غزوة خيبر من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

غزوة خيبر   من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

غزوة خيبر

وفي هذه السنة كانت غزوة خيبر، وبالانتصار فيها تم القضاء على شوكة اليهود في جزيرة العرب، وسنرجىء الكلام عليها إلى بحث موقف الإسلام من اليهود بعد الفراغ من حوادث هذا العام.

,

تحريم لحوم الحمر الأهلية وغيرها

وفي غزوة خيبر حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية- الإنسية-، وحرم لحوم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» ورويا بسندهما عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا ينادي في الناس:

«إن رسول الله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس، فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم» .

وروى مسلم عن ابن عباس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) وبينت رواية الترمذي أن ذلك كان في خيبر «1» .

,

تحريم نكاح المتعة

وفي خيبر أيضا حرم النبي نكاح المتعة، وهو النكاح لأجل، ولم يكن يستلزم طلاقا ولا عدّة، ولا يستوجب ميراثا، وقد كان هذا النكاح معروفا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أباحها في بعض الغزوات للضرورة القصوى، ففي

__________

(1) فتح الباري، ج 9 ص 540؛ صحيح مسلم بشرح النووي، ج 13، ص 82، 99.

حديث ابن مسعود: (أنهم كانوا إذا غزوا اشتدت عليهم العزبة، فأذن لهم في الاستمتاع) .

وقد ورد في حل المتعة ثم تحريمها أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، ففي الصحيحين عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، عام خيبر، ولحوم الحمر الأهلية. وفي صحيح البخاري عن علي أيضا التصريح بأن نكاح المتعة نسخ. وتحرير المقال في هذا المقام الذي كثر فيه القيل والقال: إن تحريم المتعة بعد إباحتها وقع مرتين: الأولى يوم خيبر، والثانية يوم فتح مكة، أبيحت ثلاثة أيام ثم حرمت بعد ذلك تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة، ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الشيعة.

وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول بإباحتها، وروي عنه أنه رجع عنه، بل قد ورد عنه أنه كان يبيحها للضرورة، فقد روى الخطابي والفاكهي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء، فقال: والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا للمضطر، فإذا ثبت ذلك وأنه رجع عن مقالته فقد تأكد الإجماع على حرمتها بعد الفتح إلى يوم القيامة، وأجمع العلماء على أنه متى وقع نكاح المتعة الان حكم ببطلانه سواء كان قبل الدخول، أو بعده، إلا ما ورد عن زفر من الحنفية في أنه يتأبد نكاحه، وكأنه يرى التوقيت من باب الشروط الفاسدة في النكاح، فإنها تلغى ويصح النكاح.

ولا أدري كيف يستحل الشيعة نكاح المتعة، ويقولون ببقائه بعد ما ثبت في الصحيحين عن الإمام علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها وأنها منسوخة «1» ؟! والحق أحق أن يتبع.

__________

(1) صحيح مسلم بشرح النووي، ج 9 ص 179- 181؛ فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 9 ص 136.

زواج النبي بصفية بنت حييّ النضرية

هي السيدة صفية بنت حييّ بن أخطب من ذرية هارون بن عمران، ومن سبط لاوي بن يعقوب، ولما أجلى النبي يهود بني النضير من المدينة ذهب عامتهم إلى خيبر، وفيهم أبوها حييّ سيد بني النضير وبنو أبي الحقيق، وكانت صفية حينئذ دون البلوغ، فلما بلغت تزوجها سلّام بن مشكم، ثم خلفه عليها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فجيء به إلى الرسول بعد هزيمة يهود خيبر، فسأله عن الكنز فجحده، فقال له النبي:

«أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك» ؟ قال: نعم، فأتى رسول الله رجل من اليهود فقال: يا رسول الله، إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة، فأمر الرسول بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض الكنز، ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه، فدفعه رسول الله إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة الذي قتله اليهود في خيبر.

ولما فتح المسلمون القموص- حصن بني أبي الحقيق- كانت صفية في السبي، فأعطاها دحية الكلبي، فجاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قومها، وهي ما تصلح إلا لك، فاستحسن النبي ما أشار به الرجل، وقال لدحية: «خذ جارية من السبي غيرها» ثم أخذها رسول الله وأعتقها وجعل عتقها صداقها. وهكذا ردّ النبي إليها بصنيعه هذا اعتبارها، وحفظ لها شرفها وسيادتها.

وذكر ابن سعد عن الواقدي قال: لم يخرج النبي من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها، فحملها وراءه، فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر

مال يريد أن يعرّس بها فأبت عليه، فوجد في نفسه، فلما كان بالصهباء نزل بها هناك فمشطتها أم سليم، وعطرتها، وزفتها إلى النبي وبنى بها، فسألها:

«ما حملك على الامتناع من النزول أولا» ؟ فقالت خشيت عليك من قرب اليهود، فعظمت في نفسه، ومكث رسول الله بالصهباء ثلاثة أيام، وأولم عليها ودعا المسلمين، وما كان فيها من لحم وإنما التمر والأقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطّأ لها خلفه ومدّ عليها الحجاب، فأيقنوا أنها إحدى أمهات المؤمنين.

وقد بلغ من إكرام النبي لها أنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته لتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب، وقد بلغ من أدبها أنها كانت تأبى أن تضع رجلها على ركبته، فكانت تضع ركبتها على ركبته وتركب.

ولما كانت ليست بعربية ولا قرشية كان بعض نساء النبي يدللن عليها ويحاولن النيل منها، ولكن العادل المنصف، وناصر الضعفاء كان ينتصر لها، وينافح عنها، ويلقنها كيف ترد عليهن، فقد بلغ النبيّ أن عائشة وحفصة نالتا منها، فقال لها: «ألا قلت: وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى» رواه الترمذي، بل بلغ من انتصار النبي لها أن هجر زينب بنت جحش مدة لنيلها منها، ووصفها لها باليهودية «1» .

فلا عجب أن كانت تحب رسول الله حبا جما، وشديدة الوفاء والإخلاص له، ففي مرض موته اجتمع نساؤه حوله، فقالت صفية: يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي، فغمزن ببصرهن، فقال: «مضمضن» فقلن: من أي شيء؟

فقال: «من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة» .

وقد روت عن النبي الأحاديث، وروي عنها، وكانت صفية عاقلة حليمة صادقة، يروى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث إليها فسألها عن ذلك، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما،

__________

(1) رواه ابن سعد.

فأنا أصلها، فقبل منها، ثم قالت للجارية: ما حملك على هذا؟ قالت:

الشيطان، فقالت لها: اذهبي فأنت حرة. وكانت وفاتها في رمضان سنة خمسين في زمن معاوية، وقيل سنة اثنتين وخمسين رضي الله عنها وأرضاها «1» .

,

غزوة خيبر

لئن كانت المدينة قد تطهّرت من اليهود وغدرهم فها هي خيبر «1» لا تزال حصنا حصينا لليهود وأهلها، ومن نزح إليها من يهود بني النضير الذين يحملون الحقد والضغن على الإسلام والمسلمين، وغير بعيد عنا ما قام به زعماء بني النضير الذين اتخذوا خيبر مقاما لهم، من تأليب العرب على المسلمين في الخندق، وحملهم بني قريظة على نقض العهود التي كانت بينهم وبين الرسول، ومن ثم نجد أن خيبر أصبحت مركزا لتجمعات اليهود يقومون منها بما يريدون من غدر ومكايد.

ولئن كان المسلمون بعد فتح الحديبية قد أمنوا قريشا والجنوب، لكنهم لم يأمنوا ناحية الشمال، ولا سيما أهل خيبر الذين لا ينسون ما فعل بإخوانهم اليهود، وليس ببعيد أن يستعينوا بهرقل أو كسرى في النيل من المسلمين، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو السياسي المحنك- ليخفى عليه شيء من هذا، لذلك لم يكد يرجع من الحديبية ويستريح بالمدينة شهرا أو نحوه حتى أمر بالتجهز للخروج إلى خيبر، على ألايغزو معه إلا من شهد الحديبية كما أمر الله، وأراد بعض الأعراب الذين تخلّفوا عن الحديبية أن يخرجوا معه فقال لهم: «لا تخرجوا معي إلا رغبة في الجهاد، أما الغنيمة فلا أعطيكم منها شيئا» ، وقد أراد الرسول بذلك أن يبيّن لهم ألاحاجة له بالذين لا همّ لهم إلا الغنيمة، ولا يهمّهم نصر الإسلام، وولّى على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وصحب معه من أزواجه السيدة أم سلمة.

__________

(1) قرية في شمال المدينة بينها وبين الشام.

,

الخروج إلى خيبر

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مطلع عام سبع في جيش تعداده ألف وستمائة، ومعهم مائتا فرس وقيل ثلاثمائة، وكلّ واثق بنصر الله، وذاكر قول الله سبحانه في سورة الفتح التي نزلت منصرفه من الحديبية:

سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا «1» .

وكان من شأن رسول الله أنه إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانا كف وإن لم يسمع أذانا أغار، فوصل إلى خيبر ليلا، فبات حتى أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركب معه أصحابه، فاستقبلهم يهود خيبر بمساحيهم ومكاتلهم «2» ، فلما رأوا رسول الله والجيش قالوا: محمد والجيش معه، فقال رسول الله: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» .

,

ضخامة القوتين

وقد كان يهود خيبر من أشدّ الطوائف اليهودية بأسا وأكثرها مالا، وأوفرها سلاحا، وكذلك كان المسلمون كثيرا عددهم، وافرا سلاحهم، ممتلئة قلوبهم بالإيمان، واثقة نفوسهم بنصر الله، مصمّمين على استئصال هذا الشر مهما كانت التضحية، فلا عجب إذا كانت قريش والجزيرة كلها وقفت تنتظر ما يسفر عنه التقاء هاتين القوتين، حتى حدث من البعض التراهن على أي الفريقين سيكون له الغلب؟.

ووقف المسلمون أمام حصون خيبر متأهبين للقتال، وهم كاملو العدة،

__________

(1) سورة الفتح: الاية 15.

(2) مساحيهم: جمع مسحاة وهي المجرفة وهي من حديد، المكاتل جمع مكتل- بكسر الميم- وهو الزنجيل وهو شيء يصنع من الخوص يحمل فيه التمر والتراب وغيرهما.

وكانت حصونهم ثلاثة مجاميع، وكل مجموعة ثلاثة حصون تمتد من الجنوب إلى الشمال، يتخلّلها النخيل والزروع والمنازل المتفرقة. وهذه المجاميع هي:

النطاة، والشق، والكتيبة، أما النطاة فكانت ثلاثة حصون: ناعم، والصعب، وقلة، وكانت الشق حصنين: أبي، والبريء، وأما الكتيبة فكانت ثلاثة حصون: القموص، الوطيح، والسلالم.

وتشاور اليهود فيما بينهم فأشار عليهم زعيمهم سلام بن مشكم فأدخلوا أموالهم وعيالهم حصني الوطيح والسلالم، وأدخلوا ذخائرهم حصن ناعم، ودخلت المقاتلة وأهل الحرب حول حصن النطاة.

والتقى الجمعان حول حصن نطاة واقتتلوا قتالا شديدا، وضيّق المسلمون الحصار على حصون خيبر، واليهود يستميتون في الدفاع عنها لأنهم يعلمون أن هزيمتهم ما هي إلا القضاء الأخير عليهم في جزيرة العرب، وتتابعت الأيام والقتال يشتد، فالمسلمون يبدون من ضروب الشجاعة والاستبسال والتضحية ما هم أهل له، واليهود يستميتون في الدفاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يفتح الله عليه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» .

فبات الناس ليلتهم يتمنى كل منهم أن يعطاها، حتى إن عمر قال:

ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فلما أصبح الصباح قال: «أين علي بن أبي طالب» ؟

فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، فدعاه فبصق رسول الله في عينيه ودعا له فبرأ بإذن الله، فأعطاه الراية وقال له: «انفذ إليهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم» «1» .

ولما ذهب إليهم خرج مرحب اليهودي يختال في سلاحه، ويرتجز ويدعو إلى المبارزة قائلا:

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

أنا الذي سمتني أمي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرّب

أطعن حينا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرّب «1»

فبرز له سيدنا علي وهو يرتجز ويقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدره «2» ... كليث غابات كريه المنظره

أكيلهم بالصاع كيل السّندره «3»

فقتله، وقيل بل قتله محمد بن مسلمة الموتور الثائر الذي قتل اليهود أخاه محمود بن مسلمة بالأمس. وخرج بعد مرحب أخوه ياسر يقول: هل من مبارز؟ فبرز له الزبير بن العوام فقتله، ثم كان أن سقط حصن ناعم، ثم لم تلبث الحصون أن تهاوت حصنا بعد حصن، فاستولى اليأس على اليهود فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الصلح على أن يحقن دماءهم، فقبل الرؤوف الرحيم وصارت أرضهم لله ولرسوله وللمسلمين، فلما أراد النبي إجلاءهم سألوه أن يقرهم على أن يعملوا في الأرض ولهم نصف التمر فقال لهم: «نقركم على ذلك ما شئنا» «4» ، وقد قتل من اليهود في هذه الغزوة ثلاثة وتسعون رجلا، واستشهد من المسلمين نحو خمسة عشر رجلا.

,

تقسيم غنائم خيبر

وبعد الموقعة وحيازة الغنائم خمّسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبقى الخمس لنفسه يصرفه في مصارفه، ثم قسّم الباقي نصفين: نصفا قسمه في الغانمين، ونصفا أرصده لما ينوبه من الحاجات والمصالح، وقد جعل للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهما، ولم يقسم رسول الله إلا لمن شهد الحديبية من حضر منهم خيبر ومن غاب، ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبية إلا جابر بن عبد الله، فضرب له بسهمه، وكذلك أسهم النبي لأصحاب السفينة الذين قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب بعد أن استأذن أصحابه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكّل إلى عبد الله بن رواحة أخذ النصف من غلتهم، فشكوا إلى رسول الله شدة خرصه- تقديره-، وأرادوا أن يرشوه، فقال:

يا أعداء الله تطعموني السحت!! والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم، وحبي إياه على

__________

(1) لاك: مضغها، فلم يسغها: لم يبلعها.

(2) الأبهر عرق متصل بالقلب إذا قطع مات الإنسان وهو كناية عن الموت.

ألاأعدل، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، فلما استشهد في مؤتة ولي بعده جبار بن صخر «1» .

,

مثل أعلى للتسامح

وقد كان من إحسان النبي معاملة يهود خيبر أنه كان من بين ما غنم المسلمون منهم عدة صحف من التوراة، فطلب اليهود ردّها، فأمر بتسليمها إليهم، ولم يصنع صلى الله عليه وسلم ما صنع الرومان حينما فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة، وداسوها بأرجلهم، ولا ما صنع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوراة «2» .

__________

(1) البداية والنهاية ج 4 ص 201.

(2) حياة محمد ص 377.

,

يهود فدك وتيماء ووادي القرى

ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى يهود فدك «1» من يطلب إليهم الانقياد والطاعة، فصالحوا رسول الله على أن يحقن دماءهم، ويتركوا أموالهم، فكانت فدك فيئا لرسول الله خاصة، ينفق منها على نفسه وعلى من يمون ويعول، ثم عاملهم على العمل في الأرض بنصف ما يخرج منها.

ولما بلغ يهود تيماء «2» ما انتهى إليه أمر أهل خيبر، صالحوا على دفع الجزية وبقوا في بلادهم وأموالهم امنين.

ثم دعا رسول الله يهود وادي القرى إلى الاستسلام والطاعة، فأبوا وقاتلوا فقاتلهم، ولكن سرعان ما استسلموا، وصالحوا على ما صلح عليه أهل خيبر، فتركت لهم الأرض يزرعونها بشطر ما يخرج منها.

وبهذا النصر المتتابع دان اليهود كلهم لسلطان الإسلام، وانتهى ما كان لهم من نفوذ وكيان، ولم تقم لهم قائمة بعد، وبهذا أصبحت الدولة الإسلامية بمأمن من ناحية الشمال إلى بلاد الشام.

__________

(1) فدك، بفتحتين: بلد بينها وبين مدينة النبي صلى الله عليه وسلم يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة.

(2) تيماء، وزن حمراء: موضع قريب من بادية الحجاز يخرج منها إلى الشام على طريق البلقاء.

,

إجلاء الفاروق عمر لهم عن جزيرة العرب

ولم يزل يهود خيبر ومن صالح صلحهم يعملون في أرضها على نصف ما يخرج منها حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومدة خلافة الصدّيق أبي بكر رضي الله عنه، وصدرا من خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه، حتى أجلاهم إلى بلاد الشام بعد أن أعطاهم قيمة ما كان لهم من التمر مالا وإبلا وعروضا، وذلك لأمور:

1- لما قاموا به من الغدر والإفساد، فقد كان لابنه عبد الله مال بخيبر، وكان يختلف إليه بين الحين والحين، فعدوا عليه من الليل، وألقوه من فوق السطح وهو نائم ففدعت «1» يداه ورجلاه.

2- ولما ثبت عنده من قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبقى بجزيرة العرب دينان» ، فقال: من كان له من أهل الكتابين عهد فليأت به أنفذه له، وإلا فإني مجليكم فأجلاهم «2» ، ولا سيما أن إبقاء رسول الله لهم، وإقرارهم في بلدهم كان مشروطا بمشيئة المسلمين، ففي الصحيحين «نقركم ما شئنا» ، وفي رواية ابن إسحاق: «على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» .

3- لأن إقرارهم عليها إنما كان لأنهم أقدر على العمل في الأرض، وأعمر لها من غيرهم، ولأن المسلمين كانوا في قلة من الأيدي العاملة،

__________

(1) الفدع بفتحتين: اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل، فينقلب الكف أو القدم إلى الجانب الاخر.

(2) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.

لاشتغالهم بالجهاد ونشر الإسلام، والعمل في زراعاتهم بالمدينة، فلما كثروا لم تعد حاجة إليهم، لا سيما أنهم أصبحوا مصدر قلق وإفساد. روى عمر بن شبّة في أخبار المدينة قال: لما كثر العيال- أي الخدم- في أيدي المسلمين وقووا على العمل في الأرض أجلاهم عمر، فلهذه الاعتبارات مجتمعة كان الإجلاء «1» .

ونعمّا فعل الملهم المحدّث، فإن الحجاز قطب الإسلام، وقلبه النابض، فكان من الحكمة أن يبقى القطب قويا متماسكا، والقلب سليما من عوامل الضعف والفساد، كي تبقى الأطراف سليمة قوية تؤدي وظائفها المطلوبة معها، فهل يقيّض الله لهم من أبطال المسلمين والعرب من يجليهم من الأرض المباركة (فلسطين) كما أجلوا عن البلد الطيب (المدينة) والأرض الطاهرة (الحجاز) ؟!.

__________

(1) فتح الباري ج 5 ص 250.

السّنة الثّامنة من الهجرة


ملف pdf

كلمات دليلية: