غزوة بدر الكبرى_22159

غزوة بدر الكبرى من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

موقف إنساني للرسول

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى فنقلوا من مصارعهم التي كانوا بها إلى قليب «1» ببدر، وقد كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بها فدفنت، لا يسأل عن صاحبها مؤمنا أم كافرا «2» ، وهو موقف إنساني كريم لا يفعله إلا أولو العزم من الرسل، فطالما أهانوه، وسبّوه وأذاقوه وأصحابه العذاب ألوانا، وهم الذين أخرجوهم من ديارهم وأهليهم وأموالهم، ولكنها إنسانية الإسلام تعلو عن الأحقاد والانتقام. ولما طرحوهم ولم يبق إلا أمية بن خلف، وقد كان رجلا بدينا فانتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه، فأقروه وحفروا له، وألقوا عليه التراب حتى واراه.

ولما مروا بعتبة بن ربيعة ليلقوه في القليب- وكان ابنه أبو حذيفة حاضرا- نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه ابنه فإذا هو كئيب قد تغيّر لونه، فقال:

«يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟» ، فقال: (لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك) ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا.

,

غزوة حنين

«1»

لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، ودانت له قريش فزعت هوازن وثقيف وقالوا: قد فرغ محمد لقتالنا، فلنغزه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولّوا عليهم مالك بن عوف النّصري، فاجتمع إليه هوازن، وثقيف، ونصر، وجشم، وسعد بن بكر قوم السيدة حليمة السعدية، وناس من بني هلال، ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب، وكان معهم دريد بن الصّمّة، وكان معروفا بشدة البأس في الحرب وأصالة الرأي، إلا أنه كان كبيرا فلم يكن له إلا الرأي والمشورة.

وكان رأي مالك بن عوف أن يخرجوا ووراءهم النساء والذراري والأموال حتى لا يفروا، فلما علم بذلك دريد سأله: لم ذلك؟ فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك!! ولكنه لم يستمع لمشورته.

,

خروج رسول الله

فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أجمعوا عليه خرج إليهم لخمس خلون من شوال من هذا العام وقيل لست، ليغزوهم قبل أن يغزوه في اثني ألفا، منهم العشرة الالاف الذين كانوا في فتح مكة، وألفان من الأعراب والطلقاء، والمؤلفة قلوبهم والنساء يرجون الغنائم، وخرج في الجيش ثمانون من المشركين، منهم:

__________

(1) حنين مصغرا واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا من جهة عرفات.

صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، واستخلف النبي على مكة عتّاب بن أسيد «1» الأموي العبشمي، وكان عمره عشرين عاما.

,

استعارة دروع صفوان

وكان ذكر لرسول الله أن عند صفوان بن أمية دروعا وسلاحا، فلما عزم الأمر أرسل إليه وهو يومئذ مشرك، فقال: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلق به عدونا غدا» ، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة» ، فأعاره مائة درع بما يكفيها من السلاح، وسأله رسول الله أن يكفيهم حملها ففعل، فلما تمت الموقعة جمعت دروع صفوان فوجدوا أن بعضها فقد، فعرض عليه رسول الله أن يضمنها له، فأبى وقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب.

,

مسيرة الجيش

وسار رسول الله حتى كان قريبا من معسكر العدو صف الغزاة، وعقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وكذلك فعل مع القبائل الاخرى.

وركب النبي بغلته ولبس درعين والبيضة والمغفر، واغتر بعض المسلمين بهذه الكثرة الكاثرة حتى قال: لن نهزم اليوم من قلة.

وفي الطريق إلى حنين مرّوا بذات أنواط «2» فقال بعض حديثي العهد بالإيمان: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر!! قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى:

اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إنها السنن، لتركبنّ سنن من كان قبلكم» .

__________

(1) قال في المصباح المنير: «وأسد أسيد مثل كريم أي متأسد جريء وبه سمي، ومنه: عتاب بن أسيد» ، وعتاب بتشديد التاء صيغة مبالغة ثم سمي به، وعبشمي: نسبة إلى عبد شمس.

(2) شجرة عظيمة كانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب، يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما.

,

من ثبت مع الرسول

وثبت مع رسول الله عدا هذين رهط من المهاجرين، وال البيت، منهم:

أبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، والفضل وقثم ولدا العباس، وأسامة بن زيد، وأيمن ابن أم أيمن. ولكن ماذا تفعل هذه القلة في هذا البحر اللجي من جيش الأعداء؟ فتفتق عقل النبي عن هذا الأمر الحكيم، فقد أمر عمه العباس- وكان رجلا جسيما صيّتا- أن ينادي: يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة. فنادى بها.

,

استجابة المسلمين

وحركت هذه الكلمات ذات الذكريات مكامن الإيمان والشجاعة في النفوس، وأزالت ما غشي النفوس من هلع وفزع، فثاب الفارون إلى رشدهم، وأجابوه: لبيك، لبيك، وجعل الرجل منهم إذا لم يستطع أن يلوي عنق بعيره ينزل عنه، ويأخذ سيفه ورمحه ويؤم الصوت، حتى تجمع حول الرسول عدد كبير.

,

الان حمي الوطيس

واشتد القتال، وأشرف رسول الله على المعركة فقال: «الان حمي الوطيس» «1» ، وأمد الله المؤمنين بجند من عنده، واشتدت مطاردة المسلمين للفلول المنهزمة من هوازن وثقيف، وما هي إلا ساعة حتى انهزم المشركون، وجيء بالأسارى وهم مكتفون، وأفاء الله على رسوله والمؤمنين أموالهم وأبناءهم ونساءهم، وقتل من المشركين عدد غير قليل منهم دريد بن الصمة.

وممن قاتل في هذا اليوم قتال الأبطال السادة علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، فقد جرح جراحات بالغة، وأبو قتادة حتى سمّاه الصديق أسدا من أسد الله. وهكذا بفضل ثبات النبي كان النصر بعد الهزيمة، ولولا ثبات الرسول لما تجمع الأبطال حول سيدهم، ولما ثاب المسلمون إلى نبيهم، وقد

__________

(1) أي اشتدت رحى الحرب وهي من الكلم التي لم يسبق النبي إليها.

كان لهذا النصر أثره في نفوس كثير ممن بقي من أهل مكة على شركهم، فأسلموا لما عاينوا نصر الله لنبيه، وإعزازه لدينه، وفي غزوة حنين أنزل الله سبحانه قوله:

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «1» .

تشفّي بعض الأعراب وضعفاء الإيمان

ولما انهزم المسلمون تكلم بعض جفاة الأعراب، ومن كانوا حديثي عهد بالإسلام بكلام ينم عن التشفي والشماتة، فقال كلدة بن الحنبل- وهو أخ لصفوان بن أمية لأمه-: ألا بطل السحر اليوم!! فقال له صفوان- وكان لا يزال مشركا في المدة التي جعل له فيها الرسول الخيار-: اسكت، فضّ الله فاك، فو الله لأن يربّني- يملكني- رجل من قريش أحب إلي من أن يربّني رجل من هوازن!!

ومر رجل قرشي بصفوان بن أمية فقال له: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه فو الله لا يجبرونها أبدا، فزجره أمية وقال: تبشرني بظهور الأعراب؟! وقال عكرمة بن أبي جهل لهذا الرجل: الأمر ليس بيدك، الأمر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء، إن أديل عليه اليوم فإن العاقبة له غدا!! فقال سهيل بن عمرو: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال عكرمة: يا أبا يزيد إنا كنا على غير شيء، وعقولنا ذاهبة نعبد حجرا لا يضر ولا ينفع!! وقال أبو سفيان بن حرب:

لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. وقد أكذب الله كل هذه الأماني، وكانت العاقبة للرسول والمؤمنين.

__________

(1) سورة التوبة: الايات 25- 27.

,

موقف إنساني للرسول

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة مقتولة قتلها خالد بن الوليد، والناس واقفون عليها ينظرون ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله على راحلته، فانفرجوا عنها، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» ، وقال لأحدهم: «الحق خالدا فقل له: لا يقتلن وليدا ولا امرأة ولا عسيفا» أي أجيرا.

,

حنين درس في التربية النفسية

وقد كانت حنين درسا أفاد منه المسلمون، فقد كان في الجيش أخلاط كثيرون من المشركين والأعراب، والمؤلّفة قلوبهم، وهؤلاء لا يقاتلون عن عقيدة وإخلاص، وإنما يقاتلون لمغنم أو عصبية. كما كانت درسا في التربية النفسية علم المسلمين أن النصر ليس بكثرة العدد والعدة، وأن الاغترار بذلك ليس من أخلاق الإسلام، فها هم لما اغتروا بكثرتهم كانت الهزيمة، وذلك ليكون المسلمون على صلة قوية بالله، فلا يلهيهم العدد والعدة عن تذكر الله، والتوكل عليه، فليتوكلوا على الله، ثم ليأخذوا ما استطاعوا في إعداد العدة للأعداء حسبما أمر الله به في قوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ... ، وقد أشار الله إلى هذا المعنى بقوله: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ «1» ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «2» .

,

غنائم حنين

وأمر رسول الله بجمع السبي من النساء والذراري والغنائم من الإبل والغنم والمال، وكانت نحو أربعة وعشرين ألف بعير، وأكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة الاف أوقية من الفضة، وأمر أن تساق إلى الجعرّانة فتحبس هناك ريثما تقسم، وجعل على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري.

__________

(1) سورة ال عمران: الاية 126.

(2) سورة الأنفال: الاية 10.

,

من استشهد من المسلمين

وممن استشهد في حنين أيمن بن عبيد ابن أم أيمن مولاة رسول الله وحاضنته، وزيد بن زمعة بن الأسود جمح به فرسه فمات، وسراقة بن الحباب الأنصاري.


تحميل : غزوة بدر الكبرى_22159

كلمات دليلية: