فرض صيام رمضان من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

فرض صيام رمضان من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

تشريع فريضة الصيام

«2» وفي شعبان من السنة الثانية فرض الله شريعة من أعظم شرائع الإسلام وركنا من أركانه، وهو صيام رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء- وهو اليوم العاشر من المحرم-، فسألهم عن سبب ذلك فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه فصامه موسى شكرا لله،

__________

(1) قدوم النبي المدينة كان في ربيع الأول، والتحويل كان في منتصف رجب على الصحيح، فإذا اعتبرنا شهوي القدوم والتحويل شهرا كانت المدة ستة عشر شهرا، وإذا اعتبرناهما شهرين كانت المدة سبعة عشر شهرا، فمن ثمّ تردد الراوي، وبعض الروايات جاءت بالجزم.

(2) الصوم والصيام في اللغة الإمساك. وفي الشرع: إمساك المكلّف نفسه بنية عن تناول الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومن كمال الصوم الإمساك عن اللغو والرفث، والفسوق، والعصيان وبذلك يشعر الصائم بفائدة الصوم، ويفوز بثمرته.

فقال النبي لهم: «نحن أولى بموسى منكم» فصامه وأمر المسلمين بصيامه، روى ذلك البخاري ومسلم، فلما فرض صوم رمضان أصبح صيام عاشوراء غير واجب، فمن شاء صامه ومن شاء أفطره، روى ذلك الشيخان أيضا عن عائشة.

وقد أوجب الله صيام رمضان بقوله سبحانه:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «1» .

وكان صيام رمضان في أول الإسلام على سبيل التخيير، فمن شاء صام وأدّى الفريضة، ومن شاء أفطر ووجب عليه الفداء: عن كل يوم إطعام مسكين، ثم لمّا مرنوا عليه وأصبح أمرا مألوفا أمرهم بصيامه على سبيل الإلزام ونسخ التخيير، وذلك بقوله سبحانه:

شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ... »

الاية.

روى ذلك الشيخان في صحيحيهما عن سلمة بن الأكوع- واللفظ لمسلم- قال: لما نزلت هذه الاية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الاية التي بعدها فنسختها. وهي قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وقد أكدت الايتان الرخصة للمريض أو المسافر أن يفطر ويقضي دفعا للحرج، وتيسيرا من الله على المسلمين: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.

__________

(1) سورة البقرة: الايتان 183، 184.

(2) سورة البقرة: الاية 185.

ويرى فريق من العلماء وعلى رأسهم ابن عباس أنه لا نسخ، وأن الايتين محكمتان، وأن قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ إنما هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فلهما أن يفطرا ويطعما بدل كل يوم مسكينا. رواه البخاري في صحيحه، وعلى رأي ابن عباس ومتابعيه تكون الايتان قد نزلتا مرة واحدة.

وفي مبدأ الإسلام كان الصائم إذا أفطر يأكل ويشرب ويباشر امرأته إلى أن ينام أو يصلّي العشاء، فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والمباشرة، فشق ذلك على المسلمين، ووقع بعضهم في الحرج بسبب هذا، فخفف الله عن الأمة، ورحمها، وأباح لهم هذه الثلاثة إلى طلوع الفجر «1» .

روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل من حديث طويل في أحوال الصلاة والزكاة قال: وكانوا يأكلون، ويشربون، ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة- يعني ابن قيس- كان يعمل صائما حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فراه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهد كثيرا فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا» ، فأخبره. وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي ندما، فذكر له ذلك، فأنزل الله سبحانه: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ... ،

إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ورواه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه، وغيرهما.

وبهذا استقر تشريع الصيام على هذا اليسر ورفع الحرج، وتأكد وجوبه بالسنة القولية والعملية المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وأجمع على هذا المسلمون، فلا يحل لمسلم أن يفرّط في هذا الأصل من أصول الإسلام الذي هو من أسس التقوى، وهي جماع الخير كله، ومن حكمه تزكية النفوس

__________

(1) تفسير ابن كثير والبغوي، ج 1 ص 418.

والسمو بالأرواح، وتعطيف قلوب الأغنياء على الفقراء، وتعويد النفوس على الصبر والتحمل، ومواجهة شدائد الحياة ولأوائها، ومن بعد ذلك كله يكون غفران الذنوب، والفوز برضاء الله رب العالمين.


تحميل : فرض صيام رمضان من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

كلمات دليلية: