وجوب فريضة الحج إلى بيت الله الحرام. من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

وجوب فريضة الحج إلى بيت الله الحرام. من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

فرض الحج

وفي هذا العام على ما ذهب إليه الكثيرون «1» شرع الله فريضة الحج بقوله سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وقيل بقوله:

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، والصحيح الأول لأن الإتمام إنما يكون بعد المشروعية. وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع حتى صار ركنا من أركان الإسلام معلوما من الدين بالضرورة.

والحج شريعة قديمة من لدن أبي الأنبياء الخليل إبراهيم عليه السلام، فإنه لما فرغ من بناء البيت بمعاونة ابنه إسماعيل أمره الله أن يقف على جبل «أبي قبيس» بمكة وينادي في الناس بالحج، فقال: يا ربّي وما يبلغ صوتي؟

فقال الله: «أذّن يا إبراهيم وعليّ البلاغ» ، فأذّن إبراهيم قائلا: «يا أيها الناس، إنّ الله كتب عليكم الحج فحجوا» ، فأسمع الله سبحانه نداءه من كان في أصلاب الرجال، أو أرحام الأمهات، أو عالم الذر قبل أن يوجدوا!! ومن يومها ومن أراد الله لهم الحج يجيبون قائلين: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» .

وهو العبادة التي بقي العرب محافظين عليها إلى وقت البعثة المحمدية، إلا أنهم كانوا شابوها بالوثنية بما نصبوه على الكعبة وعلى الصفا والمروة من أصنام يتمسحون بها ويتبركون، وكذلك غيّروا في بعض المناسك وبدلوا وابتدعوا، فلما جاء الإسلام قضى على ما شابه من وثنية وعادات جاهلية، ورجع به إلى ما كان

__________

(1) وقيل في السنة السادسة وإليه ذهب الشافعي، وقيل في السنة التاسعة.

في عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من صفاء ورمز إلى التوحيد والواحدة والألفة والمحبة.

وللحج حكمته وفلسفته التي لا يتسع لها المقام هنا، ولو لم يكن فيه إلا أنه مؤتمر المسلمين الأكبر لكفى، فما بالك وفيه ما فيه من تزكية النفوس والسمو بالأرواح وغفران الذنوب، والتقوى والمساواة بين الناس جميعا، وألوان العبر والعظات!!.

نعم إنه المؤتمر السنوي الأكبر الذي يتلاقى فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، فيتقاسمون السراء والضرّاء، ويتجاوبون في الالام والامال، ويتشاورون في كل ما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم، ويتعاونون على البر والتقوى، والتكافل والتناصر، ألا ما أعظمه من مؤتمر لو اهتبل فرصته المسلمون!!

وليس في الحج وثنية كما يزعم بعض أعداء الإسلام، وليس أدل على ذلك من أن كل شعيرة ونسك من مناسكه لا ينفك عن التهليل والتكبير، والثناء على الله العلي العظيم، وإنما الأمر كما قيل:

أمرّ على الديار: ديار سلمى ... أقبّل ذا الجدار، وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي ... ولكن حبّ من سكن الديارا

فالطواف بالكعبة ليس تعظيما للحجارة، وإنما هو تعظيم لرب البيت، وتقبيل الحجر الأسود ليس حبا للحجر، وإنما هو حب لرب الحجر، وهو الله سبحانه، وعلى المسلم إذا خفي عليه شيء من حكم تشريعات الله تبارك وتعالى أن يقول: سمعنا وأطعنا، لا يتهم الشريعة، بل يتهم عقله القاصر، ويقول كما قال الفاروق الملهم العبقري: (اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك) «1» .

__________

(1) رواه البخاري.


ملف pdf

كلمات دليلية: