إرهاصات النبوة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

إرهاصات النبوة من كتاب إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع

اسم الكتاب:
إمتاع الأسماع بما للنبي من أحوال ومتاع
المؤلف:
تقي الدين احمد علي عبدالقادر محمد المقريزي

وأما تظليل الغمام له في صغره واعتراف بحيرى ونسطورا بنبوته

فقد أوردت ذلك بطرقه في ذكر الأماكن التي حلها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم. قال الحافظ أبو نعيم: وما تضمن هذا الفصل من أحواله صلّى اللَّه عليه وسلم حين تزوجت آمنة وحملها به، ووضعها له [ (1) ] ، واسترضاعه وحضانته [ (2) ] هي وحليمة ظئره إلى أن بلغ خمسا وعشرين سنة، المقرونة بالآيات دالة على نبوته صلّى اللَّه عليه وسلم، لخروجها عن التعارف والمعتاد، مع توسّم أهل الكتاب وغيرهم الأمارات التي دوّنت في الكتب المتقدمة والأخبار السالفة بالبشارات به وترقبهم لمبعثه ومخرجه، علامات ودلائل لمن منّ اللَّه عليه بالإيمان، وصار به موقنا، ولنبوته محققا صلّى اللَّه عليه وسلم [ (3) ] .

__________

[ (1) ] في (دلائل أبي نعيم) : «وحملها ووضعها به» ، وما أثبتناه من (خ) ، وهو أجود للسياق.

[ (2) ] في المرجع السابق: «وحضانة حليمة ظئره» .

[ (3) ] (دلائل أبي نعيم) : 1/ 174.

فصل في رعاية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم الغنم قبل النبوة

اعلم أن في رعي البهائم العجم التي لا تعقل ولا تعرب عن نفسها، رياضة لحمل أعباء النبوة، فإن راعيها يسوسها ويحوطها من المتالف المخوفة، كالجوع والعطش والسباع، ويكف عادية قويها عن ضعيفها في منعها الرعي في مراتعها، وشرب الماء من مواردها، وإن القيام بذلك لسياسة يصعب معاناتها، ويشق على النفوس ملازمتها.

فإذا مرّن الإنسان عليها وتهذبت بها أخلاقه، وصارت سيرة العدل والإحسان ملكة له، تأهل لسياسة العقلاء من البشر بحسن التدبير لهم، وإرشادهم إلى مصالحهم والأخذ بحجزاتهم عما يؤذيهم، والصبر على أذاهم، واحتمال الأفعال عنهم.

ولهذا- واللَّه أعلم- كانت الأنبياء صلوات اللَّه عليهم رعاة البهائم أولا، حكمة من اللَّه سبحانه لتتهذب أخلاقهم برعايتها، وتتهذب نفوسهم بسياستها، رياضة لقيامهم بأعباء النبوة، وصبرهم على ما يلقون فيها من مصاعب تكذيب المكذبين، ومشقات أذى المخالفين، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

خرج البخاري من حديث عمرو بن يحيى عن جده عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم قال: ما بعث اللَّه نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟

قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة،

ترجم عليه باب رعي الغنم على قراريط [ (1) ] .

وخرج النسائي من حديث خالد عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن حزن

__________

[ (1) ] (إمتاع الأسماع) بتحقيقنا: 1/ 16.

وخرج النسائي من حديث خالد عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن حزن قال: افتخر أهل الإبل والشاء، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنما لأهلي بأجياد [ (1) ] . ذكره في [تفسير] سورة طه [ (2) ] .

وخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق شعبة به مثله.

وخرج أبو نعيم من حديث زمعة بن صالح عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر ابن عبد اللَّه أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم قال: ما من نبي إلا وقد رعاها [ (3) ] .

ومن حديث موسى بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال: كنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم نجتني الكباث [ (4) ] فقال: عليكم بما اسود منه فإنه أطيبه، فقلنا: وكنت ترعى الغنم؟ قال: نعم، وهل من نبي إلا وقد رعاها [ (5) ] .

قال ابن عبد البر: وهذا الحديث لا أعلمه يروى إلا من حديث أبي سلمة ابن عبد الرحمن، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة مرسلا، وبعضهم يجعله عن أبي سلمة عن أبيه، وبعضهم يجعله عن جابر.

وخرج من حديث ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن قيس بن مخرمة عن الحسن

__________

[ (1) ] في (خ) : «بجياد» وما أثبتناه من (طبقات ابن سعد) .

[ (2) ] هذا الحديث في (طبقات ابن سعد) : 1/ 126 ولفظه: كان بين أصحاب الغنم وأصحاب الإبل تنازع، فاستطال عليهم أصحاب الإبل، قال: فبلغنا- واللَّه أعلم أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم قال: ... وذكر الحديث.

[ (3) ] (دلائل أبي نعيم) : 1/ 175، حديث رقم (112) ، وأخرجه أيضا البخاري في (الصحيح) من طريق ابن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده عن أبي هريرة، ومالك في (الموطأ) : 689، باب ما جاء في أمر الغنم، حديث رقم (1770) ، وابن ماجة في (السنن) : 2/ 727، كتاب التجارات باب (5) الصناعات، حديث رقم (249) .

[ (4) ] الكباث: النضيج من ثمر الأراك.

[ (5) ] (دلائل أبي نعيم) : 1/ 174- 175، حديث رقم (111) ، وقد أخرجه أيضا البخاري في (الصحيح) ، ومسلم في (الصحيح) : 13/ 248- 249، كتاب الأشربة، باب (29) فضيلة ما اسود من الكباث، حديث رقم 163- (2050) ، (طبقات ابن سعد) : 1/ 125- 126.

ابن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي رضي اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يقول: ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمون به إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني اللَّه منها، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام لأهلها نرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة كما يسمر الفتيان [ (1) ] .

ومن حديث مسعر قال: حدثنا سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبيه قال: مرّ بنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ونحن نجتني ثمر الأراك فقال: عليكم بما اسود منه، فإنّي كنت أجتنيه وأنا أرعى الغنم، قالوا: يا رسول اللَّه! أو كنت ترعاها؟ قال: ما من نبي إلا وقد رعاها [ (2) ] .

وروى مرسلا.

__________

[ (1) ] وهو حديث طويل سبق الإشارة إليه، وقد أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 1/ 186، حديث رقم (128) ، قال في هامشه: أخرجه إسحاق بن راهويه في مسندة، وابن إسحاق، والبزار، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر، كلهم عن على بن أبي طالب، وقال ابن حجر: إسناده حسن، ورجاله ثقات.

[ (2) ] سبق توثيقه.

فصل في ذكر اشتهار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة قبل بعثته بالرسالة من اللَّه تعالى إلى العباد

خرج البخاري ومسلم في حديث بدء الوحي أنه صلّى اللَّه عليه وسلم لما أتاه الوحي قال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، وأخبرها الخبر

فقالت له: كلا، أبشر! فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا، فو اللَّه إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وفي رواية لغيرهما:

إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتؤدي الأمانة [ (1) ] .

وخرج أبو نعيم من حديث ابن إسحاق عن وهب مولى الزبير، سمعت عبد اللَّه بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدأ اللَّه به رسوله من النبوة حين جاءه جبريل، فذكره وفيه: فرجع إلى خديجة فقالت: أين كنت؟ قال: قلت: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت:

أعيذك باللَّه من ذاك، ما كان اللَّه ليصنع ذلك بك مع صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلتك رحمك [ (1) ] .

وله من حديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق [ (2) ] عن محمد بن مسلم ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة

__________

[ (1) ] (إمتاع الأسماع) بتحقيقنا: 2/ 361، فصل في ذكر بدء الوحي لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، وكيف تراءى الملك له، وإلقاؤه الوحي إليه، وتقريره له أنه يأتيه من عند اللَّه عزّ وجلّ، وأنه قد صار يوحى إليه نبيا ورسولا إلى الناس جميعا.

[ (2) ] سنده في (دلائل أبي نعيم) : حدثنا محمد بن أحمد أبو أحمد، قال: حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن شيرويه، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي عن محمد ابن إسحاق عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، زوج النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، قالت ...

رضي اللَّه تعالى عنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا [بها] [ (1) ] خير جار:

النجاشيّ، آمننا على [ (2) ] ديننا، وعبدنا اللَّه لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه.

فأرسل إلى أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فدعاهم، وكان الّذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي اللَّه عنه فقال له: أيها الملك! كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ويأكل القويّ منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث اللَّه إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللَّه لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبده نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان.

وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفحش وقول الزور، وأكل ما اليتيم، وقذف المحصنة.

وأمرنا أن نعبد اللَّه ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.

قالت: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده فلم نشرك به شيئا، فقال النجاشي: إن هذا والّذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة [ (3) ] .

ولعظم مقدار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في نفوس قومه كان هو الّذي وضع الحجر الأسود موضعه بيده لما اختلفت قريش في وضعه،

فخرج غير واحد من الأئمة

__________

[ (1) ] في المرجع السابق: «جاونا خير جار» .

[ (2) ] في المرجع السابق: «أمنّا» .

[ (3) ] أخرجه أبو نعيم مطوّلا في (دلائل النبوة) : 1/ 246- 250، حديث رقم (194) ، وفي (الحلية) : 1/ 115- 117 في ترجمة جعفر بن أبي طالب، ترجمة رقم (17) ، والبيهقي في (دلائل النبوة) : 2/ 285- 307، باب: الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم الثانية، وما ظهر فيها من الآيات وتصديق النجاشيّ ومن تبعه من القسيسين والرهبان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، والإمام أحمد في (المسند) :

1/ 332- 334، حديث رقم (1742) ، حديث جعفر بن أبي طالب وهو حديث الهجرة، وابن هشام في (السيرة) : 2/ 176- 182، فصل إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها.

حديث حماد بن سلمة وقيس وسلام كلهم عن سماك بن حرب، عن خالد عن عرعرة عن علي رضي اللَّه عنه قال: لما بنت قريش البيت فبلغوا موضع الحجر اختلفوا في وضعه.

فقالوا: إن أول من يطلع من الباب، قال: فطلع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقالوا: قد طلع الأمين، فبسط ثوبا ووضع الحجر وسطه، وأمر بطون قريش فأخذ كل بطن منهم طرفا من الثوب، ووضعه بيده صلّى اللَّه عليه وسلم [ (1) ] .

وقد روى من طرق كثيرة عن ابن جريج ومجاهد و [معمر] [ (2) ] بن سليمان، ومحمد بن جبير بن مطعم،

وقال: هبيرة بن أبي وهب المخزومي حين جعلت قريش رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حكما:

لما تشاجرت قريش الأحياء في فصل خطة ... جرت طيرهم بالنحس من سعد أسعد

فلاقوا لها بالبغض بعد مودة ... وأوقدوا نارا بينهم شرّ موقد

فلما رأينا الأمر قد جد جده ... ولم يبق شيء غير سل المهند

رضينا وقلنا العدل أول طالع ... يجيء من البطحاء على غير موعد

فلم يفجئنا إلا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمد

بخير قريش كلها أمسى شيمة ... وفي اليوم مع ما يحدث اللَّه في غد

فجاء بأمر لم ير الناس مثله ... أعم وأرضى في العواقب والبدي

أخذنا بأكناف الرداء وكلنا ... له حصة من رفعه قبضة اليد

فقال ارفعوا حتى إذا ما علت به ... أكف إليه قرّ في خير مسند

فكان رضانا ذاك عنه بعينه ... وأعظم به من رأى هاد ومهتد

فتلك يد منه علينا عظيمة ... يروح بها ركب العراق ويغتدي

__________

[ (1) ] قال الحافظ أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 1/ 175: ومما يدخل في هذا الباب مما خصّ اللَّه به نبيه في الجاهلية الجهلاء، أن وفقه لوضع الحجر الأسود موضعه بيده، لما اختلفت قريش في وضعه، دلالة بصحة نبوته صلّى اللَّه عليه وسلم، وقد سبق تخريج وشرح هذا الحديث.

[ (2) ] في (خ) : «سليمان بن سليمان» ، وصوابه: «معمر بن سليمان النخعي أبو عبد اللَّه الرقى» ، (تهذيب التهذيب) : 10/ 223.

وخرج الأئمة أيضا من طريق عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ (1) ] ، نادى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم في قريش بطنا بطنا، فقال: أرأيتم لو قلت لكم إن خيلا تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك من كذب قط، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟

تبا لك سائر اليوم، فأنزل اللَّه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ (2) ] .

ولأبي نعيم وغيره من حديث إسرائيل [ (3) ] عن أبي إسحاق عن عمير وابن ميمون، عن عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا، فنزل على [أبي صوان] [ (4) ] أمية بن خلف- وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد- فقال أمية لسعد: انتظر حتى [إذا] [ (4) ] انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت.

فبينا سعد يطوف بالكعبة آمنا، أتاه أبو جهل- خزاه اللَّه تعالى- فقال: من هذا الّذي يطوف بالبيت أمنا؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالبيت آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه؟ فكان بينهما، حتى قال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي.

فقال له سعد: واللَّه لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن عليك متجرك إلى الشام، فجعل أميه يقول لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، يسكنه، فغضب سعد وقال: دعني عنك، فإنّي سمعت محمدا صلّى اللَّه عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، قال: إياي؟

قال: نعم، قال: واللَّه ما يكذب محمد.

__________

[ (1) ] الشعراء: 214.

[ (2) ] المسد: 1، تبّ: خاب وخسر.

[ (3) ] السند في (دلائل أبي نعيم) في تعليقه على الحديث رقم (116) : فمما يقارب هذا الحديث ويوافقه، ما حدثناه سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد اللَّه بن رجاء، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: ...

[ (4) ] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم) .

فلما خرجوا رجع إلى امرأته فقال: ما علمت ما قال لي أخي اليثربي؟ فأخبرها الخبر فقالت امرأة أمية: ما يدعنا محمد.

فلما جاء الصريخ وخرجوا إلى بدر، قالت له امرأته: أما تذكر ما قال لك أخوك اليثربي؟ فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف أهل الوادي فسر معنا يوما أو يومين، فسار معهم فقتله اللَّه [ببدر] [ (1) ] .

ومن حديث الأعمش عن مجاهد قال: حدثني مولاي عبد اللَّه بن السائب قال:

كنت شريك النبي صلّى اللَّه عليه وسلم في الجاهلية، فلما قدمت المدينة قال: تعرفني؟ قلت:

نعم، كنت شريكي، فنعم الشريك لا تداري ولا تماري [ (2) ] .

__________

[ (1) ] الحديث أخرجه البخاري من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق بهذا الإسناد، ومن طريق يوسف بن إسحاق عن أبي إسحاق بهذا الإسناد أيضا، (فتح الباري) : 7/ 357- 358، كتاب المغازي، باب (2) ذكر النبي صلّى اللَّه عليه وسلم من يقتل ببدر، حديث رقم (3950) . وأخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) :

1/ 178- 179.

[ (2) ] قال ابن هشام في (السيرة) : السائب بن أبي السائب شريك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم الّذي جاء

في الحديث عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: «نعم الشريك السائب لا يشاري ولا يماري» ،

وكان أسلم فحسن إسلامه فيما بلغنا واللَّه تعالى أعلم (سيرة ابن هشام) : 3/ 268، وفي هامشه: وذكر فيمن قتل من المشركين: السائب بن أبي السائب، واسم أبي السائب: صيفي بن عابد، وأنكر ابن هشام أن يكون السائب قتل كافرا، قال: وقد أسلم وحسن إسلامه، وفي الموضوع اضطراب لا يثبت به شيء، ولا تقوم به حجة، واللَّه تعالى أعلم.

فصل في ذكر عصمة اللَّه تعالى للرسول صلّى اللَّه عليه وسلم من الجن والإنس والهوام

[ (1) ]

خرج مسلم من حديث جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: ما منكم [ (2) ] من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟ قال: وإياي إلا أن اللَّه أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير [ (3) ] .

ومن حديث سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة [ (4) ] الحديث.

ومن حديث ابن وهب قال: أخبرني أبو صخر عن ابن قسيط، حدثه أن عروة حدثه أن عائشة رضي اللَّه عنها حدثته أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم خرج من عندها ليلا، [قالت] [ (5) ] : فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع فقال: مالك يا عائشة؟

أغرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟.

__________

[ (1) ] الهوامّ: ما كان من خشاش الأرض، نحو العقارب وما أشبهها، الواحدة: هامّة، لأنها تهمّ، أي تدبّ، وهميمها دبيبها،

وروى ابن عباس رضي اللَّه عنه عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، أنه كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول: أعيذكما بكلمات اللَّه التامة، من شر كل شيطان وهامّة، ومن شرّ عين لامّة، ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوذ إسماعيل وإسحاق عليهم السلام.

والهوامّ: الحيّات، وكل ذي سمّ يقتل سمّه، وأما ما لا يقتل: فهو السوامّ مشدّدة الميم، لأنها تسمّ ولا تبلغ أن تقتل، مثل: الزّنبور والعقرب وأشباهها.

والقوامّ: هي أمثال القنافذ، والفأر، واليراسيع، والخنافس، فهذه ليست بهوامّ ولا سوامّ، والواحدة من هذه كلها: هامّة، وسامّة، وقامّه. (لسان العرب) : 12/ 661- 662.

[ (2) ] في (خ) : «ما فيكم» .

[ (3) ] (مسلم بشرح النووي) : 17/ 163، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- باب (16) تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينا، حديث رقم (69) من أحاديث الباب، وأخرجه أبو نعيم في (الدلائل) : 1/ 185، حديث رقم (127) .

[ (4) ] المرجع السابق: 163- 164.

[ (5) ] زيادة في السياق من المرجع السابق.

فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: أقد جاءك شيطانك؟ قلت: يا رسول اللَّه! أو معي شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول اللَّه؟ قال: نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم [ (1) ] .

وقال الترمذي: وسمعت علي بن خشرم يقول: قال سفيان بن عيينة في تفسير قول النبي صلّى اللَّه عليه وسلم: ولكن اللَّه أعانني عليه فأسلم، يعني أسلم أنا منه [ (2) ] . قال سفيان: الشيطان لا يسلم.

وقال أبو نعيم: وقوله فأسلم، يعني استسلم وانقاد، فليس بأمر بشر، وقيل:

أسلم: أي آمن، فيكون عليه السلام مختصا بإسلام قرينه وإيمانه [ (3) ] .

وذكر [من] حديث إبراهيم بن صدقة قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: فضلت على آدم بخصلتين:

كان شيطاني كافرا فأعانني اللَّه عليه حتى أسلم، وكن أزواجي عونا لي، وكان شيطان آدم كافرا وزوجته عونا له على خطيئته [ (4) ] .

وله من حديث الصلت بن مسعود قال: حدثنا عثمان بن مطر عن ثابت عن أنس رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم كان ساجدا بمكة، فجاء إبليس فأراد أن يطأ [على] [ (5) ] عنقه، فنفخه جبريل عليه السلام نفخة بجناحيه، فما استقرت

__________

[ (1) ] المرجع السابق: 164، حديث رقم (70) ،

قوله: «إلا أن اللَّه أعانني عليه فأسلم» ،

«فأسلم» برفع الميم وفتحها، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفع قال: معناه أسلم أنا من شرّه وفتنته، ومن فتح قال: أن القرين أسلم من الإسلام، وصار مؤمنا لا يأمرني إلا بخير ... وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان. (مسلم بشرح النووي) : 17/ 163- 164 مختصرا.

[ (2) ] راجع التعليق السابق.

[ (3) ] (دلائل أبي نعيم) : 1/ 185، الفصل الثالث عشر، ذكر ما خصه اللَّه به عزّ وجلّ من العصمة، وحماه من التدين بدين الجاهلية، وحراسته إياه عن مكائد الجن والإنس، واحتيالهم عليه صلّى اللَّه عليه وسلم، حديث رقم (127) . وأخرجه أيضا الإمام أحمد في (المسند) : 1/ 662، حديث رقم (3792) .

[ (4) ] أخرجه البيهقي في (الدلائل) : 5/ 488 وهو من رواية محمد الوليد بن أبان القلانسيّ البغدادي، مولى بني هاشم، عن يزيد بن هارون. قال ابن عديّ: كان يضع الحديث. وقال أبو عرّوبة: كذاب. وقال الدار الدّارقطنيّ: ضعيف، وله أباطيل ذكرها الذهبي في (ميزان الاعتدال) : 4/ 59، ترجمة رقم (8293) .

[ (5) ] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم) .

قدماه على الأرض حتى بلغ الأردن [ (1) ] . قال: ورواه حجاج الصواف عن ثابت.

وله من حديث الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبيد اللَّه بن عمر بن ميسرة، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو التّيّاح [ (2) ] ، قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش [ (2) ] : كيف صنع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حين كادته الشياطين؟ قال: تحدّرت عليه الشياطين من الجبال والأودية يريدونه [ (3) ] ، [قال:] [ (4) ] وفيهم شيطان بيده مشعلة من نار، يريد أن يحرق بها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فلما رآهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فزع منهم.

فجاءه [ (5) ] جبريل فقال له: يا محمد، قل: أعوذ بكلمات اللَّه التامات التي لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شرّ فتنة الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا [ (6) ] يطرق بخير يا رحمان، فقالهن فطفئت نار الشيطان وهزمهم.

قال: حدث به أحمد بن حنبل عن سيار بن حاتم عن جعفر مثله، وقال: ابن حبيش [ (7) ] .

ولأبي نعيم من حديث الأوزاعي قال: حدثني إبراهيم بن طريف قال: حدثني يحيى بن سعيد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني عبد اللَّه بن مسعود قال: كنت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ليلة صرف إليه نفر من الجن، فأتى رجل من الجن بشعلة من نار إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فقال جبريل: يا محمد، ألا أعلمك

__________

[ (1) ] أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) 1/ 190- 191، باب: أما حراسة اللَّه عزّ وجلّ إياه صلّى اللَّه عليه وسلم من كيد إبليس وجنوده، حديث رقم (136) ، وأخرجه الطبراني في (الأوسط) ، وفيه عثمان بن مطر، وهو ضعيف.

[ (2) ] في (خ) : «أبو السياج» ، «خنيس» ، وفي (مسند أحمد) : «خنيش» .

[ (3) ] في (دلائل أبي نعيم) : «يريدون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم» .

[ (4) ] زيادة من المرجع السابق.

[ (5) ] في المرجع السابق: «فجاء» .

[ (6) ] في (خ) : «طارق» ، وما أثبتناه حق اللغة.

[ (7) ] أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 1/ 191، حديث رقم (137) ، وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) : 4/ 431، من حديث عبد الرحمن بن خنيش رضي اللَّه تعالى عنه. حديث رقم (15034) قال: حدثنا عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا سيار بن حاتم أبو سلمة العنزي، قال: حدثنا جعفر- يعني ابن سليمان- قال: حدثنا أبو التياح قال: قلت لعبد الرحمن بن خنيش وكان كبيرا:

أدركت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: قلت: كيف صنع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ليلة كادته الشياطين؟

فقال.. وذكر الحديث. وهذا الحديث رجاله ثقات.

كلمات إذا قلتهن طفئت [ (1) ] شعلته وانكب إلى منخره [ (2) ] ؟.

قل: أعوذ بوجه اللَّه الكريم وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارق يطرق بخير يا رحمان [ (3) ] .

وله من حديث عبد الأعلى بن حماد قال: حدثنا يحيى بن سليم عن ابن خثم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي اللَّه عنه إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدا لقمنا [ (4) ] إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله.

فأقبلت ابنته فاطمة عليها السلام حتى دخلت على النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقالت: هؤلاء الملأ من قومك قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من ديتك [ (5) ] .

قال: يا بنية، ائتني بوضوئي [ (6) ] ، فتوضأ ثم دخل المسجد، فلما رأوه قالوا:

ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم وعقروا [ (7) ] في مجالسهم، فلم [ (8) ] يرفعوا إليه أبصارهم [ (9) ] ، ولم يقم منهم إليه رجل، وأقبل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى قام على رءوسهم فأخذ كفا [ (10) ] من تراب فقال: شاهت الوجوه، ثم حصبهم [بها] [ (11) ] ، فما أصاب رجل منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر [كافرا] [ (11) ] .

__________

[ (1) ] في (خ) : «كفيت» .

[ (2) ] في (دلائل أبي نعيم) : «لمنخره» .

[ (3) ] هذا الحديث انفرد به أبو نعيم في (الدلائل) : 1/ 192، حديث رقم (138) وكذا أشار إليه السيوطي في (الخصائص) : 1/ 313، وله شاهد من أحاديث الباب.

[ (4) ] في (خ) : «لقد قمنا» .

[ (5) ] في (خ) و (المسند) «من دمك» .

[ (6) ] في (خ) : «بوضوء» .

[ (7) ] في (خ) : «وعرقوا» ، وما أثبتناه من (دلائل أبي نعيم) ، (مسند الإمام أحمد) .

[ (8) ] في (خ) : «ولم» .

[ (9) ] في (المسند) : «بصرا» .

[ (10) ] في (المسند) : «قبضة من تراب» وفي (دلائل أبي نعيم) «حفنة من تراب» .

[ (11) ] زيادة للسياق من (المسند) .

هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 1/ 192- 193، باب عصمة اللَّه رسوله صلّى اللَّه عليه وسلم

وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الأعلى، وله من حديث يحيى ابن عبد الحميد قال: حدثنا ابن فضيل عن عطاء عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت:

تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ (1) ] جاءت امرأة أبي لهب [ (2) ] إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي اللَّه عنه فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه: لو تنحيت عنها لا تسمعك شيئا يؤذيك، فإنّها امرأة بذيئة، فقال [صلّى اللَّه عليه وسلم] : سيحال بيني وبينها، فلم تره.

فقالت لأبي بكر: هجانا صاحبك، فقال [أبو بكر] [ (3) ] : واللَّه ما ينطق بالشعر ولا يقوله، قالت، إنك لمصدق، فاندفعت راجعة فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول اللَّه؟ قال: كان بيني وبينها ملك يسترني حتى ذهبت [ (4) ] .

قال أبو نعيم: كذا رواه ابن فضيل مرسلا، ورواه عبد السلام بن حرب وغيره متصلا عن ابن عباس.

وله من حديث سفيان بن عيينة قال: حدثنا الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه عنها قالت: لما نزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وبيدها فهر وهي تقول:

مذمما أبينا ... ودينه قلينا

وأمره عصينا

ورسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر رضي اللَّه عنه، فلما رآها

__________

[ () ] حين تعاقد المشركون على قتله، حديث رقم (139) . وأخرجه الإمام أحمد في (المسند) : 1/ 498- 499، حديث رقم (2757) ، 1/ 607، حديث رقم (3475) ، وأخرجه الحاكم في (المستدرك) : 3/ 170، كتاب معرفة الصحابة، حديث رقم (2742/ 340) ، عن ابن عباس عن فاطمة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: اجتمع مشركو قريش في الحجر، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم:

يا بنية اسكني، ثم خرج فدخل عليهم المسجد فرفعوا رءوسهم ثم نكسوا، فأخذ قبضة من تراب فرمى بها نحوهم ثم قال: شاهت الوجوه، فما أصاب رجلا منهم إلا قتل يوم بدر.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي هامشه: حذفه الذهبي في التلخيص لضعفه.

[ (1) ] المسد: 1.

[ (2) ] هي العوراء واسمها أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، تكنى بأم جميل.

[ (3) ] زيادة للسياق من (دلائل أبي نعيم) .

[ (4) ] أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 1/ 193- 194، حديث رقم (140) ، والبخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة المسد، باب (4) قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، حديث رقم (4973) (فتح الباري) 8/ 957- 958، (تفسير ابن كثير) : 4/ 604 عند تفسير سورة المسد، (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) : 14/ 440، كتاب التاريخ، باب المعجزات، حديث رقم (6511) .

أبو بكر قال يا رسول اللَّه قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم:

إنها لن تراني وقرأ قرآنا فاعتصم به، كما قال [تعالى] [ (1) ] : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [ (2) ] .

فأقبلت وقفت على أبي بكر ولم تر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر، إني خبّرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولّت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها [ (3) ] .

قال: وعثرت أم جميل وهي تطوف بالبيت في مرطها [فقالت] : تعس مذمم، فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب: إني حصان فما أكلّم، وثقاف فما أعلم، وكلتانا من بني العم، ثم قريش بعد أعلم [ (4) ] .

وله من حديث إبراهيم بن سعد وبريد بن أبي حبيب، وشعيب ومعاوية ويحيى وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبيد اللَّه بن زياد، كلهم عن محمد بن شهاب الزهري عن سنان بن أبي سنان الدّؤليّ عن جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه قال: غزونا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم غزوة نجد، فأدركنا القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها.

قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: اللَّه، قال: فشام السيف، ها هو ذا [جالس] [ (5) ] لم يعرض [له] [ (5) ] رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم.

__________

[ (1) ] في (المستدرك) : «كما قال وقرأ» .

[ (2) ] الإسراء: 54.

[ (3) ] أخرجه الحاكم في (المستدرك) : 2/ 393، كتاب التفسير تفسير سورة بني إسرائيل، حديث رقم (3376/ 513) ، وقال في آخره: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح) ، والحميدي في (المسند) : 1/ 153- 154، أحاديث أسماء بن أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنها، حديث رقم (323) ، ابن كثير في (التفسير) : تفسير سورة المسد، 4/ 604، والفهر: الحجر، والولولة: العويل.

[ (4) ] هذه الفقرة ضمن الحديث رقم (323) من (مسند الحميدي) ، وأولها: قال: فقال الوليد في حديثه، أو قال غيره تعثرت ...

[ (5) ] زيادة للسياق من (صحيح مسلم) .

ورواه أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري، حدثني سنان [ (1) ] بن أبي سنان [الدؤلي] [ (2) ] وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري أخبرهما أنه غزا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم غزوة قبل نجد، فلما قفل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم قفل معه، فأدركتهم القائلة يوما في واد كثير العضاة، فنزل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم تحت ظل [شجرة] فعلق بها سيفه فنمنا تحته كذا، فإذا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يدعونا فأجبناه، فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: اللَّه، فشام السيف فجلس فسلم بعافية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وقد فعل ذلك [ (3) ] .

قال أبو نعيم: ورواه الحسن عن جابر، ورواه معمر والنعمان بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة دون سنان.

ومن حديث شعبة عن أبي إسرائيل عن جعدة قال: شهدت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وأتى برجل فقيل: يا رسول اللَّه! هذا أراد أن يقتلك، فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: لم ترع لم ترع، لو أردت ذلك لم يسلطك اللَّه على قتلي [ (4) ] . وخرجه الإمام أحمد به نحوه.

ولأبي نعيم من حديث عبد اللَّه بن المبارك عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة

__________

[ (1) ] (مسلم بشرح النووي) : 15/ 49- 50، كتاب الفضائل، باب (4) توكله على اللَّه تعالى وعصمة اللَّه تعالى له من الناس، حديث رقم (843) .

[ (2) ] زيادة للسياق من (صحيح مسلم) .

[ (3) ] (المرجع السابق) : حديث رقم (14) من أحاديث الباب.

والعضاة: كل شجرة ذات شوك. صلتا: مسلولا. شام السيف: غمده ورده في غمده، فهو من الأضداد، والمراد هنا: أغمده.

وأخرجه أيضا البخاري في كتاب المغازي، باب (32) غزوة ذات الرقاع حديث رقم (4134) ، (4135) ، واسم الرجل: غورث بن الحارث (فتح الباري) : 7/ 541- 542، والبيهقي في (دلائل النبوة) : 3/ 373 باب عصمة اللَّه عزّ وجلّ رسوله صلّى اللَّه عليه وسلم عما همّ به غورث بن الحارث من قتله وكيفية صلاة الخوف.

[ (4) ] (دلائل أبي نعيم) : 1/ 194، حديث رقم (143) ، (مسند الإمام أحمد) : 4/ 514، من حديث جعدة رضي اللَّه تعالى عنه، حديث رقم (15441) ، وأخرجه ابن هشام في (السيرة) : 4/ 159 تحت عنوان: غورث يهم بقتل الرسول صلّى اللَّه عليه وسلم وما نزل فيه من القرآن، وقال في آخره: فأنزل اللَّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

قال: قال شيبة بن عثمان: لمّا غزا النبي صلّى اللَّه عليه وسلم حنينا تذكرت أبي وعمي قتلهما عليّ وحمزة رضي اللَّه عنهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري في محمد، فجئته من خلفه فدنوت منه ودنوت، حتى لم يبق إلا أن أسوره بالسيف، رفع لي شواظ من نار [كأنه] البرق، فخفت أن يحبسني، فنكصت القهقرى فالتفت النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فقال: تعالى يا شيبة، قال: فوضع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم يده على صدري فاستخرج اللَّه الشيطان من قلبي، فرفعت إليه بصري وهو أحب إليّ من سمعي وبصري ومن كذا [ (1) ]

فذكر الحديث.

ومن حديث ابن إسحاق عن عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر أن رجلا من محارب يقال له غورث بن الحرث قال لقومه: أقتل لكم محمدا، قالوا: كيف تقتله؟ فقال: أفتك به، فأقبل إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم- وهو جالس وسيفه في حجره- فقال: يا محمد! انظر إلى سيفك هذا؟ قال: نعم، [وكان محلى بالفضّة] [ (2) ] ، فأخذه فاستله وجعل يهزه ويهم فيكبته اللَّه، فقال: يا محمد! ألا تخافني؟ [ (3) ] قال: لا، وما أخاف منك، قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟

قال: لا، يمنعني اللَّه منك، ثم غمد السيف ورده إلى رسول اللَّه [ (4) ] صلّى اللَّه عليه وسلم فأنزل اللَّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [ (5) ]

__________

[ (1) ] (دلائل أبي نعيم) : 1/ 195، حديث رقم (144) ، (الإصابة) : 3/ 371، وقد أورد هذا الحديث بنحوه ضمن ترجمة شيبة بن عثمان، وهو الأوقص بن أبي طلحة بن عبد اللَّه بن عبد العزى ابن عبد الدار القرشي العبدري الحجبيّ، أبو عثمان، قال البخاري وغير واحد: له صحبة، أسلم يوم الفتح، وكان أبوه ممن قتل بأحد كافرا، وكان شيبة ممن ثبت يوم حنين بعد أن كان أراد أن يغتال النبي صلّى اللَّه عليه وسلم، فقذف اللَّه تعالى في قلبه الرعب. فوضع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم يده على صدره فثبت الإيمان في قلبه، وقاتل بين يديه صلّى اللَّه عليه وسلم. رواه ابن أبي خيثمة عن مصعب النميري، وذكره ابن إسحاق في (المغازي) بمعناه. (الإصابة) : 3/ 371، ترجمة رقم (3949) .

أخرجه أيضا البيهقي في (دلائل النبوة) : 5/ 128، عن ابن إسحاق والواقدي في (المغازي) :

3/ 910، وقال فيه: فرفعت إليه رأسي وهو أحب إليّ من سمعي وبصري وقلبي ثم قال: يا شيب، قاتل الكفار، فقال: فتقدمت بين يديه أحبّ واللَّه أقيمه بنفسي وبكل شيء، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله، ودخلت عليه صلّى اللَّه عليه وسلم

فقال: الحمد للَّه الّذي أراد بك خيرا مما أردت، ثم حدثني بما هممت به.

[ (2) ] زيادة للسياق من (ابن هشام) .

[ (3) ] في ابن إسحاق: «أما» .

[ (4) ] في (ابن هشام) : «ثم عمد إلى سيف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فرده عليه» .

[ (5) ] المائدة: 11، والحديث في (سيرة ابن هشام) : 4/ 159، وفي (دلائل أبي نعيم) : 1/ 195، حديث رقم (145) ، وفيه عمرو بن عبيد، وهو معتزلي مشهور، كان داعية إلى بدعة، اتهمه جماعة مع أنه كان عابدا.

ومن حديث سعيد بن سلمة بن أبي الحسام قال: حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر رضي اللَّه عنه قال: خرج النبي صلّى اللَّه عليه وسلم إلى سفر فجاء إلى شجرة فقال تحتها وعلق سيفه بها، فجاء أعرابي فسلّ السيف فقام به على رأسه فقال: يا محمد! من يمنعك مني؟ فاستيقظ فقال: اللَّه، فأخذه راجف فوضع السيف وانطلق [ (1) ] .

وخرج الإمام أحمد من حديث عفان قال: حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال: أقبلنا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول اللَّه، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم معلق بالشجرة، فأخذ سيف رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فاخترطه، فقال لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: أتخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: اللَّه يمنعني منك،

قال: فتهدده أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلم فأغمد السيف وعلقه [ (2) ] .

ولأبي نعيم من حديث آدم بن أبي إياس قال: حدثنا حبان بن علي، حدثنا سعد بن طريف الإسكاف عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه عنه قال: كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إذا أراد الحاجة أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته ثم توضأ ولبس أحد خفيه، فجاء طائر أخضر، فأخذ الخف الآخر فارتفع بها ثم ألقاه، فخرج منه أسود [ (3) ] سالخ، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم: هذه كرامة أكرمني اللَّه بها، ثم قال: اللَّهمّ إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، وشر من يمشي على رجلين، وشر من يمشي على أربع [ (4) ] .

__________

[ (1) ] ما قبله وما بعده يشهدان على صحته.

[ (2) ] (مسند أحمد) : 4/ 339، حديث رقم (14512) وتمامه: فنودي بالصلاة، فصلّى بطائفة ركعتين وتأخروا، وصلّى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان، وأخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 1/ 196، حديث رقم (146) ، وأخرجه الإمام أحمد أيضا في (المسند) : 4/ 248، حديث رقم (23925) من حديث جابر أيضا لكن بسياقة أخرى.

[ (3) ] السالخ: الأسود من الحيّات شديد السّواد، وأقتل ما يكون من الحيات إذا سلخت جلدها. (لسان العرب) : 3/ 25.

[ (4) ] أخرجه أبو نعيم في (دلائل النبوة) : 1/ 198، حديث رقم (150) ، والسيوطي في (الخصائص الكبرى) : 2/ 277، وابن كثير في (البداية والنهاية) : 6/ 167 عن البيهقي من طريق أخرى غير طريق أبي نعيم عن عكرمة عن ابن عباس أيضا، وانتهى حديثه عن

قوله صلّى اللَّه عليه وسلم: «على بطنه» .

ومن حديث إسماعيل بن عباس عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة رضي اللَّه عنه قال: دعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم بخفيه يلبسهما، فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الآخر فرمى به، فخرجت منه حية، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما [ (1) ] .

ومن حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه، أن رجلا من بني مخزوم قام إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وفي يده فهر ليرمي به رسول اللَّه، فلما أتاه وهو ساجد رفع يده وفيها الفهر ليدفع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم فيبست يده على الحجر فلم يستطع إرسال الفهر من يده.

فرجع إلى أصحابه فقالوا: أجبنت عن الرجل؟ قال: لم أفعل، ولكن هذا في يدي لا أستطيع إرساله، فعجبوا من ذلك، فوجدوا أصابعه قد يبست على الفهر، فعالجوا أصابعه حتى خلصوها، وقالوا: هذا شيء يراد [ (2) ] .

ومن حديث علي بن عبيد عن النضر [بن عبد الرحمن أبي] [ (3) ] أبي عمرو الخزاز، عن عكرمة عن ابن


ملف pdf

كلمات دليلية: