وجوب الزكاة من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

وجوب الزكاة من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

زكاة الفطر

وفي رمضان من نفس العام شرع الله سبحانه وتعالى زكاة الفطر من رمضان، طعمة للمساكين والفقراء، وطهرة للصائم من اللغو والرفث، وهي على كل حر أو عبد، وذكر أو أنثى، وصغير أو كبير من المسلمين. وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس قبل الفطر بيوم أو يومين وأمرهم بذلك، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين» «1» . وهي فريضة عند جمهور الأئمة واجب عند الحنفية على قاعدتهم في التفريق بين الفرض والواجب. ولها أحكام وتفصيلات تطلب من كتب الفقه.

,

مصارف الزكاة

وقد تكفّلت ببيان هذه المصارف الاية الكريمة:

إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «4» .

وقد أسقط الفاروق عمر مصرف المؤلفة قلوبهم بعد أن أعز الله الإسلام، ولم يعد في حاجة إلى تأليف، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، ويرى بعض العلماء أن حقهم لم يسقط وأنه لا يزال باقيا إذا دعت الضرورة إليه.

__________

(1) سورة محمد: الايات 36- 38.

(2) الركاز: ما يوجد في بطن الأرض من مال أو معدن.

(3) جمع وقص بفتح القاف وسكونها، ما بين الفريضتين من نصب الزكاة مما لا شيء فيه.

(4) سورة التوبة: الاية 60.

,

الزكاة أساس العدالة الاجتماعية الإسلامية

إن الغرض من تشريع الزكاة هو إشراك الفقراء والمساكين ومن على شاكلتهم في أموال الأغنياء، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا معاذا إلى اليمن قاضيا أو واليا قال له: «أخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم» «1» .

والزكاة هي أساس العدالة الاجتماعية في المجتمع المسلم، ففيها اشتراك في المنفعة والثمرة لا في أصل المال، فقد ترك الشارع لأهل الأموال أموالهم لينمّوها، ثم فرض فيها حقا لازما لا يجوز التساهل فيه. قال سبحانه في صفة عباد الله المتقين:

وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «2» .

وقال:

وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «3» .

وقد سمعت انفا أن الصدّيق قاتل مانعي الزكاة، وجادله في هذا عمر حتى اقتنع برأيه، وصار أمرا مجمعا عليه من الصحابة، ولا عجب فالزكاة ركن أصيل في بناء المجتمع على أساس من التعاون والتكافل، والمشاركة في الخير والنعماء، وقد رأيت أن الإسلام جعلها حقا في الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، والزروع والثمار، وعروض التجارة، بل ذهب بعض الفقهاء إلى وجوبها في البقول، والخضر، والفواكه، وحلي النساء.

ترى لو أن الزكاة أخرجت من كل هذه الأنواع الحولية وغير الحولية، ووزعت في مصارفها المشروعة، هل كان هناك جائع لا يجد ما يسدّ جوعته؟

__________

(1) رواه البخاري.

(2) سورة الذاريات: الاية 19.

(3) سورة المعارج: الايتان 24، 25.

أو عار لا يجد ما يستر عورته؟ أو متشرد لا يجد مسكنا يؤويه؟ أو مريض لا يجد مستشفى يستشفى فيه، أو طالب علم لا يجد ما يعينه على طلب العلم؟.

ترى لو أن الناس أخرجوا زكاة أموالهم بأمانة وإخلاص، من غير تهرب أو تحايل، ووزعت في مصارفها، هل كنت تجد بين المسلمين من يدعو إلى الشيوعية أو يعتنقها مذهبا؟ وهل كنت تجد بينهم في كثير من أقطار المسلمين هذا الفقر والضنك، وهذه الفوارق الشاسعة بين الناس؟ فهناك قلة تتمتاع بمتاع الحياة وزخارفها، بما يصل إلى حد الإسراف، وتبعثر الأموال هنا وهناك في الحانات وبيوت اللهو والفجور، وحلبات الرقص، والسباق والقمار!! وهناك الكثرة الكاثرة لا تتمتاع بالطيبات الحلالات، بل ولا تجد الضروريات.

إن الزكاة حينما كانت تجمع من كل من تجب عليه، وتنفق في سبلها المشروعة في صدر الإسلام، كان المجتمع الإسلامي على خير ما يكون رخاء ورغدا، وتمتعا بالطيبات، وتالفا وتاخيا وتحاببا. فقد روى الرواة أنه في عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخصب الناس، واغتنوا حتى إنهم بحثوا عن مستحق للصدقة فلم يجدوا، فما كان منهم إلا أن اشتروا بها عبيدا وأعتقوهم لوجه الله. وهكذا بلغ الإسلام في عصوره الأولى، بمستوى حياة المسلمين ومعيشتهم حدا لم تبلغه إلا أمم قليلة اليوم، وذلك بفضل تشريع الزكاة.


ملف pdf

كلمات دليلية: