مشروعية الأذان من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

مشروعية الأذان من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

مشروعية الأذان

لقد فرض الله سبحانه الصلوات الخمس على الأمة قبل الهجرة ليلة الإسراء والمعراج. فكانوا يصلّون ولا يؤذّون، لأن الظروف المحيطة بهم في مكة ما كانت تسمح بالدعوة إليها، والإعلان عنها. واستمر الحال على ذلك إلى ما بعد الهجرة، فلما اطمأن الرسول وأصحابه بالمدينة، واستحكم أمر الإسلام، وبدأ تشريع الأحكام، وأصبحوا على حال تؤهلهم لإظهار شعائر الإسلام، فكّر النبي والمسلمون في وسيلة للإعلان عن الصلاة، وتشاوروا في ذلك.

روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عمر قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا بلال فناد بالصلاة) وكان هذا النداء بلفظ: «الصلاة جامعة» «1» ، رواه ابن سعد في الطبقات من مراسيل سعيد بن المسيب. وليس المراد بالنداء الأذان الشرعي المعهود.

فبينما هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه من يلقّنه الأذان، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «إنها لرؤيا حق» وأقره على ذلك وقال له: «ألقها على بلال فإنه أندى صوتا منك» فلما سمع الفاروق عمر رضي

__________

(1) بنصب الصلاة على الإغراء، وجامعة على الحال أي احضروا الصلاة حالة كونها جامعة، وقيل بالرفع مبتدأ وخبر أي ذات جماعة.

الله تعالى عنه جاء- وهو يجر رداءه- إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال الرسول: «فلله الحمد» .

وإليك ما رواه ابن إسحاق في سيرته عن عبد الله بن زيد قال:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة، فهمّ رسول الله أن يجعل بوقا مثل بوق اليهود الذي يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالناقوس ليضرب به للمسلمين للصلاة «1» ، فبينما هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه النداء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه طاف بي الليلة طائف: مرّ بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده، فقلت:

يا عبد الله، أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعو به إلى الصلاة. فقال: ألا أدلك على خير من ذلك؟ قلت وما هو؟ قال تقول: «الله أكبر الله أكبر. الله أكبر الله أكبر. أشهد ألاإله إلا الله. أشهد ألاإله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حيّ على الصلاة. حيّ على الصلاة. حيّ على الفلاح. حيّ على الفلاح. الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله» .

فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، قم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها، فإنه أندى صوتا منك» . فلما أذّن بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه وهو يقول:

يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلله الحمد» .

__________

(1) في بعض الروايات الحديثية أنهم كرهوا ذلك أيضا، وإنما كرهوا هذا وذاك لأنهم يعتبرون أن لهم شخصية مستقلة تنأى بهم عن التقليد والمحاكاة لغيرهم، ولا سيما اليهود والنصارى، وهكذا ينبغي أن تكون شخصية المسلم تؤثر ولا تتأثر، وتبدع ولا تقلد، وقد بينت رواية ابن سعد في الطبقات الحلقة المفقودة في رواية ابن إسحاق وهي نداؤهم بلفظ «الصلاة جامعة» .

وقد روى هذه القصة أيضا أبو داود والترمذي وصحّحه وابن ماجه، وابن خزيمة وصحّحه.

ولا يظن ظان أن الأذان شرع بالرؤيا فحسب، وإنما شرع بالوحي أيضا، وقد توافقا بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنها لرؤيا حق» وفي رواية ابن جريج التي ذكرها ابن هشام في سيرته أن عمر لما جاء إلى النبي يخبره بما رأى قال له: «قد سبقك بذلك الوحي» وأيضا فتقرير النبي لأحد على شيء أحد وجوه السنن المعروفة «1» .

وقد ذكر السهيلي حديثا يفيد مشروعية الأذان ليلة الإسراء والمعراج، ثم قال: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء، وقد ردّ عليه الحافظ ابن كثير فيما زعم حيث قال: (فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح؛ بل هو منكر تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود، الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين بالكذب، ثم لو كان قد سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة) . وكل ما روي من روايات تدل على مشروعيته قبل الهجرة هي ضعيفة لا تنهض للاحتجاج بها كما نبه إلى ذلك الحافظ الكبير ابن حجر في الفتح.

وكان بلال بن رباح هو مؤذن «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع وجود مساعدين له في بعض الأحيان، وكان بلال يزيد في أذان الفجر بعد حي على الفلاح الثانية:

(الصلاة خير من النوم) مرتين، وأقره النبي على ذلك.

والأذان شعيرة من شعائر الإسلام، فلا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد

__________

(1) فتح الباري، ج 2 ص 64 والبداية والنهاية، ج 2 ص 221- 223.

(2) والحكمة في تخصيص بلال بالأذان حسن صوته ونداوته وقوته، وأيضا فقد كان ذلك مكافأة على ما لقي في الله، لقد كان إذا اشتد به التعذيب لا يفتر عن قوله: «أحد أحد» فجوزي بالأذان الذي أوله تعظيم وتوحيد، واخره تعظيم وتوحيد.

أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه، وأقوى ما يستدل به على هذا ما رواه البخاري ومسلم- واللفظ لمسلم- عن أنس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، كان يستمع الأذان، فإذا سمع أذانا أمسك وإلا أغار) .

السّنة الأولى من الهجرة


ملف pdf

كلمات دليلية: