غزوة بني المصطلق من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

غزوة بني المصطلق من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

سرية بني المصطلق

وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط لأخذ صدقات بني المصطلق، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين السلاح تحية أثناء قدومه، ومعهم إبل الصدقة فلما راهم الوليد هابهم وظن أنهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من عداوة في الجاهلية، فرجع مسرعا إلى المدينة وأخبر الرسول بما ظن، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سريّة لتعرّف حقيقة أمرهم، فسار إليهم حتى ديارهم، وكمن بالقرب منهم ليلا، فإذا بمؤذنهم يؤذن للصلوات، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا الطاعة، فأخذ الصدقات وعاد إلى المدينة وأخبر الرسول بخبرهم.

وفي هذه الواقعة أنزل الله هذا التأديب الإلهي في قوله تعالى:

__________

(1) الورق بكسر الراء: الفضة.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «1» .

وهذه الاية أصل في التثبت في الأخبار، واشتراط العدالة في الرواة، والبحث عن أحوالهم حتى كان من ذلك علم (الجرح والتعديل) في الإسلام.

__________

(1) سورة الحجرات: الاية 6.

السّنة التّاسعة من الهجرة

سرية طيّىء

في ربيع الأول من هذا العام أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في خمسين فارسا لهدم (الفلس) «1» صنم لطيّىء، فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حاربه عبّاده هزمهم واستاق نعمهم وشاءهم، وسبى منهم سبايا فيهن «سفانة» «2» ، بنت حاتم الطائي المشهور.

ولما رجع إلى المدينة جعلت سفانة في حجرة عند باب المسجد كان السبايا تقيم فيها، فلما مر بها رسول الله قامت إليه فقالت: يا رسول الله: هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ منّ الله عليك، فقال لها: «ومن وافدك؟» قالت:

عديّ بن حاتم، قال: «الفار من الله ورسوله» ؟! ثم مضى وتركها، فكررت هذا من الغد، وبعد الغد، فمنّ عليها وقال: «لا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك، ثم اذنيني» .

فلما أعلمته بأنها وجدت رفقة ثقاة كساها وحملها وأعطاها نفقة، فشكرت النبي على هذا الجميل، وكان مما قالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غنى؛ ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك سببا لردها عليه» .

__________

(1) في القاموس: الفلس بالكسر صنم لطيّىء.

(2) سفانة بفتح السين وتشديد الفاء كما في القاموس.

ثم ارتحلت حتى قدمت على أخيها عدي بالشام، لأنه لما سمع بخيل رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل بأهله وولده وتركها وفرّ إلى الشام، فلما وصلت إليه وبخته على صنيعه، فلم يجد ما يعتذر به، ثم أخبرته بما لقيت من رسول الله من كرم وحسن معاملة، وقالت له: أرى أن تلحق به سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فأنت أنت، فما كان منه إلا أن أخذ بمشورتها، وقدم على النبي، ثم أسلم كما سنذكره إن شاء الله أثناء الوفود.

,

تصرف نبوي حكيم

وكان بنو المصطلق من أعز العرب دارأ وأشرفهم نسبا، وأسر نسائهم على هذه الحال مما يترك في نفوسهم ونفوس حلفائهم جراحا لا تندمل، وحزازات لا تنسى، والعربي يهون عليه المال مهما غلا، ولكن لا يهون عليه أن ينال في عرضه، أو تخدش كرامته وشرفه، لذلك لم يرتح قلب النبي الكبير لما تمّ من سبي واسترقاق، وفكر ثم فكر، حتى تفتّق العقل الكبير عن هذا التصرف الحكيم.

فقد كانت من السبايا يومئذ جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، وقد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس أو لابن عم له فكاتبته «1» على نفسي، فجئت أستعينك على كتابتي.

__________

(1) أي على أن يعتقها نظير مال، وروي أن النبي لم يجعلها في سهم أحد تكرمة لها حتى قدم أبوها بعد في فدائها بإبل، فلما بلغ العقيق غيّب بعيرين من الفداء ضنّا بهما، فلما قدم على الرسول قال له: «أين البعيران اللذان غيبتهما في شعب كذا» ؟ فلم يملك الرجل نفسه أن شهد شهادة الحق وقال: والله ما اطلع على ذلك إلا الله، وأسلم معه ابنان له وناس من قومه، وأرسل في طلب البعيرين فدفع الإبل، وسلمت إليه ابنته، فأسلمت فخطبها رسول الله من أبيها فزوجه إياها، وأيا كان الأمر فقد منّ الصحابة على من بأيديهم من قومها لمصاهرة رسول الله فيهم. سيرة ابن هشام ج 2 ص 295.

فوجد الرسول الفرصة سانحة لتخليص بني المصطلق مما وقعوا فيه، فقال لها: «فهل لك في خير من ذلك؟» ، قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك» ، قالت: نعم، وخرج الخبر إلى الناس، وفشا بينهم أن رسول الله قد تزوج جويرية بنت الحارث، وكان المسلمون عند حسن ظنه وبعد نظره، فقالوا: أصهار رسول الله يسترقون؟!! فأطلقوا كل من بأيديهم، قالت عائشة- راوية القصة-: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.

وبفضل هذا التصرف النبوي الحكيم أسلم بنو المصطلق عن طواعية جميعا، وصاروا أعوانا للمسلمين بعد أن كانوا عليهم.

,

حدثان عظيمان في هذه الغزوة

وفي هذه الغزوة نجمت حادثتان عظيمتان: إحداهما كادت تحدث فتنة بين المسلمين لولا أن النبي تدارك ذلك بموهبته السياسية الفائقة، والثانية حادثة الإفك التي حسم الكلام بشأنها وحي السماء، ونزل بسببها تشريع عام خالد.

,

الحدث الأول

بينما المسلمون على الماء يستقون، وكان مع عمر غلام أجير له من بني غفار يسمى جهجاه بن مسعود الغفاري يقود له فرسه، فتزاحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء وتضاربا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصاح الغفاري: يا معشر المهاجرين، فاجتمع الفريقان، وكادوا يقتتلون، فذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة» ، وأزال ما بينهما من شحناء ونيّم الفتنة.

ولكن عبد الله بن أبيّ رأس النفاق أراد أن يوقظها، ويذكي لهبها، فقال وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم-: أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما نحن وهم إلا كما قال الأول: (سمّن كلبك يأكلك) .

أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على الحاضرين

من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.

فسمع ذلك زيد بن أرقم فسعى إلى رسول الله فأخبره، وعنده عمر بن الخطاب سيف الحق، فاستأذن رسول الله في قتله، أو أن يأمر به من يقتله، فقال ذو الخلق العظيم، والسياسي الحكيم: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولكن اذن بالرحيل» .

,

اعتذار ابن أبي

ّ

ولما بلغ ابن أبيّ أن زيدا أخبر الرسول بما سمع منه ذهب إلى رسول الله، وحلف بالله ما قلت ما قال لك، ولا تكلمات به، فقال بعض الحاضرين من الأنصار من أصحابه لرسول الله: عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل، ترضية للرسول، ودفعا عن ابن أبيّ.

,

سير النبي بالجيش ليشغلهم عن الفتنة

وارتحل النبي بالمسلمين في وقت لم يكن يرتحل فيه، فلقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية الإسلام وسلّم عليه، وقال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة ما كنت تروح في مثلها؟ فقال له: «أو ما بلغك ما قال صاحبكم» ؟ قال: أي صاحب يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أبيّ» ، قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذل» !

فقال أسيد: فأنت يا رسول الله تخرجه منها إن شئت، هو- والله- الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا.

وسار رسول الله بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم الثاني حتى اذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما.

وبهذا التصرف البالغ الغاية في السياسة الرشيدة قضى على الفتنة قضاء مبرما، ولم يدع مجالا للحديث فيما قال ابن أبيّ.

,

نزول سورة المنافقون

وفي هذه الحادثة أنزل الله سورة بتمامها وهي «المنافقون» وفيها قوله سبحانه:

هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ «1» .

ولما نزلت السورة أخذ رسول الله بأذن الغلام الصادق اللّقن، وقال:

«هذا الذي أوفى الله بأذنه» ، وقد شاء الله أن تتحقق مقالة ابن أبي لا على ما أراد، فكان الرسول وأصحابه هم الأعزاء، وكان ابن أبيّ وجماعته هم الأذلاء!!.

,

مثل أعلى للإيمان

وقد تجلّى في هذه الحادثة موقف بطولي إيماني، سما عن الرحم والعاطفة، وعزّ في تاريخ الدنيا بله سير الصحابة، ذلك أن المؤمن الصادق عبد الله بن عبد الله بن أبيّ أتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به وأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي بين الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار!!.

ماذا ترى يكون جواب الرسول الكريم؟ إنه لموقف محرج حقا، أيوافق الرسول؟ إنه إن فعل فسيستريح من شر مستطير طالما نال من النبي والمسلمين، وأضرّ بالدعوة الإسلامية، ولكن كيف؟ ونبيّنا محمد إنسان بشر قبل أن يكون نبيا، وإنسانيته فاقت كل ما يتصور في عقله وخبرته بالنفوس البشرية

__________

(1) سورة المنافقون: 7 و 8.

وغرائزها في المحل الذي لا يطاول، وهو يعلم يقينا أن الابن في مأساة نفسية وعاطفية تغلّب عليها بقوة إيمانه، وسمو نفسه، وحبّه لله ولرسوله!!.

لقد ضرب الابن أروع مثل الإيمان والتضحية بعاطفة الأبوة، فليضرب النبي الإنسان ذو القلب الكبير والخلق العظيم أروع المثل في العفو والرحمة وحسن الصحبة، فيقول: «بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا» !!.

يا لروعة العفو، ويا لجلال العظمة الإنسانية!!.

ويسمو الإيمان ثم يسمو، فلا يرضى الابن المؤمن الصادق من الأب بالاعتذار أو إنكار ما قال، بل يقف لأبيه وهم ايبون عند مدخل المدينة، وبيده سيفه قائلا له: قف، فو الله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله في ذلك، فلما أذن له تركه يدخل وقد أشاح عنه بوجهه.

,

اثار هذه السياسة النبوية الحكيمة

وقد كان لتسامح الرسول مع رأس المنافقين أبعد الاثار فيما بعد، فقد كان ابن أبيّ كلما أحدث حدثا، كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنّفونه، ويعرضون قتله على النبي، والرسول يأبى ويصفح، فأراد رسول الله أن يكشف لسيف الحق عن اثار سياسته الحكيمة، فقال: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له انف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته!!» فقال عمر:

قد- والله- علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري!!.

,

احتيال وغدر

وقدم من مكة مقيس بن صبابة، فقال: يا رسول الله جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخي الذي قتل خطأ، فأمر له الرسول بدية أخيه هشام، فأقام بالمدينة غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، ولهذا كان مقيس من الذين أهدر النبي دماءهم يوم الفتح، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة.


ملف pdf

كلمات دليلية: