غزوة بدر الكبرى من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

غزوة بدر الكبرى من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

الأوبة إلى المدينة

واب النبي وأصحابه إلى المدينة، وقد أزال الله الكرب، وكشف الغمة، ووعد أصحابه ألايغزوهم المشركون بعد هذا بل هم الذين سيغزونهم، فما قامت للمشركين بعدها قائمة، وما زال أمر المسلمين في ازدياد حتى توج ذلك بفتح مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا.

وعاد الرسول والمسلمون وهم يكبّرون ويقولون: لا إله إلا الله واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير: ايبون تائبون، عابدون ساجدون، لربنا حامدون، لا إله إلا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده، فلا شيء بعده.

__________

(1) الكراع: الخيل. الخف: الإبل.

,

الأوبة إلى المدينة

ثم قفل المسلمون إلى المدينة شاكرين الله وحامدين، لا يزهيهم النصر، ولا يبطرهم الغلب، وقد سبقتهم البشرى بالنصر إلى المدينة وما جاورها، وكان مع رسول الله الأسرى، وكانوا نحوا من السبعين، وفي الطريق تحت سرحة عظيمة بالقرب من «الصفراء» قسم رسول الله الغنائم بين المسلمين على حسب ما أراه الله، ثم ارتحل حتى إذا كان بالرّوحاء لقيه المسلمون يهنئونه ومن معه من المسلمين بالفتح العظيم والنصر المبين، ودخل الجيش المنصور المدينة بين تهليل المهللين وتكبير المكبرين، وضرب الولائد بالدفوف، وترديد أهازيج النصر.

,

غزوة تبوك

«1»

وكانت في رجب في العام التاسع، وكان سببها ما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت له الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان من سياسة رسول الله الحكيمة أنه إذا علم أن قوما همّوا بغزوه أن يبادئهم قبل أن يغزوه وكان قلما يخرج لغزوة إلا ورّى بغيرها؛ ليعمّي الأخبار على الأعداء، إلا في هذه الغزوة فإنه أخبر بمقصده، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو، حتى يأخذ الناس لذلك عدتهم.

وقد اتفق أن كانت هذه الغزوة في زمان عسرة من الناس، وجدب في البلاد، وشدة الحر، كما كانت حين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، لذلك أمر الرسول بالتجهز، واستنفر لذلك أهل المدينة وما حولها، وأهل مكة وما جاورها، واستنفر أيضا الأعراب الضاربين في الجزيرة العربية ممن أسلموا، كي يتكون من ذلك أكبر جيش يمكن إعداده لمقاتلة الروم، ذوي العدد والعدة، والدربة في الحروب.

,

الحث على تجهيز الجيش

وحث رسول الله على البذل والإنفاق في سبيل الله فقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» ، وتسابق الخيّرون في هذا المضمار، فتبرّع عثمان بن عفان

__________

(1) تبوك: موضع معروف في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق.

رضي الله عنه بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها «1» ، وبألف دينار «2» جاء بها فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقلبها ويقول: «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض» ، ويقول: «ما على عثمان ما عمل بعد اليوم» «3» .

وجاء أبو بكر الصديق بكل ماله وهو أربعة الاف درهم فقال له الرسول:

«هل أبقيت لأهلك شيئا» ؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائة أوقية من ذهب، وجاء العباس وطلحة بمال كثير، وجاء عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أحد الأنصار بصاع من تمر «4» ، وأرسلت النساء ما استطعن من حلي. وهكذا ضرب المسلمون أروع ألوان التضحية والبذل، وتكاثر الراغبون في الجهاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغون الظّهر والنفقة حتى لم يبق لديه شيء.

,

البكاؤون

وجاء جماعة إلى رسول الله وكانوا سبعة يسألونه ما يحملهم عليه فلم يجدوا، فرجعوا وهم يبكون أسفا وحزنا على ما فاتهم من شرف الجهاد مع رسول الله، والمساهمة في النفقة فيه، وقد عذرهم الله حيث قال:

لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ

__________

(1) الأحلاس: جمع حلس وهو كساء يوضع على ظهر البعير تحت الرحل. الأقتاب: جمع قتب وهو ما يوضع على ظهر البعير للركوب.

(2) وأما روآية عشرة الاف دينار فسندها واه كما قال الحافظ، ولعلها كانت بعشرة الاف درهم فتتوافق الروايتان.

(3) رواه أحمد والترمذي.

(4) تفسير ابن كثير والبغوي، ج 4 ص 212.

ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ «1» .

وقد روي أن يامين بن عمرو جهز اثنين، وجهز عثمان ثلاثة، والعباس اثنين «2» .

وإن لنا هنا لوقفة ترينا كيف بلغ حب الجهاد والبذل في سبيل الله في نفوس الصحابة، وأنهم كانوا يؤثرون رضاء الله ورسوله على كل محبوب لديهم، وبهذه المعاني والخصائص النفسية فتحوا العالم وسادوا الدنيا.

,

خروج الجيش

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس في جيش كثيف يزيد عن الثلاثين ألفا، يتقدمهم عشرة الاف فارس في مشهد مثير يستولي على المشاعر، ويستهوي القلوب، ويثير العزائم حتى وصل إلى ثنية الوداع حيث عسكر هناك، وضرب عبد الله بن أبيّ عسكره أسفل من عسكر النبي، وقد استخلف النبي على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري وقيل: سباع بن عرفطة الغفاري، واستخلف على أهله علي بن أبيّ طالب، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا له حتى قال علي لرسول الله: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال له: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» رواه البخاري ومسلم.

تخلّف المنافقين وتخذيلهم عن الرسول

ثم لم يلبث ابن أبي أن تخلف وتخلف معه كثير من المنافقين، وقال بعضهم: يغزو محمد بني الأصفر- الروم- مع جهد الحال والحر والبلد البعيد!! أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب!! والله لكأني أنظر إلى

__________

(1) سورة التوبة: الايتان 91، 92.

(2) نور اليقين، ص 246.

أصحابه مقرّنين في الحبال!! وتعلّل بعضهم بالتعلّات الباطلة من بعد الشقة وشدة الحر، وهم الذين ذكرهم الله في قوله:

وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ «1» .

وقوله:

لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ... «2» الاية.

ومن هؤلاء الجدّ بن قيس، فقد قال له الرسول: «يا جدّ هل لك العام في جلاد بني الأصفر» فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني؟ فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني خشيت إن رأيت نساء بني الأصفر ألاأصبر، فأعرض عنه الرسول.

,

تحريق بيت سويلم

وبلغ رسول الله أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله في غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرّق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم بعضهم من ظهر البيت فانكسرت رجله، وأفلت الاخرون.

,

المعتذرون

وجاء قوم من المنافقين يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم عذر، وإنما هو النفاق والشك وكراهية الجهاد، فأذن لهم بناء على ظاهر حالهم، ولكن الله عاتبه على الإذن لهم فقال:

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ إلى قوله: فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ «3» .

__________

(1) سورة التوبة: الاية 81.

(2) سورة التوبة: الاية 42.

(3) سورة التوبة: الايات 43- 45.

وفي شأن المنافقين المتخلفين عن تبوك أنزل الله ايات كثيرة في سورة التوبة، وسنعرض لهم فيما بعد.

,

المتخلفون من غير نفاق

وتخلف جماعة من المسلمين لا يتهمون في إيمانهم، ولكن عن كسل، وميل إلى الراحة، منهم الجماعة الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد، ومنهم الثلاثة الذين خلّفوا، وسنعرض لهم فيما يأتي ومن المتخلفين من تدارك أمره، فلحق بالرسول في الطريق أو في تبوك.

,

مسيرة الجيش إلى تبوك

ثم سار الرسول قاصدا تبوك، وأعطى اللواء الأعظم الصدّيق أبا بكر رضي الله عنه ولا يخفى على القارىء الفطن ما في إعطائه صلى الله عليه وسلم اللواء في اخر غزوة غزاها الصدّيق، وتخليفه عليا في أهل بيته من إشارة لطيفة إلى أن الصدّيق أحق الصحابة بالخلافة. ووزع الرسول الرايات، فأعطى الزبير بن العوام راية المهاجرين، وأسيد بن حضير راية الأوس، والحباب بن المنذر راية الخزرج.

وسار الجيش في جهد شديد من قلة الظّهر، حتى كان الرجلان والثلاثة يعتقبون على بعير واحد، ومن قلة المؤنة حتى كان الرجلان والثلاثة يقتسمون التمرة فيما بينهم، حتى استأذنوا رسول الله أن ينحروا رواحلهم فيأكلون منها، فأذن لهم، فجاء الفاروق عمر فقال: يا رسول الله إن فعلنا قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة، فقال الرسول: «نعم» ودعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم حتى اجتمع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله بالبركة ثم قال: «خذوا في أوعيتكم» ، فأخذوا حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوها، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد ألاإله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» «1» .

__________

(1) رواه مسلم والبيهقي، عن البداية والنهاية ج 5 ص 10.

وأصيبوا بعسرة في الماء حتى عطشوا عطشا شديدا كادت تتقطع منه رقابهم، حتى كان الرجل منهم ينحر بعيره فيعتصر ما في كرشه من ماء فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا. فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى أمطرت السماء، فشربوا وملأوا ما معهم، ثم ذهبوا فنظروا فلم يجدوها جاوزت العسكر. وقد ذكر ابن إسحاق أن هذه القصة كانت وهم بالحجر، وأنهم قالوا لرجل معهم منافق: ويحك هل بعد هذا من شيء؟ فقال: سحابة مارة!!.

وهكذا لم ينفك المنافقون عن شكهم وإرجافهم، بل قال بعضهم- يقال إنه زيد بن نصيب «1» - وقد ضاعت ناقة رسول الله: هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال الرسول: «إني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، هي في الوادي، حبستها شجرة بزمامها» فانطلقوا فوجدوها كما أخبر الرسول فجاؤوا بها.

وقد دلّل النبي بمقالته تلك على أنه نبي حقا يوحى إليه، وهكذا الأنبياء لا يعلمون إلا ما علّمهم الله سبحانه، ولا يزعمون لأنفسهم علم الغيب، وإنما ذلك شأن المشعوذين والدجالين، أما زيد بن النصيب فقيل: إنه تاب، وقيل:

ما زال منافقا حتى هلك.

,

كن أبا خيثمة

وكان أبو خيثمة رضي الله عنه ممن تخلّف من غير عذر، فرجع بعد ما سار رسول الله إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان له، وقد رشّت كل واحدة منهما عريشها، وبرّدت فيه ماء، وهيّأت فيه طعاما، فلما رأى ذلك قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح «2» ، والريح، والحر، وأبو خيثمة في

__________

(1) في الإصابة: زيد بن لصيب بلام مهملة ومثناة مصغّرا، وقيل بنون في أوله واخره مواحدة يعني باء، ثم ذكر عن ابن إسحاق قصته هذه في تبوك (الإصابة ج 4 ص 571) .

(2) الضح بكسر الضاد: الشمس وضوؤها (قاموس) .

ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم!! ما هذا بالنّصف، والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله، فهيّئا زادا ففعلتا.

ثم ركب راحلته ولحق برسول الله حين نزل بتبوك، فلما دنا من الجيش قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله: «كن أبا خيثمة» فنظروا فإذا هو أبو خيثمة. فسلّم على الرسول وأخبره خبره، فدعا له بخير.

وكذلك لحق برسول الله عمير بن وهب الجمحي «1» .

,

كن أبا ذر

لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل الرجل يتخلّف عنه فيقولون:

يا رسول الله تخلّف فلان فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم.

وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» . حتى قيل يا رسول الله تخلف أبوذر وأبطأ به بعيره، فقال مقالته تلك.

فتلوم- انتظر- أبوذر بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع رسول الله ماشيا، ونزل رسول الله في بعض منازله، ونظروا فإذا رجل ماش على الطريق، فقال رسول الله: «كن أبا ذر» فتأمله القوم فإذا هو أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أبا ذر، يمشي واحده، ويموت واحده، ويبعث واحده» .

وقد صدقت نبوءة الرسول، ففي عهد عثمان خرج إلى الربذة «2» وأقام بها حتى مات، فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا أنا مت فاغسلاني، وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمر فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما مات فعلوا به كذلك، فإذا ابن مسعود مار في رهط من الكوفة، فقال: ما هذا؟ فقيل له: جنازة أبي ذر، فبكى وقال: صدق رسول الله «يرحم الله أبا ذر ... » ونزل فتولّى دفنه بنفسه.

__________

(1) البداية والنهاية ج 5 ص 7، 8.

(2) الربذة: على وزن قصبة: مكان على الطريق بين المدينة والعراق، على ثلاثة أيام من المدينة.

,

النزول بالحجر

ولما مرّ رسول الله بالحجر- ديار ثمود- قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، أن يصيبكم مثل ما أصابهم» ثم قنّع «1» رأسه وأسرع السير حتى أجازوا الوادي «2» .

وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الابار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذّبوا فقال: «إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم» . وذكر ابن إسحاق نحو ذلك وكذا البخاري في صحيحه، وهكذا لا يجد النبي فرصة للاعتبار إلا ذكّرهم وحذّرهم.

,

انسحاب الروم

ولما وصل جيش المسلمين تبوك لم يجد أحدا هنالك، لأن الروم لما بلغهم مسير هذا الجيش الذي يؤثر الموت على الحياة اثروا الانسحاب إلى بلاد الشام ليتحصنوا بحصونها، فلم ير النبي داعيا لتتبعهم داخل بلادهم، وأقام عند الحدود يناجز من شاء أن يناجزه ويقاومه.

,

وفود صاحب أيلة وأهل جرباء وأذرح

«3»

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضعة عشر يوما، ليريهم أن سلطان الله في الأرض لا يرهب أحدا، وليؤمن الحدود الشمالية بمعاهدة المجاورين له.

__________

(1) قنّع رأسه: غطاها بثوبه.

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) أيلة بفتح الهمزة وسكون الياء: قرية بين الحجاز والشام على خليج العقبة. والجرباء: قرية من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام. أذرح بفتح الهمزة وسكون الذال، وضم الراء اخره حاء مهملة: بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء مجاورة لأرض الحجاز، وهي قريبة من الجرباء.

وكان يحنة بن رؤبة «1» صاحب أيلة أحد الأمراء المقيمين على الحدود قد أتى إلى رسول الله وصالحه وأعطاه الجزية، فأمنه وكتب له كتابا.

وأتاه أهل جرباء وأذرح وصالحوه أيضا وأعطوه الجزية، فأمنهم وكتب لهم كتابا.

وأهدى صاحب أيلة النبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم أي ببلدهم «2» .

,

كتاب رسول الله ليحنة

«بسم الله الرحمن الرحيم: هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» وأعطاهم النبي برده مع كتابه زيادة في الأمان لهم.

,

كتاب أهل جرباء وأذرح

«بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبي رسول الله لأهل جرباء وأذرح: إنهم امنون بأمان الله وأمان محمد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب، ومائة أوقية طيبة. وإن الله عليهم كفيل بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين» .

,

الأوبة إلى المدينة

وبعد أن أقام النبي بتبوك مدة استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام، فقال الفاروق عمر: إن كنت أمرت بالسير فسر، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت أمرت بالسير لما استشرت» فقال عمر: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعنا في هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله أمرا، فاستجود النبي رأيه، واتبع مشورته بالرجوع إلى المدينة، فعادوا حامدين شاكرين.

__________

(1) دومة هي المعروفة بدومة الجندل بين المدينة ودمشق، وأكيدر: على صيغة المصغر هو ابن الملك الكندي ملكها.

(2) مخوص: مزين بالذهب.

(3) حياة محمد ص 444.

(4) الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 125- 128.

ونعمّا أشار به الفاروق، فإنه ربما يكون من المخاطرة الحرب في بلاد الشام، مع أن الجزيرة لم تكن أسلمت أو استسلمت كلها، وقد تمّ ذلك بعد تبوك. قدمت ثقيف مسلمة ومذعنة في هذا العام وما بعده حتى صارت الجزيرة كلها على قلب رجل واحد، وبذلك حصل التهيؤ للجهاد والفتوحات خارج الجزيرة وتبليغ الإسلام للناس كافة، وهذا ما قام به الخلفاء الراشدون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

,

موت ذي البجادين

«1»

وفي طريق الأوبة مات عبد الله ذو البجادين، فحفروا له ونزل رسول الله في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه. وإذا هو يقول: «أدنيا لي أخاكما» فدلياه فلما هيأه لشقه قال «اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه» .

,

مكيدة بعض المنافقين

كان بعض المنافقين في الأوبة تامروا على رسول الله أن يزحموه في الطريق وهو على رأس عقبة- مكان عال- ولكن الله عصمه منهم. روى البيهقي عن حذيفة بن اليمان قال: كنت اخذا بخطام ناقة رسول الله، وعمار يسوق الناقة، حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ فيهم، فولّوا مدبرين، فقال رسول الله: «هل عرفتم القوم؟» قلنا: لا، يا رسول الله، قد كانوا متلثمين، قال: «هؤلاء المنافقون يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟» قلنا: لا، قال: «أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها!!» قلنا: أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: «لا، أكره أن يتحدث العرب أن محمدا قاتل بقومه حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم» ودعا عليهم.

__________

(1) البجاد بكسر الباء وبالجيم هو الكساء الغليظ المخطط، كان يريد الإسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجاد فشقه اثنين، فائتزر بواحد وارتدى بالاخر وقدم على رسول الله فقيل له: ذو البجادين لذلك.

وروى الإمام أحمد في مسنده نحو ذلك وزاد: أن عمارا صار يضرب وجوه رواحلهم ينحّيها عن رسول الله حتى قال: (قد، قد) يعني كفى، كفى، وهم الذين عناهم الله بقوله سبحانه: وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا «1» يعني قتل الرسول.

__________

(1) سورة التوبة: الاية 74.

,

طوائف المتخلفين

كان المتخلفون في غزوة تبوك أربعة أصناف:

1- مأمورون مأجورون، كعلي بن أبي طالب، ومحمد بن مسلمة.

2- ومعذورون، وهم الضعفاء والمرضى والمقلّون الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا يجد الرسول ما يحملهم عليه كالبكائين وأمثالهم.

3- وعصاة مذنبون، وهم الثلاثة الذين خلّفوا، وأبو لبابة وأصحابه الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد حتى يتوب الله عليهم.

4- واخرون ملومون مذمومون، يظهرون خلاف ما يبطنون وهم المنافقون «1» .

,

المنافقون

أما المنافقون فقد جاؤوا إلى رسول الله يعتذرون عن تخلفهم، ويحلفون الأيمان الكاذبة، وينتحلون المعاذير، فأعرض عنهم النبي وترك حسابهم لله سبحانه وتعالى. وفي هؤلاء نزل قول الله تعالى:

__________

(1) البداية والنهاية، ج 5 ص 27.

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ.

إلى قوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «1» .

وقوله:

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ... الاية «2» .

إلى غير ذلك من الايات المتكاثرة التي كشفت عن المنافقين وأساليبهم في سورة التوبة.

,

أبو لبابة وأصحابه

وهم قوم تخلفوا كسلا وميلا إلى الراحة، لا شكا ولا نفاقا، وكانوا سبعة وقيل عشرة، فقد أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد «3» ، تعبيرا عن بالغ ندمهم، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من هؤلاء؟» قالوا: أبو لبابة وأصحابه، تخلّفوا عنك وعاهدوا الله عز وجل ألايطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت تطلقهم وترضى عنهم، فقال: «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله عز وجل هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين» .

فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله سبحانه قوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم، وقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا، وكان هذا شأن الصحابة رضي الله عنهم إذا تاب الله عليهم من ذنب قدموا أموالهم شكرا لله، فقال: «ما أمرت أن اخذ من أموالكم شيئا» فأنزل الله سبحانه قوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ

__________

(1) سورة التوبة: الايات 94- 98.

(2) سورة التوبة: الاية 101.

(3) هي الأعمدة.

وَتُزَكِّيهِمْ بِها ... إلى قوله تعالى: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «1» فأخذ رسول الله ثلث أموالهم وترك لهم الباقي.

الثلاثة الذين خلّفوا

وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه، فلذلك نزلت توبة هؤلاء وتأخرت توبة كعب وصاحبيه خمسين ليلة، وهم المرادون بقوله سبحانه:

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «2» .

وإليك خلاصة قصة هؤلاء الثلاثة، وسأحرص على إيراد لفظها لأنها قطعة من الأدب النفسي والقولي.

روى البخاري ومسلم وغيرهما- واللفظ للبخاري- «3» عن كعب قال:

لم أتخلّف عن رسول الله في غزوة غزاها إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلّفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلّف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ... حتى كانت تلك الغزوة التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفاوز وعددا كثيرا ... والمسلمون مع رسول الله كثير لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان-.

فتجهز إليها رسول الله، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا- خرجوا- ولم أقض شيئا،

__________

(1) سورة التوبة: الايات 102- 105.

(2) سورة التوبة: الاية 106.

(3) صحيح البخاري- كتاب المغازي- حديث كعب بن مالك.

فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم- وليتني فعلت- فلم يقدّر لي ذلك.

فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا «1» عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء.

ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال: «ما فعل كعب» ؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه «2» ، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا.

قال كعب: فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل.

فجئته، فلما سلّمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلّفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرا» ؟

فقلت: بلى- والله- لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثا تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» .

ثم قلت: هل لقي هذا أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي.

__________

(1) أي مطعونا عليه.

(2) العطف: الجانب والمراد إعجابه بنفسه.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فقد استكانا وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، واتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر «1» ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض.

حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت «2» جدار حائط- بستان- أبي قتادة- وهو ابن عمي وأحبّ الناس إلي- فسلمت عليه، فو الله ما ردّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي.

قال: وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط «3» أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: (أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك) فقلت: وهذا أيضا من البلاء، فتيمّمت بها التنور- الفرن- فسجرته بها.

فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك،

__________

(1) أنظر إليه خلسة.

(2) أي: علا عليه ودخل.

(3) جيل من الناس يسكنون سواد العراق.

فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه قال:

«لا، ولكن لا يقربك» فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومنا ...

قال: فلبثت بعد ذلك عشر ليال وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع «1» يقول بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. واذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقّاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- وهو يبرق وجهه من السرور-: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قلت: يا رسول الله إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير» قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.

وقلت: يا رسول الله إنما نجّاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك

__________

(1) بفتح السين وسكون اللام.

لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت.

وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ إلى قوله:

وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ «1» .

,

وقفات عند هذه القصة

وإن لنا في هذه القصة لعبرا وعظات وايات بينات، تدل على فضل الصحابة وما وصلوا إليه من سمو في الدين والأخلاق وتقدير للمعاني الروحية والقيم الأدبية، منها:

1- صدق الإيمان، وقوة اليقين، وحضور القلب، وكيف يسمو الإيمان بصاحبه حتى يرى السعادة الحقة الكاملة في رضوان الله ورسوله، والشقاوة كل الشقاوة في غضبهما وإنا لنلمس هذا في قول كعب: (حتى تنكرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرف) . وفي بعض الروايات: (تنكرت لنا الحيطان، وتنكر لنا الناس، حتى ما هم الذي نعرف) . وهذا المعنى يجده الحزين والمهموم في كل شيء، حتى قد يجده في نفسه فينكرها، بل نلمس هذا المعنى بصورة أكبر في قول الله عنهم: وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ.

والإنسان قد تضيق به الأرض من سوء من يجاوره أو لعدم وجود من يشاكله، ومع هذا فيكون في اطمئنان من قلبه، ورضى من نفسه، ورحابة من صدره، ولكن أضيق الضيق أن تضيق بالإنسان نفسه، وحينئذ تصير الحياة مهما أحيطت بمظاهر النعيم جحيما لا تطاق، ويكون الموت خيرا من الحياة، وهذا يدل على مبلغ ما كان يتمتاع به هؤلاء الثلاثة من قلوب متيقظة ونفوس شفافة وضمائر حية.

2- إن المقاطعة والهجر كان نوعا من أنواع التأديب والزجر في صدر الإسلام، وقد أثمر هذا اللون من التأديب ثمرته ووصل بهم إلى هذه الخاتمة السعيدة الموفقة، وإن أضر شيء على أي مجتمع أن يجد فيه أهل الفسق

__________

(1) سورة التوبة: الايات 117- 119.

والفجور، وأهل الظلم والابتداع، وأهل الاستهتار بالقيم الدينية والخلقية صدورا رحبة، ونفوسا ترضى عن فعلهم، بل وتحتضنهم، ولو أن العصاة والمذنبين والمنحرفين عن الصراط المستقيم وجدوا من المجتمعات التي يعيشون فيها نبذا لهم ومقاطعة وازدراء، لكان هذا من أقوى العوامل الدافعة إلى أن يرشد الغاوي، ويستقيم المعوج، ويصلح الطالح.

3- إن المتأمل في القصة يعجب كيف أن الصحابة نفّذوا ما أمر به الرسول من المقاطعة حتى ولو كانوا في غيبة عن أعين الرقباء. فهذا كعب ينشد ابن عمه كلمة عسى أن يجد فيها ما يخفف ما به من حزن وأسى، ولكنه يأبى عليه هذه الكلمة، ويكل علم ذلك إلى الله ورسوله، وهذه غاية ما يطمع فيه مجتمع من أمانة ومراقبة لله.

4- في أثناء المحنة تعرض كعب لمحنة أخرى كانت أقسى وأشد من الأولى، فهذا هو ملك غسان يكتب له كتابا وهو في أشد أوقات المقاطعة وضيق النفس، يفسح له من صدره، ويفتح له باب الأماني الحلوة، والجاه العريض، ويستغل ما كانت عليه حالته النفسية، فيقول له: قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك!!.

لو ان كعبا- رضي الله عنه- كان رقيق الإيمان، ضعيف النفس والخلق لوجد في هذه الفرصة السانحة المغرية ما يرغم به أنوف مقاطعيه ونابذيه، ولكن أدرك بادىء ذي بدء أنها محنة أخرى أقسى من الأولى، فلا يرضيه أن يجيب الرجل بالسلب، أو يرمي بالكتاب ويمزقه، ولكنه رمى به في التنور ليصير رمادا، ويصير كل ما به دخانا يتبدد في الهواء، وخرج الرجل من محنته وهو أقوى ما يكون إيمانا، وأصفى ما يكون روحا، وأكرم ما يكون أخلاقا، فيا لعظمة هذه النفوس المؤمنة الكبيرة!!.

5- هذه القصة توحي بما كان يتمتاع به المجتمع الإسلامي انئذ من تقدير للقيم الدينية والخلقية، فغاية ما يطمع فيه الفرد أن يكون على كمال في دينه، ومن أجلّ النعم عندهم نعمة التوبة، إنها للجديرة بأن يهنأ بها المسلم، وإنا

لنلمس هذا المعنى في قول الرسول لكعب: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» وخلع كعب ثوبيه الوحيدين لمن بشره بالتوبة، ومجيء المسلمين أفواجا لتهنئة كعب وصاحبيه، وعدم نسيان كعب لطلحة بن عبيد الله مصافحته وتهنئته له.

6- إن من أدب الصحابة- وهم خير من يمثل الإسلام- أن من شكر الله على نعمائه أن يخرج شيئا من ماله صدقة على الفقراء والمساكين والمحتاجين، برا بهم ومواساة لهم، ترى لو أن كل من حصلت له نعمة دينية أو دنيوية جعل شيئا من ماله لله فهل كنت تجد بائسا أو محروما، أو جائعا أو عاريا؟ فلا تعجب وقد كوّن الصحابة هذا المجتمع المثالي في عقيدته، وسلوكه، وأخلاقه أن خاطبهم الله سبحانه هذا الخطاب الشريف:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «1» .

وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «2» .

,

تبوك خاتمة الغزوات

وبغزوة تبوك تمت كلمة ربك في شبه الجزيرة العربية كلها، وأمن النبي صلى الله عليه وسلم الحدود الشمالية، وأمن من كل عادية عليها، وأقبل سائر العرب وفودا يقدمون الطاعة، ويعلنون لله الإسلام، وقد كانت هذه الغزوة خاتمة غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق وعد الله تعالى:

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «3» .

__________

(1) سورة ال عمران: الاية 110.

(2) سورة البقرة: الاية 143.

(3) سورة التوبة: الاية 33.

,

تفسير ما نزل من الايات في تبوك

لقد أنزل الله سبحانه في تبوك ايات كثيرة وإليك تفسيرها موجزا:

قال عز شأنه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ: نزلت في الحث على غزوة تبوك، وكانت في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، حين طابت الثمار والظلال، فكان لابدّ من الترغيب في الخروج، والتنفير من القعود. اثَّاقَلْتُمْ: أصلها تثاقلتم، أدغمت التاء في الثاء فصارت ساكنة، فأتي بهمزة الوصل: أي تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة وطيب الثمار. أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ: أفعلتم هذا رضاء للدنيا بدل الاخرة، ثم زهّد في متاع الدنيا ورغب في الاخرة فقال:

فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، ثم أوعدهم على ترك الجهاد فقال:

إِلَّا تَنْفِرُوا هي إن الشرطية المدغمة في لا النافية يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً:

جواب الشرط، يعني في الاخرة، أو فيها وفي الدنيا كمنع المطر عنهم.

وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ: خيرا منكم وأطوع. وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً: بترككم النفير. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: فهو ينصر نبيه بدونكم.

ثم بيّن الله أن نصرة نبيه ليست متوقفة عليكم، وإلا فقد نصره الله على أعدائه لما خرج مهاجرا ليس معه إلا صاحبه الصدّيق ولا أعوان معه ولا سلاح، وقد أيده بجنود لم تروها وهم الملائكة، فأنجاه الله منهم وهم مسلحون وهو على قيد أذرع منهم فقال: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إلى قوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وهو من الاستطرادات اللطيفة البديعة.

ثم عاد إلى الحث على غزوة تبوك فقال: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: قيل إنها أول ما نزل من سورة براءة، وهو قول سديد يتفق وما روي أن صدر السورة نزل قبيل خروج أبي بكر أميرا على الحج سنة تسع أو بعد خروجه بقليل، وتبوك قبل حجة الصديق قطعا.

ومعناها: شبابا وشيبا، وأغنياء وفقراء، وأقوياء وضعفاء، ومشاة وركبانا، في العسر واليسر، والمنشط والمكره. ثم من العلماء من يرى أن ذلك كان في أول الأمر بسبب ما لابس تبوك من ظروف، ثم نسخ باية لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى.... واية: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، ومنهم من يرى أنها محكمة، وكان بعض السلف الصالح على هذا، ويخرج للجهاد على أي حال «1» منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن عمرو من الصحابة، ومن التابعين سعيد بن المسيب كما قدمنا.

ذلِكُمْ: أي الجهاد بالنفس والمال خَيْرٌ لَكُمْ: في الدنيا لما فيه من العزّة والظهور على الأعداء، والاخرة لأن الله ضمن للمجاهدين في سبيل الله الجنة. ثم وبّخ الله المتخلفين في تبوك فقال: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً: أي غنيمة قريبة المتناول. وَسَفَراً قاصِداً: قريبا هيّنا. لَاتَّبَعُوكَ: لخرجوا معك.

وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ: المسافة. وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ: لكم إذا رجعتم إليهم قائلين: لَوِ اسْتَطَعْنا: الخروج، لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ... : بالتخلف من غير عذر والأيمان الكاذبة.

كان جماعة استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخلفوا عنه فأذن لهم، وكان الأولى أن لا يأذن لهم لأنهم لا أعذار لهم، فعاتبه الله على هذا، وهذا من ألطف أنواع الكلام، حيث قدّم العفو على العتاب. وهو يدل على غاية إكرام الله لخاتم

__________

(1) تفسير ابن كثير والبغوي، ج 4 ص 179.

أنبيائه، وحفاوته به فقال: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ.

ثم بين الله أنه لا يستأذنه المؤمنون المخلصون في التخلف عن الجهاد، وإنما ذلك شأن المنافقين فقال: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ: شكت ونافقت، فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ: يتحيرون لا يثبتون على حال.

ثم هوّن الله الأمر على نبيه في شأن المتخلفين، وأنهم لم يكونوا جادّين في اعتذارهم، وأن الخير في عدم خروجهم فقال: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً: من سلاح وكراع «1» ، وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ:

خروجهم معكم مع أمرهم به شرعا، فَثَبَّطَهُمْ: بعد التوفيق وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ: المرضى والزّمنى والنساء والصبيان. أي قال بعضهم لبعضهم ذلك.

ثم بين تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا: أي فسادا وشرا، وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ: الإيضاع الإسراع، أي لأسرعوا بالسعي فيما بينكم بالفتنة والبغضاء والنميمة، وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ: أي مستجيبون لأحاديثهم ووسوستهم. ثم بين الله سبحانه أنهم طالما فكروا في كيدك وخذلان دينك، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كما فعل ابن أبيّ في أحد، ولكن الله ردّ كيدهم في نحرهم، ونصرك وأظهر دينك، فقال: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ، وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ النصر وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ: دينه على كره منهم. قال تعالى:

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي: نزلت في الجدّ بن قيس كما قدمنا.

ثم بيّن الله تأصل عداوة هؤلاء المنافقين فقال: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ:

نصر أو غنيمة تَسُؤْهُمْ: تحزنهم وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ: من قتل أو هزيمة

__________

(1) الكراع: بضم الكاف، جماعة الخيل.

يَقُولُوا: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ: أي حذرنا بالقعود عن الغزو وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ: بما نالكم من مصيبة قُلْ لهم يا محمد: لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا: هو تعزّ بالقضاء بعد نزول البلاء، ولن يخفف عن الإنسان ألم المصيبة إلا الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك هُوَ مَوْلانا: ناصرنا وحافظنا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: ونحن متوكلون عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ: إما النصر والغنيمة، أو الشهادة والمغفرة وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ: فيهلككم كما أهلك الأمم الخالية أَوْ بِأَيْدِينا بالقتل أو السبي فَتَرَبَّصُوا: ما وعدكم به الشيطان إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ما وعدنا الله به قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً: أي طائعين أو مكرهين. قيل نزلت في الجدّ بن قيس حين اعتذر وقال: أعينكم بمالي لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ: عاصين لله ورسوله.

وبعد أن ذكر الله سبحانه أصنافا من المنافقين ومقالاتهم ونيلهم من النبي والمسلمين رجع إلى أخبار تبوك فقال: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ: أي مخالفين له أو متخلّفين بعده وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ: أي قال بعضهم لبعض ذلك قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا: في الدنيا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً: في الاخرة جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ: من النفاق فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ: أي ردّك، والمراد بالطائفة الذين تخلفوا نفاقا فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك في غزوة أخرى فَقُلْ: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً في سفر وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا، إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ:

يعني في غزوة تبوك فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ: الرجال الذين تخلّفوا بغير عذر وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ... : نزلت بسبب صلاة النبي على ابن أبيّ المنافق كما سيأتي، وحكمها عامّ في كل من عرف نفاقه.

قال تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ المعذرون: قرىء بالتشديد من عذر في الأمر إذا قصر فيه، وحقيقته أن يوهم أن له عذرا فيما فعل ولا عذر له، أو أصله المعتذرون أدغمت التاء في الذال ونقلت حركتها إلى

العين، وهم الذين يعتذرون بالباطل، وهم جماعة من الأعراب جاؤوا يعتذرون ولا عذر لهم، وقرأ يعقوب ومجاهد: المعذرون بالتخفيف، وهم المبالغون في العذر، يقال في المثل: «لقد أعذر من أنذر» قال ابن إسحاق: إنهم نفر من بني غفار وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ: يعني المنافقين. قال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين كان سيئا، قوم تكلّفوا عذرا بالباطل، وقوم تخلّفوا من غير تكلف عذر، فقعدوا جرأة على الله تعالى، فأوعدهم الله بقوله: سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.

ثم بيّن الله تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد عن القتال بسببها، سواء ما كان منها لازما لا ينفك عن صاحبه، أو عارضا، فقال: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ، وَلا عَلَى الْمَرْضى، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ: طريق بالعقوبة والمؤاخذة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: بهم وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ لتوفر لهم الظهر والنفقة قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ: وهم البكاؤون كما أسلفنا.

وفي الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وهو راجع من تبوك: «إن بالمدينة أقواما ما قطعتم واديا ولا سرتم مسيرا إلا وهم معكم» قالوا وهم بالمدينة؟ قال: «نعم، حبسهم العذر» إِنَّمَا السَّبِيلُ: الحجة بالعقوبة عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ: النساء جمع خالفة وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ: بسوء اختيارهم فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ:

النافع من الضار.

ثم أعلم الله نبيه بأنه عند رجوعه إلى المدينة سيأتي المنافقون المتخلّفون يعتذرون، وأوصاه بأن لا يصدقهم فقال: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ، قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ: لن نصدقكم قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ فيما سلف وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ: فيما يستقبل، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ

تَعْمَلُونَ: من خير أو شر، ويجازيكم عليهما سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ: إخبار بأنهم سيشفعون اعتذارهم بالأيمان الكاذبة لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ:

لتصفحوا عنهم ولا تؤنّبوهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ: احتقارا لهم إِنَّهُمْ رِجْسٌ:

نجس بواطنهم واعتقاداتهم وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ:

يجترحون من السيئات.

ثم بيّن سبحانه إلحاحهم في الحلف فقال: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ: فلا تركنوا إليهم فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي إن فرض أنكم رضيتم عنهم فلن يرضى الله عنهم لأنهم فاسقون خارجون عن طاعة الله ورسوله.

ثم بيّن الله طوائف الأعراب أي أهل البدو، وأنّ منهم كفارا، ومنافقين ومؤمنين، وأنهم أعرق في الكفر والنفاق من غيرهم، فقال: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً من أهل الحضر لغلظ قلوبهم، وبعدهم عن مراكز العلم والاستنارة وهي المدن وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ أجدر: أحرى لبعدهم عن سماع القران ومعرفة السنن وهما أصل الدين والفقه والعلم وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: عليم بقلوب خلقه حكيم فيما شرعه من شرائع.

ثم ذكر صنفا اخر من الأعراب فقال: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً المغرم التزام ما لا يلزم، فهم لا يرجون على الإنفاق ثوابا، ولا يخافون على إمساكه عقابا، إنما ينفقون خوفا ورياء وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ: الحوادث والشرور والافات عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ قرىء بفتح السين وضمها، أي سينزل بهم البلاء والشرور وما يترقبونه للمؤمنين وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.

ثم ذكر الصنف الفاضل المؤمن الخيّر فقال: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ: طاعات تقربهم من الله وَصَلَواتِ الرَّسُولِ: أي دعائه واستغفاره لهم أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ: حقا

وواقعا سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ: جنته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثم استطرد سبحانه إلى ذكر خيار المؤمنين فقال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ... الاية.

ثم بيّن الله أن في الأعراب منافقين، وفي أهل المدينة منافقين فقال:

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ: أي مرنوا عليه لا تَعْلَمُهُمْ يا محمد يقينا، وإنما تعلمهم بعلاماتهم وأماراتهم، فهو لا ينافي قوله سبحانه في سورة محمد: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ «1» أو معناه لا تعلمهم جميعا، وهو لا ينافي أنه كان يعلم بعضهم، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أسرّ إلى حذيفة بأسماء بعضهم.

نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ، سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ اختلف في تفسير المرتين على أقوال عدة، فقيل الفضيحة في الدنيا وعذاب القبر، وقيل المصائب في الأموال والأولاد، وقيل بافتضاح أمرهم، وبما كان يداخلهم من الغم والحزن عند ظهور الإسلام. والذي يترجح عندي أن المراد به التكثير لا التحديد، فهو مثل قوله سبحانه: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ويكون المراد ما ينزل بهم في الدنيا من بلاء ومصائب وافتضاح، وما كان يحزّ في نفوسهم كلما حصل للمسلمين نصر وظهور وللإسلام انتشار ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ: عذاب جهنم خالدين فيها أبدا.

قال تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الاية، هم أبو لبابة وأصحابه، وقد قدّمنا قصتهم خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ: بها من ذنب تخلفهم بغير عذر كسلا وتهاونا، لا نفاقا ولا شكا وَتُزَكِّيهِمْ بِها: من شبهة النفاق إلى منازل المخلصين، والضمير في أَمْوالَهُمْ* قيل للمذكورين في الاية السابقة فإنهم لما تاب الله عليهم عرضوا على النبي أن يتصدقوا بأموالهم، فأخذ منهم الثلث وترك الباقي، وعلى هذا يكون المراد بالصدقة صدقة النفل كفارة

__________

(1) لحن القول: فحواه ومعناه الذي يفهم منه نفاقهم، وذلك بما يبدو منهم رغما عنهم ويظهر من فلتات لسانهم، وعلى قسمات وجوههم، ورضي الله عن ذي النورين عثمان حيث قال: (ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه) .

لذنوبهم، ومن العلماء من يجعل الاية مستقلة عما قبلها وأنها تشريع عام لجميع الناس فقالوا: إن المراد صدقة الفرض وهي الزكاة.

وَصَلِّ عَلَيْهِمْ: ادع لهم واستغفر لهم إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ:

طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم توبتهم على الأول، وزكاتهم على الثاني، وكان من أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه رجل بصدقة قوم دعا لهم أو بصدقته دعا له، وهل هذا الدعاء واجب، أو مستحب، وفي صدقة الفرض أم في صدقة التطوع أم فيهما معا؟ خلاف بين العلماء «1» . أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ: هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحو السيئات وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: ومن شأن التواب أنه يقبل توبة من تاب إليه بشروطها.

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ حثّ للتائبين أن يتداركوا ما فاتهم من الغزو ويعملوا صالحا فيما يستقبلون من أمرهم وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وعد للطائعين ووعيد للمخالفين بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى يوم القيامة، فيجازيهم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ: هم الثلاثة الذين خلّفوا، فقد قبل الله توبة أبي لبابة وأصحابه، وأرجأ توبة هؤلاء الثلاثة حتى تاب عليهم إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ: أي هم تحت عفو الله، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم، ولكن رحمته تسبق غضبه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله، منزّه عن العبث والهوى.

ثم أنزل الله التوبة عليهم في قوله سبحانه: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ: أي وقت العسرة ولم يرد ساعة بعينها، ويَزِيغُ: يميل ولم يرد الميل عن الدين، بل أراد الميل إلى التخلف والانصراف عن السير للشدة التي

__________

(1) تفسير ابن كثير والبغوي، ج 4 ص 235.

نزلت بهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ*: توكيدا للأولى إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا إلى قوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ: أي وتاب عن الثلاثة، وقد ذكرنا قصتهم سابقا مستوفاة، ومعنى خلّفوا أي أرجىء قبول توبتهم عن توبة أبي لبابة وأصحابه، وقيل تخلّفوا عن غزوة تبوك، ومعنى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا أي ليستقيموا على التوبة ويستمروا عليها.

قال تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ: هذا عتاب من الله للمتخلّفين عن رسول الله في غزوة تبوك من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ومعنى ما كانَ*: ما صح وما ينبغي، وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ: أي ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن أن يصيبهم من الشدائد ما نزل به، فيختاروا الراحة والدّعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشقة السفر ومعاناة التعب، فإنهم حرموا أنفسهم من الأجر ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ: في سفرهم ظَمَأٌ: عطش وَلا نَصَبٌ: تعب وَلا مَخْمَصَةٌ: مجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً: إما مصدر أو اسم مكان يَغِيظُ الْكُفَّارَ: وطؤهم إياه، ونزولهم به وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا قتلا أو أسرا، أو غنيمة أو هزيمة إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ: أي كتب لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم- أعمالا صالحة وثوابا جزيلا، فهو سبحانه لا يضيع عنده شيء مهما قلّ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً: قليلة أو كثيرة وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً: في السير إلى الأعداء إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ* ثواب ما قدموه من نفقة أو قطع واد لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ: أي أحسن جزاء أعمالهم.

وأما ما يتعلق بمسجد الضرار من الايات فقد ذكرناه فيما سبق، وأما ما يتعلّق بالمسجد الذي أسس على التقوى فقد ذكرناه في أول هذا الكتاب أثناء الكلام عن مسجد قباء، والحمد لله الذي هدانا لهذا.


ملف pdf

كلمات دليلية: