غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

إسلام بعض العبيد

وأمر رسول الله من يؤذن في ثقيف: أن من خرج إلينا من العبيد فهو حر، فخرج إليهم جماعة بعد أن تسوروا الحصن، منهم أبو بكرة «2» نفيع بن مسروح الحبشي، وكان عبدا للحارث بن كلدة فتبناه، فمن ثمّ ذكر في نسبه أنه نفيع بن

__________

(1) الطائف بلد كثير الأعناب والنخيل على ثلاث مراحل من مكة.

(2) كان عبدا لال يسار بن مالك من ثقيف، وقال الواقدي: كان مولى يسار نفسه.

الحارث. والمنبعث، ويحنس، ووردان في رهط من رقيقهم يبلغ ثلاثة وعشرين رجلا، فأسلموا فأعتقهم رسول الله، ودفع كل واحد منهم إلى رجل من المسلمين يعوله ويحمله. فلما قدم أهل الطائف بعد مسلمين قالوا يا رسول الله:

ردّ علينا رقيقنا فقال: «لا، أولئك عتقاء الله» «1» .

,

الرمي بالمنجنيق واستعمال الدبابات

ثم أمر رسول الله برميهم بالمنجنيقات «2» وذكر ابن هشام أن رسول الله أول من رمى به، وكان أول استعمالهم له في حصار الطائف، ويقال إن سلمان الفارسي هو الذي أشار به وعمله بيده، ورأى المسلمون أن يستعملوا الدبابات «3» ليتوصلوا بها إلى نقب الحصن وتقويض أساسه، فيسهل عليهم الدخول والتلاقي مع الأعداء وجها لوجه، فدخل نفر من الصحابة تحت دبابة ثم زحفوا إلى جدار الحصن لينقبوه.

ولكن أهل الطائف كانوا من المهارة والدربة في الحرب ما أكره المسلمين على الفرار من تحتها، وعدم الاستفادة منها، ذلك أنهم أحموا قطعا من الحديد بالنار، حتى إذا انصهرت ألقوها على الدبابات فأحرقتها، ففرّ الجنود المسلمون من تحتها خيفة أن يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبال فقتلت بعضهم، وهكذا لم تفد هذه المحاولة الجادة المبتكرة في نقب الحصون والدخول منها، وهذا يدل على لون من ألوان إعداد العدة للأعداء، وعلى مبلغ تقبل النبي والصحابة واستعمالهم لكل سلاح مستطاع في الحروب.

,

تقطيع الأعناب والزروع

وكانت الطائف مشهورة بزروعها وكرومها وكانت تمثل ثروة عظيمة لأهلها، فأمر رسول الله أصحابه بتقطيعها عسى أن يكون هذا حاملا لهم على

__________

(1) البداية والنهاية ج 4 ص 348.

(2) المنجنيق الة يرمى بها الحجارة كانت تقوم مقام المدفع اليوم.

(3) الدبابة مشدّدة: الة تتخذ للحروب، فتدفع في أصل الحصن فينقبونه وهم في جوفها (قاموس) وقد كانت حينذاك تكسى بالجلود الغليظة، فلذلك أحرقتها كرات النار.

الاستسلام، وشرع المسلمون يقطعون الكروم ويحرقونها، فلما رأى المشركون أن المسلمين جادون أرسلوا إلى الرسول مع أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة أنه إن شاء فليأخذه لنفسه، أو ليدعه لله وللرحم، وكان رسول الله عطوفا رحيما فتركه لهم.

,

مشورة نوفل بن معاوية الدئلي

ولما طال حصار الطائف استشار رسول الله نوفل بن معاوية الدئلي فقال:

«ما رأيك في المقام عليهم» ؟ فقال: يا رسول الله، ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.

وكان رسول الله قد رأى رؤيا قصّها على صاحبه أبي بكر قال: «إني رأيت كأني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها» ، فقال الصدّيق ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله: «وأنا لا أرى ذلك» . ولما نما إلى الفاروق عمر ما قاله رسول الله أنه لم يؤذن له في اقتحام ثقيف جاء إلى الرسول فقال: أو ما أذن فيهم؟ قال: «لا» ، فقال: أفلا أؤذّن بالرحيل؟ قال:

«بلى» ، فأذن بالرحيل.

وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يفتح الطائف، ولو أن رسول الله أقام على حصارهم لاشتدّ بهم الجهد، ولاضطروا بعد القتال إلى الاستسلام، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يؤخر الفتح عامئذ، لئلا يستأصلوا قتلا وأسرا، وقد كان رسول الله- كما هو دأبه- حريصا على عدم الإسراف في القتل وإراقة الدماء، كما كان حريصا على هدايتهم، ولما قيل له وهم قافلون من الطائف:

يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، قال: «اللهم اهد ثقيفا واكفنا مؤنتهم» .

ولو أننا رجعنا القهقرى إلى ما قبل الهجرة، وقد خرج إليهم داعيا إلى الله، وأن يؤوه حتى يبلغ رسالة ربه لرأينا أنهم ردوا عليه وكذبوه، وأغروا به الصبيان والسفهاء حتى رموه بالحجارة فأدموا عقبيه، فرجع مغموما لم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فناداه جبريل فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك

وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداه هذا الملك وقال له: أنا رسول ربك، بعثني إليك لتأمرني فيهم بما شئت: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين؟ - جبلين- فقال الرؤوف، الرحيم: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» «1» ، وكذلك استأنى بهم رسول الله بعد هذه القصة بنحو عشر سنين، وفك حصارهم، واستجاب الله دعاءه، فقدموا من العام المقبل في رمضان مسلمين.

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

,

الشيماء بنت الحارث

وكان في السبايا الشيماء بنت الحارث بن عبد العزّى أخت رسول الله من الرضاع، وكان بعض المسلمين قد عنف عليها، فقالت: والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدّقوها حتى أتوا بها رسول الله، فتعرّف عليها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، وقال لها: «إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت؟» فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها وأعطاها وردها إلى قومها ويقال: إنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجتهما، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية.

,

قسمة الغنائم

لما ردّ رسول الله السبايا على هوازن وأعطى بعضهم ما أعطى من الإبل، تخوف بعض الناس ولا سيما الأعراب أن يرد إليهم أموالهم أيضا، فألحوا على الرسول في قسمة الغنائم حتى ألجأوه إلى شجرة هناك، وخطفوا رداءه، فقال:

«ردوا علي ردائي أيها الناس، فو الذي نفسي بيده لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته فيكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» ، ثم أخذ وبرة من سنام بعير ثم رفعها بين إصبعيه وقال: «أيها الناس، والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول «1» عار وشنار على أهله يوم القيامة» . فجعل كل من أخذ شيئا من الغنيمة يرده ولو كان زهيدا. «2»

ثم خمّس رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة فأخذ الخمس لنفسه، وأعطى منه أناسا أسلموا يتألفهم بذلك، وأناسا لم يسلموا ليحببهم في الإسلام، فأعطى مائة من الإبل لكل من أبي سفيان، وابنيه: معاوية ويزيد، والحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وكان كلما أعطاه الرسول مائة استزاده حتى قال له:

«يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» «3» . وقد أثرت هذه الموعظة في نفس حكيم، فأخذ

__________

(1) في القاموس: «والخياط- ككتاب ومنبر-: ما خيط به الثوب والإبرة» ، والغلول: الخيانة في الغنيمة، يعني أدوا الخيط والإبرة.

(2) رواه البخاري.

(3) رواه البخاري.

المائة وترك ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أرزأ «1» أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يعرضان عليه العطاء فلا يأخذه.

وأعطى عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس مائة، وسهيل بن عمرو، والحارث بن كلدة وغيرهم، وأعطى غير هؤلاء دون المائة كالعباس بن مرداس، فأنشأ يقول:

أتجعل نهبي ونهب العبيد «2» ... بين عيينة والأقرع

فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع

وما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع

فقال النبي: «اقطعوا عني لسانه» فأكملوا له المائة.

وأعطى صفوان بن أمية- وكان لا يزال مشركا- عطاء كثيرا حتى قال:

ما طابت بهذا نفس أحد، وكان يقول ما زال رسول الله يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي، حتى ما خلق الله شيئا أحب إليّ منه، وكان من البواعث على إسلامه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن بعض النفوس عبيد الإحسان فتألّفهم بذلك، وهو ضرب من ضروب السياسة الشرعية الحكيمة، ولهذا جعل الشارع الحكيم للمؤلفة قلوبهم سهما في الزكاة، ونعمّا فعل الرسول، فإن كثيرين ممن لم يسلموا قد أسلموا، وكثيرين ممن أسلموا ولم تشرب قلوبهم حب الإيمان قد صاروا بعد من أجلّاء المسلمين، وأعظمهم نفعا للإسلام.

ثم قسم رسول الله الغنائم بين سائر المجاهدين فأصاب الراجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، وأصاب الفارس ثلاثة أمثال ذلك.

__________

(1) لا أرزأ: لا أنقص، يعني لن اخذ من أحد شيئا.

(2) النهب: النصيب، والعبيد بضم العين على صيغة المصغر: فرسه.

,

اعتراض بعض المنافقين

ولما قسم النبي غنائم حنين وأعطى للمؤلفة قلوبهم ما أعطى جاء رجل من المنافقين يقال له: (ذو الخويصرة) من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل، فقال الرسول: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إذا لم أعدل» ، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، دعه فإنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» !!.

وقال معتّب بن قشير- وكان منافقا-: ما أريد بهذه القسمة وجه الله، فلما أخبر بذلك رسول الله قال: «رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ولم يكن رسول الله يفعل هذا لهوى نفسه، فحاشاه من ذلك، وإنما الأمر كما قال: «إني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى» .

,

معتبة الأنصار

لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا والمؤلفة قلوبهم وغيرهم من سائر العرب ولم يعط الأنصار، وجد بعض الأحداث منهم في نفسه وقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!، فلما نميت المقالة إلى رسول الله أرسل إليهم وجمعهم في قبة واحدهم، فلما اجتمعوا قام خطيبا فيهم فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

«ما حديث بلغني عنكم» ؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ...

ثم قال: «يا معشر الأنصار، ألم اتكم ضلّالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله؟

وأعداء فألف الله بين قلوبكم» ؟ قالوا: بلى، ثم قال: «ألا تجيبون يا معشر الأنصار» ؟ قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله، فقال

النبي: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك، وخائفا فأمناك، ومخذولا فنصرناك» فقالوا: المنّ لله ولرسوله.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة- شيء يسير- من الدنيا تألّفت بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا، وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» «1» .

فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ربا وبرسوله قسما، ثم انصرفوا.

فهل سمعت في باب الاسترضاء أروع من هذه الخطبة البليغة الجامعة بين الحق والصراحة، والرقة والاستعطاف؟ وهل سمعت في تهدئة النفوس العاتية أو الثائرة مثل هذه الكلمات الرقاق التي تضرب على أوتار القلوب، وتهز المشاعر، وتستولي على الوجدان؟ ومن أعجب العجب أنك لا تجد فيها كلمة مداهنة أو مخادعة، أو كلمة مزوّقة دعت إليها المجاملة، أو عدة بالوعود الكاذبة، والأماني البراقة، كما يفعل دهاقين السياسة، وقواد الحروب، وزعماء الإصلاح ولا سيما في العصر الحديث، ولكنها النبوة التي تسمو عن كل هذا، وتأبى إلا الإذعان للحق والإقرار بالفضل لذويه.

,

عتاب بن أسيد

وقد استعمل على مكة عتّاب بن أسيد «1» وكان عمره نيّفا وعشرين سنة، وأخلف معه معاذ بن جبل ليفقه الناس في دينهم، ويعلمهم القران. ولما ولاه رسول الله مكة جعل رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله كل يوم درهما، فليست لي حاجة إلى أحد. وهذا غاية القناعة، وكان متعففا عن أموال المسلمين، روي عنه أنه قال: ما أصبت في عملي هذا الذي ولّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثوبين معقّدين «2» كسوتهما مولاي كيسان، وقد بقي واليا على مكة مدّة الصدّيق، ثم في خلافة عمر إلى سنة اثنتين وعشرين فتوفاه الله «3» .

,

الحج هذا العام

وحج الناس في هذا العام على ما كانت العرب تحج وكان أمير الحج في هذا العام عتاب بن أسيد.

__________

(1) عتاب- بتشديد التاء- ابن أسيد- بفتح أوله وكسر السين- ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد، وأمه زينب بنت عمرو بن أمية، وقد أسلم يوم الفتح كما ذكرنا. وقد استعمله النبي على مكة بعد أن رجع من الطائف، وقيل لما سار إلى حنين واستمر واليا عليها حتى مات.

(2) الثوب المعقد: نوع من ثياب هجر.

(3) الإصابة ج 2 ص 451.

,

إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى

كان كعب ممن أهدر النبي دماءهم لكثرة هجائه لرسول الله والمسلمين، فلما اب النبي إلى المدينة بعد غزوة الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب أن رسول الله لا يقتل من جاء تائبا مؤمنا، فإذا جاءك كتابي هذا فأسلم وأقبل.

وبعد مطارحة شعرية بينهما خرج كعب قاصدا المدينة، فنزل على رجل كان بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله في صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته قال له صاحبه: هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه، فقام كعب إلى رسول الله فجلس إليه، ووضع يده في يده- وكان رسول الله لا يعرفه- فقال: يا رسول الله إنّ كعب بن زهير قد جاء يستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ قال: «نعم» ، فقال: إذا أنا يا رسول الله كعب، فوثب إليه رجل من الأنصار مستأذنا رسول الله أن يضرب عنقه، فقال له: «دعه عنك فإنه جاء تائبا مسلما» ، فمن ثمّ وجد على الأنصار في نفسه، ولم يذكرهم بشيء في قصيدته. بل يقال: إنه عرض بهم في بعض شعره.

ثم أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قصيدته المشهورة الطويلة ومطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغنّ قرير العين مكحول

ومنها:

إنّ الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول

في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا

شمّ العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل

ويقال إنه لما أنشد رسول الله قصيدته أعطاه بردته، وهي التي صارت إلى الخلفاء؛ قال ابن كثير: هذا من الأمور المشهورة جدا، ولكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه فالله أعلم.

قال ابن هشام: ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده: بانت: «لولا ذكرت الأنصار بخير فإنهم لذلك أهل» ، وكانت هذه إيماءة كريمة من رسول الله بعد أن أحس غضب الأنصار عليه، فقال يمدح الأنصار:

من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالحي الأنصار

ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار همو بنو الأخيار

ومنها:

والبائعين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار


تحميل : غزوة الطائف : 8 هـ من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

كلمات دليلية: