن طاهر بن أبى الدميك، حدثنا عبيد اللَّه بن عائشة، حدثنا صالح المري، حدثنا ثابت عن أنس قال: عدنا شابا من الأنصار وعنده أم له عجوز عمياء، قال فما برحنا أن فاض- يعنى مات- ومددنا على وجهه الثوب وقلنا لأمه: يا هذه، احتسبي مصابك عند اللَّه، قالت: أمات ابني؟ قلنا نعم.

قالت: اللَّهمّ إن كنت تعلم أنى هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني عند كل شديدة، فلا تحمل على هذه المصيبة اليوم. قال أنس، فو اللَّه ما برحت حتى

__________

[ () ]

خيل بعانات فسنّ سميرة ... له لا يردّ الذائدون نهالها

وعانات: موضع من أرياف العراق، قال الخليل: مما يلي ناحية الجزيرة تنسب إليه الخمر الجيدة.

(المرجع السابق) : 2/ 914.

[ (1) ] هو العلاء بن الحضرميّ، وكان اسمه عبد اللَّه بن عماد [أو عباد أو هنماد] بن أكبر بن ربيعة بن مالك ابن عوين الحضرميّ، وكان عبد اللَّه الحضرميّ أبوه قد سكن مكة، وحالف حرب بن أمية والد أبى سفيان، وكان للعلاء عدة إخوة، منهم عمرو بن الحضرميّ، وهو أول قتيل من المشركين، وماله أول مال خمّس في المسلمين، وبسببه كانت وقعة بدر، واستعمل النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم العلاء على البحرين، وأمّره أبو بكر، ثم عمر. مات سنة أربع عشرة، وقيل سنة إحدى وعشرين.

روى عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وروى عنه من الصحابة السائب بن يزيد، وأبو هريرة، وكان يقال: أنه مجاب الدعوة، وخاض البحر بكلمات قالها، وذلك مشهور في كتب الفتوح. له ترجمة في:

(الإصابة) : 4/ 541، ترجمة رقم (5646) ، (الاستيعاب) : 3/ 1085، ترجمة رقم (1841) ، (أسماء الصحابة الرواة) : 227- 228، ترجمة رقم (313) ، (تهذيب التهذيب) ، 8/ 159 ترجمة رقم (320) .

كشف الثوب عن وجهه وطعم وطعمنا معه [ (1) ] .

ومن طريق ابن أبى الدنيا قال: حدثنا خالد بن خداش بن عجلان المهلبي، وإسماعيل بن إبراهيم بن بسام قالا: حدثنا صالح المري عن ثابت البناني عن أنس ابن مالك قال: عدت شابا من الأنصار فما كان أسرع من أن مات فأغمضناه ومددنا عليه الثوب فقال بعضنا لأمه: احتسبيه، قالت: وقد مات؟ قلنا: نعم، قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا نعم.

فمدت يدها إلى السماء وقالت: اللَّهمّ إني آمنت بك وهاجرت إلى رسولك، فإذا نزلت بى شديدة دعوتك ففرجتها، فأسألك اللَّهمّ لا تحمل عليّ هذه المصيبة اليوم، قال: فكشف الثوب عن وجهه، فما برحنا حتى أكلنا، وأكل معنا [ (2) ] .

قال البيهقي: صالح بن بشير المري من صالحي أهل البصرة وقصاصهم، تفرد بأحاديث مناكير عن ثابت وغيره [ (3) ] ، وقد روى هذا من وجه آخر مرسلا بين ابن عون وأنس بن مالك، فذكر حديث أبى حمزة إدريس بن يونس قال: حدثنا محمد ابن يزيد بن مسلمة، حدثنا عيس بن يونس، عن عبد اللَّه بن عون عن أنس قال:

أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كان [ (4) ] مثلها في بنى إسرائيل [لما تقاسمتها الأمم] [ (4) ] ولكان عجبا، قلنا [ (5) ] ما هن يا أبا حمزة؟

__________

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 50، باب ما جاء في المهاجرة إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم التي أحياء اللَّه تعالى بدعائها ولدها بعد ما مات، وما جاء في الكرامات التي ظهرت على العلاء الحضرميّ وأصحابه، (دلائل أبي نعيم) :

2/ 617- 618، حديث رقم (561) .

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 50- 51، وفي (خ) : «خالد بن خداش» .

[ (3) ] صالح بن بشير المري: بصرى، واعظ شهير، ضعفه ابن معين، والدار قطنى، والعقيلي، وابن حبان، وقال أحمد: هو صاحب قصص، ليس هو بصاحب حديث ولا بعرف الحديث، وقال الفلاس: منكر الحديث جدا، وقال النسائي: متروك. له ترجمة في: (التاريخ الكبير) : 4/ 273، ترجمة رقم (2782) ، (الضعفاء الكبير للعقيليّ) : 2/ 199، ترجمة رقم (723) ، (المجروحين) : 1/ 371، (الميزان) : 2/ 289، ترجمة رقم (3773) .

[ (4) ] كذا في (خ) ، وفي (دلائل البيهقي) : «كانوا» .

[ (5) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «قلن» ، وما أثبتناه أجود للسياق.

قال: كنا في الصفة عند رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة، فمرض أياما ثم قبض، فغمّضه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسّله قال: يا أنس، ائت أمّه فأعلمها، قال: فأعلمتها،

فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم قالت اللَّهمّ إني أسلمت لك طوعا، وخلعت الأوثان زهدا، وهاجرت إليك رغبة، اللَّهمّ لا تشمت بى عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها.

قال: فو اللَّه [ما انقضى] [ (1) ] كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه، وعاش حتى قبض اللَّه رسوله وحتى هلكت أمه، ثم [قال:] [ (2) ] جهز عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه يعنى جيشا- واستعمل عليه العلاء بن الحضرميّ.

قال: وكنت في غزاته فأتينا مفازة [ (3) ] فوجدنا القوم قد نذروا بنا فعفوا آثار الماء، قال: والحرّ شديد فجهدنا [العطش] [ (2) ] ودوابّنا، وذلك يوم الجمعة [قال:] [ (2) ] [فلما مالت] [ (2) ] الشمس لقرنها [ (4) ] صلى بنا ركعتين ثم مد يده وما نرى في السماء شيئا، قال: فو اللَّه ما حط يده حتى بعث اللَّه ريحا وأنشأ سحابا.

فأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا، وسقينا واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا عليّ يا عظيم [يا حليم] [ (2) ] يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم اللَّه. قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا العدوّ غيلة، فقتلنا، وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا. فلم يلبث إلا يسيرا حتى رئي في دفنه، فحفرنا له وغسّلناه ودفنّاه.

فجاء رجل يعدو [بعد] فراغنا من دفنه فقال: من هذا؟ فقلنا: هذا خير البشر.

__________

[ (1) ] كذا في (خ) ، وفي (دلائل البيهقي) : «ما تقضّى» .

[ (2) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

[ (3) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «مغازينا» .

[ (4) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «لغربها» .

هذا ابن الحضرميّ، فقال: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين إلى أرض تقبل الموتى، فقلنا: ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله؟ قال:

فاجتمعنا على نبشه، فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه. وإذا اللحد مدّ البصر نورا [ (1) ] يتلألأ، فأعدنا التراب إلى القبر ثم ارتحلنا.

قال البيهقي: وقد روى عن أبى هريرة في قصة العلاء بن الحضرميّ واستسقائه ومشيهم على الماء، دون قصة الموت بنحو من هذا، وقال في الدعاء: يا عليم يا حليم يا عظيم يا على، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك، فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، وإذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا. وقال في البحر: فاجعل لنا سبيلا إلى عدوك. وقال في الموت: أخف جثتي ولا تطلع على عورتي أحد فلم يقدر عليه [ (2) ] .

وخرج أيضا من حديث ابن نمير عن الأعمش، عن بعض أصحابه قال: انتهينا إلى دجلة، وهي مادّة والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم اللَّه، ثم اقتحم فرسه فاندفع على الماء، فقال الناس: بسم اللَّه، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء، فلما ظهر إليهم الأعاجم قالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم، فما فقدوا إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها، فجعل الرجل يقول: من يبادل صفراء بيضاء؟ [ (3) ] .

__________

[ (1) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق «نور» ، وما أثبتناه أجود للسياق فهو حق اللغة.

[ (2) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 53.

[ (3) ] (المرجع السابق) : 6/ 53- 54، ثم قال البيهقي: قلت: كل هذا يرجع إلى إكرام اللَّه تعالى نبيه وإعزازه دينه الّذي بعث به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، وتصديقه ما وعده من إظهاره وإظهار شريعته.

وعن البيهقي ذكر ابن كثير قصة العلاء بن الحضرميّ في (البداية والنهاية) : 6/ 171- 172، وذكرها أبو نعيم في (الحلية) : 1/ 807، وذكر أيضا في (دلائل النبوة) : 2/ 573، الفصل التاسع والعشرون: ما جرى على يدي أصحابه صلّى اللَّه عليه وسلّم بعده، كعبور العلاء بن الحضرميّ وجيش سعد على البحر، وما جرى على يد خالد في أيام أبى بكر، ونوحة الجن، وغيره، حديث رقم (521) .

قال محققا (دلائل النبوة لأبى نعيم) :

هذا الفصل يتحدث لنا عن الأمور الخارقة لقوانين الطبيعة التي حصلت لبعض أصحاب نبينا محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد وفاته، والخوارق على خمسة أنواع:

أ- فإن ظهرت لرسول قبل بعثته سميت إرهاصا، أي تأسيسا للرسالة.

وقال سيف بن عمر عن الصعب بن عطية بن بلال، عن سهم بن منجاب، عن منجاب بن راشد، قال: بعث أبو بكر رضي اللَّه عنه العلاء بن الحضرميّ على قتال أهل الردة بالبحرين، فذكره إلى أن قال: وخرج مع العلاء سعد والرباب مثل عسكره، وسلك بنا الدّهناء حتى إذا كنا في بحبوحتها [والحنّانات والعزافات] [ (1) ] ، أرادا اللَّه عزّ وجل أن يرينا آية [ (2) ] ، نزل وأمر الناس بالنزول فنفرت الإبل في جوف الليل، فما بقي عندنا بعير ولا ناد ولا مزاد، ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل، وذلك حين نزول الناس وقبل أن يحطوا، فما علمت جمعا هجم عليهم من الهم والغم ما هجم علينا، وأوصى بعضنا إلى بعض، ونادى منادى العلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه فقال: ما هذا الّذي قد ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقال الناس [وكيف] [ (1) ] نلام ونحن غدا لم تحم شمسه [ (3) ] حتى نصير حديثا؟

فقال: أيها الناس! لا تراعوا، ألستم [ (4) ] مسلمين؟ ألستم في سبيل اللَّه؟ ألستم أنصار اللَّه قالوا: [بلى] ، قال: فأبشروا، فو اللَّه لا يخذل اللَّه من كان [في] [ (1) ]

__________

[ () ] ب- وإن ظهرت لرسول بعد بعثته سميت معجزة.

ج- وإن ظهرت لمؤمن ظاهر الصلاح ولم يدّع النبوة سمّيت كرامة، وهذا ما يسمى ب «كرامات الأولياء» ، وإنما قلنا: «ظاهر الصلاح» لأن العصمة لا تكون إلا للأنبياء، والأولياء يخطئون، لكنهم سرعان ما يهرعون إلى التوبة، والمذكور في هذا الفصل كله كرامات لأولئك الصفوة الأخيار من أصحاب محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، وإن كنا نؤمن بوجود الكرامة إلا أننا نلحّ في إثبات صحتها بالسند الصحيح، لأن الخرافة قد شاعت وانتشرت، فيجب تمييز الكرامة عنها بالنقل الصحيح.

ج- وإن ظهرت الخوارق لمن ظاهره الفسق كان استدراجا، حيث يملى اللَّه تعالى له، فيتمادى في غيّه، حتى إذا أخذه اللَّه كان أخذه له شديدا، [قال تعالى: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم 44- 45] .

هـ- وإن ظهرت الأمور الخارقة على يد رجل على نقيض ما يريد، كمن تفل في عين أرمد ليبرئها فاعوّرت العين، كانت إخزاء وتبكيتا.

وذكرها الذهبي في (تاريخ الإسلام) : 3/ 235- 236، في ترجمة العلاء بن الحضرميّ.

[ (1) ] زيادة للسياق من (تاريخ الطبري) .

[ (2) ] في (خ) : «إبانة» وما أثبتناه من (المرجع السابق) .

[ (3) ] في (خ) : «شمسها» وما أثبتناه من (المرجع السابق) .

[ (4) ] في (خ) : «السنا» وما أثبتناه من (المرجع السابق) .

مثل حالكم ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، [فصلى] [ (1) ] بنا- ومنا المتيممون [ (2) ] ومنا من لم يزل على طهوره- فلما قضى صلاته جثا لركبتيه وجثا الناس، فنصب في الدعاء [ (3) ] ، ونصبوا معه، فلمع [لهم] [ (1) ] سراب [مع] [ (4) ] الشمس، فالتفت إلى الصف فقال: رائد ينظر ما هذا؟ ففعل ثم رجع [فقال سراب] [ (5) ] ، فأقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر فكذلك، ثم لمع لهم آخر، فقال: ماء، فقام وقام الناس، فمشينا إليه حتى نزلنا عليه، فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تكرد [ (6) ] من كل وجه، فأناخت إلينا، فقام رجل إلى ظهره [فأخذه] [ (7) ] ، فما فقدنا سلكا [ (8) ] فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النّهل، وتروينا ثم تروحنا.

وكان أبو هريرة رضي اللَّه عنه رفيقي، فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي:

كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا من أهدى العرب بهذه البلاد، قال: فكرّ معى حتى يقيمنى عليه، قال فكررت به، فأتيت [به] [ (7) ] على ذلك المكان [بعينه، فإذا هو لا غدير به، ولا أثر للماء، فقلت له] [ (9) ] : واللَّه لولا الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعا قبل اليوم، وإذا إداوة مملوءة، فقال: يا أبا سهم! هذا واللَّه [ذلك] [ (10) ] المكان، ولهذا رجعت ورجعت بك، ملأت إداوتي ثم وضعتها على شفيره، فقلت: إن كان منا من المنّ وكانت آية عرفتها، وإن كان غياثا عرفته، فإذا من من المنّ فحمد اللَّه ثم سرنا حتى ننزل هجر، فذكر سيف الخبر إلى أن قال: وندب الناس إلى

__________

[ (1) ] زيادة للسياق من (تاريخ الطبري) .

[ (2) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «المتيمم» .

[ (3) ] نصب في الدعاء: إذا تعب فيه واجتهد، قال تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ [الشرح: 7] .

[ (4) ] زيادة في (خ) .

[ (5) ] زيادة للسياق من (تاريخ الطبري) .

[ (6) ] الكرد: الطرد.

[ (7) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

[ (8) ] السلك: جمع سلكة وهو الخيط الّذي يخاط به الثوب.

[ (9) ] ما بين الحاصرتين سقط في (خ) ، واستدركناه من (المرجع السابق) .

[ (10) ] زيادة من (خ) .

دارين.

ثم جمعهم فخطبهم وقال: إن اللَّه عزّ وجلّ قد جمع لكم أحزاب الشياطين وشرّد الحرب في هذا البحر، وقد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم، ثم استعرضوا البحر اليهم، فإن اللَّه عز وجلّ قد جمعهم فقالوا: نفعل ولا نهاب واللَّه بعد الدّهناء هؤلاء ما بقينا، فارتحل وارتحلوا حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموه على الصاهل [ (1) ] والجامل [ (2) ] ، والشاحج [ (3) ] والناهق، والراكب والراجل، ودعا ودعوا، وكان دعاؤه ودعاؤهم:

يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم، يا أحد يا [صمد] [ (4) ] يا حىّ يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربّنا، [فأجازوا ذلك] [ (4) ] الخليج بإذن اللَّه جميعا، يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء [يغمر] [ (4) ] أخفاف الإبل، وإنما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن [ (5) ] البحر في بعض الحالات، فالتقوا بها فاقتتلوا [قتالا شديدا] [ (4) ] فما تركوا بها مخبرا [ (6) ] وسبوا الذراري واستاقوا الأموال، فبلغ نفل الفارس ستة آلاف، والراجل، ألفين قطعوا ليلهم [ (7) ] ، وساروا يومهم، فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم حتى عبروا، وقال في ذلك [ (8) ] عفيف بن المنذر:

ألم تر أن اللَّه ذلّل بحرة ... وأنزل بالكفّار إحدى الجلائل

دعونا الّذي شقّ البحار فجاءنا ... بأعجب من فلق البحار الأوائل

قال: وكان مع المسلمين راهب في هجر فأسلّم يومئذ [ (9) ] ، فقيل [له] [ (10) ] :

__________

[ (1) ] الصاهل: الفرس، والصهيل صوته.

[ (2) ] الجامل: القطيع من الإبل.

[ (3) ] الشاحج: البغل، والشحيح صوته.

[ (4) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

[ (5) ] في (خ) : «بسقن» ، وما أثبتناه من (المرجع السابق) .

[ (6) ] مخبرا، أي أحدا يخبر بما كان، يريد أنهم استأصلوهم.

[ (7) ] في (خ) : «إليهم» ، وصوبناه من (المرجع السابق) .

[ (8) ] في (خ) : «إليهم» ، وصوبناه من (المرجع السابق) .

[ (9) ] في (خ) : «أياسئذ» ، وما أثبتناه من (المرجع السابق) .

[ (10) ] زيادة من (خ) .

ما دعاك إلى الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخنى اللَّه بعدها إن أنا لم أفعل: فيض في الرمال، وتمهيد أثياج البحار، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السّحر، قالوا وما هو؟ قال:

اللَّهمّ أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والحىّ الّذي لا يموت، خالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللَّهمّ كلّ شيء بغير تعليم، فعلمت أن القوم لم يغاثوا [ (1) ] بالملائكة إلا وهم على أمر اللَّه، فلقد كان أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يسمعون من ذلك الهجريّ بعد.

وكتب العلاء إلى أبى بكر رضى اللَّه عنه:

أما بعد، فإن اللَّه عز وجل فجّر لنا الدّهناء فيضا لا ترى غواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غمّ وكرب، لنحمد اللَّه ونحمده، فادع اللَّه واستنصره لجنوده وأعوان دينه، فحمد [أبو بكر] [ (2) ] اللَّه ودعاه وقال: ما زالت العرب [فيما] [ (2) ] تحدث عن بلدانها، يقولون: إن لقمان حين سئل عن الدّهناء: أيحتفرونها أو يدعونها؟

نهاهم وقال: لا تبلغها الأرشية، ولم تقر العيون، وقال: إن شأن هذا الفيض من عظيم الآيات، وما سمعنا به في أمة قبلنا، اللَّهمّ اخلف محمدا فينا [ (3) ] ، فلما عبر العلاء البحر إلى دارين [ (4) ] كتب إليه:

__________

[ (1) ] كذا في (خ) ، وفي المرجع السابق: «لم يعانوا» .

[ (2) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

[ (3) ] (تاريخ الطبري) : 3/ 301 وما بعدها، من أحداث سنة (11 هـ) ، ذكر خبر أهل البحرين، وردّة الحطم، ومن تجمع معه بالبحرين، وقال فيه بعد قول أبى بكر: اللَّهمّ اخلف محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم فينا: ثم كتب إليه العلاء بهزيمة أهل الخندق، وقتل الحطم، قتله زيد ومعمر: أما بعد، فإن اللَّه تبارك اسمه سلب عدوّنا عقولهم، وأذهب ريحهم بشراب أصابوه من النهار، فاقتحمنا عليهم خندقهم، فوجدناهم سكارى، فقتلناهم إلا الشريد، وقد قتل اللَّه الحطم.

فكتب إليه أبو بكر: أما بعد، فإن بلغك عن بنى شيمان بن ثعلبة تمام على ما بلغك، وخاض فيه المرجفون، فابعث إليهم جندا فأوطئهم، وشرّد بهم من خلفهم، فلم يجتمعوا، ولم يصر ذلك من إرجافهم شيء. (المرجع السابق) 3/ 313، (الكامل في التاريخ) : 2/ 368- 372، ذكر ردّة، أهل البحرين.

[ (4) ] دارين: فرضة بالبحرين تجلب إليها المسك من الهند، والنسبة إليها: داريّ. قال الفرزدق.

كأن تريكة من ماء مزن ... ودارىّ الزكىّ من المدام

وفي كتاب سيف: أن المسلمين اقتحموا إلى دارين البحر مع العلاء بن الحضرميّ فأجازوا ذلك الخليج

أما بعد، فإن اللَّه عزّ وجلّ حفظ محمدا فيمن لزم عهده، وقام على أمره، وكفاهم فقده، وأحسن عليهم الخلافة من بعده، فكنا فيمن حفظ منه، ومنا كمن كان معه نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم فيمن قبلنا، وانتهينا إلى البحر فتوكلنا على اللَّه فركبناه، فمهّد لنا أثباجه، وأرانا آياته، فعبرنا إلى عدونا بدارين، فلم ندع مقاتلا إلا قتلناه، وسبينا الذراري والنساء، وقسمنا ذلك على المسلمين، فبلغ سهم الفارس ستة آلاف والراجل ألفين، سوى ما نفلت من الأخماس أهل البلاد، وبعث إليه بالخمس.

قال كاتبه: تأمل كتاب العلاء بن الحضرميّ إلى أبى بكر رضي اللَّه عنهما تجده قد عدّ عبورهم إلى البحر معجزة، وعلما من أعلام نبوة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وتصديقه ما وعده من إظهاره وإظهار شريعيه [ (1) ] .

وخرج من حديث أبى العباس السراج، حدثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد اللَّه قالا: حدثنا أبو النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولانيّ رحمه اللَّه، جاء إلى الدجلة وهي ترمى الخشب من مدها، فمش على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعوا اللَّه؟ قال البيهقي: هذا إسناد صحيح [ (1) ] .

__________

[ () ] بإذن اللَّه جميعا يمشون على رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل ... ثم قال ياقوت الحموي: وهذه صنفة أوال، أشهر مدن البحرين اليوم، ولعل اسمها أول ودارين، واللَّه أعلم، فتحت في أيام أبى بكر رضي اللَّه تعالى عنه سنة (12 هـ) . (معجم البلدان) : 2/ 492، موضع رقم (4658) ، وقال في هامشه: قال محمد بن عبد المنعم الحميري في كتاب (الروض المعطار) : 230: دارين: وبعضهم يقول دارون، قرية في بلاد فارس على شاطئ البحر، فيقال مسك دارين وطيب دارين، وليس بدارين، طيب. قال الأصمعي: سأل كسرى عن هذه القرية من بناها. فقالوا: دارين، أي عتيقة بالفارسية، وقيل: بل كسرى قال: دارين لما لم يدر أوليتها.

[ (1) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 54، وعنه نقلها ابن كثير في (البداية والنهاية) : 6/ 173. والعبارة السابقة على هذا الخبر من كلام المقريزي رحمه اللَّه، ولعله اقتبسها من كلام البيهقي، حيث قال في ذات الموضع:

قلت: كل هذا يرجع إلى إكرام اللَّه تعالى نبيه صلّى اللَّه عليه وسلّم وإعزازه دينه الّذي بعث به رسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم وتصديقه ما وعده من إظهاره وإظهار شريعته.

[حادي وتسعون: شهادة الميّت للمصطفى صلّى اللَّه عليه وسلّم بالرسالة]

وأما شهادة الميت للمصطفى صلّى اللَّه عليه وسلّم بالرسالة، فخرج البيهقيّ وغيره من حديث القعنبيّ، قال: حدثنا سليمان بن بلال عن يحى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن زيد بن خارجة الأنصاري، من بنى الحارث بن الخزرج، توفى زمن عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه فسجى في ثوبه [ (1) ] ، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوى في أمر اللَّه في الكتاب الأول، صدق صدق عمر بن الخطاب القول الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم، مضت أربع وبقيت اثنتان، أتت الفتن، وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة وسيأتيكم من جيشكم خبر بئر أريس [ (2) ] ، وما بئر أريس [ (3) ] .

__________

[ (1) ] في (خ) : «بقوبه» ، وما أثبتناه من (دلائل البيهقي) .

[ (2) ] بئر أريس: يفتح الهمزة، وكسر الراء، وسكون الياء آخر الحروف، وسين مهملة: بئر بالمدينة، ثم بقباء مقابل مسجدها، قال أحمد بن يحى بن جابر: نسبت إلى أريس رجل من المدينة من اليهود، عليها مال لعثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، وفيها سقط خاتم النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم من يد عثمان، في السنة السادسة من خلافته، واجتهد في استخراجه بكل ما وجد إليه سبيلا، فلم يوجد إلى هذه الغاية، فاستدلوا بعد به على حادث في الإسلام عظيم، وقالوا: إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله، كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من يده، وقد كان قبله في يد أبى بكر، ثم يد عمر، ثم في يد عثمان.

وقصة خاتم عثمان مذكورة في (صحيح مسلّم) كتاب اللباس والزينة، باب لبس النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم خاتما من ورق، من حديث ابن عمر، وسيأتي ذلك في موضعه مفصلا إن شاء اللَّه تعالى.

ولبئر أريس أيضا من الفضل أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يضع رجليه فيها، ويتوضأ منها، وعندها بشّر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان بالجنة، رضي اللَّه عنهم أجمعين، كما ورد ذلك في (صحيح البخاري) ، وسيأتي ذلك في موضعه مفصلا إن شاء اللَّه تعالى.

والأريس في لغة أهل الشام: الفلّاح، وهو الأكار، وجمعه أريسيون، وأرارسة وأرارس، في الأصل جمع أرّيس بتشديد الراء، وأظنها لغة عبرانية، وأحسب أن الرئيس مقدم القرية تعريبه، وفي كتاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم إلى هرقل عظيم الروم: «وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» . (معجم البلدان) : 1/ 354، موضع رقم (1209) ، (المصباح المضيء) : 2/ 74

[ (3) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 55، باب ما جاء في شهادة الميت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بالرسالة والقائمين بعده بالخلافة، والرواية في ذلك صحيحه ثابتة، وفي ذلك دلالة ظاهرة من دلالات النبوة.

قال يحى: قال سعيد: ثم هلك رجل من بنى خطمة فسجّى بثوبه، فسمع جلجله في صدره ثم تكلم فقال: إن أخا بنى الحارث بن الخزرج صدق صدق [ (1) ] .

قال البيهقي: وهذا صحيح وله شواهد، فذكر من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا قال: حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن إسماعيل بن أبى خالد قال: جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن [بكتاب أبيه] [ (2) ] النعمان بن بشير:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أم عبد اللَّه بنت أبى هاشم، سلام عليك فإنّي أحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلا هو، فإنك كتبت إلى لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، وأنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه، وهو يومئذ من أصحّ أهل المدينة، فتوفى بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره وغشّيناه بردين وكساء، فأتانى آت في مقامي وأنا أسبّح بعد العصر فقال:

إن زيدا تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسروعا وقد حضره قوم من الأنصار وهو يقول- أو يقال على لسانه-:

الأوسط أجلد القوم الّذي كان لا يبالي في اللَّه عز وجل لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد اللَّه أمير المؤمنين صدق صدق، كان ذلك في الكتاب الأول، قال: ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافى الناس من ذنوب كثيرة، خلت ليلتان وبقي [ (3) ] أربع، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضا فلا نظام، وأبيحت الأحماء ثم ارعوى المؤمنون وقالوا: كتاب اللَّه وقدرة الناس، أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدنّ [ذما] [ (4) ] ، وكان أمر اللَّه

__________

[ (1) ] (المرجع السابق) . والخبر نقله ابن كثير عن البيهقي في (البداية والنهاية) : 6/ 173، قصة زيد ابن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته بالرسالة لمحمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، وبالخلافة لأبى بكر الصديق، ثم لعمر، ثم لعثمان رضي اللَّه تعالى عنهم.

[ (2) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

[ (3) ] كذا في (خ) ، وفي (دلائل البيهقي) : «وهي أربع» .

[ (4) ] زيادة للسياق من (المرجع السابق) .

قدرا مقدورا، اللَّه أكبر، هذه الجنة وهذه النار، وهؤلاء النبيون والصديقون، سلام عليكم يا عبد اللَّه ابن رواحة، هل احتسبت [ (1) ] لي خارجة لأبيه؟ وسعدا للذين قتلا يوم أحد، كَلَّا إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى* وَجَمَعَ فَأَوْعى.

ثم خفض صوته فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا: سمعناه يقول:

أنصتوا أنصتوا، فنظر بعضنا إلى بعض فإذا الصوت من تحت الثياب، فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول اللَّه، سلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصدّيق الأمين خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول [ (2) ] .

وذكر من حديث المعافى بن سليمان قال: حدثنا زهير بن معاوية قال:

أخبرنا [ (3) ] إسماعيل بن أبى خالد ... ، فذكره بإسناده ومعناه، وزاد في وسط الحديث: وكان ذلك على تمام سنتين خلتا من إمارة عثمان، وقال في آخره: فأما قوله: خلت ليلتان وبقي أربع، فالسنتان: اللتان خلتا من إمارة عثمان، قال: فلم أزل أحفظ العدة للأربع البواقي وأتوقع ما هو كائن فيهن، فكان فيهن انتزاء أهل العراق وخلافهم، وإرجاف المرجفين وطعنهم على أميرهم الوليد بن عقبة، والسلام ورحمة اللَّه [ (4) ] .

قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وروى أيضا عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، وذكر فيه بئر أريس، كما ذكر في رواية ابن المسيب، قال: والأمر فيها أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم اتخذ خاتما وكان في يده، ثم كان في يد أبى بكر رضي اللَّه عنه من بعده، ثم كان في يد عمر رضي اللَّه عنه، ثم كان في يد عثمان رضي اللَّه عنه حتى وقع في بئر أريس بعد ما مضى من خلافته ست سنين، فعند ذلك تغيرت

__________

[ (1) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «أحسست» .

[ (2) ] (المرجع السابق) : 6/ 56- 57.

[ (3) ] كذا في (خ) ، وفي (المرجع السابق) : «أنبأنا» .

[ (4) ] (دلائل البيهقي) : 6/ 57.

عماله، وظهرت الفتن كما قيل على لسا


ملف pdf

كلمات دليلية: